قالت الحكماء: المدائن لا تبنى إلا على ثلاثة أشياء: على الماء والكلأ والمحتطب.
قال ابن شهاب: من قدم أرضا فأخذ من ترابها فجعله في مائها ثم شربه عوفي من وبائها. وقال معاوية لقوم قدموا عليه: كلوا من فحا «١» أرضنا فقلّما أكل قوم من فحا أرض فضرّهم ماؤها.
حدّثني الرياشيّ قال: حدثني الأصمعيّ قال: معاوية: أغبط الناس عندي سعد مولاي، وكان يلي أمواله بالحجاز، يتربّع جدّة ويتقيّظ الطائف ويتشتّى مكة.
حدّثنا الرياشيّ قال: حدّثنا الأصمعيّ قال: أربعة أشياء قد ملأت الدنيا لا تكون إلا باليمن: الخطر والكندر والعصب والورس.
حدّثنا أبو حاتم عن الأصمعي قال: اليهود لا تأكل من بقل سورا «٢» وتقول: هي مغيض الطوفان. قال: وقال الأصمعي عن معمر «٣» قال: سبع
[ ١ / ٣١٣ ]
محفوظات وسبع ملعونات، فمن المحفوظات نجران ومن الملعونات أثافت وبرذعة «١» . وأثافت باليمن. وقفت باليمن على قرية فقلت لامرأة: ما تسمى هذه القرية؟ فقالت ويحك! أما سمعت قول الشاعر: [متقارب]
أجبّ أثافت عند القطاف وعند عصارة أعنابها
قال الأصمعي: سواد البصرة الأهواز ودستميسان وفارس، وسواد الكوفة كسكر إلى التراب «٢» إلى عمل حلوان إلى القادسية، وعمل العراق هيت إلى الصين والسّند والهند ثم كذلك إلى الريّ وخراسان إلى الديلم والجبال كلها، وأصبهان صرّة العراق افتتحها أبو موسى الأشعري، والجزيرة ما بين دجلة والفرات، والموصل من الجزيرة، ومكة من المدينة ومصر لا تدخل في عمل العراق.
حدّثني عبد الرحمن بن عبد المنعم عن أبيه عن وهب بن منبّه قال:
أوّل قرية بنيت بعد الطوفان قرية بقردى تسمى سوق ثمانين، كان نوح لما خرج من السفينة ابتناها وجعل فيها لكل رجل آمن معه بيتا وكانوا ثمانين فهي اليوم تسمى سوق ثمانين. قال: وحرّان سميت بهاران بن آزر أخي إبراهيم النبي ﷺ وهو أبو لوط.
قال النبي، ﷺ لبريدة: «يا بريدة، إنه سيبعث بعدي بعوث فإذا بعثت فكن في أهل بعث المشرق ثم في بعث خراسان ثم في بعث أرض يقال لها:
مرو، فإذا أتيتها فانزل مدينتها فإنه بناها ذو القرنين وصلّى فيها، غزيرة أنهارها تجري بالبركة، في كل نقب منها ملك شاهر سيفه يدفع عنها السوء إلى يوم القيامة» فقدمها بريدة فمات بها.
[ ١ / ٣١٤ ]
حدّثني أحمد بن الخليل قال: حدّثني الأصمعي قال: أخبرني النّمر بن هلال الحبطي عن قتادة عن أبي جلدة قال: الدنيا كلها أربعة وعشرون ألف فرسخ فملك السودان اثنا عشر ألف فرسخ وملك الروم ثمانية آلاف فرسخ وملك فارس ثلاث آلاف فرسخ وأرض العرب ألف فرسخ.
وقال أبو صالح: كنا عند ابن عباس فأقبل رجل فجلس، فقال له: ممن أنت؟ قال: من أهل خراسان، قال: من أيّ خراسان؟ قال: من هراة. قال:
من أيّ هراة؟ قال: من بوشنج. ثم قال: ما فعل مسجدها؟ قال: عامر يصلّى فيه. قال ابن عباس: كان لإبراهيم مسجدان: المسجد الحرام ومسجد بوشنج. ثم قال: ما فعلت الشجرة التي عند المسجد؟ قال: بحالها. قال:
أخبرني العباس أنه قال في ظلها.
حدّثني محمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن ميمون الحرّاني عن عوف بن أبي جميلة عن الحسن البصري قال: لما قدم عليّ، ﵁، البصرة آرتقى على منبرها فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أهل البصرة، يا بقايا ثمود ويا جند المرأة «١» ويا أتباع البهيمة، رغا فاتّبعتم وعقر فانهزمتم. أما إني لا أقول رغبة فيكم ولا رهبة منكم، غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تفتح أرض يقال لها البصرة أقوم الأرضين قبلة، قارئها أقرأ الناس، وعابدها أعبد الناس، وعالمها أعلم الناس، ومتصدّقها أعظم الناس صدقة. وتاجرها أعظم الناس تجارة. منها إلى قرية يقال لها الأبلّة «٢» أربعة
[ ١ / ٣١٥ ]
فرسخ. يستشهد عند مسجد جامعها أربعون ألفا، الشهيد منهم يومئذ كالشهيد معي يوم بدر» .
حدّثنا القاسم بن الحسن قال: حدّثنا أبو سلمة قال: أخبرني أبو المهزّم عن أبي هريرة قال: مثّلت الدنيا على مثال طائر، فالبصرة ومصر الجناحان فإذا خربتا وقع الأمر.
وحدّثني أيضا عن هارون بن معروف عن ضمرة عن ابن شوذب عن خالد بن ميمون قال: البصرة أشدّ الأرض عذابا وشرها ترابا وأسرعها خرابا.
قال: وقال ابن شوذب عن يزيد الرّشك «١» قست البصرة في ولاية خالد بن عبد الله القسري فوجدت طولها فرسخين غير دانق.
وقال محمد بن سلام عن شعيب بن صخر: تذاكروا عند زياد البصرة والكوفة فقال زياد: لو ضلّت البصرة لجعلت الكوفة لمن دلّني عليها. قال محمد بن سيرين: كان الرجل يقول: غضب الله عليك كما غضب أمير المؤمنين على المغيرة، عزله عن البصرة واستعمله على الكوفة. وقال عليّ حين دخل البصرة: يا أتباع البهيمة ويا جند المرأة، رغا فأجبتم وعقر فانهزمتهم، ودينكم نفاق وأخلاقكم رقاق وماؤكم زعاق، يا أهل البصرة والبصيرة والسّبيخة والخريبة، أرضكم أبعد الأرض من السماء وأبعدها من الماء وأسرعها خرابا وغرقا.
مرّ عتبة بن غزوان بموضع المربد فوجد فيها الكذّان «٢» الغليظ فقال:
هذه البصرة فانزلوا بسم الله. وقال أبو وائل: اختطّ الناس البصرة سنة سبع عشرة.
[ ١ / ٣١٦ ]
فخر ناس من بني الحارث بن كعب عند أبي العباس، فقال أبو العباس لخالد بن صفوان: ألا تكلّم يا خالد؟ قال: أخوال أمير المؤمنين وأهله. قال:
فأنتم أعمام أمير المؤمنين وعصبته. قال خالد: ما عسى أن أقول لقوم بين ناسج برد ودابغ جلد وسائس قرد، دلّ عليهم هدهد وغرقتهم فأرة وملكتهم امرأة.
سئل خالد عن الكوفة فقال: نحن منابتنا قصب، وأنهارنا عجب، وثمارنا رطب، وأرضنا ذهب. قال الأحنف: نحن أبعد منكم سريّة وأعظم منكم بحريّة وأعذى «١» منكم برّيّة. وقال أبو بكر الهذليّ: نحن أكثر منكم ساجا وعاجا وديباجا وخراجا ونهرا عجّاجا.
وقال الخليل «٢» في ظهر البصرة مما يلي قصر أوس من البصرة:
[بسيط]
زر وادي القصر نعم القصر والوادي لا بدّ من زورة عن غير ميعاد
ترفا به السّفن والظّلمان واقفة والضّبّ والنّون والملّاح والحادي
وقال ابن أبي عيينة»
في مثل ذلك: [منسرح]
يا جنّة فاتت الجنان فما تبلغها قيمة ولا ثمن
ألفتها فاتّخذتها وطنا إنّ فؤادي لحبّها وطن
زوّج حيتانها الضّباب بها فهذه كنّة وذا ختن
فانظر وفكّر فيما نطقت به إنّ الأريب المفكّر الفطن
[ ١ / ٣١٧ ]
من سفن كالنّعام مقبلة ومن نعام كأنها سفن «١»
أنشد محمد بن عمر عن ابن كناسة «٢» في ظهر الكوفة: [طويل]
وإنّ بها، لو تعلمين، أصائلا وليلا رقيقا مثل حاشية البرد
بلغني عن إبراهيم بن مهدي عن إسرائيل عن إبراهيم بن مهاجر عن إبراهيم التّيمي قال: لما أمرت الأرض أن تغيض غاضت إلا أرض الكوفة فلعنت، فجميع الأرض تكرب على ثورين وأرض الكوفة تكرب على أربعة ثيران. وكان يقال: إذا كان علم الرجل حجازيا وسخاؤه كوفيا وطاعته شامية فقد كمل.
لما احتوى المسلمون المدائن بعد ما نزلوا وآذاهم الغبار والذباب، كتب عمر إلى سعد في بعثة روّاد يرتادون منزلا برّيّا فإن العرب لا يصلحها إلا ما يصلح الإبل والشاء. فسأل من قبله عن هذه الصفة فيما يليهم، فأشار عليه من رأى العراق من وجوه العرب باللسان. وظهر الكوفة يقال له اللسان، وهو فيما بين النهرين إلى عين بني الحدّاء وكانت العرب تقول: أدلع البرّ لسانه «٣» في الرّيف، فما كان يلي الفرات منه فهو الملطاط وما كان يلي الظهر منه فهو النّجاف، فكتب إلى سعد يأمره به.
[ ١ / ٣١٨ ]
وقال النابغة «١» الجعدي يمدح الشام: [رمل]
جاعلين الشام حمّا «٢» لهم ولئن همّوا لنعم المتنقل
موته أجر ومحياه غنى وإليه عن أذاه معتزل
وقال أيضا: [طويل]
ولكنّ قومي أصبحوا مثل خيبر بها داؤها ولا تضرّ الأعاديا
قال الأصمعي: لم يولد بغدير خمّ مولود فعاش إلى أن يحتمل إلّا أن يتحوّل عنها. قال: وحرّة ليلى «٣» ربما مرّ بها الطائر فيسقط ريشه. قال عمرو ابن بحر: يزعمون أنّ من دخل أرض تبّت لم يزل ضاحكا مسرورا من غير عجب حتى يخرج منها، ومن أقام بالموصل عاما ثم تفقّد قوّته وجد فيها فضلا، ومن أقام بالأهواز حولا فتفقّد عقله وجد النقصان فيه بيّنا. والناس يقولون: حمّى خيبر وطحال البحرين ودماميل الجزيرة وطواعين الشام.
قالوا: من أطال الصوم بالمصّيصة «٤» في الصيف خيف عليه الجنون. وأما قصبة الأهواز فتقلب كل من ينزلها من الأشراف إلى طبائع أهلها، ووباؤها وحمّاها يكون في وقت انكسار الوباء ونزوع الحمّى عن جميع البلدان، وكل محموم فإن حمّاه إذا أقلعت عنه فقد أخذ عند نفسه منها البراءة إلى أن تعود إلى التخليط وإلى أن يجتمع في جوفه الفساد إلا محموم الأهواز فإنها تعاود من فارقته
[ ١ / ٣١٩ ]
لغير علّة حدثت، ولذلك جمعت سوق الأهواز الأفاعي في جبلها المطلّ عليها والجرّارات «١» في بيوتها ومن ورائها سباخ ومناقع مياه غليظة وفيها أنهار تشقّها مسايل كنفهم ومياه أمطارهم فإذا طلعت الشمس وطال مقامها واستمرّت مقابلتها لذلك الجبل قبل الصخرية التي فيها الجرارات، فإذا امتلأت يبسا وحرّا وعادت جمرة واحدة قذفت ما قبلت من ذلك عليهم وقد بخرت تلك السباخ وتلك الأنهار، فإذا التقى عليهم ما بخرت به السباخ وما قذفه ذلك الجبل فسد الهواء وفسد بفساد الهواء كل ما يشتمل عليه الهواء. وقال إبراهيم بن العباس الكاتب: حدّثني مشايخ أهل الأهواز عن القوابل أنهنّ ربما قبلن الطفل فيجدنه في تلك الساعة محموما يعرفن ذلك ويتحدّثن به. قال: ومن قدم من شقّ العراق إلى بلد الزّنج لم يزل حزينا ما أقام بها فإنّ أكثر من شرب نبيذها وأكل النّارجيل «٢» طمس الخمار «٣» على عقله حتى لا يكون بينه وبين المعتوه إلا شيء يسير. قال: وفي عهد سجستان على العرب حين افتتحوها: ألّا يقتلوا قنفذا ولا يصيدوه؛ لأنها بلاد أفاع والقنافذ تأكلها ولولا ذلك ما كان لهم بها قرار.
وقال ابن عيّاش لأبي بكر الهذلي يوم فاخره عند أبي العباس: إنما مثل الكوفة مثل اللهاة من البدن يأتيها الماء ببرده وعذوبته، والبصرة بمنزلة المثانة يأتيها الماء بعد تغيّره وفساده.
وقال محمد بن عمير بن عطارد: إن الكوفة قد سفلت عن الشام ووبائها وارتفعت عن البصرة وعمقها فهي مريئة مريعة عذبة ثريّة، إذا أتتنا الشّمال
[ ١ / ٣٢٠ ]
ذهبت مسيرة شهر على مثل رضراض الكافور، وإذا هبّت الجنوب جاءتنا بريح السّواد وورده وياسمينه وأترجّه، وماؤنا عذب وعيشنا خصب. وقال الحجاج:
الكوفة بكر حسناء والبصرة عجوز بخراء «١» أوتيت من كل حلي وزينة.
اجتمع أهل العراق ليلة في سمر يزيد بن عمر بن هبيرة، فقال يزيد: أيّ البلدين أطيب ثمرة: الكوفة أم البصرة؟ فقال خالد بن صفوان: بل ثمرتنا أيها الأمير منها الأزاذ والمعقليّ وكذا وكذا. فقال عبد الرحمن بن بشير العجلي: لست أشك أيها الأمير أنكم قد اخترتم لأمير المؤمنين ما تبعثون به إليه. قال: أجل، قال: قد رضينا باختيارك لنا وعلينا. قال: فأيّ الرّطب تحملون إليه؟ قال:
المشان. قال: ليس بالبصرة منه واحدة. ثم أيّة؟ قال: السّابري. قال: ولا بالبصرة منه واحدة. قال خالد بن صفوان: بلى عندنا بالبصرة منه شيء يسير.
قال: فأيّ التمر تحملون إليه؟ قال: النّرسيان. قال: ولا بالبصرة منه واحدة.
قال: ثم أية؟ قال: الهيرون أزاذ. قال: ولا بالبصرة منه واحدة. قال: فأيّ القسب «٢» تحملون إليه؟ قال: قسب العنبر. قال: ولا بالبصرة منه واحدة. قال ابن هبيرة لخالد: ادّعى عليك خمسا فشاركته في واحدة وسلّمت له أربعا، ما أراه إلا قد غلبك.
دخل فتى من أهل المدينة البصرة ثم انصرف، فقال له أصحابه: كيف رأيت البصرة؟ قال: خير بلاد الله للجائع والعزب والمفلس: أما الجائع فيأكل خبز الأرز والصّحناء «٣» لا ينفق في الشهر درهمين، وأما العزب فيتزوج بشق درهم، وأما المحتاج فلا عيلة عليه ما بقيت عليه استه يخرأ ويبيع.
[ ١ / ٣٢١ ]
أبو الحسن المدائني قال: قال عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بن المغيرة لمعاوية:
أما والله لو كنا بمكة على السواء لعلمت. قال معاوية: إذا كنت أكون ابن أبي سفيان، منزلي الأبطح ينشقّ عنه سيله، وكنت ابن خالد، منزلك أجياد أعلاه مدرة وأسفله عذرة.
رأى رجل من قريش رجلا له هيئة رثّة، فسأل عنه فقالوا: من بني تغلب. فوقف له وهو يطوف بالبيت، فقال له: أرى رجلين قلّما وطئتا البطحاء. قال له التغلبيّ: البطحاوات ثلاث: بطحاء الجزيرة وهي لي دونك، وبطحاء ذي قار وأنا أحق بها منك، وهذه البطحاء، وسواء العاكف فيه والبادي.
وقال بعض الأعراب: اللهمّ، لا تنزلني ماء سوء فأكون امرأ سوء. قال خالد بن صفوان: ما رأينا أرضا مثل الأبلّة أقرب مسافة ولا أعذب نطفة ولا أوطأ مطيّة ولا أربح لتاجر ولا أخفى لعابد. وقال ابن أبي عيينة «١» يذكر قصر أنس «٢» بالبصرة: [طويل]
فيا حسن ذاك القصر قصرا ونزهة بأفيح سهل غير وعر ولا ضنك «٣»
بغرس كأبكار الجواري وتربة كأن ثراها ماء ورد على مسك
كأن قصور الأرض ينظرن حوله إلى ملك موف على منبر الملك
يدلّ عليها مستطيلا بحسنه ويضحك منها وهي مطرقة تبكي «٤»
[ ١ / ٣٢٢ ]
قال جعفر بن سليمان: العراق عين الدنيا، والبصرة عين العراق، والمربد عين البصرة، ودارين عين المربد. وقالوا: من خصال الحرم أن المطر إذا أصاب الباب كان الخصب من شقّ العراق، وإذا أصاب المطر الناحية من شق الشام كان الخصب بالشام، وإذا عمّ جوانب البيت كان المطر عاما. قال: وذرع الكعبة أربعمائة وتسعون ذراعا.
المدائني قال: قال الحجاج: لما تبوّأت الأمور منازلها قالت الطاعة: أنزل الشام، قال الطاعون: وأنا معك. وقال النفاق: أنزل العراق، قالت النعمة:
وأنا معك. وقالت الصحة: أنزل البادية، قالت الشّقوة: وأنا معك.
نجز كتاب الحرب ويتلوه كتاب السؤدد
[ ١ / ٣٢٣ ]