حدّثني زياد بن يحيى قال: حدّثنا أبو داود عن صدقة بن موسى عن مالك بن دينار عن عبد الله بن غالب عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول الله ﷺ: «خصلتان لا تجتمعان في مؤمن سوء الخلق والبخل» .
قال: وحدّثني أحمد بن الخليل عن أزهر بن جميل عن إسماعيل بن حكيم عن الفضل بن عيسى عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: قيل: يا رسول الله ما الشؤم؟ قال: «سوء الخلق» .
قال: وحدّثني أبو الخطّاب قال: حدّثنا بشر بن المفضّل قال: حدّثنا يونس عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: المستبّان ما قالا فعلى البادىء منهما ما لم يعتد المظلوم» .
قال: وحدّثني سهل بن محمد عن الأصمعيّ قال: حدّثني شيخ بمنى قال: صحب أيوب رجل في طريق مكة فآذاه الرجل بسوء خلقه؛ فقال أيوب:
إنّي لأرحمه لسوء خلقه.
قال: وحدّثني عبد الرحمن عن الأصمعيّ قال: قال أبو الأسود: لو أطعنا المساكين في أموالنا كنّا أسوأ حالا منهم. وأوصى بنيه فقال: لا تجاودوا الله فإنه أمجد وأجود، ولو شاء أن يوسّع على الناس كلّهم حتى لا يكون محتاج لفعل، فلا تجهدوا أنفسكم في التوسّع فتهلكوا هزلا. قال: وسمع رجلا يقول: من يعشّي الجائع؟ فقال: عليّ به، فعشاه ثم ذهب ليخرج؛ فقال: أين تريد؟؛ قال: أريد أهلي؛ قال: هيهات، عليّ ألّا تؤذي المسلمين
[ ٢ / ٣٧ ]
اللّيلة، ووضع في رجله الأدهم حتى أصبح. قال: وأكل أعرابيّ معه تمرا فسقطت من يد الأعرابيّ تمرة فأخذها وقال: لا أدعها للشيطان؛ فقال أبو الأسود: لا والله ولا لجبريل. نظر ابن «١» الزبير يوما إلى رجل وقد دقّ في صدور أهل الشام ثلاثة أرماح فقال: اعتزل حربنا فإنّ بيت المال لا يقوم لهذا، وذكر أبو عبيدة «٢» أنه كان يأكل في كلّ سبعة أيام أكلة ويقول في خطبته: إنما بطني شبر في شبر وما عسى أن يكفيني. وقال أبو وجزة «٣» مولى آل الزبير: [بسيط]
لو كان بطنك شبرا قد شبعت وقد أفضلت فضلا «٤» كثيرا للمساكين
فإن تصبك من الأيّام جائحة «٥» لانبك «٦» منك على دنيا ولا دين
وفيها يقول: [بسيط]
ما زلت في سورة الأعراف تدرسها حتّى فؤادك مثل الحزّ في اللّين
وفيها يقول:
إنّ امرأ كنت مولاه فضيّعني يرجو الفلاح لعندي حقّ مغبون
وفيه يقول آخر: [طويل]
رأيت أبا بكر- وربّك غالب على أمره- يبغي الخلافة بالتّمر
[ ٢ / ٣٨ ]
هذا حين قال: أكلتم تمري وعصيتم أمري. وقال بعض الشعراء: [كامل]
من دون سيبك لون ليل مظلم وحفيف نافجة وكلب موسد «١»
وأخوك محتمل عليك ضغينة ومسيف «٢» قومك لائم لا يحمد
والضّيف عندك مثل أسود سالخ «٣» لا بل أحبهّما إليك الأسود
ومدح أعرابيّ سعيد «٤» بن سلم فقال: [طويل]
أيا ساريا باللّيل لا تخش ضلّة سعيد بن سلم ضوء كلّ بلاد
لنا سيّد أربى على كلّ سيّد جواد حثا في وجه كلّ جواد «٥»
فلم يعطه شيئا، فقال يهجوه: [طويل]
لكلّ أخي مدح ثواب يعدّه وليس لمدح الباهليّ ثواب
مدحت ابن سلم والمديح مهزّة فكان كصفوان عليه تراب «٦»
وقال فيهم الممزّق الحضرميّ «٧»: [وافر]
إذا ولدت حليلة باهليّ غلاما زيد في عدد اللّئام
[ ٢ / ٣٩ ]
وعرض الباهليّ وإن توقّى عليه مثل منديل الطّعام
ولو كان الخليفة باهليّا لقصّر عن مساماة الكرام
ودخل قدامة بن جعدة على قتيبة بن مسلم فقال: أصلح الله الأمير، بالباب ألأم العرب؛ قال: ومن ذاك؟ قال: سلوليّ رسول محاربيّ إلى باهليّ؛ فضحك قتيبة. وقال آخر [بسيط]
قوم إذا أكلوا أخفوا كلامهم واستوثقوا من رتاج «١» الباب والدّار
لا يقبس الجار منهم فضل نارهم ولا تكفّ يد عن حرمة الجار
وقال عمر بن عبد العزيز الطائيّ من أهل حمص: [بسيط]
سمت المديح رجالا دون قدرهم صدّ قبيح ولفظ ليس بالحسن
فلم أفز منهمو إلا بما حملت رجل البعوضة من فخّارة اللّبن.
وقال آخر: [طويل]
ألام وأعطي والبخيل مجاوري إلى جنب بيتي لا يلام ولا يعطي
ونحو هذا قولهم: منع الجميع أرضى للجميع. وقال بشّار: [كامل]
أعطى البخيل فما انتفعت به وكذاك من يعطيك من كدره «٢»
قيل لخالد بن صفوان: مالك لا تنفق فإنّ مالك عريض؟ قال: الدهر أعرض منه: قيل له: كأنك تأمل أن تعيش الدهر كلّه؟ قال: ولا أخاف «٣» أن أموت في أوّله.
[ ٢ / ٤٠ ]
قال الجاحظ: قلت مرّة للحزاميّ: قد رضيت بقول الناس: عبد الله بخيل؛ قال: لا أعدمني الله هذا الاسم؛ قلت: كيف؟ قال: لأنه لا يقال فلان بخيلا إلا وهو ذو مال، فسلّم لي المال وادعني بأيّ اسم شئت؛ قلت: ولا يقال سخيّ إلا وهو ذو مال، فقد جمع هذا الاسم المال والحمد وجمع هذا الاسم المال والذمّ؛ قال: بينهما فرق؛ قلت: هاته: قال: في قولهم بخيل تثبيت لإقامة المال في ملكه، وفي قولهم: سخيّ إخبار عن خروج المال عن ملكه، واسم البخل اسم فيه حزم وذمّ، واسم السخاء اسم فيه تضييع وحمد، والمال راهن «١» نافع ومكرم لأهله معزّ، والحمد ريح وسخرية واستماعه ضعف وفسولة «٢»، وما أقلّ، والله، غناء الحمد عنه إذا جاع بطنه وعري جلده وضاع عياله وشمت عدوّه! وكان محمد بن الجهم يقول: من شأن من استغنى عنك ألّا يقيم عليك، ومن احتاج إليك ألّا يذهب عنك، فمن ضنّ بصديقه وأحبّ الاستكثار منه وأحب التمتع به احتال في دوام رغبته بأن يقيم له ما يقوته ويمنعه ما يغنيه عنه، فإنّ من الزهد فيه أن تغنيه عنك ومن الرغبة فيه أن تحوجه إليك؛ وإبقاؤك مع الضنّ به أكرم من إغنائك له مع الزهد فيه؛ وقيل في مثل: «أجع كلبك يتبعك» . فمن أغنى صديقه فقد أعانه على الغدر وقطع أسبابه من الشكر؛ والمعين على الغدر شريك الغادر، كما أن مزيّن الفجور شريك الفاجر. قال: وأوصى عند موته وقال في وصيّته: يزعمون أن رسول الله ﷺ قال: «الثلث، والثلث كثير»؛ وأنا أزعم أن ثلث الثلث كثير، والمساكين حقوقهم في بيت المال، إن طلبوا طلب الرجال أخذوه، وإن جلسوا جلوس النساء
[ ٢ / ٤١ ]
منعوه، فلا يرغم الله إلا أنفهم ولا يرحم الله من يرحمهم.
تقدّم رجلان من قريش إلى سوّار أحدهما ينازع مولى له في حدّ أرض أقطعها أبوه مولاه؛ فقال سوّار: أتنازع مولاك في حدّ أرض أقطعها أبوك إياه!؛ فقال: الشّحيح أعذر من الظالم؛ فرفع سوّار يده ثم قال: اللهمّ اردد على قريش أخطارها «١» .
وقال الخزرجيّ «٢»: [خفيف]
إنّ جود المكّيّ جود حجازي ي وجود الحجاز فيه اقتصاد
كيف ترجو النوال من كفّ معط قد غذته الأقراص والأمداد
نظر سليمان بن مزاحم إلى درهم فقال: في شقّ «لا إله إلا الله محمد رسول الله» وفي وجه آخر «الله لا إله إلا هو الحيّ القيّوم»، ما ينبغي أن يكون هذا إلا معاذة وقذفه في الصّندوق. أنشدنا عبد الرحمن بن هانىء صاحب الأخفش عن الأخفش للخليل «٣»: [متقارب]
كفّاه لم تخلقا للنّدى ولم يك بخلهما بدعه
فكفّ عن الخير مقبوضة كما نقصت مائة «٤» تسعه
[ ٢ / ٤٢ ]
وكفّ ثلاثة آلافها وتسعمئيها لها شرعه «١»
قل أبو عليّ الضرير «٢»: [وافر]
لعمر أبيك ما نسب المعلّى إلى كرم وفي الدنيا كريم
ولكنّ البلاد إذا اقشعرّت وصوّح نبتها رعي الهشيم
وقال آخر: [متقارب]
أمن خوف فقر، تعجّلته وأخّرت إنفاق ما تجمع
فصرت الفقير وأنت الغنيّ وهل كنت تعدو الذي تصنع؟ «٣»
خوّف رجل رجلا جوادا الفقر وأمره بالإبقاء على نفسه؛ فكتب إليه: إني أكره أن أترك أمرا قد وقع، لأمر لعله لا يقع. وقال أبو الشّمقمق «٤»: [وافر]
رأيت الخبز عزّ لديك حتى حسبت الخبز في جوّ السّحاب
[ ٢ / ٤٣ ]
وما روّحتنا لتذبّ عنّا ولكن خفت مزرئة الذّباب «١»
وقال دعبل: [بسيط]
صدّق أليّته إذ قال مجتهدا لا والرغيف، فذاك البرّ من قسمه!
قد كان يعجبني لو أنّ غيرته على جراذقه «٢» كانت على حرمه
فإن هممت به فافتك بخبزته فإنّ موقعها من لحمه ودمه «٣»
وقال الشاعر: [مجزوء الكامل]
أرفق بحفص حين تأ كل يا معاوي من طعامه
الموت أيسر عنده من مضغ ضيف والتقامه
وتراه من خوف النزي ل به يروّع في منامه
سيّان كسر رغيفه أو كسر عظم من عظامه
لا تكسرنّ رغيفه إن كنت ترغب في كلامه
وإذا مررت ببابه فاحفظ رغيفك من غلامه
وقال أبو نواس «٤»: [مجزوء الرمل]
خبز إسماعيل كالوش ي إذا ما انشقّ يرفا «٥»
[ ٢ / ٤٤ ]
عجبا من أثر الصّنع عة فيه! كيف يخفى؟
إنّ رفّاءك هذا أحذق الأمّة كفّا
فإذا قابل بالنّص ف من الجردق «١» نصفا
أحكم الصّنعة حتّى لا ترى موضع «٢» إشفى
مثل ما جاء من التّن نور ما غادر حرفا
وله في الماء أيضا عمل أبدع ظرفا
مزجه العذب بماء ال بئر كي يزداد ضعفا
فهو لا يشرب «٣» منه مثل ما يشرب صرفا