حدّثني محمد بن عبيد قال: حدثنا أبو أسامة عن زائدة عن سماك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كان إذا سمعهم يقولون: يكون في هذه الأمّة اثنا عشر خليفة، قال: ما أحمقكم! إنّ بعد الاثني عشر ثلاثة منا: السفاح والمنصور والمهدي يسلمها إلى الدجّال. قال أبو أسامة: تأويل هذا عندنا أن ولد المهديّ يكونون بعده إلى خروج الدجّال.
[ ١ / ٣٠٢ ]
وقال محمد بن علي بن عبد الله بن عباس لرجال الدعوة حين اختارهم للدعوة وأراد توجيههم: أما الكوفة وسوادها فهناك شيعة عليّ بن أبي طالب.
وأما البصرة فعثمانيّة تدين بالكفّ وتقول: كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل. وأما الجزيرة فحرورية مارقة وأعراب كأعلاج ومسلمون في أخلاق النصارى. وأما أهل الشام فليس يعرفون إلا آل أبي سفيان وطاعة بني مروان، عداوة لنا راسخة وجهلا متراكما. وأما أهل مكة والمدينة فقد غلب عليهما أبو بكر وعمر، ولكن عليكم بخراسان فإن هناك العدد الكثير والجلد الظاهر وصدورا سليمة وقلوبا فارغة لم تتقسّمها الأهواء ولم تتوزّعها النّحل ولم تشغلها ديانة ولم يتقدّم فيها فساد وليست لهم اليوم همم العرب ولا فيهم كتحازب الأتباع بالسادات وكتحالف القبائل وعصبيّة العشائر، ولم يزالوا يذالون ويمتهنون ويظلمون ويكظمون ويتمنّون الفرج ويؤمّلون الدول وهم جند لهم أجسام وأبدان ومناكب وكواهل وهامات ولحى وشوارب وأصوات هائلة ولغات فخمة تخرج من أفواه منكرة، وبعد فكأني أتفاّل إلى المشرق وإلى مطلع سراج الدنيا ومصباح الخلق.
وقال سعيد بن عمرو بن جعدة المخزومي: كنت مع مروان بن محمد بالزّاب فقال لي: يا سعيد، من هذا الذي يقابلني؟ قلت: عبد الله بن عليّ بن عبد الله بن عباس. قال: أعرفه؟ قلت: نعم، أما تعرف رجلا دخل عليك حسن الوجه مصفرّا رقيق الذراعين حسن اللسان فوقع في عبد الله بن معاوية؟
فقال: بلى قد عرفته والله، يابن جعدة، ليت عليّ بن أبي طالب في الخيل يقابلني. إنّ عليّا وأولاده لا حظّ لهم في هذا الأمر، وهذا رجل من بني العباس ومعه ريح خراسان ونصر الشام، يابن جعدة أتدري لم عقدت لعبد الله ولعبيد الله وتركت عبد الملك وهو أكبر منهما؟ قلت: لا أدري. قال: لأني
[ ١ / ٣٠٣ ]
وجدت الذي يلي هذا الأمر بعدي عبد الله أو عبيد الله، فكان عبيد الله أقرب إلى عبد الله من عبد الملك.
وكتب مروان إلى عبد الله بن عليّ: إني لا أظن هذا الأمر إلا صائرا إليكم، فإذا كان ذلك فاعلم أنّ حرمنا حرمكم. فكتب إليه عبد الله: إنّ الحقّ لنا في دمك وإن الحق علينا في حرمك.
سمر المنصور ذات ليلة فذكر خلفاء بني أمية وسيرهم وأنهم لم يزالوا على استقامة حتى أفضى أمرهم إلى أبنائهم المترفين فكانت هممهم من عظيم شأن الملك وجلالة قدره قصد الشهوات وإيثار اللذات والدخول في معاصي الله ومساخطه جهلا منهم باستدراج الله وأمنا لمكره، فسلبهم الله العزّ ونقل عنهم النعمة. فقال له صالح بن علي: يا أمير المؤمنين إن عبد الله بن مروان لما دخل أرض النّوبة هاربا فيمن معه سأل ملك النوبة عنهم فأخبر فركب إلى عبد الله فكلمه بكلام عجيب في هذا النحو لا أحفظه وأزعجه عن بلده، فإن رأى أمير المؤمنين أن يدعو به من الحبس بحضرتنا في هذه الليلة ويسأله عن ذلك. فأمر المنصور بإحضاره وسأله عن القصة فقال: يا أمير المؤمنين، قدمت أرض النوبة بأثاث سلم لي فافترشته بها وأقمت ثلاثا، فأتاني ملك النوبة وقد خبّر أمرنا، فدخل عليّ رجل طوال أقنى حسن الوجه فقعد على الأرض ولم يقرب الثياب، فقلت: ما يمنعك أن تقعد على ثيابنا؟ قال:
لأني ملك، وحقّ على كل ملك أن يتواضع لعظمة الله إذ رفعه. ثم قال لي:
لم تشربون الخمر وهي محرّمة عليكم؟ قلت: اجترأ على ذلك عبيدنا وأتباعنا لأنّ الملك زال عنا. قال: فلم تطأون الزروع بدوابكم والفساد محرم عليكم؟
قلت: يفعل ذلك جهّالنا. قال: فلم تلبسون الديباج والحرير وتستعملون الذهب والفضة وذلك محرّم عليكم؟ قلت: ذهب الملك منا وقلّ أنصارنا
[ ١ / ٣٠٤ ]
فانتصرنا بقوم من العجم دخلوا في ديننا فلبسوا ذلك على الكره منا. قال:
فأطرق مليّا وجعل يقلّب يديه وينكت في الأرض ويقول: عبيدنا وأتباعنا دخلوا في ديننا وزال الملك عنا! يردّده مرارا ثم قال: ليس ذلك كما ذكرت بل أنتم قوم استحللتم ما حرّم عليكم وركبتم ما عنه نهيتم، وظلمتم فيما ملكتم فسلبكم الله العزّ وألبسكم الذلّ بذنوبكم، ولله فيكم نقمة لم تبلغ غايتها وأخاف أن يحلّ بكم العذاب وأنتم ببلدي فيصيبني معكم، وإنما الضيافة ثلاثة أيام فتزوّدوا ما احتجتم إليه وارتحلوا عن بلدي، ففعلت ذلك.
ولما افتتح المنصور الشام وقتل مروان قال لأبي عون ومن معه من أهل خراسان: إن لي في بقية آل مروان تدبيرا فتأهّبوا يوم كذا وكذا في أكمل عدّة، ثم بعث إلى آل مروان في ذلك اليوم فجمعوا وأعلمهم أنه يفرض لهم في العطاء، فحضر منهم ثمانون رجلا فصاروا إلى بابه ومعهم رجل من كلب قد ولّدهم «١» ثم أذن لهم فدخلوا، فقال الآذن للكلبي: ممن أنت؟ قال: من كلب وقد ولّدتهم. قال: فانصرف ودع القوم. فأبى أن يفعل وقال: إني خالهم ومنهم. فلما استقرّ بهم المجلس خرج رسول المنصور وقال بأعلى صوته: أين حمزة بن عبد المطلب؟ ليدخل، فأيقن القوم بالهلكة، ثم خرج الثانية فنادى: أين الحسن بن عليّ؟ ليدخل، ثم خرج الثالثة فنادى: أين زيد ابن عليّ بن الحسين؟ ثم خرج الرابعة فقال: أين يحيى «٢» بن زيد؟ ثم قيل:
إئذنوا لهم. فدخلوا وفيهم الغمر «٣» بن يزيد وكان له صديقا فأومأ إليه: أن ارتفع. فأجلسه معه على طنفسته «٤» وقال للباقين: اجلسوا. وأهل خراسان قيام
[ ١ / ٣٠٥ ]
بأيديهم العمد فقال: أين العبديّ «١» الشاعر؟ فقام وأخذ في قصيدته التي يقول فيها: [كامل]
أما الدّعاة إلى الجنان فهاشم وبنو أميّة من دعاة النار
فلما أنشد أبياتا منها قال الغمر: يا ابن الزانية. فانقطع العبدي وأطرق عبد الله «٢» ساعة ثم قال: إمض في نشيدك. فلما فرغ رمى إليه بصرّة فيها ثلاثمائة دينار، ثم تمثّل بقول القائل «٣»: [خفيف]
ولقد ساءني وساء سواي قربهم من منابر وكراسي
أنزلوها بحيث أنزلها الل هـ بدار الهوان والإتعاس
لا تقيلنّ عبد شمس عثارا واقطعوا كلّ نخلة وغراس
واذكروا مصرع الحسين وزيد وقتيلا بجانب المهراس «٤»
ثم قال لأهل خراسان: دهيد «٥» . فشدخوا بالعمد حتى سالت أدمغتهم وقال الكلبيّ فقال: أيها الأمير: أنا رجل من كلب لست منهم. فقال:
[بسيط]
ومدخل رأسه لم يدنه أحد بين القرينين حتى لزّه القرن «٦»
ثم قال: دهيد. فشدخ الكلبيّ معهم ثم التفت إلى الغمر فقال: لا خير
[ ١ / ٣٠٦ ]
لك في الحياة بعدهم. قال: أجل، فقتل ثم دعا ببراذع «١» فألقاها عليهم وبسط عليها الأنطاع «٢» ودعا بغدائه فأكل فوقهم وإنّ أنين بعضهم لم يهدأ، حتى فرغ ثم قال: ما تهنّأت بطعام منذ عقلت مقتل الحسين إلا يومي هذا. وقام فأمر بهم فجرّوا بأرجلهم وأغنم أهل خراسان أموالهم ثم صلبوا في بستانه. وكان يأكل يوما فأمر بفتح باب من الرّواق إلى البستان فإذا رائحة الجيف تملأ الأنوف، فقيل له: لو أمرت، أيها الأمير، بردّ هذا الباب! فقال: والله لرائحتها أحبّ إليّ وأطيب من رائحة المسك. ثم قال «٣»: [كامل]
حسبت أمية أن سترضى هاشم عنها ويذهب زيدها وحسينها
كلّا وربّ محمد وإلهه حتى تباح سهولها وحزونها «٤»
وتذلّ ذلّ حليلة لحليلها بالمشرفيّ وتستردّ ديونها
وأتي المهديّ برجل من بني أمية كان يطلبه فتمثل بقول سديف شاعرهم: [خفيف]
جرّد السيف وارفع السّوط حتى لا ترى فوق ظهرها أمويّا
لا يغرّنك ما ترى اليوم منهم إنّ تحت الضلوع داء دويّا «٥»
فقال الأموي: لكن شاعرنا يقول: [بسيط]
شمس العداوة حتى يستقاد لهم وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا «٦»
[ ١ / ٣٠٧ ]
فقال المهديّ: قال شاعركم ما يشبهكم وقا شاعرنا ما يشبهنا. ثم أمر به فقتل.
وقال رجل: كنا جلوسا مع عمرو بن عبيد في المسجد، فأتاه رجل بكتاب المنصور على لسان محمد بن عبد الله بن الحسن يدعوه إلى نفسه، فقرأه ثم وضعه فقال الرسول: الجواب. فقال: ليس له جواب، قل لصاحبك: دعنا نجلس في هذا الظل ونشرب من هذا الماء البارد حتى تأتينا آجالنا في عافية.
وكان عمرو بن عبيد إذا رأى المنصور يطوف حول الكعبة في قرطين يقول: إن يرد الله بأمة محمّد خيرا يولّ أمرها هذا الشابّ من بني هاشم.
وكان له صديقا فلما دخل عليه بعد الخلافة وكلمه وأراد الأنصراف، قال: يا أبا عثمان سل حاجتك. قال: حاجتي ألّا تبعث إليّ حتى آتيك ولا تعطيني حتى أسألك. ثم نهض فقال المنصور: [مجزوء الرمل]
كلّكم ماشي رويد كلّكم خاتل صيد «١»
غير عمرو بن عبيد فلما مات عمرو رثاه المنصور فقال: [كامل]
صلّى الاله عليك من متوسّد قبرا مررت به على مرّان
قبرا تضمّن مؤمنا متحنّفا صدق الاله ودان بالقرآن
وإذا الرجال تنازعوا في سنّة فصل الحديث بحكمة وبيان
فلو انّ هذا الدهر أبقى صالحا أبقى لنا حيّا أبا عثمان
[ ١ / ٣٠٨ ]
قال الوضّاح بن حبيب: كنا إذا خرجنا- يعني أصحابه- من عند المنصور صرنا إلى المهديّ وهو يومئذ ولي عهده ففعلنا ذلك يوما فأبرز إليّ يده، ولم يكن ذلك من عادته، فأكببت عليها فقبّلتها وضرب بيدي إلى يده، ثم علمت أنه لم يفعل ذلك إلا لشيء في يده، فوضع في يدي كتابا صغيرا تستره الكفّ، فلما خرجت فتحته فإذا فيه: يا وضّاح، إذا قرأت كتابي فاستأذن إلى ضياعك بالرّيّ، فرجعت فقلت للربيع: استأذن لي. فدخل فاستأذن، فأذن لي، فدخلت فقلت: يا أمير المؤمنين، ضياعي بالري قد اختلّت وبي حاجة إلى مطالعتها فقال: لا، ولا كرامة، فخرجت. ثم عدت إليه اليوم الثاني والقوم معي فدخلنا فاستأذنته، فردّ إليّ مثل الجواب الأوّل. فقلت: يا أمير المؤمنين، ما أريد إصلاحها إلّا لأقوى بها على خدمتك. فسرّي عنه، ثم قال: إذا شئت فودّع. فقلت: يا أمير المؤمنين، ولي حاجة أذكرها. قال: قل.
قلت: أحتاج إلى خلوة. فنهض القوم وبقي الربيع قلت: أخلني. قال: ومن الربيع وبينكما ما بينكما! قلت: نعم. فتنحّى الربيع، فقال: قد خلوت فقل إن جدت لي بمالك ودمك. فقلت: يا أمير المؤمنين، وهل أنا ومالي إلا من نعمتك، حقنت دمي ودم أبي ورددت عليّ مالي وآثرتني بصحبتك. قال: إنه يهجس في نفسي أنّ جهورا «١» على خلع وليس على غيرك لما أعرفه بينكما، فأظهر إذا صرت إليه الوقيعة فيّ والتنقّص لي حتى تعرف ما عنده، وإن رأيته يهمّ بخلع فاكتب إليّ، ولا تكتبنّ على يد بريد ولا مع رسول ولا يفوتني خبرك في كل يوم فقد نصبت لك فلانا القطّان في دار القطن فهو يوصل كتبك في كل يوم إليّ. قال: فمضيت حتى أتيت الريّ فدخلت على جهور فقال:
أفلتّ؟ فقلت: نعم والحمد لله. ثم أقبلت أؤانسه بالوقيعة فيه حتى أظهر ما
[ ١ / ٣٠٩ ]
ظنّ به المنصور فكتبت إليه بذلك.
دخل عبد الله بن الحسن الطالبيّ على المنصور وعنده إسحاق بن مسلم العقيلي وعبد الملك بن حميد الشامي الكاتب، فتكلم عبد الله بكلام أعجب إسحاق فغمّ ذلك المنصور، فلما خرج عبد الله قال: يا غلام، ردّه. فلما رجع قال: يا أبا محمد، إن إسحاق بن مسلم حدّثني أن رجلا هلك بدمشق وترك ناضّا «١» كثيرا وأرضا ورقيقا وزعم أنه مولاكم وأشهد على ذلك. قال: نعم يا أمير المؤمنين، ذلك مولانا قد كنت أعرفه وأكاتبه. فقال المنصور: يا إسحاق، أعجبك كلامه فأحببت أن تعرفه.
أبو الحسين المدائني قال: لما بنى أبو العباس المدينة بالأنبار قال لعبد الله بن الحسن: يا أبا محمد، كيف ترى؟ فتمثل عبد الله فقال: [وافر]
ألم تر حوشبا أمسى يبنّي قصورا نفعها لبني بقيله
يؤمّل أن يعمّر عمر نوح وأمر الله يحدث كلّ ليله
ثم انتبه فقال: أقلني أقالك الله. قال: لا أقالني الله إن بتّ في عسكري، فأخرجه إلى المدينة. حنش بن المغيرة قال: جئت وأبو ذرّ آخذ بحلقة باب الكعبة وهو يقول: أنا أبو ذر الغفاري، من لم يعرفني فأنا جندب صاحب رسول الله ﷺ، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا» .
حدّثنا خالد بن محمد الأزدي قال: حدّثنا شبابة بن سوّار عن يحيى بن إسماعيل بن سالم عن الشعبيّ قال: قيل لابن عمر: إن الحسين قد توجّه إلى
[ ١ / ٣١٠ ]
العراق، فلحقه على ثلاث ليال من المدينة وكان عند خروج الحسين غائبا في مال له فقال: أين تريد؟ قال: العراق. وأخرج إليه كتبا وطوامير «١» قال: هذه كتبهم وبيعتهم. فناشده الله أن يرجع فأبى فقال: أما إني سأحدثك حديثا: إنّ جبريل، ﵇، أتى النبيّ ﷺ فخيّره بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة، وإنكم بضعة من النبي ﷺ، والله لا تليها أنت ولا أحد من أهل بيتك وما صرفها الله عنكم إلا لما هو خير لكم فارجع. فأبى فاعتنقه وبكى وقال:
أستودعك الله من قتيل.
حدّثني القاسم بن الحسن عن علي بن محمد عن مسلمة بن محارب عن السّكن قال: كتب الحسين بن علي ﵄ إلى الأحنف يدعوه إلى نفسه فلم يردّ الجواب وقال: قد جرّبنا آل أبي الحسن فلم نجد عندهم إيالة ولا جمعا للمال ولا مكيدة في الحرب. وقال الشعبي: ما لقينا من آل أبي طالب؟ إن أحببناهم قتلونا، وإن أبغضناهم أدخلونا النار.
ولما قتل مصعب بن الزبير خرجت سكينة بنت الحسين تريد المدينة فأطاف بها أهل الكوفة فقالوا: أحسن الله صحابتك يا بنت رسول الله. فقال:
والله لقد قتلتم جدّي وأبي وعمّي وزوجي مصعبا، أيتمتموني صغيرة وأرملتموني كبيرة فلا عافاكم الله من أهل بلد ولا أحسن عليكم الخلافة. وقال بعض الشعراء: [منسرح]
إبك حسينا ليوم مصرعه بالطّفّ بين الكتائب الخرس
أضحت بنات النبيّ إذ قتلوا في مأتم والسّباع في عرس
روى سنان بن حكيم عن أبيه قال: انتهب الناس ورسا في عسكر
[ ١ / ٣١١ ]
الحسين بن علي يوم قتل فما تطيبت منه امرأة إلا برصت. ولما قتل حسين قالت بنت لعقيل بن أبي طالب: [بسيط]
ماذا تقولون إن قال النبي لكم ماذا فعلتم وأنتم أفضل الأمم
بعترتي وبأهلي بعد منطلقي منهم أسارى وقتلى ضرّجوا بدم
ما كان هذا جزائي أن نصحت لكم أن تخلفوني بقتل في ذوي رحمي
فما سمعها أحد إلا بكى.
دخل زيد بن عليّ على هشام فقال: ما فعل أخوك البقرة؟ قال زيد:
سماه رسول الله ﷺ باقرا وتسميه بقرة! لقد اختلفتما.
أخبرنا جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: «يا جابر، إنك ستعمّر بعدي حتى يولد لي مولود اسمه كاسمي يبقر العلم بقرا فإذا لقيته فأقرئه مني السلام» فكان جابر يتردّد في سكك المدينة بعد ذهاب بصره وهو ينادي: يا باقر، حتى قال الناس: قد جنّ جابر. فبينا هو ذات يوم بالبلاط إذ بصر بجارية يتورّكها صبيّ فقال لها: يا جارية، من هذا الصبي؟ قالت: هذا محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. فقال: أدنيه مني فأدنته منه فقبّل بين عينيه وقال: يا حبيبي، رسول الله يقرئك السلام. ثم قال: نعيت إليّ نفسي وربّ الكعبة. ثم انصرف إلى منزله وأوصى فمات من ليلته.
قال هشام لزيد بن علي: بلغني أنك تربّص نفسك للخلافة وتطمع فيها وأنت ابن أمة. قال له زيد: مهلا يا هشام، فلو أنّ الله علم في أولاد السّراريّ «١» تقصيرا عن بلوغ غاية ما أعطى إسماعيل ما أعطاه. ثم خرج زيد وبعث إليه بهذه الأبيات: [بسيط]
مهلا بني عمّنا عن نحت أثلتنا «٢» سيروا رويدا كما كنتم تسيرونا
[ ١ / ٣١٢ ]
لا تجمعوا أن تهينونا ونكرمكم وأن نكفّ الأذى عنكم وتؤذونا
فالله يعلم أنّا لا نحبّكم ولا نلومكمو ألّا تحبّونا
ثم إن زيدا أعطى الله عهدا ألا يلقى هشاما إلا في كتيبة بيضاء أو حمراء فدخل الكوفة فطبع بها السيوف وكان من أمره ما كان حتى قتل ﵀.