في الحديث المرفوع: «شكا يوسف ﵇ إلى الله، ﷿ طول الحبس فأوحى الله إليه: من حبسك يا يوسف، أنت حبست نفسك حيث قلت: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ
«٢» ولو قلت: العافية أحبّ إليّ لعوفيت» .
حدّثني عبد الرحمن بن عبد المنعم عن أبيه عن وهب قال: «إن يوسف ﵇ دعا لأهل السجن دعوة لم تزل تعرف لهم إلى اليوم، قال:
اللهمّ، أعطف عليهم قلوب الأخيار ولا تعم عليهم الأخبار» . فيقال: إنهم أعلم الناس بكل خبر في كل بلد.
[ ١ / ١٤٨ ]
وكتب على باب السجن: «هذه منازل البلوى وقبور الأحياء وتجربة الصديق وشماتة الأعداء» .
أنشدني الرياشيّ «١»: [بسيط]
ما يدخل السّجن إنسان فتسأله ما بال سجنك إلا قال مظلوم
وقال أعرابي: [طويل]
ولمّا دخلت السجن كبّر أهله وقالوا: أبو ليلى الغداة حزين
وفي الباب مكتوب على صفحاته بأنّك تنزو «٢» ثمّ سوف تلين
ويقال: إنّ قولهم «تنزو وتلين» رؤي مكتوبا على باب حبس فضربه الناس مثلا.
وقال بعض المسجونين: [متقارب]
وبتّ بأحصنها منزلا ثقيلا على عنق السالك «٣»
وليس بضيف ولا في كرا «٤» ولا مستعير ولا مالك
ولست بغضب ولا كالرّهون «٥» ولا يشبه الوقف عن هالك
ولي مسمعان فأدناهما يغنّي ويسمع في الحالك
وأقصاهما ناظر في السما عمدا وأوسخ من عارك «٦»
[ ١ / ١٤٩ ]
المسمع الأوّل قيده والثاني صاحب الحرس، ونحو قول الآخر:
[متقارب]
ولي مسمعان وزمّارة وظلّ مديد وحصن أمقّ «١»
الزمّارة الغلّ، وأصل الزمّارة السّاجور.
قال أبو عبيدة: اختصم خالد بن صفوان «٢» مع رجل إلى بلال بن أبي بردة «٣»، فقضى للرجل على خالد، فقام خالد وهو يقول: [طويل]
سحابة صيف عن قليل تقشّع «٤»
فقال بلال: أما إنها لا تقشّع حتى يصيبك منها شؤبوب برد. وأمر به إلى الحبس، فقال خالد: علام تحبسني؟ فوالله ما جنيت جناية ولا خنت خيانة.
فقال بلال: يخبرك عن ذلك باب مصمت وأقياد ثقال وقيّم يقال له حفص.
قال الحجاج للغضبان بن القبعثري ورآه سمينا: ما أسمنك؟ قال: القيد والرّتعة «٥»، ومن كان في ضيافة الأمير سمن.
[ ١ / ١٥٠ ]
كان خالد «١» بن عبد الله حبس الكميت «٢» الشاعر فزارته امرأته في السجن فلبس ثيابها وخرج ولم يعرف فقال: [طويل]
ولما أحلّوني بصلعاء صيلم بإحدى زبى ذي اللّبدتين أبي الشّبل «٣»
خرجت خروج القدح «٤» قدح ابن مقبل «٥» على رغم اناف النوابح والمشلي «٦»
عليّ ثياب الغانيات وتحتها عزيمة مرء أشبهت سلّة «٧» النّصل
وكان خالد بن عبد الله حبس الفرزدق فقال: [طويل]
وإني لأرجو خالدا أن يفكّني ويطلق عني مقفلات الحدائد
فإن يك قيدي ردّ همّي فربما تناولت أطراف الهموم الأباعد
وما من بلاء غير كلّ عشية وكلّ صباح زائر غير عائد
يقول لي الحداد هل أنت قائم؟ وما أنا إلّا مثل آخر قاعد
وقال بعض الشعراء في خالد بن عبد الله القسريّ «٨» حين حبس:
[ ١ / ١٥١ ]
[طويل]
لعمري لقد أعمرتم السجن خالدا وأوطأتموه وطأة المتثاقل
فإن تحبسوا القسريّ لا تحبسوا اسمه ولا تسجنوا معروفه في القبائل
وقال بعض المسجونين: [طويل]
أسجن وقيد واغتراب وعسرة وفقد حبيب! إنّ ذا لعظيم
وإنّ امرأ تبقى مواثيق عهده على كل هذا، إنه لكريم
وقال آخر مثله: [طويل]
إلى الله أشكو إنه موضع الشكوى وفي يده كشف المصيبة والبلوى
خرجنا من الدنيا ونحن من اهلها فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى
إذا جاءنا السّجّان يوما لحاجة عجبنا وقلّنا: جاء هذا من الدنيا
وتعجبنا الرّؤيا فجلّ حديثنا إذا نحن أصبحنا، الحديث عن الرؤية
فإن حسنت لم تأت عجلى وأبطأت وإن قبحت لم تحتبس وأتت عجلى
وقال يزيد «١» بن المهلّب وهو في الحبس: يا لهفي على طلبة «٢» بمائة ألف وفرج في جبهة أسد. ودخل الفرزدق على المهلّب وهو محبوس فقال:
[ ١ / ١٥٢ ]
[منسرح]
أصبح في قيدك السماحة وال جود وحمل الدّيات والحسب «١»
فقال له: أتمدحني على هذه الحال؟ فقال: أصبتك رخيصا فاشتريتك «٢» .
وحبس الرشيد أبا العتاهية فكتب إليه من الحبس بأبيات منها:
[منسرح]
تفديك نفسي من كل ما كرهت نفسك إن كنت مذنبا فاغفر
يا ليت قلبي مصوّر لك ما فيه لتستيقن الذي أضمر
فوقّع الرشيد في رقعته: لا بأس عليك. فأعاد عليه رقعة أخرى. فيها:
[وافر]
كأنّ الخلق ركّب فيه روح له جسد وأنت عليه رأس
أمين الله، إن الحبس بأس وقد وقّعت «ليس عليك بأس»
فأمر بإطلاقه.