قال ابن إسحاق: لما خرج رسول الله، ﷺ، إلى بدر، مرّ حتى وقف على شيخ من العرب فسأله عن محمد وقريش وما بلغه من خبر الفريقين.
فقال الشيخ: لا أخبركم حتى تخبروني ممن أنتم. فقال رسول الله، ﷺ: «إذا أخبرتنا أخبرناك» . فقال الشيخ: خبّرت أن قريشا خرجت من مكة وقت كذا، فإن كان الذي خبّرني صدق فهي اليوم بمكان كذا، للموضع الذي به قريش.
وخبّرت أنّ محمدا خرج من المدينة وقت كذا، فإن كان الذي خبّرني صدق فهو اليوم بمكان كذا، للموضع الذي به رسول الله ﷺ. ثم قال: من أنتم؟
فقال رسول الله ﷺ: نحن من ماء، ثم انصرف. فجعل الشيخ يقول: نحن من ماء! من ماء العراق أو ماء كذا أو ماء كذا!.
حدّثني سهل بن محمد قال: حدثني الأصمعي قال: حدّثني شيخ من بني العنبر قال: أسرت بنو شيبان رجلا من بني العنبر فقال لهم: أرسل إليّ أهلي ليفتدوني. قالوا: ولا تكلّم الرسول إلا بين أيدينا. فجاءوه برسول فقال
[ ١ / ٢٩١ ]
له: إئت قومي فقل لهم: إن الشجر قد أورق وإن النساء قد اشتكت. ثم قال له: أتعقل ما أقول لك؟ قال: نعم أعقل. قال: فما هذا؟ وأشار بيده. قال:
هذا الليل. قال: أراك تعقل. إنطلق لأهلي فقل لهم: عرّوا جملي الأصهب واركبوا ناقتي الحمراء وسلوا حارثا عن أمري. فأتاهم الرسول فأخبرهم، فأرسلوا إلى حارث فقصّ عليه القصة، فلما خلا معهم قال لهم: أمّا قوله:
«إن الشجر قد أورق» فإنه يريد أن القوم قد تسلّحوا. وقوله: «إن النساء قد اشتكت» فإنه يريد أنها قد اتخذت الشّكاء «١» للغزو، وهي أسقية، ويقال للسقاء الصغير شكوة. وقوله: «هذا الليل» يريد أنهم يأتونكم مثل الليل أو في الليل. وقوله: «عرّوا جملي الأصهب» يريد ارتحلوا عن الصّمّان. وقوله:
«اركبوا ناقتي الحمراء» يريد اركبوا الدّهناء. قال: فلما قال لهم ذلك تحوّلوا من مكانهم، فأتاهم القوم فلم يجدوا منهم أحدا.
أرسل علي بن أبي طالب ﵁ عبد الله بن عباس لما قدم البصرة فقال: ائت الزبير ولا تأت طلحة فإنّ الزبير ألين وأنت تجد طلحة كالثور عاقصا قرنه، يركب الصعوبة ويقول هي أسهل، فأقرئه السلام وقل له يقول لك ابن خالك: عرفتني بالحجاز وأنكرتني بالعراق، فما عدا ممّا بدا؟
قال ابن عباس: فأتيته فأبلغته. فقال قل له: بيننا وبينك عهد خليفة ودم خليفة، واجتماع ثلاثة وانفراد واحد، وأمّ مبرورة، ومشاورة العشرة، ونشر المصاحف، نحلّ ما أحللت ونحرّم ما حرمت.
الهيثم بن عدي قال: مرّ شبيب الخارجي على غلام في الفرات يستنقع في الماء فقال له شبيب: أخرج إليّ أسائلك. قال: فأنا آمن حتى ألبس ثوبي؟ قال: نعم. قال: فوالله لا ألبسه.
[ ١ / ٢٩٢ ]
قال الهيثم: أراد عمر ﵀ قتل الهرمزان. فاستسقى فأتي بماء فأمسكه بيده واضطرب، فقال له عمر: لا بأس عليك، إني غير قاتلك حتى تشربه. فألقى القدح، من يده وأمر عمر بقتله، فقال: أو لم تؤمنّي؟ قال: كيف امنتك؟ قال: قلت: لا بأس عليك حتى تشربه، ولا بأس أمان، وأنا لم أشربه. فقال عمر: قاتله الله! أخذ أمانا ولم نشعر به. قال أصحاب رسول الله، ﷺ: صدق.
العتبيّ: بعث يزيد بن معاوية عبيد الله بن عضاه الأشعري إلى ابن الزبير فقال له: إنّ أوّل أمرك كان حسنا فلا تفسده بآخره. فقال ابن الزبير: إنه ليست في عنقي بيعة ليزيد. فقال عبيد الله: يا معشر قريش، قد سمعتم ما قال، وقد بايعتم، وهو يأمركم بالرجوع عن البيعة.
المدائني قال: أقبل واصل بن عطاء في رفقة فلقيهم ناس من الخوارج فقالوا لهم: من أنتم؟ قال لهم واصل: مستجيرون حتى نسمع كلام الله، فأعرضوا علينا، فعرضوا عليهم فقال واصل: قد قبلنا. قالوا: فامضوا راشدين. قال واصل: ما ذلك لكم حتى تبلغونا مأمننا. قال الله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ
«١» فأبلغونا مأمننا. فجاءوا معهم حتى بلغوا مأمنهم.
وقال معاوية: لا ينبغي أن يكون الهاشميّ غير جواد ولا الأمويّ غير حليم ولا الزّبيريّ، غير شجاع ولا المخزوميّ غير تيّاه. فبلغ ذلك الحسن بن علي فقال: قاتله الله! أراد أن يجود بنو هاشم فينفد ما بأيديهم، ويحلم بنو
[ ١ / ٢٩٣ ]
أمية فيتحبّبوا إلى الناس، ويتشجّع آل الزبير فيفنوا، ويتيه بنو مخزوم فيبغضهم الناس.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي عن عيسى بن عمر قال: استقبل الخوارج بن عرباض اليهودي وهم بحرورى «١» فقال: هل خرج إليكم في اليهود شيء؟ قالوا: لا. قال: فأمضوا راشدين.
المدائني قال: لما بلغ قتيبة بن مسلم أنّ سليمان يريد عزله عن خراسان واستعمال يزيد بن المهلّب كتب إليه ثلاثة صحائف، وقال للرسول:
إدفع إليه هذه، فإن دفعها إلى يزيد فادفع إليه هذه، فإن شتمني عند قراءتها فادفع إليه الثالثة. فلما صار إليه الرسول دفع إليه الكتاب الأوّل وفيه: يا أمير المؤمنين، إن من بلائي في طاعة أبيك وطاعتك وطاعة أخيك كيت وكيت.
فدفع كتابه إلى يزيد فأعطاه الرسول الكتاب الثاني وفيه: يا أمير المؤمنين، تأمن ابن دحمة على أسرارك ولم يكن أبوه يأمنه على أمهات أولاده! فشتم قتيبة، فدفع إليه الرسول الكتاب الثالث وفيه: من قتيبة بن مسلم إلى سليمان ابن عبد الملك، سلام على من اتّبع الهدى أما بعد، فوالله لأوثّقنّ لك آخيّة «٢» لا ينزعها المهر الأرن «٣» . قال سليمان: عجّلنا على قتيبة. يا غلام، جدّد له عهده على خراسان.
لما صرف أهل مزّة الماء عن أهل دمشق ووجهوه إلى الصحارى كتب
[ ١ / ٢٩٤ ]
إليهم أبو الهندام: إلى بني استها أهل مزّة، ليمسّيني الماء أو لتصبّحنكم الخيل. فوافاهم الماء قبل أن يعتموا فقال أبو الهندام: «الصدق ينبي عنك لا الوعيد» .
ولما بايع الناس يزيد بن الوليد أتاه الخبر عن مروان ببعض التلكؤ والتربص، فكتب إليه يزيد: أمّا بعد، فإني أراك تقدّم رجلا وتؤخر أخرى فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمد على أيتهما شئت، والسلام.
ولما هزم أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد لم يدر الناس كيف يعزّونه، فدخل عليه عبد الله بن الأهتم فقال: مرحبا بالصابر المخذول، الحمد لله الذي نظر لنا عليك ولم ينظر لك علينا، فقد تعرّضت للشهادة بجهدك إلّا أنّ الله علم حاجة الإسلام إليك فأبقاك له بخذلان من كان معك لك. فصدر الناس عن كلامه.
وكتب الحارث بن خالد المخزومي- وكان عامل يزيد بن معاوية على مكة- إلى مسلم بن عقبة المرّيّ، فأتاه الكتاب وهو بآخر رمق، وفي الكتاب:
أصلح الله الأمير، إنّ ابن الزبير أتاني بما لا قبل لي به فانحزت. فقال: يا غلام أكتب إليه: أمّا بعد، فقد أتاني كتابك تذكر أنّ ابن الزبير أتاك بما لا قبل لك به فانحزت. وايم الله ما أبالي على أيّ جنبيك سقطت إلا أن شرهما لك أحبّهما إليّ، وبالله لئن بقيت لك لأنزلنّك حيث أنزلت نفسك والسلام.
أبو حاتم قال: حدّثنا العتبي قال: حدّثنا إبراهيم قال: لما أسنّ معاوية اعتراه أرق فكان إذا هوّم أيقظته نواقيس الروم، فلما أصبح يوما ودخل عليه الناس قال: يا معشر العرب، هل فيكم فتى يفعل ما آمره وأعطيه ثلاث ديات أعجّلها له وديتين إذا رجع؟ فقام فتى من غسّان فقال: أنا يا أمير المؤمنين.
[ ١ / ٢٩٥ ]
قال: تذهب بكتابي إلى ملك الروم، فإذا صرت على بساطه أذّنت. قال: ثم ماذا؟ قال: فقط. فقال: لقد كلّفت صغيرا وآتيت كبيرا. فكتب له وخرج، فلما صار على بساط قيصر أذّن، فتناجزت البطارقة واخترطوا سيوفهم فسبق إليه ملك الروم فجثا عليه وجعل يسألهم بحق عيسى وبحقهم عليه لمّا كفّوا، ثم ذهب به حتى صعد على سريره ثم جعله بين رجليه، ثم قال: يا معشر البطارقة، إن معاوية رجل قد أسنّ وقد أرق وقد آذته النواقيس، فأراد أن نقتل هذا على الأذان فيقتل من قبله منّا ببلاده على النواقيس، والله ليرجعنّ إليه بخلاف ما ظنّ. فكساه وحمله فلما رجع إلى معاوية قال: أوقد جئتني سالما؟ قال: نعم، أمّا من قبلك فلا.
وكان يقال: ما ولي المسلمين أحد إلا ملك الروم مثله إن حازما وإن عاجزا. وكان الذي ملكهم على عهد عمر هو الذي دوّن لهم الدواوين ودوّخ لهم العدوّ، وكان ملكهم على عهد معاوية يشبه معاوية في حزمه وحلمه.
وبهذا الإسناد قال: كانت القراطيس تدخل بلاد الروم من أرض العرب وتأتي من قبلهم الدنانير، وكان عبد الملك أوّل من كتب قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
«١» وذكر النبي، ﷺ، في الطّوامير «٢»، فكتب إليه ملك الروم: إنكم قد أحدثتم في طواميركم شيئا من ذكر نبيكم نكرهه فانه عنه وإلا أتاكم في دنانيرنا من ذكره ما تكرهون. فكبر ذلك في صدر عبد الملك وكره أن يدع شيئا من ذكر الله قد كان أمر به أو يأتيه في الدنانير من ذكر الرسول، ﷺ، ما يكره، فأرسل إلى خالد بن يزيد بن معاوية فقال: يا أبا هاشم، إحدى بنات طبق «٣»، وأخبره
[ ١ / ٢٩٦ ]
الخبر. فقال: ليفرخ روعك، حرّم دنانيرهم واضرب للناس سككا ولا تعفهم مما يكرهون. فقال عبد الملك: فرّجتها عنّي فرّج الله عنك.
حدّثنا الرياشيّ قال: لما هدم الوليد بن عبد الملك كنيسة دمشق كتب إليه ملك الروم: إنك قد هدمت الكنيسة التي رأى أبوك تركها فإن كان حقا فقد أخطأ أبوك، وإن كان باطلا فقد خالفته. فكتب إليه الوليد: وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ
«١» إلى آخر القصة.
حدّثنا الزيادي محمد بن زياد قال: حدّثنا عبد الوارث بن سعيد قال:
حدّثنا عليّ بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: كتب قيصر إلى معاوية: سلام عليك، أمّا بعد، فأنبئني بأحبّ كلمة إلى الله وثانية وثالثة ورابعة وخامسة، ومن أكرم عباده إليه وأكرم إمائه، وعن أربعة أشياء فيهنّ الروح لم يرتكضن في رحم، وعن قبر يسير بصاحبه ومكان في الأرض لم تصبه الشمس إلا مرة واحدة، والمجرّة ما موضعها من السماء، وقوس قزح وما بدء أمره؟.
فلما قرأ كتابه قال: اللهم العنه! ما أدري ما هذا!. فأرسل إليّ يسألني فقلت:
أمّا أحبّ كلمة إلى الله فلا إله إلا الله لا يقبل عملا إلا بها وهي المنجية، والثانية سبحان الله وهي صلاة الخلق، والثالثة الحمد لله كلمة الشكر، والرابعة الله أكبر فواتح الصلوات والركوع والسجود، والخامسة لا حول ولا قوّة إلا بالله. وأمّا أكرم عباد الله إليه فآدم خلقه بيده وعلّمه الأسماء كلّها، وأكرم إمائه عليه مريم التي أحصنت فرجها. والأربعة التي فيهنّ روح ولم يرتكضن في رحم فادم وحوّاء وعصا موسى والكبش. والموضع الذي لم تصبه الشمس إلا مرة واحدة فالبحر حين انفلق لموسى وبني إسرائيل. والقبر الذي سار بساحبه فبطن الحوت الذي كان فيه يونس.
[ ١ / ٢٩٧ ]
أبو حاتم عن العتبيّ عن أبيه قال: قدم معاوية من الشام وعمرو بن العاص من مصر على عمر فأقعدهما بين يديه وجعل يسألهما عن أعمالهما إلى أن اعترض عمرو في حديث معاوية، فقال له معاوية: أعليّ تعيب وإليّ تقصد؟ هلمّ حتى أخبر أمير المؤمنين عن عملك وتخبره عن عملي. قال عمرو: فعلمت أنه بعملي أبصر مني بعمله وأنّ عمر لا يدع أوّل هذا الحديث حتى يأتي على آخره، فأردت أن أفعل شيئا أقطع به ذلك فرفعت يدي فلطمت معاوية، فقال عمر: تالله ما رأيت رجلا أسفه منك، يا معاوية إلطمه. فقال معاوية: إنّ لي أميرا لا أقضي الأمور دونه. فأرسل عمر إلى أبي سفيان فلما رآه ألقى له وساده ثم قال معتذرا: قال رسول الله، ﷺ: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه ثمّ قصّ عليه ما جرى بين عمرو ومعاوية فقال: ألهذا بعثت إليّ؟ أخوه وابن عمه وقد أتى غير كبير، قد وهبت له ذلك.
أبو حاتم عن الأصمعي عن نافع قال: ذكر بشر بن أرطاة عليا فنال منه فضرب زيد بن عمر- وأمّه ابنة عليّ بن أبي طالب- على رأسه بعصا فشجّه فبلغ ذلك معاوية فبعث إلى زيد بن عمر: أتدري ما صنعت؟ وثبت على بشر ابن أرطاة وهو شيخ أهل الشام فضربت رأسه بعصا، لقد أتيت عظيما. ثم بعث إلى بشر فقال: أتدري ما صنعت؟ وثبت على ابن الفاروق وابن علي بن أبي طالب تسبّه وسط الناس وتزدريه، لقد أتيت عظيما. ثم بعث إلى هذا بشيء وإلى هذا بشيء.
المدائني قال: كان ابن المقفع محبوسا في خراج كان عليه وكان يعذّب، فما طال ذلك وخشي على نفسه تعيّن «١» من صاحب العذاب مائة ألف درهم فكان بعد ذلك يرفق به إبقاء على ماله.
[ ١ / ٢٩٨ ]
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي قال: قال المختار: أدعوا إليّ المهديّ محمد بن الحنفية: فلما خشي أن يجيء قال: أما إنّ فيه علامة لا تخفى، يضربه رجل بالسيف ضربة لا تعمل فيه. قال الأصمعي عرّضه لأن مجرب به.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي عن عوانة بن الحكم الكلبي قال: ولّى عليّ، ﵁، الأشتر مصر فلما بلغ العريش أتى بطرا مصر فقال له مولىّ لعثمان: (وكان يقول: أنا مولى لآل عمر): هل لك في شربة من سويق أجدحها «١» لك؟ قال: نعم. فجدح له بعسل وجعل فيها سمّا قاضيا فلما شربها يبس، فقال معاوية لما بلغه الخبر: يا بردها على الكبد! «إنّ لله جنودا منها العسل» . وقال عليّ: «لليدين وللفم» .
حدّثنا أبو حاتم عن الأصمعي عن ابن أبي الزّناد قال: نظر عليّ إلى ولد عثمان كأنهم مستوحشون فسألهم فقالوا: نرمى بالليل، فقال: من أين يأتيكم الرّمي؟ قالوا: من ههنا. فصعد عليّ ولفّ رأسه ثم جعل يرمي وقال: إذا عاد فافعلوا مثل هذا فانقطع الرمي. قال محمد بن كعب القرظيّ: جاء رجل إلى سليمان النبي ﵇ فقال يا نبيّ الله: إنّ لي جيرانا سرقوا إوزّتي فنادى:
الصلاة جامعة. ثم خطبهم فقال في خطبته: وأحدكم يسرق إوزّة جاره ثم يدخل المسجد والريش على رأسه! فمسح رجل على رأسه، فقال سليمان:
خذوه فهو صاحبكم.
أخذ الحكم بن أيوب الثّقفي عامل الحجاج إياس بن معاوية في ظنّة «٢» الخوارج، فقال له الحكم: إنك خارجي منافق وشتمه، ثم قال: ائتني بمن يكفل بك. قال: ما أجد أحدا أعرف بي منك. قال: وما علمي بك وأنا من
[ ١ / ٢٩٩ ]
أهل الشام وأنت من أهل العراق. قال إياس: ففيم هذه الشهادة منذ اليوم.
فضحك وخلّى سبيله.
دخل رجل من بني مخزوم على عبد الملك بن مروان وكان زبيريّا، فقال له عبد الملك: أليس قد ردّك الله على عقبيك؟ قال: ومن ردّ عليك فقد ردّ على عقبيه؟ فسكت عبد الملك وعلم أنه قد أخطأ.
وكان رجل من النصارى يختلف إلى الضّحّاك بن مزاحم فقال له يوما:
لو أسلمت! قال: يمنعني من ذلك حبّي للخمر. قال فأسلم واشربها. فأسلم، فقال له الضحاك: إنك قد أسلمت فإن شربت الخمر حددناك وإن رجعت عن الإسلام قتلناك. فحسن إسلامه.
دخلت أمّ أفعى العبدية على عائشة ﵂ فقالت: يا أمّ المؤمنين، ما تقولين في امرأة قتلت ابنا لها صغيرا؟ قالت: وجبت لها النار.
قالت: فما تقولين في امرأة قتلت من أولادها الأكابر عشرين ألفا؟ قالت:
خذوا بيد عدوّة الله.
العتبيّ قال: كتب يزيد بن معاوية إلى المدينة: أمّا بعد، «فإنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم» «١» وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مردّ له وما لهم من دونه من وال. إني والله قد لبستكم فأخلفتكم ورقعت بكم فاخترقتكم ثم وضعتكم على رأسي ثم على عيني ثم على فمي ثم على بطني. وايم الله لئن وضعتكم تحت قدمي لأطأنّكم وطأة أقلّ بها عددكم وأذلّ غابركم «٢» وأترككم
[ ١ / ٣٠٠ ]
أحاديث تنسخ بها أخباركم مع أخبار عاد وثمود. ثم تمثّل: [وافر]
لعل الحلم دلّ عليّ قومي وقد يستضعف الرجل الحليم
ومارست الرجال ومارسوني فمعوجّ عليّ ومستقيم
أبو حاتم قال: حدّثنا أبو عبيدة قال: أخذ سراقة «١» بن مرداس البارقيّ أسيرا يوم جبّانة «٢» السّبيع، فقدم في الأسرى فقال: [رجز]
أمنن عليّ اليوم يا خير معدّ وخير من حلّ بصحراء الجند
وخير من لبّى وصلّى وسجد «٣»
فعفا عنه المختار ثم خرج مع إسحاق بن الأشعث عليه فجيء بسراقة أسيرا فقال له المختار: ألم أعف عنك؟ أما والله لاقتلنّك. قال: إنّ أبي أخبرني أن الشام ستفتح لك حتى تهدم مدينة دمشق حجرا حجرا وأنا معك فوالله لا تقتلني. ثم أنشده: [وافر]
ألا أبلغ أبا إسحاق أنّا نزونا نزوة كانت علينا
خرجنا لا نرى الضّعفاء شيئا وكان خروجنا بطرا وحينا «٤»
نراهم في مصفّهمو قليلا وهم مثل الدّبا لمّا التقينا
فأسجح إن ملكت فلو قدرنا لجرنا في الحكومة واعتدينا
تقبّل توبة مني فإني سأشكر إن جعلت النّقد دينا
فخلّى سبيله ثم خرج إسحاق عليه ومعه سراقة فأخذ أسيرا فقال: الحمد لله الذي أمكنني منك يا عدوّ الله، فقال سراقة: ما هؤلاء الذين أخذوني! فأين
[ ١ / ٣٠١ ]
هم؟ لا أراهم! إنا لما التقينا رأينا قوما عليهم ثياب بيض على خيل بلق تطير بين السماء والأرض. فقال المختار: خلّوا سبيله ليخبر الناس. ثم عاد لقتاله وقال: [وافر]
ألا من مخبر المختار عنّي بأنّ البلق بض مصمتات «١»
أري عينيّ ما لم ترأياه كلانا عالم بالتّرّهات
كفرت بدينكم وجعلت نذرا عليّ قتالكم حتى الممات «٢»
خرج المغيرة بن شعبة مع النبيّ ﷺ في بعض غزواته وكان له عنزة «٣» يتوكأ عليها فربما أثقلته فيرمي بها قارعة الطريق فيمرّ بها المارّ فيأخذها، فإذا صار إلى المنزل عرفها فأخذها المغيرة ففطن له عليّ ﵁ فقال:
لأخبرنّ النبي ﷺ، فقال: لئن أخبرته لا تردّ بعدها ضالة أبدا. فأمسك عليّ.