حدّثني إبراهيم بن مسلم قال: حدّثنا أبو السّكين قال: حدّثني عمّ أبي زحر بن حصن قال: قال رجل للحجّاج: أصلح الله الأمير، كيف وجدت منزلك بالعراق؟ قال: خير منزل لو كان الله بلّغني أربعة فتقرّبت بدمائهم إليه.
قال: ومن هم؟ قال: مقاتل بن مسمع، ولي سجستان فأتاه الناس فأعطاهم الأموال، فلمّا عزل دخل مسجد البصرة فبسط الناس له أرديتهم فمشى عليها، وقال لرجل يماشيه: لمثل هذا فليعمل العاملون. وعبيد الله بن زياد بن ظبيان
[ ١ / ٣٨١ ]
التميميّ، حزب أهل البصرة أمر فخطب خطبة أوجز فيها، فنادى الناس من أعراض المسجد: أكثر الله فينا أمثالك. فقال: لقد كلّفتم الله شططا. ومعبد ابن زرارة، وكان ذات يوم جالسا في طريق، فمرّت به امرأة فقالت: يا عبد الله، كيف الطريق إلى موضع كذا، فقال: لهدّ عبد الله! أنا لهدّ؛ أراد: كفى بك أنا، يريد الفخر. وأبو سماك الأسديّ، أضلّ راحلته فالتمسها الناس فلم يجدوها، فقال: والله لئن لم يردد عليّ راحلتي لا صلّيت له أبدا، فالتمسها الناس حتى وجدوها، فقالوا: قد ردّ الله عليك راحلتك فصلّ، فقال: إن يمينى كانت صرّى «١» .
قال أبو حاتم عن الأصمعيّ عن كردين المسمعيّ. قيل لرجل متكبّر:
هل مرّت بك أحمرة؟ فقال للسائل: تلك دوّاب لا يراها عمّك. قال: وقال كردين: رآني ابن ميادة الشاعر فأعجبته لما رأى من جلدي وبياني. فقال: ممن أنت؟ قلت: من بكر بن وائل، فقال: وفي أيّ الأرض يكون بكر بن وائل؟.
قال أبو اليقظان: جلس رافع بن جبير بن مطعم في حلقة العلاء بن عبد الرحمن الخرقيّ وهو يقرىء الناس. فلما فرغ قال: أتدرون لم جلست إليكم؟
قالوا: لتسمع، قال: لا، ولكن أردت التّواضع لله بالجلوس إليكم. قال: ومرّ محمد بن المنذر بن الزّبير بن العوّام في حاجة له، فانقطع قبال «٢» نعله، فنزع الأخرى بقدمه ومضى وتركهما ولم يعرّج عليهما. قال بعض الشعراء:
[طويل]
وأعرض عن ذي المال حتى يقال لي قد احدث هذا نخوة وتعظّما
وما بي كبر «٣» عن صديق ولا أخ ولكنّه فعلي إذا كنت معدما
[ ١ / ٣٨٢ ]
قيل لبعضهم: ما الكبر. قال: حمق لم يدر صاحبه أين يضعه. قال معاوية بن أبي سفيان: قدم علقمة بن وائل الحضرميّ على رسول الله ﷺ فأمرني رسول الله أن أنطلق به إلى منزل رجل من الأنصار أنزله عليه، وكان منزله في أقصى المدينة، فانطلقت معه وهو على ناقة له وأنا أمشي في ساعة حارّة وليس عليّ حذاء، فقلت: إحملني با عمّ من هذا الحرّ فإنه ليس عليّ حذاء، فقال: لست من أرادف الملوك، قلت: إنّي ابن أبي سفيان، قال: قد سمعت رسول الله ﵇ يذكر ذلك، قال قلت: فألق إليّ نعلك، قال:
لا تقبلها قدماك ولكن امش في ظلّ ناقتي فكفاك بذلك شرفا، وإن الظلّ لك لكثير. قال معاوية: فما مرّ بي مثل ذلك اليوم قطّ ثم أدرك سلطاني فلم أؤاخذه بل أجلسته معي على سريري هذا. قال ابن يسار «١»: [متقارب]
لو لحظ الأرض لي والد تطأطأت الأرض من لحظته
وقال آخر: [طويل]
أتيه على جنّ البلاد وإنسها ولو لم أجد خلقا لتهت على نفسي
أتيه فما أدري من التّيه من أنا سوى ما يقول الناس فيّ وفي جنسي
فإن زعموا أنّي من الأنس مثلهم فما لي عيب غير أني من الأنس
وكان عند الرّستميّ قوم من التّجار فحضرت الصلاة فنهض ليصلّي فنهضوا فقال: ما لكم ولهذا وما أنتم منه! الصّلاة ركوع وسجود وخضوع، وإنما فرض الله هذا يريد به المتكبّرين والمتجبّرين والملوك والأعاظم مثلي ومثل فرعون ذي الأوتاد ونمروذ وأنو شروان. وكان يقال: من رضي عن نفسه
[ ١ / ٣٨٣ ]
كثر الساخطون عليه. قال الحسن: ليس بين العبد وبين ألّا يكون فيه خير إلّا أن يرى أن فيه خيرا. رأى رجل رجلا يختال في مشيته ويتلفّت في أعطافه، فقال: جعلني الله مثلك في نفسك ولا جعلني مثلك في نفسي. قيل لعبد الله ابن المبارك: رجل قتل رجلا فقلت إني خير منه، فقال: ذنبك أشدّ من ذنبه.
قال الأحنف: عجبت لمن جرى في مجرى البول مرتين كيف يتكبّر. ابن عليّة عن صالح بن رستم عن رجل عن مطرّف، قال: لأن أبيت نائما وأصبح نادما أحبّ إليّ من أن أبيت قائما وأصبح معجبا. وقال هشام بن حسان. سيئة تسوءك خير من حسنة تعجبك. قال أبو حازم: إن الرجل ليعمل السيئة ما عمل حسنة قطّ أنفع له منها وإنّه ليعمل الحسنة ما عمل سيئّة قط أضرّ عليه منها.
قال الشاعر: [طويل]
أمّا ابن فروة يونس فكأنّه من كبره أير الحمار القائم
ما الناس عندك غير نفسك وحدها والناس عندك ما خلاك بهائم
قال المسعوديّ: [طويل]
مسّا تراب الأرض منها خلقتما وفيها المعاد والمصير إلى الحشر
ولا تعجبا أن ترجعا فتسلّما فما خشي الأقوام شرّا من الكبر
ولو شئت أدلى فيكما غير واحد علانية أو قال عندي في ستر
فإن أنا لم آمر ولم أنه عنكما ضحكت له حتى يلحّ ويستشري
الأصمعي قال: قال رجل: ما رأيت ذا كبر قطّ إلا تحوّل داؤه فيّ، يريد أني أتكبّر عليه. وقال آخر: ماتاه أحد قطّ عليّ مرتين، يريد إذا تاه مرة لم أعاوده. قال الشاعر: [بسيط]
يا مظهر الكبر إعجابا بصورته أنظر خلاءك إن النّتن تثريب
[ ١ / ٣٨٤ ]
لو فكر الناس فيما في بطونهم ما استشعر الكبر شبّان ولا شيب
هل في ابن آدم غير الرأس مكرمة وهو بخمس من الأقذار مضروب؟
أنف يسيل وأذن ريحها سهك والعين مرمصة والثغر ملعوب «١»
يا ابن التراب ومأكول التراب غدا أقصر فإنك مأكول ومشروب
دفع أردشير الملك إلى رجل كان يقوم على رأسه كتابا، وقال له: إذا رأتني قد اشتدّ غضبي فادفعه إليّ، وفي الكتاب: أمسك فلست بإله إنما أنت جسد يوشك أن يأكل بعضه بعضا ويصير عن قريب للدّود والتراب. كان للسّنديّ والي الجسر غلام صغير قد أمره بأن يقوم إليه إذا ضرب الناس بالسّياط فيقول له: ويلك يا سنديّ، أذكر القصاص. كتب إبراهيم «٢» بن العباس إلى محمد بن عبد الملك «٣»: [طويل]
أبا جعفر، عرّج على خلطائكا وأقصر قليلا عن مدى غلوائكا
فإن كنت قد أعطيت في اليوم رفعة فإنّ رجائي في غد كرجائكا «٤»
قال لي بعض أصحابنا وأحسبه محمد بن عمر: سمعت رجلا ينشد: [متقارب]
ألا ربّ ذي أجل قد حضر طويل التمنّي قليل الفكر
إذا هزّ في المشي أعطافه تبيّنت في منكبيه البطر
[ ١ / ٣٨٥ ]
قال: فغدوت عليه لأكتب تمام القصيدة فوجدته قد مات. المدائنيّ قال: رأيت فلانا مولى باهلة يطوف بين الصفا والمروة على بغلة ثم رأيته بعد ذلك راجلا في سفر، فقلت له: أراجل في هذا الموضع؟ قال: نعم، إني ركبت حيث يمشي الناس فكان حقّا على الله أن يرجلني حيث يركب الناس.
وقال أبو نواس في جعفر بن يحيى البرمكي: [طويل]
وأعظم زهوا من ذباب على خرء وأبخل من كلب عقور على عرق
ولو جاء غير البخل من عند جعفر لما وضعوه النّاس إلا على حمق
وقال آخر: [متقارب]
ألجّ لجاجا من الخنفساء وأزهى إذا ما مشى من غراب «١»
قيل لرجل من بني عبد الدار: ألا تأتي الخليفة، قال: أخشى ألّا يحمل الجسر شرفي. وقيل له: البس شيئا فإن البرد شديد، فقال: حسبي يدفئني.
قال أبو اليقظان: كان الحجّاج استعمل بلالا الضّبيّ على جيش وأغزاه قلاع فارس، وكان يقال لذلك الجيش: بيبي «٢»، سمّى بذلك لأنه فرض فرضا من أهل البصرة فكان أهلوهم وأمهاتهم يأتونهم يقولون: بيبي. وفي جيشه قال الشاعر: [طويل]
إلى الله أشكو أنّني بتّ حارسا فقام بلاليّ فبال على رجلي
فقلت لأصحابي اقطعوها فإنني كريم وإنّي لن أبلّغها رحلي
[ ١ / ٣٨٦ ]
مدّ أعرابي يده في الموقف وقال: اللهمّ إن كنت ترى يدا أكرم منها فاقطعها. قال نوح: سمعت الحجّاج بن أرطاة يقول: قتلني حبّ الشرف.
وقيل له: ما لك لا تحضر الجماعة؟ قال: أكره أن يزحمني البقّالون. كان جذيمة الأبرش- وهو الوضّاح سمّي بذلك لبرص كان به- لا ينادم أحدا ذهابا بنفسه، وقال: أنا أعظم من أن أنادم إلا الفرقدين «١»، فكان يشرب كأسا ويصبّ لكلّ واحد منهما في الأرض كأسا، فلما أتاه مالك «٢» وعقيل بابن أخته الذي استهوته الشياطين قال لهما: إحتكما، فقالا له: منادمتك، فنادماه أربعين سنة يحادثانه فيها ما أعادا عليه حديثا. وفيهما يقول متمّم «٣» بن نويرة: [طويل]
وكنّا كندماني جذيمة حقبة من الدّهر حتى قيل لن نتصدّعا «٤»
وقال الهذليّ: [طويل]
ألم تعلمي أن قد تفرّق قبلنا خليلا صفاء مالك وعقيل «٥»
قيل لإياس بن معاوية: ما فيك عيب إلا أنك معجب، قال: أفأعجبكم؟
قالوا: نعم قال: فأنا أحقّ أن أعجب بما يكون منّي. ويقال: للعادة سلطان
[ ١ / ٣٨٧ ]
على كلّ شيء، وما استنبط الصواب مثل المشاورة، ولا حصّنت النّعم بمثل المواساة، ولا اكتسبت البغضة بمثل الكبر.