قال شريح: الجدة كنية البهل «٣» . وقال أكثم بن صيفيّ: ما يسرّني أني مكفيّ كلّ أمر الدنيا. قيل: وإن أسمنت وألبنت؟ قال: نعم، أكره عادة العجز. وكان يقال: عيب الغنى أنه يورث البله، وفضيلة الفقر أنه يورث الفكرة. وقال محمد بن حازم «٤» الباهليّ: [منسرح]
ما الفقر عار ولا الغنى شرف ولا سخاء في طاعة سرف
ما لك إلّا شيء تقدّمه وكلّ شيء أخّرته تلف
تركك مالا لوارث يته نّاه وتصلى بحرّه أسف
وقال ابن مناذر «٥»: [وافر]
رضينا قسمة الرحمن فينا لنا علم وللثّقفيّ مال
وما الثّقفيّ إن جادت كساه وراعك شخصه إلّا خيال
وقال أنس بن مالك: لمّا خرج مروان من المدينة مرّ بماله بذي خشب «٦»
[ ١ / ٣٥٣ ]
فلما نظر إليه قال: ليس المال إلا ما أشرجت عليه المناطق. وروي عن المسيح أنّه قال: في المال ثلاث خصال، قالوا: وما هي يا روح الله: قال:
لا يكسبه من حلّه قالوا: فإن فعل قال: يمنعه من حقّه، قالوا: فإن لم يفعل، قال: يشغله إصلاحه عن عبادة ربه. قيل لابن عمر: توفّي زيد بن حارثة وترك مائة ألف درهم، قال: لكنها لا تتركه. وقال المعلوط «١» . [طويل]
ولا سوّد المال الدّنيّ ولا دنا لذاك ولكنّ الكريم يسود
متى ما ير الناس الغنيّ وجاره فقيرا يقولوا عاجز وجليد
وليس الغنى والفقر من حيلة الفتى ولكن أحاظ قسّمت وجدود
فكم قد رأينا من غنيّ مذمّم وصعلوك قوم مات وهو حميد
إذا المرء أعيته المروءة ناشئا فمطلبها كهلا عليه شديد
وقال آخر: [منسرح]
ولا تهين «٢» الفقير علّك أن تركع يوما والدهر قد رفعه
الأخفش قال: قال المبرّد: أريد النون الخفيفة في ولا تهين فأسقط التنوين لسكونه وسكون اللام. وقال آخر: [طويل]
ولست بنظّار إلى جانب الغنى إذا كانت العلياء في جانب الفقر
وإنّي لصبّار على ما ينوبني لأنّي رأيت الله أثنى على الصبر
وقال أعرابيّ يمدح قوما: [طويل]
إذا افتقروا عضّوا على الصبر حسبة وإن أيسروا عادوا سراعا إلى الفقر
يقول: يعطون ما عندهم حتى يفتقروا. قال الحسن: عيّرت اليهود
[ ١ / ٣٥٤ ]
عيسى بن مريم بالفقر فقال: من الغنى أتيتم، وقال: حسبك من شرف الفقر أنك لا ترى أحدا يعصي الله ليفتقر. أنشد ابن الأعرابيّ «١»: [بسيط]
المال يغشى رجالا لا طباخ بهم كالسّيل يغشى أصول الدّندن البالي «٢»
وقال الطائيّ: [كامل]
لا تنكري عطل الكريم من الغنى فالسيل حرب للمكان العالي «٣»
قال عمر بن الخطاب: من دخل على الأغنياء خرج وهو ساخط على الله. قال أعرابيّ: الغنيّ من كثرت حسناته والفقير من قلّ نصيبه منها. وقال ذو الأصبع «٤»: [بسيط]
لي ابن عمّ على ما كان من خلق مخالف لي أقليه ويقليني «٥»
أزرى بنا أننا شالت نعامتنا فخالني دونه بل خلته دوني
[ ١ / ٣٥٥ ]
وقال آخر: [كامل]
إنّ الحرام غزيرة حلباته ووجدت حالبة الحلال مصورا «١»
وقيل لأعرابي: إن فلانا أفاد مالا عظيما قال: فهل أفاد معه أياما ينفقه فيها؟. وفي كتاب للهند: ذو المروءة يكرم معدما كالأسد يهاب وإن كان رابضا، ومن لا مروءة له يهان وإن كان موسرا كالكلب وإن طوّق وحلّى. وقال خداش «٢» بن زهير: [طويل]
أعاذل، إنّ المال أعلم أنّه وجامعه للغائلات الغوائل
متى تجعليني فوق نعشك تعلمي أيغني مكاني أبكري وأفائلي؟
وقال آخر: [طويل]
إذا المرء أثرى ثمّ قال لقومه أنا السيّد المقضي إليه المعظّم
ولم يعطهم خيرا أبوا أن يسودهم وهان عليهم رغمه وهو أظلم
وقال زبّان «٣» بن سيّار: [طويل]
ولسنا كقوم محدثين سيادة يرى مالها ولا يحسّ فعالها
مساعيهمو مقصورة في بيوتهم ومسعاتنا ذبيان طرّا عيالها
وقال أبو عبيد الله الكاتب: الصبر على حقوق المروءة أشدّ من الصبر على ألم الحاجة، وذلّة الفقر مانعة من عزّ الصبر كما أنّ عزّ الغنى مانع من كرم الإنصاف. وقال بعض المتكلمين في ذمّ الغنى: ألم تر ذا الغنى ما أدوم نصبه، وأقلّ راحته، وأخسّ من ماله حظّه، وأشدّ من الأيام حذره، وأغرى
[ ١ / ٣٥٦ ]
الدّهر بثلمه ونقضه، ثمّ هو بين سلطان يرعاه، وحقوق تسترثيه، وأكفاء يتنافسونه، وولد يودّون فراقه، قد بعث عليه الغنى من سلطانه العناء، ومن أكفائه الحسد، ومن أعدائه البغي، ومن ذوي الحقوق الذمّ، ومن الولد الملامة، لا كذي البلغة قنع فدام له السرور، ورفض الدنيا فسلم له الجسد، ورضي بالكفاف فتنكّبته الحقوق. ضجر أعرابيّ بكثرة العيال والولد مع الفقر وبلغه أنّ الوباء بخيبر شديد فخرج إليها بعياله يعرّضهم للموت، وأنشأ يقول:
[رجز]
قلت لحمىّ خيبر استعدّي هاك عيالي واجهدي وجدّي
وباكري بصالب وورد أعانك الله على ذا الجند
فأخذته الحمّى فمات هو وبقي عياله. وكتب عمر بن الخطاب إلى ابنه عبد الله: يا بنيّ، إتق الله، فإنه من اتّق الله وقاه، ومن توكّل عليه كفاه، ومن شكره زاده، فلتكن التقوى عماد عينيك وجلاء قلبك، واعلم أنه لا عمل لمن لا نية له ولا أجر لمن لا حسبة له، ولا مال لمن لا رفق له، ولا جديد لمن لا خلق له. وقال محمود الورّاق «١»: [سريع]
يا عائب الفقر ألا تزدجر عيب الغنى أكثر لو تعتبر
من شرف الفقر ومن فضله على الغنى إن صحّ منك النظر
أنك تعصي الله تبغي الغنى ولست تعصي الله كي تفتقر
وقال آخر: [مجزوء المديد]
ليس لي مال سوى كرمي فيه لي أمن من العدم
لا أقول الله أعدمني كيف أشكو غير متّهم
[ ١ / ٣٥٧ ]
قنعت نفسي بما رزقت وتمطّت بالعلى هممي
وجعلت الصبر سابغة فهي من قرني إلى قدمي
فإذا ما الدّهر عاتبني لم يجدني كافرا نعمي