قال: حدّثني أحمد بن الخليل عن حبّان بن موسى قال: حدّثنا ابن المبارك عن معمر عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «الرجل أحقّ بمجلسه إذا قام لحاجة ثم رجع» .
وحدّثني أيضا عن سعيد بن سليمان عن إسحاق بن يحيى عن المسيّب ابن رافع عن عبد الله بن يزيد الخطميّ عن عبد الله بن الغسيل قال: قال رسول الله ﷺ: «المرء أحقّ بصدر بيته وصدر دابتّه وصدر فراشه، وأحقّ أن يؤمّ في بيته» .
قال: حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي جعفر محمد بن علي قال: ألقي لعليّ وسادة فجلس عليها وقال: إنه لا يأبى الكرامة إلا حمار. وفي الحديث المرفوع عن أبي موسى قال: قال
[ ١ / ٤٢٣ ]
رسول الله ﷺ: «مثل الجليس الصالح مثل الدّاريّ «١» إن لم يحذك «٢» من طيبه علقك من ريحه، ومثل الجليس السوء مثل الكير «٣» إن لم يحرقك بشرار ناره علقك من نتنه» . قال أبو إدريس الخولانيّ: المساجد مجالس الكرام. قال الأحنف: أطيب المجالس ما سافر فيه البصر واتّدع «٤» فيه البدن، فأخذه عليّ ابن الجهم «٥» فقال: [متقارب]
صحون «٦» تسافر فيها العيون وتحسر عن بعد أقطارها
وقال المهلب: خير المجالس ما بعد فيه مدى الطّرف وكثرت فيه فائدة الجليس. قيل للأوسيّة: أيّ منظر أحسن؟ فقالت: قصور بيض في حدائق خضر. ونحوه قول عديّ «٧» بن زيد: [خفيف]
كدمى العاج في المحاريب أو كال بيض في الرّوض زهره مستنير
حدّثنا سهل بن محمد قال: حدّثنا الأصمعيّ قال: كان الأحنف إذا أتاه إنسان أوسع له، فإن لم يجد موضعا تحرّك ليريه أنه يوسع له. وكان آخر لا يوسع لأحد ويقول «ثهلان ذو الهضبات ما يتحلحل» «٨» .
[ ١ / ٤٢٤ ]
قال ابن عباس: لجليسي عليّ ثلاثّ: أن أرميه بطرفي إذا أقبل، وأن أوسع له إذا جلس، وأصغي إليه إذا تحدّث. وقال الأحنف: ما جلست مجلسا فخفت أن أقام عنه لغيري. وكان يقول: لأن أدعي من بعيد فأجيب أحبّ إليّ من أن أقصى من قريب.
كان القعقاع بن شور إذا جالسه رجل فعرفه بالقصد إليه جعل له نصيبا في ماله، وأعانه على عدوّه، وشفع له في حاجته، وغدا إليه بعد المجالسة شاكرا. وقسم معاوية يوما آنية فضة ودفع إلى القعقاع حظّه منها، فآثر به القعقاع أقرب القوم إليه فقال: [وافر]
وكنت جليس قعقاع «١» بن شور ولا يشقى بقعقاع جليس
ضحوك السنّ إن نطقوا بخير وعند الشرّ مطراق عبوس
كان يقال: إياك وصدر المجلس فإنه مجلس قلعة. قيل لمحمد بن واسع: ألا تجلس متّكئا! فقال: تلك جلسة الآمنين. قال عمرو بن العاص:
ثلاثة لا أملّهم: جليسي ما فهم عنّي، وثوبي ما سترني، ودابتي ما حملت رجلي. وزاد آخر: وامرأتي ما أحسنت عشرتي.
ذكر رجل عبد الملك بن مروان فقال: إنه لآخذ بأربع، تارك لأربع:
آخذ بأحسن الحديث إذا حدّث، وبأحسن الاستماع إذا حدّث، وبأحسن البشر إذا لقي، وبأيسر المؤونة إذا خولف. وكان تاركا لمحادثة اللئيم، ومنازعة اللّجوج، ومماراة السفيه، ومصاحبة المأبون.
كان رجل من الأشراف إذا أتاه رجل عند انقضاء مجلسه قال: إنك
[ ١ / ٤٢٥ ]
جلست إلينا على حين قيام منّا أفتأذن؟. قال الفضيل بن عياض للثوريّ:
دلّني على من أجلس إليه، قال: تلك حالة لا توجد. قال مطرّف: لا تطعم طعامك من لا يشتهيه، يريد: لا تقبل بحديثك على من لا يقبل عليك بوجهه. وقال سعيد بن سلم: إذا لم تكن المحدّث أو المحدّث فانهض.
ونحوه قول ابن مسعود: حدّث القوم ما حدّجوك «١» بأبصارهم.
قال زياد مولى عيّاش بن أبي ربيعة: دخلت على عمر بن عبد العزيز، فلما رآني زحل عن مجلسه وقال: إذا دخل عليك رجل لا ترى لك عليه فضلا فلا تأخذ عليه شرف المجلس. وقال ابن عباس: ما أحد أكرم عليّ من جليسي، إن الذباب يقع عليه فيشقّ عليّ. ذكر الشّعبيّ قوما فقال: ما رأيت مثلهم أشدّ تناوبا في مجلس ولا أحسن فهما عن محدّث.
قال سليمان بن عبد الملك: قد ركبنا الفاره «٢» ووطئنا الحسناء ولبسنا اللين وأكلنا الطّيب حتى أجمنا «٣»، ما أنا اليوم إلى شيء أحوج منّي إلى جليس أضع عنّي مؤونة التحفّظ فيما بيني وبينه.
روى ابن أبي ليلى عن حبيب بن أبي ثابت عن يحيى بن جعدة قال: قال عمر بن الخطاب: لولا أن أسير في سبيل الله أو أضع جبهتي في التراب لله أو أجالس قوما يلتقطون طيّب الحديث كما يلتقط طيّب الثمر لأحببت أن أكون قد لحقت بالله. قال عامر بن عبد قيس: ما اسى على شيء من العراق إلا على ظمأ الهواجر، وتجاوب المؤذنين، وإخوان لي منهم الأسود بن كلثوم. وقال آخر ما آسى من البصرة إلا على ثلاث: قصب السّكر، وليل الخرير، وحديث ابن
[ ١ / ٤٢٦ ]
أبي بكرة. وقال المغيرة: كان يجالس إبراهيم صيرفيّ ورجل متّهم برأي الخوارج، فكان يقول لنا: لا تذكروا الرّبا إذا حضر هذا، ولا الأهواء إذا حضر هذا. وكان إمام مسجد الحرام لا يقول: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ
إلا عند ختم القرآن في شهر رمضان من أجل اللهبيّين.
كان يقال: محادثة الرجال تلقح ألبابها. وكان بعض الملوك في مسير له ليلا فقال لمن حوله: إنه لا يقطع سرى الليل بمثل الحديث فيه فلينفض كل رجل منكم بناجوشا «١» منه. قال معاوية لعمرو بن العاص: ما بقي من لذة الدنيا تلذّه؟ قال: محادثة أهل العلم، وخبر صالح يأتيني من ضيعتي. قال أبو مسهر: ما حدّثت رجلا قطّ إلا حدّثني إصغاؤه: أفهم أم ضيّع.