حدّثني أبو حاتم قال: حدّثنا الأصمعي قال لي أيوب: إن من أصحابي من أرجو دعوته ولا أجيز شهادته. قال: وقال سوّار: ما أعلم أحدا أفضل من عطاء السّلمي، ولو شهد عندي على فلسين لم أجز شهادته. يذهب إلى أنه ضعيف الرأي ليس بالحازم إلّا أنه لا يطعن عليه في دينه وأمانته. قال:
وشهد أبو عمرو بن العلاء عند سوّار على نسب فقال سوّار: وما يدريك أنه ابنه؟ قال: كما أعلم أنك سوّار بن عبد الله بن عنزة بن نقب. قال: وشهد
[ ١ / ١٣٦ ]
رجل عند سوّار في دار قد ادّعاها رجل قال: أشهد أنها له من الماء إلى السماء. وشهد آخر فقال للكاتب: أكتب شهادتهما. فقال: أيّ شيء أكتب؟
فقال: كلّ شيء يخرج الدار من يد هذا ويجعلها في ملك هذا فاكتبه. قال أبو حاتم: بلغني أنه إنما قيل شهادة عربية وما أشبهه. قال: وشهد رجل عند سوّار، فقال له: ما صناعتك؟ قال: أنا مؤدّب. قال: فإنّا لا نجيز شهادتك.
قال ولم؟ قال؟ لأنك تأخذ على تعليم القرآن أجرا. قال: وأنت تأخذ على القضاء بين المسلمين أجرا. قال: إني أكرهت على القضاء. قال: يا هذا، القضاء أكرهت عليه فهل أكرهت على أخذ الرزق؟ قال: هلمّ شهادتك.
فأجازها. قال: وشهد الفرزدق عند بعض القضاة فقال: قد أجزنا شهادة أبي فراس، وزيدونا. فقيل له حين انصرف: إنه، والله، ما أجاز شهادتك. قال:
وما يمنعه من ذلك وقد قذفت ألف محصنة. وجاء أبو دلامة «١» ليشهد عند ابن أبي ليلى فقال في مجلسه ذلك: [طويل]
إن القوم غطّوني تغطّيت دونهم وإن يحثوا عني ففيهم مباحث
وإن حفروا بئري حفرت بئارهم ليعلم ما تخفيه تلك النّبائث «٢»
فأجاز شهادته وحبس المشهود عليه عنده وأعطاه قيمة الشيء.
أتى رجل ابن شبرمة بقوم يشهدون له على قراح فيه نخل، فشهدوا وكانوا عدولا فسألهم: كم في القراح من نخلة؟ قالوا: لا نعلم. فردّ شهادتهم. فقال له رجل منهم: أنت تقضي في هذا المسجد منذ ثلاثين سنة، فأعلمنا: كم فيه من أسطوانة؟ فأجازهم.
[ ١ / ١٣٧ ]
وقال بعض الشعراء: [منسرح]
والخصم لا يرتجى النجاة له يوما إذا كان خصمه القاضي
قدّم رجل خصما له إلى زياد في حق له عليه، فقال: إن هذا الرجل يدلّ بخاصّة ذكر أنها له منك. قال: نعم. وسأخبرك بما ينفعه عندي من خاصّته: إن يكن الحقّ له عليك آخذك أخذا عنيفا، وأن يكن الحق لك عليه أقض عليه ثم أقض عنه.
وقال أبو اليقظان: كان عبيد الله بن أبي بكرة «١» قاضيا وكان يميل في الحكم إلى إخوانه. فقيل له في ذلك. فقال: وما خير رجل لا يقطع من دينه لإخوانه؟
قال المدائني: كان بين طلحة بن عبيد الله والزبير مدارأة «٢» في واد بالمدينة. قال: فقالا: نجعل بيننا عمرو بن العاص، فأتياه فقال لهما: أنتما في فضلكما وقديم سوابقكما ونعمة الله عليكما تختلفان! وقد سمعتما من رسول الله ﷺ مثل ما سمعت وحضرتما من قوله مثل الذي حضرت فيمن اقتطع شبرا من أرض أخيه بغير حق أنه يطوّقه «٣» من سبع أرضين! والحكم أحوج إلى العدل من المحكوم عليه وذلك لأن الحكم إذا جار رزىء دينه والمحكوم عليه إذا جير عليه رزىء عرض الدنيا، إن شئتما فأدليا بحجتكما وإن شئتما فأصلحا ذات بينكما. فاصطلحا وأعطى كل واحد منهما صاحبه الرضا.
[ ١ / ١٣٨ ]
وكان السّنديّ بن شاهك لا يستحلف المكاري ولا الحائك ولا الملّاح ويجعل القول قول المدّعي مع يمينه، ويقول: اللهمّ، إني أستخيرك في الجمّال ومعلّم الصبيان.
وقال أبو البيداء: سمعت شيخا من الأعراب يقول: نحن بالبادية لا نقبل شهادة العبد ولا شهادة العذيوط «١» ولا المغذّى ببوله. قال أبو البيداء:
فضحكت والله حتى كدت أبول في ثوبي.
وقيل لعبيد الله بن الحسن العنبري: أتجيز شهادة رجل عفيف تقيّ أحمق؟ قال: لا، وسأريكم. أدعوا لي أبا مودود حاجبي، فلما جاء قال له:
أخرح حتى تنظر ما الريح؟ فخرج ثم رجع فقال: شمال يشوبها شيء من الجنوب. فقال: أتروني كنت مجيزا شهادة مثل هذا؟.
قال الأعمش: قال لي محارب بن دثار «٢»: وليت القضاء فبكى أهلي وعزلت عنه فبكوا، فما أدري مم ذاك؟ فقلت له: وليت القضاء فكرهته وجزعت منه فبكى أهلك، وعزلت عنه فكرهت العزل وجزعت منه فبكى أهلك. فقال: إنه لكما قلت.
قدم إياس بن معاوية الشام وهو غلام فقدّم خصما له إلى قاض لعبد الملك بن مروان وكان خصمه شيخا كبيرا. فقال له القاضي: أتقدّم شيخا كبيرا؟ فقاله إياس: الحق أكبر منه. قال: اسكت. قال: فمن ينطق بحجتي؟
قال: ما أظنك تقول حقا حتى تقوم. قال: أشهد أن لا إله إلا الله. فقام القاضي فدخل على عبد الملك فأخبره بالخبر فقال: اقض حاجته وأخرجه من الشام لا يفسد عليّ الناس.
[ ١ / ١٣٩ ]
قال أعرابي لخصم له: «ولله لئن هملجت «١» إلى الباطل إنك عن الحق لقطوف» .