قال: حدّثني أحمد بن الخليل قال: حدّثنا عبد الأعلى عن داود بن عطاء عن ابن خثيم عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد أنّ رسول الله ﷺ قال: «ألا أخبركم بشراركم «٢» قالوا: بلى، قال: من شراركم المشّاؤون بالنّميمة المفسدون بين الأحبّة الباغون البرآء العنت» .
قال: وحدّثني حسين بن الحسن المروزيّ قال: حدّثنا عبد الله بن المبارك قال: أخبرنا الأجلح عن الشّعبيّ قال: سمعت النعمان بن بشير يقول على المنبر: يا أيّها الناس خذوا على أيدي سفهائكم، فإنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ قوما ركبوا البحر في سفينة، واقتسموها فأصاب كلّ واحد منهم مكان، فأخذ رجل منهم الفأس فنقر مكانه، فقالوا: ما تصنع؟ فقال: مكاني أصنع به ما شئت، فإن أخذوا على يديه نجا ونجوا، وإن تركوه غرقوا وغرق» .
بلغني عن حمّاد بن زيد عن ابن عون قال: قال أبو الدرداء؛ ليس من يوم أصبح فيه لا يرميني الناس بداهية إلا كان نعمة من الله عليّ. وقال حسان: قلت شعرا لم أقل مثله [طويل]
وإنّ امرءا أمسى وأصبح سالما من الناس إلا ما جنى لسعيد
[ ٢ / ١٦ ]
وبلغني عن ابن عيينة قال: قال مسعر: ما نصحت أحدا قطّ إلّا وجدته يفتّش عن عيوبي. وقال بعضهم: من عاب سفلة «١» فقد رفعه، ومن عاب شريفا فقد وضع نفسه. وقال عمر بن الخطاب: أحبّ الناس إليّ من أهدى إليّ عيوبي.
أحمد بن يونس عن الفضيل أنه سمعه يقول: إن الفاحشة لتشيع في الذين آمنوا حتى إذا صارت إلى الصالحين صاروا لها خزّانا. قال وسمعته يقول أيضا: حسناتك من عدوّك أكثر منها من صديقك، لأن عدوّك إذا ذكرت عنده يغتابك وإنما يدفع إليك المسكين حسناته.
محمد بن عبد الله الأنصاريّ قال: حدّثنا ابن عون قال: مرّ ابن سيرين بقوم فقام إليه رجل فقال: يا أبا بكر، إنا قد نلنا منك فحلّلنا، فقال: إني لا أحلّ لك ما حرّم الله عليك، فأما ما كان إليّ فهو لك.
محمد بن مسلم الطائفيّ قال: جاء رجل إلى ابن سيرين فقال: بلغني أنك نلت منّي، فقال: نفسي أعزّ عليّ من ذلك.
الوليد بن مسلم عن الأوزاعيّ عن بلال بن سعد قال: أخ لك كلّما لقيك أخبرك بعيب فيك خير لك من أخ لك كلّما لقيك وضع في كفّك دينارا.
شريك عن عقيل قال: قال الحسن: لا غيبة إلا لثلاثة: فاسق مجاهر بالفسق، وذي بدعة، وإمام جائر. وكان يقال: من اغتاب خرق ومن استغفر الله رفأ «٢» وفي بعض الحديث أن رسول الله ﷺ قال: «إذا عاب أحدكم أخاه
[ ٢ / ١٧ ]
فليستغفر الله» . كان يقال: إياك وما يصمّ الأذن. العتبيّ قال: قال الوليد بن عتبة بن أبي سفيان: كنت أساير أبي ورجل يقع في رجل، فالتفت إليّ أبي فقال: يا بنيّ نزّه سمعك عن استماع الخنى «١» كما تنزّه لسانك عن الكلام به، فإن المستمع شريك القائل، ولقد نظر إلى أخبث ما في وعائه فأفرغه في وعائك، ولو ردّت كلمة جاهل في فيه لسعد رادّها كما شقي قائلها.
فضيل بن عياض قال: حدّثنا عبد الله بن رجاء عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب قال: إذا أراد الله بعبد خيرا زهّده في الدنيا وفقّهه في الدّين وبصّره عيوبه. قال فضيل: وربما قال الرجل: لا إله إلا الله؛ أو سبحان الله فأخشى عليه النار، قيل: وكيف ذلك؟ قال: يغتاب بين يديه ويعجبه ذلك فيقول: لا إله إلا الله، وليس هذا موضعه، إنّما موضع هذا أن ينصح له في نفسه ويقول له: اتّق الله.
في الحديث المرفوع أنّ امرأتين صامتا على عهد النبيّ ﵇ وجعلتا تغتابان الناس، فأخبر النبيّ ﷺ بذلك فقال: «صامتا عمّا أحلّ لهما وأفطرتا على ما حرّم الله عليهما»، وقال حمّاد بن سلمة: ما كنت تقوله للرجل وهو حاضر فقلته من خلفه فليس بغيبة.
عاب رجل رجلا عند بعض الأشراف فقال له: قد استدللت على كثرة عيوبك بما تكثر من عيب الناس، لأنّ الطالب للعيوب إنّما يطلبها بقدر ما فيه منها. قال بعض الشعراء. [وافر]
وأجرأ من رأيت بظهر غيب على عيب الرجال ذوو العيوب
وأنشد ابن الأعرابيّ [سريع]
[ ٢ / ١٨ ]
اسكت ولا تنطق فأنت خيّاب «١» كلّك ذو عيب وأنت عيّاب
وأنشدني أيضا [سريع]
ربّ غريب ناصح الجيب وابن أب متّهم الغيب «٢»
وكلّ عيّاب له منظر مشتمل الثّوب على العيب
وكان عتبة بن عبد الرحمن يغتاب الناس ولا يصبر، ثم ترك ذلك، فقيل له: أتركتها؟ قال: نعم، على أنّي والله أحبّ أن أسمعها.
أتى رجل عمرو بن مرثد فسأله أن يكّلم له أمير المؤمنين، فوعده أن يفعل، فلما قام قال بعض من حضر: إنه ليس مستحقا لما وعدته، فقال عمرو: إن كنت صدقت في وصفك إياه فقد كذبت في ادّعائك مودّتنا؛ لأنه إن كان مستحقّا كانت اليد موضعها، وإن لم يكن مستحقا فما زدت على أن أعلمتنا أنّ لنا بمغيبنا عنك مثل الذي حضرت به من غاب من إخواننا.
وفي الحديث: «إنّ الغيبة أشدّ من الزنا. قيل: كيف ذلك؟ قال: لأنّ الرجل يزني فيتوب، فيتوب الله عليه، وصاحب الغيبة لا يغفر له حتّى يغفر له صاحبها» .
قال رجل للحسن: يا أبا سعيد، إنّي اغتبت رجلا وأريد أن أستحلّه، فقال له: لم يكفك أن اغتبته حتى أردت أن تبهته. إغتاب رجل رجلا عند قتيبة بن مسلم فقال له قتيبة: أمسك أيها الرجل، فوالله لقد تلمّظت بمضغة طالما لفظها الكرام.
[ ٢ / ١٩ ]
مرّ رجل بجارين له ومعه ريبة، فقال أحدهما لصاحبه: أفهمت ما معه من الرّيبة؟ فقال الآخر: غلامي حرّ لوجه الله شكرا له إذا لم يعرّفني من الشرّ ما عرّفك.
شعبة عن يحيى بن الحصين عن طارق قال: دار بين سعد بن أبي وقّاص وبين خالد بن الوليد كلام، فذهب رجل ليقع في خالد عند سعد، فقال سعد:
مه، إن ما بيننا لم يبلغ ديننا. أي عداوة وشرّ. وقال الشاعر «١» [متقارب]
ولست بذي نيرب في الكرام، ومنّاع خير، وسبّابها «٢»
ولا من إذا كان في جانب «٣» أضاع العشيرة واغتابها
ولكن أطاوع ساداتها ولا أتعلّم «٤» ألقابها
وقال آخر [بسيط]
لا يأمل الجار خيرا من جوارهم ولا محالة من هزء وألقاب
وقال الفرزدق [طويل]
تصرّم منّي ودّ بكر بن وائل وما خلت عنّي ودّهم يتصرّم
قوارص تأتيني ويحتقرونها وقد يملأ القطر الإناء فيفعم «٥»
[ ٢ / ٢٠ ]
أنشد أبو سعيد الضرير لبعض الضّبّيين [طويل]
ألا ربّ من يغتابني ودّ أنّني أبوه الذي يدعى إليه وينسب
على رشدة من أمه أو لغيّة فيغلبها فحل على النسل منجب
فبالخير لا بالشرّ فاطلب مودّتي وأيّ امرىء يغتال منه التّرهّب
وقال آخر في نحوه: [طويل]
ولما عصيت العاذلين ولم أبل ملامتهم ألقوا على غاربي حبلي
وهازئة منّي تودّ لو ابنها على شيمتي أو أنّ قيّمها مثلي
قيل لبزر جمهر: هل من أحد ليس فيه عيب؟ قال: لا، إن الذي لا عيب فيه لا ينبغي أن يموت. وقال في مثل هذا موسى «١» شهوات [خفيف]
ليس فيما بدا لنا منك عيب عابه الناس غير أنك فاني
أنت خير المتاع لو كنت تبقى غير أن لا بقاء للإنسان
وقال أبو الأسود «٢» الدؤليّ: [كامل]
وترى الشّقيّ إذا تكامل غيبه يرمى ويقرف «٣» بالذي لم يفعل
[ ٢ / ٢١ ]
لقي بكر بن عبد الله أخا له فقال: إذا أردت أن تلقى من النّعمة عليك أعظم منها عليه وهو أشكر للنّعمة لقيته، وإذا شئت أن تلقى من أنت أعظم منه جرما وهو أخوف لله منك لقيته. أرأيت لو صحبك رجلان: أحدهما مهتوك لك ستره ولا يذنب ذنبا إلا رأيته ولا يقول هجرا إلا سمعته فأنت تحبّه على ذلك وتوافقه وتكره أن تفارقه، والآخر مستور عنك أمره غير أنك تظنّ به السوء فأنت تبغضه، أعدلت بينهما؟ قال: لا؛ قال: فهل مثلي ومثلك ومثل من أنت راء من الناس إلا كذلك؟ إنا نعرف الحقّ في الغيب من أنفسنا فنحبّها على ذلك، ونتظنّن الظّنون على غيرنا فنبغضهم على ذلك. ثم قال: أنزل الناس منك ثلاث منازل، فاجعل من هو أكبر منك سنّا بمنزلة أبيك، ومن هو تربك بمنزلة أخيك، ومن هو دونك بمنزلة ولدك، ثم انظر أيّ هؤلاء تحبّ أن تهتك له سترا أو تبدي له عورة!.
سعيد بن واقد المزنيّ قال: حدّثنا صالح بن الصّقر عن عبد الله بن زهير قال: وفد العلاء «١» بن الحضرميّ على النبيّ ﷺ فقال: «أتقرأ من القرآن شيئا؟ فقرأ عبس وزاد فيها من عنده؛ وهو الذي أخرج من الحبلى، نسمة تسعى، من بين شراسيف «٢» وحشى؛ فصاح به النبيّ ﷺ وقال له: كفّ فإنّ السورة كافية» . ثم قال: هل تروي من الشّعر شيئا فأنشده: [طويل]
حيّ ذوي الأضغان تسب قلوبهم تحيّتك القربى فقد ترقع النّعل
وإن دحسوا «٣» بالكره فاعف تكرّما وإن خنسوا عنك الحديث فلا تسل
[ ٢ / ٢٢ ]
فإنّ الذي يؤذيك منه سماعه وإنّ الذي قالوا وراءك لم يقل «١»
فقال النبي ﵇: «إنّ من الشّعر حكما وإنّ من البيان سحرا» .
وحدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ: قال: قال رجل لبكر بن محمد بن علقمة: بلغني أنك تقع فيّ؛ قال: أنت إذا أكرم عليّ من نفسي!. وقال بعض الشعراء: [بسيط]
لا تلتمس من مساوي الناس ما ستروا فيكشف الله سترا عن مساويكا
واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا ولا تعب أحدا منهم بما فيكا
وقال أبو الدرداء: لا يحرز الإنسان من شرار الناس إلا قبره.
قال عمر بن عبد العزيز لمزاحم مولاه: إن الولاة جعلوا العيون على العوامّ وأنا أجعلك عيني على نفسي، فإن سمعت منّي كلمة تربأ بي عنها أو فعالا لا تحبّه فعظني عنده وانهني عنه.
العتبيّ قال: تنقّص ابن لعامر بن عبد الله بن الزبير عليّ بن أبي طالب ﵇؛ فقال له أبوه: لا تتنقّصه يا بنيّ، فإنّ بني مروان ما زالوا يشتمونه ستّين سنة فلم يزده الله إلا رفعة، وإن الدّين لم يبن شيئا فهدمته الدنيا، وإن الدنيا لم تبن شيئا إلا عادت على ما بنت فهدمته. وقال بعض الشعراء «٢»: [كامل]
إبدأ بنفسك فانهها عن غيّها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
[ ٢ / ٢٣ ]
فهناك تعذر إن وعظت ويقتدى بالقول منك ويقبل التعليم
لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك، إذا فعلت، عظيم «١»
وقال آخر: [طويل]
ويأخذ عيب الناس من عيب نفسه مراد لعمري ما أراد قريب
وقال آخر: [طويل]
لك الخير، لم نفسا عليك ذونوبها ودع لوم نفس ما عليك تليم «٢»
وكيف ترى في عين صاحبك القذى ويخفى قذى عينيك وهو عظيم
كان رجل من المتزمّتين «٣» لا يزال يعيب النبيذ وشرابه فإذا وجده سرّا شربه؛ فقال فيه بعض جيرانه: [طويل]
وعيّابة للشّرب لو أنّ أمّه تبول نبيذا لم يزل يستبيلها
قال رجل لعمرو بن عبيد: إني لأرحمك مما تقول الناس فيك؛ قال:
أفتسمعني أقول فيهم شيئا؟ قال: لا؛ قال: إيّاهم فارحم.
قال أعرابيّ لامرأته: [متقارب]
وإمّا هلكت فلا تنكحي ظلوم العشيرة حسّادها
يرى مجده ثلب أعراضها لديه ويبغض من سادها «٤»
[ ٢ / ٢٤ ]