حدّثني أحمد بن الخليل قال: حدّثنا سليمان بن داود عن مسلمة بن علقمة عن داود بن أبي هند عن شهر بن حوشب عن الزّبرقان عن النّواس بن سمعان قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يصلح الكذب إلا في ثلاثة مواضع:
الحرب فإنها خدعة والرجل يصلح بين اثنين والرجل يرضي امرأته» .
حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا بربر بن هارون قال: أخبرنا سفيان ابن حسين عن الزهريّ عن حميد بن عبد الرحمن عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «لم يكذب من قال خيرا وأصلح بين اثنين» .
[ ٢ / ٣٠ ]
قال: حدّثني عبدة بن عبد الله قال: حدّثنا أبو داود عن عمران عن قتادة قال: قال أبو الأسود الدؤليّ: إذا سرّك أن تكذب صاحبك فلقّنه.
حدّثني محمد بن داود عن سويد بن سعيد عن مالك عن صفوان بن سليم قال: قيل للنبيّ ﷺ: «أيكون المؤمن جبانا؟ قال: نعم قال: أفيكون بخيلا؟ قال: نعم قال: أفيكون كذّابا؟ قال: لا» . قال: حدّثني سهل بن محمد عن الأصمعيّ قال: عاتب إنسان كذّابا على الكذب؛ فقال: يا ابن أخي، لو تغرغرت «١» به ما صبرت عنه. قال: وقيل لكذوب: أصدقت قطّ؟ قال: أكره أن أقول لا فأصدق. وقال ابن عبّاس: الحدث حدثان: حدث من فيك وحدث من فرجك. وقال مديني: من ثقل على صديقه خفّ على عدوّه، ومن أسرع إلى الناس بما يكرهون قالوا فيه ما لا يعلمون. ومثله قول الشاعر: [سريع]
ومن دعا الناس إلى ذمّه ذمّوه بالحقّ وبالباطل
مقالة السّوء إلى أهلها أسرع من منحدر سائل
بلغني عن وكيع عن أبيه عن منصور قال: قال مجاهد: كلّ ما أصاب الصائم شوى «٢» ما خلا الغيبة والكذب. وقال سليمان بن سعد: لو صحبني رجل فقال: اشترط خصلة واحدة لا يزيد عليها، لقلت لا تكذبني. كان ابن عبّاس يقول: الكذب فجور، والنميمة سحر، فمن كذب فقد فجر، ومن نمّ فقد سحر. وكان يقال: أسرع الاستماع وأبطىء التحقيق. قال الأحنف: ما
[ ٢ / ٣١ ]
خان شريف ولا كذب عاقل ولا اغتاب مؤمن. وكانوا يحلفون فيحنثون «١» ويقولون فلا يكذبون. ذمّ رجل رجلا فقال: اجتمع فيه ثلاثة: طبيعة العقعق «٢» يعني السّرق، وروغان الثعلب يعني الخبّ، ولمعان البرق يعني الكذب.
ويقال الأذّلاء أربعة: النّمام والكذّاب والمدين والفقير. قال ابن المقفّع: لا تهاوننّ بإرسال الكذبة في الهزل فإنها تسرع في إبطال الحقّ. وقال الأحنف:
اثنان لا يجتمعان أبدا: الكذب والمروءة. وقالوا: من شرف الصّدق أنّ صاحبه يصدّق على عدوّه. وقال الأحنف لابنه: يا بنيّ، اتّخذ الكذب كنزا؛ أي لا تخرجه. وقيل لأعرابيّ كان يسهب في حديثه: أما لحديثك هذا آخر؟
فقال: إذا انقطع وصلته. وقال ابن عمر: زعموا زاملة «٣» الكذب. كان يقال:
علّة الكذوب أقبح علّة، وزلّة المتوقّي أشدّ زلّة. كان المهلّب كذّابا وكان يقال له: راح يكذب. وفيه يقول الشاعر «٤» [وافر]
تبدلت المنابر من قريش مزونيّا بفقحته «٥» الصليب
فأصبح قافلا كرم وجود «٦» وأصبح قادما كذب وحوب
قال رجل لأبي حنيفة: ما كذبت كذبة قطّ؛ قال: أمّا هذه فواحدة يشهد
[ ٢ / ٣٢ ]
بها عليك. قال ميمون بن ميمون: من عرف بالصدق جاز كذبه، ومن عرف بالكذب لم يجز صدقه. قال أبو حيّة النّميريّ- وكان كذّابا-: عنّ لي ظبي فرميته فراغ عن سهمي فعارضه والله السهم، فراغ فراوغه السهم حتى صرعه ببعض الخبارات «١» . وقال أيضا: رميت ظبية فلما نفذ السهم ذكرت بالظبية حبيبة لي فشددت وراء السهم حتى قبضت على قذذه «٢» . وصف أعرابيّ امرأة فقيل: ما بلغ من شدّة حبّك لها؟ قال: إني لأذكرها وبيني وبينها عقبة الطائف فأجد من ذكرها ريح المسك.
أنشد الفرزدق سليمان بن عبد الملك: [وافر]
ثلاث واثنتان فهنّ خمس وسادسة تميل إلى شمام «٣»
فبتن بجانبيّ مصرّعات وبتّ أفضّ أغلاق الختام
كأنّ مفالق الرمّان فيها «٤» وجمر غضا قعدن عليه حامي «٥»
فقال له سليمان: ويحك يا فرزدق، أحللت بنفسك العقوبة، أقررت عندي بالزنا وأنا إمام ولا بدّ لي من أن أحدّك؛ فقال الفرزدق: بأيّ شيء أوجبت عليّ ذلك؟ قال: بكتاب الله؛ قال: فإن كتاب الله هو الذي يدرأ عنّي الحدّ؛ قال: وأين؟ قال: في قوله: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ
«٦» فأنا قلت: يا أمير المؤمنين،
[ ٢ / ٣٣ ]
ما لم أفعل؛ وقول الشاعر: [رجز]
وإنما الشاعر مجنون كلب أكثر ما يأتي على فيه الكذب
وقال الشاعر: [مجزوء الكامل]
حسب الكذوب من البلي ية بعض ما يحكى عليه
مهما سمعت بكذبة من غيره نسبت إليه
وقال بشّار: [كامل]
ورضيت من طول العناء بيأسه واليأس أيسر من عدات «١» الكاذب
والعرب تقول: «أكذب من سالئة «٢»» وهي تكذب مخافة العين على سمنها.
و«أكذب من مجرّب» لأنه يخاف أن يطلب من هنائه «٣» . و«أكذب من يلمع» وهو السراب. منصور ابن سلمة الخزاعيّ قال: حدّثنا شبيب بن شيبة أبو معمر الخطيب قال: سمعت ابن سيرين يقول: الكلام أوسع من أن يكذب ظريف.
وقال في قول الله ﷿: لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ
«٤» لم ينس ولكنها من
[ ٢ / ٣٤ ]
معاريض الكلام. وقال القينيّ: أصدق في صغار ما يضرّني لأصدّق في كبار ما ينفعني. وكان يقول: أنا رجل لا أبالي ما استقبلت به الأحرار. نافر رجل من جرم رجلا من الأنصار إلى رجل من قريش، فقال للجرميّ: أبالجاهليّة تفاخره أم بالإسلام؟ فقال: بالإسلام؛ فقال: كيف تفاخره وهم آووا رسول الله ونصروه حتى أظهر الله الإسلام؟ قال الجرميّ: فكيف تكون قلّة الحياء. وقال آخر: إنما قويت على خصومي بأنّي لم أستتر قطّ بشيء من القبيح. وذكر أعرابيّ رجلا فقال: لو دقّ وجهه بالحجارة لرضّها، ولو خلا بأستار الكعبة لسرقها. قيل لرجل من بني أسد: بأيّ شيء غلبت الناس؟ قال: أبهت الأحياء وأستشهد الموتى. وقال طريح «١» الثقفيّ يذمّ قوما: [بسيط]
إن يعلموا الخير يخفوه وإن علموا شرّا أذيع وإن لم يعلموا كذبوا
وكان يقال: اثنان لا يتّفقان أبدا: القناعة والحسد، واثنان لا يفترقان أبدا: الحرص والقحة، وقال الشاعر: [مجزوء الكامل]
إن يبخلو أو يغدروا أو يفخروا لا يحفلوا
يغدوا عليك مرجّلي «٢» ن كأنّهم لم يفعلوا
كأبي براقش «٣» كلّ لو ن لونه يتخيّل
هجا أبو الهول الحميريّ الفضل بن يحيى ثم أتاه راغبا إليه؛ فقال له
[ ٢ / ٣٥ ]
الفضل: ويلك بأيّ وجه تلقاني! قال: بالوجه الذي ألقى به ربّي وذنوبي إليه أكثر؛ فضحك ووصله.
ومن أمثال العرب في الوقاح «رمتني بدائها وانسلّت» . وقال الشاعر:
[طويل]
أكول لأرزاق العباد إذا شتا صبور على سوء الثّناء «١» وقاح
قال رجل لقوم يغتابون ويكذبون: توضّأوا فإنّ ما تقولون شرّ من الحدث. وبلغني عن حمّاد بن زيد عن هشام عن محمد قال: قلت لعبيدة: ما يوجب الوضوء؟ قال: الحدث وأذى المسلم. روى الصّلت بن دينار عن عقبة عن أنس بن مالك قال: بعثني أبو موسى الأشعريّ من البصرة إلى عمر؛ فسألني عن أحوال الناس ثم قال: كيف يصلح أهل بلد جلّ أهله هذان الحيّان: بكر بن وائل وبنو تميم، كذب بكر وبخل تميم. ذكر بعض الحكماء أعاجيب البحر وتزيّد البحريّين فقال: البحر كثير العجائب، وأهله أصحاب تزيّد، فأفسدوا بقليل الكذب كثير الصّدق، وأدخلوا ما يكون فيما يكاد لا يكون، وجعلوا تصديق الناس لهم في غريب الأحاديث سلّما إلى ادّعاء المحال.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: كان يقال: الصّدق أحيانا محرّم.
حدّثني شيخ لنا عن أبي معاوية قال: حدثنا أبو حنيفة عن معن بن عبد الرحمن عن أبيه قال: قال عبد الله بن مسعود: ما كذبت على عهد النبيّ ﷺ إلا كذبة واحدة، كنت أرحّل لرسول الله ﷺ فجاء رجل من الطائف فقلت:
هذا يغلبني على الرّحال؛ أيّ الرّحال أحبّ إلى رسول الله؟ فقلت: الطائفيّة
[ ٢ / ٣٦ ]
المكيّة، فرحّل بها؛ فقال رسول الله ﷺ: «من رحّل لنا هذا» فقالوا: الطائفيّ؛ فقال: «مروا عبد الله فليرحّل لنا» فعدت إلى الرّحال.