حدّثني عبد الرحمن بن عبد المنعم عن أبيه عن وهب بن منبّه أنه وجد في التّوراة: إنّي حين خلقت آدم ركّبت جسده من أربعة أشياء ثم جعلتها وراثة في ولده تنمي في أجسادهم وينمون عليها إلى يوم القيامة: رطب ويابس وسخن وبارد، وذلك لأني خلقته من تراب وماء ثم جعلت فيه نفسا وروحا، فيبوسة كلّ جسد من قبل التراب، ورطوبته من قبل الماء، وحرارته من قبل النفس، وبرودته من قبل الروح، ثم خلقت الجسد بعد هذا الخلق الأوّل أربعة أنواع من الخلق الآخر وهي معلاك الجسد بإذني وقوامه، لا يقوم
[ ٢ / ٧٣ ]
الجسد إلا بهنّ ولا تقوم واحدة إلا بهنّ، المرّة الصفراء والمرّة السوداء والدّم والبلغم، ثم أسكنت بعض هذه الخلق في بعض فجعلت مسكن اليبوسة في المرة السوداء ومسكن الرطوبة في الدم ومسكن البرودة في البلغم ومسكن الحرارة في المرّة الصفراء، فأيّما جسد اعتدلت فيه هذه الفطر الأربع فكانت كلّ واحدة منهنّ ربعا لا يزيد ولا ينقص كملت صحتّه واعتدل بنيانه، وإن زادت واحدة منهنّ غلبتهنّ وقهرتهنّ ومالت بهن ودخل على أخواتها السّقم من ناحيتها بقدر ما زادت وإذا كانت ناقصة تقلّ عنهنّ ملن بها وعلونها وأدخلن عليها السّقم من نواحيهنّ لقلّتها عنهنّ حتى تضعف عن طاقتهن وتعجز عن مقاومتهن. قال وهب: وجعل عقله في دماغه وشرهه في كليته، وغضبه في كبده، وصرامته في قلبه، ورعبه في رئته، وضحكه في طحاله وحزنه وفرحه في وجهه، وجعل فيه ثلاثمائة وستين مفصلا.
قال: حدّثني زيد بن أخزم قال: حدّثنا بشر بن عمر عن أبي الزّناد عن أبيه عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال: «كلّ ابن آدم تأكل الأرض إلا عجب الذنب منه خلق وفيه يركّب» . وقالت الحكماء: الخنث يعتري الأعراب والأكراد والزّنج والمجانين وكلّ صنف إلا الخصيان فإنه لا يكون خصيّ مخنّث. وقالوا: كلّ ذي ريح منتنة وذفر كالتيس وما أشبهه، إذا خصي نقص نتنه وذهب صنانه «١» غير الإنسان فإنّ نتنه يشتدّ وصنانه يحدّ وعرقه يخبث وريحه. وكلّ شيء من الحيوان يخصى فإنّ عظمه يدقّ، فإذا دقّ عظمه استرخى لحمه وتبرّأ من عظمه خلا الإنسان فإنه إذا خصي طال عظمه وعرض.
وقالوا: الخصيّ والمرأة لا يصلعان، والخصيّ تطول قدمه وتعظم. وبلغني أنه كان لمحمد بن الجهم برذون رقيق الحافر فخصاه فجاد حافره، اعتبر ذلك
[ ٢ / ٧٤ ]
بالإنسان إذا خصي عظمت رجله. قالوا: والخصيّ يشتدّ وقع رجله لأن معاقد عصبه تسترخي، ويعتريه الاعوجاج والفدع «١» في أصابعه، وتسرع دمعته، ويتخدّد «٢» جلده، ويسرع غضبه ورضاه، ويضيق صدره عن كتمان السرّ.
ويزعم قوم أنّ أعمارهم تطول لترك الجماع، قالوا: وتلك علّة طول عمر البغل. وقالوا: علّة قصر عمر العصفور كثرة سفاده «٣» . قالوا: وشأن الغريق إذا كان رجلا ثم ظهر على الماء أن يظهر على قفاه، وإن كان امرأة أن تظهر على وجهها. والرجل إذا ضربت عنقه سقط على وجهه ثم يقلبه ذكره إذا انتفخ.
قالوا: وفي الغلمان من لا يحتلم أبدا، وفي النساء من لا تحيض أبدا، وذلك عيب. وفي الناس من لا يسقط ثغره ولا يستبدل منه، منهم عبد الصّمد بن عليّ ذكروا أنه دخل قبره برواضعه «٤» . والضّبّ لا تسقط له سنّ. وكذلك الخنزير لا يلقي شيئا من أسنانه. ولذلك تقول العرب في مثل لها: لا آتيك سنّ الحسل «٥» يريدون لا آتيك أبدا. وتقول الأطبّاء: إنه ليس شيء من الحيوان يستطيع أن ينظر إلى أديم السماء الا الإنسان، وذلك لكرامته على الله. ويقول بعضهم؛ إن الجنين يغتذي دم الحيض يسيل إليه من السّرّة بغذائه؛ وقالوا: لذلك لا تحيض الحوامل. وقد رأينا من الحوامل من تحيض.
[ ٢ / ٧٥ ]
والعرب تقول: حملت فلانة سهوا، إذا حاضت على الحمل. قال الهذليّ «١» يمدح رجلا: [كامل]
ومبّرإ من كلّ غبّر حيضة ورضاع مغيلة وداء معضل «٢»
فأعلمك أنها لم تر عليه دم حيض في حملها، ودلّ على أنه قد يكون.
قالوا: فإذا خرج الجنين من الرّحمن دفعت الطبيعة ذلك الدم الذي كان يغتذيه إلى الثّديين، وهما عضوان ناهدان عصبيّان فغيّراه وجعلاه لبنا. يقول الله ﷿: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشَّارِبِينَ
«٣» . قالوا: والإنسان يعيش حيث تحيا النار ويتلف حيث لا تبقى النار. وأصحاب المعادن والحفائر إذا هجموا على نفق في بطن الأرض أو مغارة قدّموا شمعة في طرف قناة فإن ثبتت النار وعاشت دخلوا في طلب ما يريدون وإلّا أمسكوا. والعرب تتشاءم ببكر ولد الرجل إذا كان ذكرا.
وكان قيس بن زهير أزرق بكرا بين بكرين.
حدّثني محمد بن عائشة عن حمّاد عن قتادة عن عبد الله بن الحارث بن
[ ٢ / ٧٦ ]
نوفل قال: بكر البكرين شيطان مخلّد لا يموت إلى يوم القيامة؛ يعني من الشياطين. قالوا: وابن المذكّرة من النساء والمؤنّث من الرجال أخبث ما يكون، لأنه يأخذ بأخبث خصال أبيه وخصال أمّه. والعرب تذكر أنّ الغيرى لا تنجب. قال عمرو «١» بن معد يكرب: [متقارب]
ألست تصير إذا ما نسب ت بين المغارة «٢» والأحمق
وقال بعض الحكماء: كلّ امرأة أو دابّة تبطىء عن الحبل، إذا واقعها الفحل في الأيام التي يجري الماء في العود فإنها تحمل بإذن الله. قال عبيد الله بن الحسن: إذا أردت أن تذكر المرأة فأغضبها ثم قع عليها. وقال الحارث ابن كلدة: إذا أردت أن تحبل المرأة، فمشّها في عرضة الدار عشرة أشواط فإنّ رحمها ينزل فلا تكاد تخلف. والعرب تقول: إن المرأة إذا لقحت في قبل الطّهر «٣» في أوّل الشهر عند تبلّج الفجر ثم أذكرت «٤» جاءت به لا يطاق. قال الشاعر وجمع هذه المعاني: [خفيف]
لقحت في الهلال عن قبل الطّه ر وقد لاح للصباح بشير
ويقولون: إذا أكره الرجل المرأة وهي مذعورة ثم أذكرت أنجبت. قال أبو كبير الهذليّ: [كامل]
حملت به في ليلة مزؤودة «٥» كرها وعقد نطاقها لم يحلل
[ ٢ / ٧٧ ]
فأتت به حوش الفؤاد مبطّنا سهدا، إذا ما نام ليل الهوجل «١»
ومبرّإ من كلّ غبّر حيضة ورضاع مغيلة وداء معضل «٢»
يقول: لم تر عليه في حملها دما باقيا من حيضة ولا حملته وهي ترضع ولا أرضعته وهي حامل؛ فكانت العرب تكره ذلك وتسبّ به. وقال رسول الله ﷺ»: لقد هممت أن أنهى عن الغيلة «٣» ثم ذكرت أن فارس والروم يفعلونه فلا يضرّهم» وفي حديث آخر: «إنه ليدرك الفارس فيدعثره» أي يطرحه.
حدّثني إسحاق بن راهويه قال: أخبرنا يحيى بن آدم عن الحسن قال:
رأيت جدّة ابنة إحدى وعشرين سنة. قال: وأوّل أوقات حمل المرأة تسع سنين، وهو أوّل وقت الوطء. ودخل رسول الله ﷺ بعائشة وهي بنت تسع.
وقال عبد الله بن صالح: حدّثني اللّيث عن ابن عجلان أنّ امرأته حملت له مرّة وأقامت خمس سنين حاملا ثم ولدت له، وحملت له مرّة أخرى ثلاث سنين ثم ولدت. قال اللّيث: وحملت مولاة لعمر بن عبد العزيز ثلاث سنين حتى خافت أن يكون في جوفها داء ثم ولدت غلاما، قال الليث: ورأيت أنا ذلك الغلام وكانت أمه تأتي أهلنا. وفي بعض الحديث أن عيسى بن مريم ﵇ ولدته أمّه لثمانية أشهر، ولذلك لا يولد مولود لثمانية أشهر فيعيش. وروى زيد بن الحباب عن ابن سنان قال: حدّثني ثابت بن جابان العجليّ أن الضّحّاك بن مزاحم ولد وهو ابن ستة عشر شهرا. فأما يزيد بن هارون فإنه روى عن جويبر أن الضحّاك ولد لسنتين. وولد شعبة لسنتين.
[ ٢ / ٧٨ ]
حدّثنا الرياشيّ أو رجل عنه قال: حدّثنا أبو عاصم عن عبد الله بن مؤمّل عن ابن أبي مليكة أن عمر ﵀ قال: يا بني السائب، إنكم قد أضويتم فانكحوا في النزائع «١» . قال: وقال الأصمعيّ: قال رجل: بنات العمّ أصبر، والغرائب أنجب، وما ضرب رؤوس الأبطال كابن عجميّة. والعرب تقول:
اعتربوا لا تضووا، أي انكحوا في الغرائب فإنّ القرائب يضوين الأولاد. قال الشاعر: [رجز]
إنّ بلالا لم تشنه أمّه لم يتناسب خاله وعمّه
وقال آخر: [طويل]
تنجّبتها للنّسل وهي غريبة فجاءت به كالبدر خرقا «٢» معمّما
فلو شاتم الفتيان في الحيّ ظالما لما وجدوا غير التكذّب مشتما «٣»
وكان يقال: أنجب النساء الفروك «٤»، لأن الرجل يغلبها على الشّبه لزهدها في الرجال.
وحدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ أن المنجبة التي تنزع بولدها إلى أكرم الجدّين. أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: حدّثنا حرب بن قطن قال: يقال: إن الرجل يستفرغ ولد امرأتين، يولد له وهو ابن تسعين سنة. وقالت عائشة: لا تلد امرأة بعد خمسين سنة. قالت الحكماء: الزّنج شرار الخلق وأردؤهم تركيبا؛ لأنّ بلادهم سخنت فأحرقتهم الأرحام، وكذلك من بردت بلاده فلم
[ ٢ / ٧٩ ]
تطبخه الأرحام، وإنما فضل أهل بابل لعلّة الاعتدال؛ قالوا: والشمس شيّطت «١» شعورهم فقبّضتها، والشّعر إذا أدنيته إلى النار تجعّد، فإن زدته تفلفل، فإن زدته احترق وقالوا: أطيب الأمم أفواها الزّنج وإن لم تستنّ «٢»؛ وكل إنسان رطب الفم كثير الريق فهو طيّب الفم؛ وخلوف فم الصائم يكون لخثورة «٣» الريق؛ وكذلك الخلوف في آخر الليل. وقالت الحكاء. كلّ الحيوان إذا ألقي في الماء سبح إلا الإنسان والقرد والفرس الأعسر «٤»، فإن هذه تغرق ولا تسبح إلا أن يتعلّم الإنسان السّباحة. قالوا: والرجل إذا ضربت عنقه فألقي في الماء قام في وسط الماء وانتصب ولم يلزم القعر جاريا كان الماء أو ساكنا، حتى إذا جيّف انقلب وظهر بدنه كلّه مستلقيا إلّا المرأة فإنها تظهر منكبّة على وجهها. وقالوا: كل من قطعت يداه لم يجد العدو، وكذلك الطائر إذا قطعت رجلاه لم يجد الطيران. قالوا: وليس في الأرض هارب من حرب أو غيرها يستعمل الحضر «٥» إلّا أخذ عن يساره إلّا أن يترك عزمه أو سوم طبيعته. ولذلك قالوا: فجاءك على وحشيّة «٦»، وأنحى «٧» على شؤمى يديه.
وقالوا: كلّ ذي عين من ذوات الأربع من السباع والبهائم الوحشيّة والإنسية فإنما الأشفار لجفنه الأعلى إلا الإنسان فإنّ الأشفار- نعني الهدب- لجفنيه:
الأعلى والأسفل. قالوا: ليس في الأرض إنسان إلا وهو يطرب من صوت نفسه ويعتريه الغلط في شعره وولده. قال الطائيّ: [كامل]
[ ٢ / ٨٠ ]
ويسيء بالإحسان ظنّا لا كمن هو بابنه وبشعره مفتون
وقالوا: كلّ ذي جلد فإنّ جلده ينسلخ إلا جلد الإنسان؛ فإنه لا ينسلخ كما تنسلخ جلود الأنعام ولكن اللحم يتبعه.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ عن ابن أبي طرفة الهذليّ عن جندب بن شعيب قال: إذا رأيت المولود قبل أن يغتذي من لبن أمّه فعلى وجهه مصباح من البيان «١»؛ يريد أن ألبان النساء تغيّره؛ ولذلك قولهم: اللبن يشتبه عليه؛ يراد أنه ينزع بالمولود في شبه الظّئر «٢» . قال الشاعر: [بسيط]
لم أرضع الدهر إلّا ثدي واحدة لواضح الوجه يحمي ساحة الدار.
وحدّثني الزياديّ قال: حدّثنا عبد الوارث عن يونس عن الحسن أنّ عمر أتي بامرأة ولدت لستة أشهر فهمّ بها؛ فقال له عليّ: قد يكون هذا، قال الله ﷿: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا
«٣» وقال: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ
«٤» .
أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: اختصم رجلان في غلام كلاهما يدّعيه؛ فسأل عمر أمّه؛ فقالت: غشيني أحدهما ثم هرقت دما، ثم غشيني الآخر،
[ ٢ / ٨١ ]
فدعا عمر قائفين «١» فسألهما؛ فقال أحدهما: أعلن أم أسرّ؛ قال: إشتركا فيه؛ فضربه عمر حتى اضطجع ثم سأل الآخر، فقال مثل قوله؛ فقال: ما كنت أرى أنّ مثل هذا يكون. وقد علمت أن الكلبة يسفدها «٢» الكلاب فتؤدّي إلى كلّ فحل نجله. وركب الناس في أرجلهم وركب ذوات الأربع في أيديها، وكل طائر كفّه في رجليه.