حدّثني أبو حاتم قال: حدّثني الأصمعي قال: سمعت الحرسيّ يقول:
رأيت من الجبن والشجاعة عجبا. استثرنا من مزرعة في بلاد الشام رجلين يذريان حنطة، أحدهما أصيفر أحيمش «٣»، والآخر مثل الجمل عظما، فقاتلنا الأصيفر بالمذرى «٤» لا تدنو منه دابة إلّا نخس أنفها وضربها حتى شقّ علينا فقتل، ولم نصل إلى الآخر حتى مات فرقا «٥» فأمرت بهما فبقرت بطونهما فإذا
[ ١ / ٢٦٥ ]
فؤاد الضخم يابس مثل الحشفة «١»، وإذا فؤاد الأصيفر مثل فؤاد الجمل يتخضخض في مثل كوز من ماء.
وحدّثني أبو حاتم عن الأصمعي قال: حدّثنا أبو عمرو «٢» الصّفّار قال:
حاصر مسلمة حصنا فندب الناس إلى نقب منه، فما دخله أحد. فجاء رجل من عرض الجيش فدخله ففتحه الله عليهم، فنادى مسلمة: أين صاحب النقب؟ فما جاءه أحد، فنادى: إني قد أمرت الأذن بإدخاله ساعة يأتي، فعزمت عليه إلّا جاء. فجاء رجل فقال: إستأذن لي على الأمير. فقال له: أنت صاحب النقب؟
قال: أنا أخبركم عنه. فأتى مسلمة فأخبره عنه، فأذن له فقال له: إن صاحب النقب يأخذ عليكم ثلاثا: ألّا تسوّدوا اسمه في صحيفة إلى الخليفة ولا تأمروا له بشيء، ولا تسألوه ممن هو. قال: فذاك له. قال: أنا هو. فكان مسلمة لا يصلي بعدها صلاة إلا قال: اللهم اجعلني مع صاحب النقب.
حدّثني محمد بن عمرو الجرجاني قال: كتب أنو شروان إلى مرازبته:
عليكم بأهل الشجاعة والسخاء فإنهم أهل حسن الظن بالله تعالى. وذكر أعرابي قوما تحاربوا فقال: أقبلت الفحول تمشي مشي الوعول، فلما تصافحوا بالسيوف فغرت المنايا أفواهها. وذكر آخر قوما اتبعوا قوما أغاروا عليهم فقال:
احتثّوا كلّ جماليّة عيرانة «٣» فما زالوا يخصفون أخفاف المطيّ بحوافر الخيل حتى أدركوهم بعد ثالثة فجعلوا المرّان أرشية «٤» الموت واستقوا بها أرواحهم.
حدّثني عبد الرحمن عن عمه عن رجل من العرب قال: انهزمنا من قطريّ وأصحابه فأدركني رجل على فرس فسمعت حسّا منكرا خلفي،
[ ١ / ٢٦٦ ]
فالتفتّ فإذا أنا بقطري فيئست من الحياة فلما عرفني قال: أشدد عنانها وأوجع خاصرتها قطع الله يديك. قال: ففعلت فنجوت منه.
وحدّثني عبد الرحمن عن عمه قال: لما غرق شبيب قالت امرأة: الغرق يا أمير المؤمنين، قال ذلك تقدير العزيز العليم قال: فأخرج فشقّ بطنه وأخرج فؤاده فإذا مثل الكوز، فجعلوا يضربون به الأرض فينزو.
حدّثنا الرياشي قال: حدّثنا الأصمعي قال: أخبرنا صاحب لنا عن أبي عمرو بن العلاء قال: لما كان يوم الكلاب «١» خرج رجل من بني تميم، أحسبه قال: سعديّ، فقال: لو طلبت رجلا له فداء! قال: فخرجت أطلبه، فإذا رجل عليه مقطّعة يمانيّة على فرس ذنوب، فقلت له: على يمينك. قال: على يساري أقصد لي. قلت: أيهات «٢» منك اليمن. قال: العراق مني أبعد.
قلت: وتالله لا ترى أهلك العام. قال لا والله أهلك لا أراهم. قال: فتركته ولما كان بعد أيام ونعتّ نعته بعد ذلك، فقيل لي: هو وعلة الجرميّ «٣» .
حدّثنا محمد بن عبيد عن معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق عن هشام عن محمد بن سيرين قال: بعث عمر بن الخطاب ﵁ الأحنف بن قيس على جيش قبل خراسان فبيّتهم العدوّ ليلا وفرّقوا جيوشهم أربع فرق
[ ١ / ٢٦٧ ]
واقبلوا معهم الطبل ففزع الناس وكان أوّل من ركب الأحنف فأخذ سيفه وتقلّده ثم مضى نحو الصوت وهو يقول: [رجز]
إنّ على كل رئيس حقّا أن يخضب الصّعدة «١» أو تندقّا
ثم حمل على صاحب الطبل فقتله، فلما فقد أصحاب الطبل الصوت انهزموا. ثم حمل على الكردوس «٢» الآخر ففعل مثل ذلك وهو وحده، ثم جاء الناس وقد انهزم العدوّ فاتبعوهم يقتلونهم، ثم مضوا حتى فتحوا مدينة يقال لها مرو الرّوذ «٣» .
سأل ابن هبيرة عن مقتل عبد الله بن خازم، فقال رجل ممن حضر:
سألنا وكيع بن الدّورقيّة كيف قتلته؟ قال: غلبته بفضل فتاء «٤» كان لي عليه فصرعته وجلست على صدره وقلت له: يا لثارات دويلة. يعني أخاه من أبيه.
فقال من تحتي: قتلك الله! تقتل كبش مضر «٥» بأخيك وهو لا يساوي كفّ نوى! ثم تنخّم فملأ وجهي نخامة «٦»، فقال ابن هبيرة: هذه والله البسالة! استدلّ عليها بكثرة الريق في ذلك الوقت.
قال هشام لمسلمة: يا أبا سعيد، هل دخلك ذعر قطّ لحرب أو عدوّ قال: ما سلمت في ذلك من ذعر ينبّه على حيلة ولم يغشني فيها ذعر سلبني رأيي. قال هشام: هذه البسالة.
[ ١ / ٢٦٨ ]
خرج رهم «١» بن حزم الهلاليّ ومعه أهله وماله يريد النّقلة من بلد إلى بلد فلقيه ثلاثون رجلا من بني تغلب فعرفهم، فقال: يا بني تغلب، شأنكم بالمال وخلّوا الظعينة. فقالوا: رضينا إن ألقيت الرمح. قال: وإنّ رمحي لمعي. وحمل عليهم فقتل منهم رجلا وصرع آخر وقال: [رجز]
ردّا على آخرها الأتاليا إن لها بالمشرفيّ حاديا
ذكّرتني الطعن وكنت ناسيا
قال الزّبيري: ما استحيا شجاع أن يفرّ من عبد الله بن خازم السّلمي وقطريّ بن الفجاءة.
أبو اليقظان قال: كان حبيب بن عوف العبدي «٢» فاتكا، فلقي رجلا من، أهل الشام قد بعثه زياد ومعه ستون ألفا يتّجر بها فسايره، فلما وجد غفلة قتله وأخذ المال فقال يوما وهو يشرب على لذته: [بسيط]
يا صاحبيّ، أقلّا اللوم والعذلا ولا تقولا لشيء فات ما فعلا
ردّا عليّ كميت «٣» اللون صافية إني لقيت بأرض خاليا رجلا
ضخم الفرائص لو أبصرت قمّته وسط الرجال إذن شبّهته جملا
ضاحكته ساعة طورا وقلت له أنفقت بيعك إن ريثا وإن عجلا
سايرته ساعة ما بي مخافته إلّا التّلفّت حولي هل أرى دغلا «٤»
غادرته بين آجام ومسبعة لم يدر غيري بعدي بعد ما فعلا
يدعو زيادا وقد حانت منيّته ولا زياد لمن قد وافق الأجلا
[ ١ / ٢٦٩ ]
المفضّل الضّبيّ: كان سليك بن سلكة التميمي من أشدّ فرسان العرب وأذكرهم وأدلّ الناس بالأرض وأجودهم عدوا على رجليه لا تعلق به الخيل وكانت أمّه سوداء وكان يقول: اللهمّ إنك تهيء ما شئت لما شئت إذا شئت، اللهمّ إني لو كنت ضعيفا كنت عبدا ولو كنت امرأة كنت أمة، اللهمّ إني أعوذ بك من الخيبة فأما الهيبة فلا هيبة. وأملق حتى لم يبق له شيء، فخرج على رجليه رجاء أن يصيب غرّة من بعض من يمرّ عليه فيذهب بإبله، حتى إذا أمسى في ليلة مقمرة واشتمل الصّمّاء «١» ونام، إذا برجل قد جثم على صدره وقال:
إستأسر. فرفع سليك رأسه وقال: «إن الليل طويل وأنت مقمر» فجرى مثلا، وجعل الرجل يلهزه «٢» ويقول: استأسر، يا خبيث، فلما آذاه ضمّه إليه ضمّة ضرط منها وهو فوقه، فقال له سليك: «أضرطا وأنت الأعلى» فجرى مثلا، ثم قال له: ما أنت؟ قال: أنا رجل افتقرت، فقلت: لأخرجنّ ولا أرجع حتى أستغنى. قال: فانطلق معي، فمضيا فوجدا رجلا قصته مثل قصتهما، فأتوا جوف مراد وهو واد باليمن فإذا فيه نعم كثيرة، فقال لهما سليك: كونا قريبا حتى آتي الرّعاء وأعلم لكما علم الحي أقريب هو أم بعيد، فإن كانوا قريبا رجعت إليكما، وإن كانوا بعيدا قلت لكما قولا أحي «٣» به لكما فأغيرا. فانطلق حتى أتى الرّعاء، فجعل يستنطقهم حتى أخبروه بمكان الحي فإذا هم بعيد، فقال لهم سليك: ألا أغنّيكم؟ قالوا: بلى. فتغنّى بأعلى صوته ليسمع صاحبيه: [بسيط]
يا صاحبيّ، ألا لا حيّ بالوادي إلا عبيد وآم «٤» بين أذواد
[ ١ / ٢٧٠ ]
أتنظران قليلا ريث غفلتهم أم تعدوان فإنّ الربح للعادي
فلما سمعا ذلك أتيا السليك فأطردوا الإبل وذهبوا بها.
حدّثني سهل بن محمد عن الأصمعي قال: كان سليك يحضر «١» فتقع السهام من كنانته فترتنّ في الأرض من شدّة احضاره. وقال له بنو كنانة حين كبر: أرأيت أن ترينا بعض ما بقي من إحضارك؟ قال: نعم، إجمعوا لي أربعين شابا وابغوني درعا ثقيلة. فأخذها فلبسها وخرج بالشباب حتى إذا كان على رأس ميل أقبل يحضر فلاث العدو لوثا واهتبصوا «٢» في جنبتيه فلم يصحبوه إلا قليلا فجاء يحضر منبترا من حيث لا يرونه وجاءت الدّرع تخفق في عنقه كأنها خرقة.
قال سهل: حدّثني العتبي قال: حدّثني رجل من بني تميم عن بعض أشياخه من قومه قال: كنت عند المهاجر بن عبد الله والي اليمامة فأتى بأعرابي قد كان معروفا بالسّرق فقال له: أخبرني عن بعض عجائبك، قال:
إنها لكثيرة، ومن أعجبها أنه كان لي بعير لا يسبق وكانت لي خيل لا تلحق، فكنت لا أخرج فأرجع خائبا فخرجت يوما فاحترشت ضبّا فعلّقته على قتبي «٣» ثم مررت بخباء سّريّ ليس فيه إلّا عجوز، فقلت: أخلق بهذا الخباء أن يكون له رائحة من غنم وإبل، فلما أمسيت إذا بإبل مائة فيها شيخ عظيم البطن مثدّن «٤» اللحم ومعه عبد أسود وغد، فلما رآني رحّب بي ثم قام إلى ناقة فاحتلبها وناولني العلبة فشربت ما يشرب الرجل فتناول الباقي فضرب به جبهته
[ ١ / ٢٧١ ]
ثم احتلب تسع أينق «١» فشرب ألبانهن ثم نحر حوارا «٢» فطبخه ثم ألقى عظامه بيضا وحثا كومة من بطحاء وتوسّدها وغطّ غطيط البكر، فقلت: هذه والله الغنيمة. ثم قمت إلى فحل إبله «٣» فخطمته ثم قرنته إلى بعيري وصحت به فأتبعني الفحل وأتبعته الإبل إربابا به، فصارت خلفي كأنها حبل ممدود، فمضيت أبادر ثنيّة بيني وبينها مسيرة ليلة للمسرع، فلم أزل أضرب بعيري بيدي مرّة وأقرعه برجلي أخرى حتى طلع الفجر، فأبصرت الثنيّة فإذا عليها سواد فلما دنوت إذا أنا بالشيخ قاعدا وقوسه في حجره فقال: أضيفنا؟ قلت:
نعم. قال: أتسخوا نفسك عن هذه الإبل. قلت: لا. فأخرج سهما كأن نصله لسان كلب ثم قال: أبصر بين أذنيّ الضّبّ، ثم رماه فصدع عظمه عن دماغه، ثم قال: ما تقول؟ قلت: أنا على رأيي الأوّل. قال: أنظر هذا السهم الثاني في فقرة ظهره الوسطى. ثم رمى به فكأنما قدّره بيده ثم وضعه بإصبعه، ثم قال: أرأيت؟ قلت: إني أحب أن أستثبت. قال: أنظر هذا السهم الثالث في عكوة «٤» ذنبه والرابع والله في بطنك. ثم رماه فلم يخطىء العكوة، فقلت:
أنزل آمنا؟ قال: نعم. فنزلت فدفعت إليه خطام فحله وقلت: هذه إبلك لم يذهب منها وبرة وأنا أنتظر متى يرميني بسهم ينتظم به قلبي، فلما تنحّيت قال لي: أقبل. فأقبلت، والله، خوفا من شرّه لا طمعا في خيره، فقال: أي هذا، ما أحسبك جشمت «٥» الليلة ما جشمت إلا من حاجة. قلت: أجل. قال:
فاقرن من هذه الإبل بعيرين وامض لطيّتك، قلت: أما والله حتى أخبرك عن
[ ١ / ٢٧٢ ]
نفسك قبلا. ثم قلت: والله ما رأيت أعرابيا قطّ أشدّ ضرسا ولا أعدى رجلا ولا أرمى يدا ولا أكرم عفوا ولا أسخى نفسا منك.
وقرأت في كتاب سير العجم أن بهرام جور خرج ذات يوم إلى الصيد ومعه جارية له فعرضت له ظباء، فقال للجارية: في أيّ موضع تريدين أن أضع السهم من الوحش؟ فقالت أريد أن تشبّه ذكرانها بالإناث وإناثها بالذكران، فرمى تيسا من الظّباء بنشّابة ذات شعبتين فاقتلع قرنيه ورمى عنزا منها بنشّابتين فأثبتهما في موضع القرنين. ثم سألته أن يجمع أذن الظبي وظلفه بنشّابة واحدة فرمى أصل أذن الظبي ببندقة فلما أهوى بيده إلى أذنه ليحتكّ رماه بنشّابة فوصل ظلفه بأذنه ثم أهوى إلى القينة فضرب بها الأرض وقال: شدّ ما اشتططت عليّ وأردت إظهار عجزي!.
وقرأت في كتبهم أن كسرى استعمل قرابة له على اليمن يقال له المروزان، فأقام بها حينا ثم خالفه أهل المصانع- والمصانع جبل باليمن ممتنع طويل ووراءه جبل آخر بينهما فصل إلا أنه متقارب ما بينهما- فسار إليهم المروزان فنظر إلى جبل لا يطمع أحد أن يدخله إلا من باب واحد يمنع ذلك الباب رجل واحد. فلما رأى أن لا سبيل إليهم صعد الجبل الذي هو وراء المصانع من حيث يحاذي حصنهم فنظر إلى أضيق مكان فيه تحته هواء لا يقدر قدره، فلم ير شيئا أقرب إلى افتتاح ذلك الحصن من ذلك الجبل، فأمر أصحابه أن يقوموا به صفّين ثم يصيحوا به صيحة واحدة ثم ضرب فرسه حتى إذا استجمع حضرا رمى به أمام الحصن وصاح به أصحابه فوثب الفرس الوادي فإذا هو على رأس الحصن، فلما نظرت إليه حمير قالوا: هذا أيم.
والأيم بالحميرية شيطان، فانتهرهم بالفارسية وأمرهم أن يربط بعضهم بعضا ففعلوا واستنزلهم من حصنهم فقتل طائفة وسبى طائفة وكتب بما كان منه إلى
[ ١ / ٢٧٣ ]
كسرى، فتعجّب كسرى وأمره بالاستخلاف على عمله والقدوم إليه وأراد أن يسامي به أساورته «١»، فاستخلف المروزان ابنه ثم توجّه نحوه فلما صار ببعض بلاد العرب هلك فوضعوه في تابوت ثم حملوه حتى قدموا به على كسرى فأمر كسرى بذلك التابوت فوضع في خزانته فكان يخرج في كل عام إليه وإلى من عنده من أساورته فيقول: هذا الذي فعل كذا وكذا.
وروى أبو سوقة التميمي عن أبيه عن جدّه عن أبي الأغرّ التميمي قال:
بينا أنا واقف بصفّين مرّ بي العباس بن ربيعة مكفّرا بالسلاح وعيناه تبصّان من تحت المغفر كأنّهما عينا أرقم وبيده صفيحة له وهو على فرس له صعب يمنعه ويليّن من عريكته إذ هتف به هاتف من أهل الشام يقال له عرار بن أدهم: يا عباس، هلمّ إلى البراز. قال العباس: فالنزول إذا فإنه إياس من القفول. فنزل الشامي وهو يقول: [بسيط]
إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا أو تنزلون فإنّا معشر نزل
وثنى العباس وركه فنزل وهو يقول: [كامل]
وتصدّ عنك مخيلة الرجل ال عرّيض موضحة عن العظم
بحسام سيفك أو لسانك وال كلم الأصيل كأرغب الكلم «٢»
ثم غضّن فضلات درعه في حجزته ودفع قوسه إلى غلام له أسود يقال له: أسلم، كأني أنظر إلى فلائل شعره ثم دلف كلّ واحد منهما إلى صاحبه فذكرت بهما قول أبي ذؤيب «٣»:
[ ١ / ٢٧٤ ]
[كامل]
فتنازلا وتواقفت خيلاهما وكلاهما بطل اللقاء مخدّع
وكف الناس أعنّة خيولهم ينتظرون ما يكون من الرجلين فتكافحا بينهما مليّا من نهارهما لا يصل واحد منهما إلى صاحبه لكمال لأمته إلى أن لحظ العباس وهيا في درع الشاميّ فأهوى إليه بيده فهتكه إلى ثندؤته «١» ثم عاد لمجاولته وقد أصحر له مفتّق الدرع فضربه العباس ضربة انتظم بها جوانح صدره وخرّ الشامي لوجهه وكبّر الناس تكبيرة ارتجت لها الأرض من تحتهم وانشام العباس في الناس وانساع أمره وإذا قائل يقول من ورائي قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
«٢» فالتفت وإذا أمير المؤمنين، ﵁، عليّ بن أبي طالب، فقال: يا أبا الأغر، من المنازل لعدوّنا؟ فقلت: هذا ابن أحيكم، هذا العباس بن ربيعة. فقال: إنه لهو، يا عباس، ألم أنهك وابن عباس أن تخلّا بمركزكما أو تباشرا حربا؟
قال: إن ذلك. يعني نعم. قال: فما عدا مما بدا؟ قال: فأدعى إلى البراز فلا أجيب؟ قال: نعم، طاعة إمامك أولى بك من إجابة عدوّك. ثم تغيّظ واستشاط حتى قلت: الساعة الساعة، ثم تطأمن وسكن ورفع يديه مبتهلا فقال: اللهمّ اشكر للعباس مقامه واغفر له ذنبه، اللهمّ إني قد غفرت له فاغفر
[ ١ / ٢٧٥ ]
له. قال: وتأسّف معاوية على عرار وقال: متى ينطف فحل بمثله! أيطل دمه! لاها الله ذا. ألا لله رجل يشري نفسه يطلب بدم عرار؟ فانتدب له رجلان من لخم. فقال: اذهبا فأيّكما قتل العباس برازا فله كذا. فأتياه ودعواه إلى البراز فقال: إن لي سيدا أريد أن أؤامره. فأتى عليّا فأخبره الخبر، فقال عليّ: والله لودّ معاوية أنه ما بقي من هاشم نافخ ضرمة إلّا طعن في نيطه «١» إطفاء لنور الله ويأبى الله إلّا أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون، أما والله ليملكنّهم منا رجال، ورجال يسومونهم الخسف حتى يحفروا الآبار ويتكفّفوا الناس. ثم قال: يا عباس، ناقلني سلاحك بسلاحي، فناقله ووثب على فرس العباس وقصد اللخميين. فلم يشكّا أنه العباس فقالا له: أذن لك صاحبك؟ فخرج أن يقول نعم، فقال: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ
«٢» فبرز له أحدهما فضربه ضربة فكأنما أخطأه، ثم برز له الآخر فألحقه بالأوّل، ثم أقبل وهو يقول: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ
«٣» ثم قال: يا عباس، خذ سلاحك وهات سلاحي، فإن عاد لك أحد فعد إليّ، ونمي الخبر إلى معاوية فقال: قبح الله اللّجاج إنه لقعود ما ركبته قط إلا خذلت. فقال عمرو ابن العاص: الخذول والله اللخميان لا أنت. قال معاوية: أسكت، أيها
[ ١ / ٢٧٦ ]
الرجل، فليس هذه من ساعتك. قال: وإن لم تكن، رحم الله اللخميين وما أراه يفعل. قال: ذاك والله أخسر لصفقتك وأضيق لحجرك. قال: قد علمت ذلك ولولا مصر لركبت المنجاة منها. قال: هي أعمتك ولولا هي لألفيت بصيرا. وقال عمرو بن العاص لمعاوية: [طويل]
معاوي، لا أعطيك ديني ولم أنل به منك دنيا، فانظرن كيف تصنع
فإن تعطني مصرا فأربح بصفقة أخذت بها شيخا يضرّ وينفع
خرج الأخينس الجهنيّ فلقي الحصين العمريّ «١»، وكانا جميعا فاتكين، فسارا حتى لقيا رجلا من كندة في تجارة أصابها من مسك وثياب وغير ذلك، فنزل تحت شجرة يأكل، فلما انتهيا إليه سلّما. قال الكنديّ: ألا تضحّيان؟
فنزلا. فبينما هم يأكلون مرّ ظليم فنظر إليه الكنديّ وأبّده «٢» بصره فبدت له لبّته، فاغتره الحصين فضرب بطنه بالسيف فقتله، واقتسما ماله وركبا، فقال الأخينس: يا حصين، ما صعلة «٣» وصعل؟ قال: يوم شرب وأكل. قال: فانعت لي هذه العقاب. فرفع رأسه لينظر إليها فوجأ بطنه بالسيف فقتله مثل قتله الأوّل. ثم إنّ أختا للحصين يقال لها صخرة لما أبطأ عليها خرجت تسأل عنه في جيران لها من مراح وجرم. فلما بلغ ذلك الأخينس قال: [وافر]
وكم من فارس لا تزدريه إذا شخصت لموقفه العيون
يذلّ له العزيز وكلّ ليث شديد الهصر مسكنه العرين
علوت بياض مفرقه بعضب ينوء لوقعه الهام السّكون
فأمست عرسه ولها عليه هدوء بعد ليلته أنين
[ ١ / ٢٧٧ ]
كصخرة «١» إذ تسائل في مراح وفي جرم، وعلمهما ظنون
تسائل عن حصين كلّ ركب وعند جهينة «٢» الخبر اليقين
فذهبت مثلا.
خرج المهدّي وعليّ بن سليمان إلى الصيد ومعهما أبو دلامة «٣» الشاعر، فسنحت لهم ظباء فرمى المهديّ ظبيا فأصابه، ورمى عليّ بن سليمان كلبا فعقره، فضحك المهدي وقال لأبي دلامة: قال في هذا، فقال:
[مجزوء الرمل]
ورمى المهديّ ظبيا شكّ بالسهم فؤاده
وعليّ بن سليما ن رمى كلبا فصاده
فهنيئا لهما ك ل امرىء يأكل زاده «٤»
قال أبو دلامة: كنت في عسكر مروان أيام زحف إلي شبيب الخارجيّ، فلما التقى الزّحفان خرج منهم فارس ينادي: من يبارز؟ فجعل لا يخرج إليه إنسان إلا أعجله ولم ينهنهه، فغاظ ذلك مروان، فجعل يندب الناس على خمسمائة، فقتل أصحاب الخمسمائة، وزاد مروان على ندبته فبلغ بها ألفا، فما زال ذلك فعله حتى بلغ بالندبة خمسة آلاف درهم، وتحتي فرس لا أخاف خونه، فلما سمعت بالخمسة آلاف نزّقته «٥» واقتحمت الصفّ. فلما نظر إليّ
[ ١ / ٢٧٨ ]
الخارجيّ علم أن خرجت للطمع، فأقبل يتهيأ لي وإذا عليه فرو له قد أصابه المطر فارمعلّ «١» ثم أصابته الشمس فاقفعلّ «٢» وعيناه تدرّان «٣» كأنهما في وقبين «٤»، فدنا منّي وقال: [رجز]
وخارج أخرجه حبّ الطمع فرّ من الموت وفي الموت وقع
من كان ينوي أهله فلا رجع «٥»
فلما وقرت في أذني انصرفت عنه هاربا، وجعل مروان يقول: من هذا الفاضح؟ ائتوني به. ودخلت في غمار الناس فنجوت.
كان خالد بن جعفر نديما للنعمان، فبينا هو ذات يوم عنده وقد دعا النعمان بتمر وزبد فهما يأكلان منه إذ دخل عليهما الحارث بن ظالم. فقال النعمان: أدن، يا حارث، فكل، فدنا. فقال خالد: من ذا أبيت اللعن؟ قال:
هذا سيد قومه وفارسهم الحارث بن ظالم. قال خالد: أما إنّ لي عنده يدا.
قال الحارث: وما تلك اليد؟ قال: قتلت سيد قومك فتركتك سيدهم بعده.
يعني زهير بن جذيمة، قال الحارث أما إني سأجزيك بتلك اليد. ثم أخذه الزّمع»
وأرعدت يده، فأخذ يعبث بالتمر فقال له خالد: أيّتهنّ تريد فأناولكها؟ قال الحارث: أيّتهن تهمّك فأدعها؟ ثم نهض مغضبا، فقال النعمان لخالد: ما أردت بهذا وقد عرفت فتكه وسفهه؟ فقال: أبيت اللعن، وما
[ ١ / ٢٧٩ ]
تتخوّف عليّ منه؟ فوالله لو كنت نائما ما أيقظني. فانصرف خالد فدخل قبّة له من أدم بعد هدأة من الليل وقام على بابها أخ له يحرسه. فلما نام الناس خرج الحارث حتى أتى القبة من مؤخّرها فشقّها ثم دخل فقتله، فقال عمرو «١» ابن الإطنابة: [خفيف]
علّلاني وعلّلا صاحبيّا واسقياني من المروّق ريّا «٢»
إنّ فينا القيان يعزفن بالضّر ب لفتياننا وعيشا رخيّا
يتناهين في النعيم ويضرب ن خلال القرون مسكا ذكيا
أبلغا الحارث بن ظالم «٣» الرّع ديد والناذر النّذور عليّا
إنما تقتل النّيام ولا تق تل يقظان ذا سلاح كميّا
وكان عمرو قد آلى ألا يدعوه رجل بليل إلا أجابه ولم يسأله عن اسمه.
فأتاه الحارث ليلا فهتف به، فخرج إليه، فقال: ما تريد؟ قال أعنّي على أبل لبني فلان وهي منك غير بعيدة فإنها غنيمة باردة. فدعا عمرو بفرسه وأراد أن يركب حاسرا. فقال له: إلبس عليك سلاحك فإني لا امن امتناع القوم، فاستلأم وخرج معه، حتى إذا برزا قال له الحارث: أنا أبو ليلى فخذ حذرك، يا عمرو، فقال له: أمنن عليّ. فجزّ ناصيته. وقال الحارث: [خفيف]
علّلاني بلذّتي قينتيّا قبل أن تبكي العيون عليّا
قبل أن تذكر العواذل أني كنت قدما لأمرهنّ عصيّا
[ ١ / ٢٨٠ ]
ما أبالي إذا أصطبحت ثلاثا أرشيدا دعوتني أم غويّا
غير ألّا أسرّ إثما في حياتي ولا أخون صفيّا
بلغتني مقالة المرء عمرو بلغتني وكان ذاك بديّا
فخرجنا لموعد فالتقينا فوجدناه ذا سلاح كميّا
غير ما نائم يروّع باللي ل معدّا بكفّه مشرفيّا «١»
فرجعنا بالمنّ منّا عليه بعد ما كان منه منّا بديّا
ووفد تميم «٢» بن مرّ وبكر بن وائل «٣» على بعض الملوك، وكانا ينادمانه فجرى بينهما تفاخر فقالا: أيها الملك، أعطنا سيفين، فأمر الملك بسيفين من عودين فنحتا وموّها بالفضة وأعطاهما إياهما، فجعلا يضطربان بهما مليّا من نهارهما، فقال بكر: [رجز]
لو كان سيفانا حديدا قطعا
وقال تميم:
أو نحتا من جندل تصدّعا
ففرّق الملك بينهما، فقال بكر لتميم: [وافر]
أساجلك العداوة ما بقينا
وقال تميم:
وإن متنا نورّثها بنينا
[ ١ / ٢٨١ ]
فأورثاها بنيهما إلى اليوم.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ عن خلف الأحمر قال: كان أبو عروة «١» السباع يصيح بالسبع وقد احتمل الشاة فيسقط فيموت فيشقّ بطنه فيوجد فؤاده قد انخلع. وهو مثل في شدّة الصوت. قال الشاعر «٢» في ذلك: [منسرح]
زجر أبي عروة السباع إذا أشفق أن يلتبسن بالغنم «٣»
قال: وأبو عطية عفيف النصريّ نادى في الحرب التي كانت بين ثقيف وبين بني نصر لما رأى الخيل بعقوته «٤»: يا سوء صباحاه، أتيتم يا بني يربوع! فألقت الحبالى أولادها، فقيل في ذلك: [طويل]
وأسقط أحبال النساء بصوته عفيف لدن نادى بنصر فطرّبا
في أخبار وهب بن منبه أن يهوذا قال ليوسف: لتكفنّ أو لأصيحنّ صيحة لا تبقي حامل بمصر إلا ألقت ما في بطنها.
محمد بن الضحاك عن أبيه قال: كان العباس بن عبد المطلب يقف على سلع فينادي غلمانه وهم بالغابة فيسمعهم وذلك من آخر الليل. وبين الغابة وبين سلع ثمانية أميال، وسلع جبل وسط المدينة. وكان شبيب بن ربعيّ يتنحنح في داره فيسمع تنحنه بالكناسة «٥»، ويصيح براعيه فيسمع نداؤه
[ ١ / ٢٨٢ ]
على فرسخ وكان هذا مؤذن سجاح «١» التي تنبّأت ذكر هذا خالد بن صفوان، وسمعه أبو المجيب النهديّ فقال: ما سمع له بصوت أبعد من صوته بآذانه فإنه كان مؤذنها يعني سجاح.
ذم رجل الأشتر فقال له قائد: أسكت فإن حياته هزمت أهل الشام وإن موته هزم أهل العراق.
المدائني قال: أتى عمر بن الخطاب ﵁ رجل يستحمله، فقال له: خذ بعيرا من إبل الصدقة. فتناول ذنب بعير صعب فجذبه فاقتلعه، فعجب عمر وقال له: هل رأيت أشدّ منك؟ قال: نعم، خرجت بامرأة من أهلي أريد بها زوجها فنزلنا منزلا أهله خلوف فقربت من الحوض فبينا أنا كذلك إذ أقبل رجل ومعه ذود «٢» والمرأة ناحية فسرّب ذوده إلى الحوض ومضى إلى المرأة فساورها ونادتني، فما انتهيت إليها حتى خالطها، فجئت لأدفعه عنها فأخذ برأسي فوضعه بين عضده وجنبه فما استطعت أن أتحرك حتى قضى ما أراد ثم استلقى. فقالت المرأة: أيّ فحل هذا! لو كانت لنا منه سخلة «٣» ! وأمهلته حتى امتلأ نوما فقمت إليه بالسيف فضربت ساقه فأبنتها، فانتبه وتناول رجله فعلما فغلبه الدم فرماني برجله وأخطأني وأصاب عنق بعيري
[ ١ / ٢٨٣ ]
فقتله. فقال عمر: ما فعلت المرأة؟ قال: هذا حديث الرجل. فكرر عليه مرارا لا يزيده على هذا، فظنّ أنه قد قتلها.
حدّثني يزيد بن عمرو قال: حدّثنا أشهل بن حاتم قال: حدّثنا ابن عون عن عمير بن إسحاق قال: كان سعد على ظهر بيت وهو شاك والمشركون يفعلون بالمؤمنين ويفعلون. وأبو محجن في الوثاق عند أم ولد لسعد فأنشأ يقول: [طويل]
كفى حزنا أن تلتقي الخيل بالقنا وأترك مشدودا عليّ وثاقيا
إذا شئت غنّاني الحديد وغلّقت مغاليق من دوني تصمّ المناديا
فقالت له أم ولد سعد: أتجعل لي إن أنا أطلقتك أن ترجع إليّ حتى أعيدك في الوثائق؟ قال نعم، فأطلقته فركب فرسا بلقاء «١» لسعد وحمل على المشركين فجعل سعد يقول: لولا أن أبا محجن في الوثاق لظننت أنه أبو محجن وأنها فرسي. فانكشف المشركون وجاء أبو محجن فأعادته في الوثاق وأتت سعدا فأخبرته، فأرسل إلى أبي محجن فأطلقه وقال: والله لاحبستك فيها أبدا. يعني الخمر، فقال أبو محجن: وأنا الله لا أشربها بعد اليوم أبدا.
وقال الشاعر «٢»: [طويل]
سأغسل عني العار بالسيف جالبا عليّ قضاء الله ما كان جالبا
وأذهل عن داري وأجعل هدمها لعرضي من باقي المذمّة حاجبا
ويصغر في عيني تلادي إذا انثنت يميني بإدراك الذي كنت طالبا
فيا لرزام رشّحوا بي مقدّما إلى الموت خواضا إليه الكرائبا
[ ١ / ٢٨٤ ]
إذا همّ لم يردع كريمة همّه ولم يأت ما يأتي من الأمر هائبا
أخا غمرات لا يريد على الذي يهمّ به من مفظع الأمر صاحبا
إذا همّ ألقى بين عينيه عزمه ونكّب عن ذكر العواقب جانبا
ولم يستشر في رأيه غير نفسه ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا
عليكم بداري فاهدموها فإنها تراث كريم لا يخاف العواقبا «١»
وقال رجل «٢» من بني العنبر: [بسيط]
لو كنت من مازن لم تستبح إبلي بنو اللّقيطة من ذهل بن شيبانا
إذن لقام بنصري معشر خشن عند الكريهة إن ذو لوثة لانا
قوم إذا الشرّ أبدى ناجذيه «٣» لهم طاروا إليه زرافات ووحدانا
لكنّ قومي وإن كانوا ذوي عدد ليسوا من الشرّ في شيء وإن هانا
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ومن إساءة أهل السوء إحسانا
كأنّ ربّك لم يخلق لخشيته سواهمو من جميع الناس إنسانا
فليت لي بهمو قوما إذا ركبوا شنّوا الإغارة فرسانا وركبانا
لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا
لكن يطيرون أشتاتا إذا فزعوا وينفرون إلى الغارات وحدانا
[ ١ / ٢٨٥ ]
وقال آخر: [مجزوء الكامل]
ولئن عمرت لأشفين ن النفس من تلك المساعي
ولأعلمنّ البطن أن ن الزاد ليس بمستطاع
أمّا النهار فرأي أص حابي بمرقبة يفاع
أثر الشجاع بها كسر د الخرز في سير الصّناع
ترد السباع معي فأل فى كالمدلّ من السبّاع
وقال آخر: [بسيط]
إنّا محيّون يا سلمى فحيّينا وإن سقيت كرام الناس فاسقينا
إنّا لنرخص يوم الرّوع أنفسنا ولو نسام بها في الأمن أغلينا
بيض مفارقنا تغلي مراجلنا نأسو بأموالنا آثار أيدينا
وقال المعلوط «١»: [وافر]
ألم ترني خلقت أخا حروب إذا لم أجن كنت مجنّ جاني؟
وقال آخر «٢»: [طويل]
لعمري لقد نادى بأرفع صوته نعيّ سويد أنّ فارسكم هوى
أجل صادقا والقائل الفاعل الذي إذا قال قولا أنبط «٣» الماء في الثرى
فتى قبل لم تعنس السّنّ وجهه سوى خلسة في الرأس كالبرق في الدّجى «٤»
أشارت له الحرب العوان فجاءها يقعقع بالأقراب أوّل من أتى
[ ١ / ٢٨٦ ]
ولم يجنها لكن جناها وليّه فآسى فآداه فكان كمن جنى
وقال بشامة «١»: [بسيط]
إنا بني نهشل لا ندّعي لأب عنه ولا هو بالأبناء يشرينا
إن تبتدر غاية يوما لمكرمة تلق السوابق منا والمصلّينا
إنا لمن معشر أفنى أوائلهم قيل الكماة ألا أين المحامونا
لو كان في الألف منا واحد فدعوا من فارس؟ خالهم إيّاه يعنونا
وقال زهير «٢»: [بسيط]
يطعنهم ما ارتموا حتّى إذا اطّعنوا ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا
وقالت امرأة من كندة: [طويل]
أبوا أنّ يفرّوا والقنا في نحورهم ولم يرتقوا من خشية الموت سلّما
ولو أنهم فرّوا لكانوا أعزّة ولكن رأوا صبرا على الموت أكرما
وقال آخر: [طويل]
بني عمّنا، ردّوا فضول دمائنا ينم ليلكم، أو لا تلمنا اللّوائم
فإنا وإياكم وإن طال ترككم كذي الدّين ينأى ما نأى وهو غارم
وقال أبو سعيد المخزوميّ «٣» وكان شجاعا: [بسيط]
وما يريد بنو الأعيار من رجل بالجمر مكتحل بالنّبل مشتمل
لا يشرب الماء إلا من قليب دم ولا يبيت له جار على وجل
[ ١ / ٢٨٧ ]
وقال عبد القدّوس بن عبد الواحد من ولد النعمان بن بشير: [طويل]
ندى تحكم الآمال فيه، ونجدة تحكّم في الأعداء بالأسر والقتل
وقال آخر: [طويل]
ضربناكمو حتى إذا قام ميلكم ضربنا العدا عنكم بأبيض صارم
تمثّل زيد بن علي يوم قتل بقول القائل: [متقارب]
أذلّ الحياة وعزّ الممات وكلّا أراه طعاما وبيلا
فإن كان لا بدّ من واحد فسيروا إلى الموت سيرا جميلا
وقال قيس «١» بن الخطيم: [رجز]
أبلج لا يهمّ بالفرار قد طاب نفسا بدخول النار
وقال آخر «٢»: [وافر]
ومن تكن الحضارة أعجبته فأيّ رجال بادية ترانا
ومن ربط الجحاش فإنّ فينا قنا سلبا وأفراسا حسانا
وكنّ إذا أغرن على قبيل فأعوزهنّ كون حيث كانا
أغرن من الضّباب على جلال «٣» وضبّة إنه من حان حانا
وأحيانا نكرّ على أخينا إذا ما لم نجد إلّا أخانا
وقال الخنساء «٤»: [متقارب]
تعرّقني الدهر نهسا وحزّا وأوجعني الدهر قرعا وغمزا
وأفني رجالي فبادوا معا فأصبح قلبي بهم مستفزّا
[ ١ / ٢٨٨ ]
ومن ظنّ ممّن يلاقي الحروب بأن لا يصاب فقد ظنّ عجزا
وفيها «١» تقول: [متقارب]
ونلبس للحرب أثوابها ونلبس في الأمن خزّا وقزّا
وهذا كقولهم: إلبس لكل حالة لبوسها.
وقال عبد الله بن سبرة الحرشي «٢» حين قطعت يده: [بسيط]
ويلمّ «٣» جار غداة الجسر فارقني أعزز عليّ به إذ بان فانصدعا
يمنى يديّ غدت منيّ مفارقة لم أستطع يوم خلطاس لها تبعا
وما ضننت عليها أن أصاحبها لقد حرصت على أن نستريح معا
وقائل غاب عن شأني وقائلة ألا اجتنبت عدوّ الله إذ صرعا
وكيف أتركه يمشي بمنصله نحوي وأجبن عنه بعدما وقعا
ما كان ذلك يوم الرّوع من خلقي وإن تقارب مني الموت واكتنعا
ويلمّه فارسا ولّت كتيبته حامى وقد ضيّعوا الأحساب فارتجعا
يمشي إلى مستميت مثله بطل حتى إذا مكّنا سيفيهما امتصعا
كلّ ينوء بماضي الحدّ ذي شطب جلّى الصّياقل عن درّيّه «٤» الطّبعا
حاسيته الموت حتى اشتفّ آخره فما استكان لما لاقى وما جزعا
كأنّ لمّته هدّاب مخملة أحمّ «٥» أزرق لم يشمط وقد صلعا
فإن يكن أطربون الروم قطّعها فقد تركت بها أوصاله قطعا
وإن يكن أطربون الروم قطّعها فإنّ فيها بحمد الله منتفعا
[ ١ / ٢٨٩ ]
بنانتان وجذمور «١» أقيم بها صدر القناة إذا ما آنسوا فزعا
وقال بعض الشعراء: [رجز]
إنّ لنا من قومنا ناصرة بيض الظّبا سمر القنا شهب اللّمم
يستنفرون الموت من مجثمه ويبعثون الحرب من عقد السّلم
أولاك قيس قومنا أكرم بهم قيس النّدى قيس العلا قيس الكرم
وقال جعفر «٢» بن علبة الحارثي: [طويل]
ليهن عقيلا أنّني قد تركتها «٣» ينوء بقتلاها الذّئاب الهوامل
لهم صدر سيفي يوم برقة سحبل ولي منه ما ضمّت عليه الأنامل
إذا القوم سدّوا مأزقا فرّجت لنا بأيماننا بيض جلتها الصّياقل
وقال عمرو «٤» بن معد يكرب: [وافر]
أعاذل، شكّتي بزّي ورمحي وكلّ مقلّص سلس القياد
أعاذل، إنما أفنى شبابي ركوب في الصّريخ إلى المنادي
وقال أبو دلف «٥»: [متقارب]
لقد علمت وائل أننا نخوض الحتوف غداة الحتوف
ولا نتّقيها بزحف الفرار إذا ما الصفوف انبرت للصفوف
[ ١ / ٢٩٠ ]
ويوم أفاءت لنا خيلنا لدى جبل الدّيلمي المنيف
طوال الفتى بطوال القنا وبيض الوجوه ببيض السيوف
وكلّ حصان بكل حصان أمين شظاه سليم الوظيف
ألا نعّماني فما نعمتي برادعتي عن ركوب المخوف
لي الصبر عند حلول البلا إذا نزلت بي إحدى الصّروف
وإن تسألي تخبري أنني أقي حسبي بألوف الألوف
وأحلم حتى يقولوا ضعيف وما أنا قد علموا بالضعيف
خفيف على فرسي ما ركبت ولست على ظالمي بالخفيف