حدّثنا محمد بن خالد بن خداش قال: حدّثنا سلم بن قتيبة عن ابن أبي ذئب عن المقبريّ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ستحرصون على الإمارة ثم تكون حسرة وندامة يوم القيامة فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة «١» .
حدّثني محمد بن زياد الزيادي قال: حدّثنا عبد العزيز الدّاروردي قال:
حدّثنا شريك عن عطاء بن يسار أن رجلا قال عند النبي ﷺ: بئس الشيء الأمارة «٢» . فقال النبي ﷺ: «نعم الشيء الإمارة لمن أخذها بحقّها وحلّها» .
حدّثني زيد بن أخزم الطائي قال: حدّثنا ابن قتيبة قال: حدّثنا أبو المنهال عن عبد العزيز بن أبي بكرة عن أبيه قال: لما مات كسرى قيل ذلك للنبيّ ﷺ فقال: «من استخلفوا؟» فقالوا: ابنته بوران، قال: «لن يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة» .
حدّثني زيد بن أخزم قال: حدّثنا وهب بن جرير قال: حدّثنا أبي قال:
سمعت أيّوب يحدّث عن عكرمة عن ابن عباس أنه قدم المدينة زمن الحرّة «٣»
[ ١ / ٥٣ ]
فقال: من استعمل القوم؟ قالوا: على قريش عبد الله بن مطيع، وعلى الأنصار عبد الله بن حنظلة بن الراهب فقال: أميران! هلك والله القوم.
حدّثنا محمد بن عبيد قال: حدّثنا معاوية بن عمرو عن أبي إسحق عن هشام بن حسّان قال: كان الحسن يقول: «أربعة من الإسلام إلى السلطان الحكم والفيء والجمعة والجهاد» . وحدّثني محمد قال: حدّثنا أبو سلمة عن حماد بن سلمة عن أيوب عن أبي قلابة قال: قال كعب: «مثل الإسلام والسلطان والناس مثل الفسطاط والعمود والأطناب والأوتاد، فالفسطاط الإسلام، والعمود السلطان، والأطناب والأوتاد الناس، لا يصلح بعضه إلا ببعض» .
حدّثني سهل بن محمد قال: حدّثني الأصمعي قال: قال أبو حازم لسليمان بن عبد الملك: «السلطان سوق فما نفق عنده أتي به» . وقرأت في كتاب لابن المقفّع: «الناس على دين السلطان إلا القليل فليكن للبرّ والمروءة عنده نفاق فسيكسد بذلك الفجور والدناءة في آفاق الأرض» . وقرأت فيه أيضا: «الملك ثلاثة: ملك دين وملك حزم وملك هوى، فأما ملك الدين فإنه إذا أقام لأهله دينهم فكان دينهم هو الذي يعطيهم مالهم ويلحق بهم ما عليهم، أرضاهم ذلك وأنزل الساخط منهم منزلة الراضي في الإقرار والتسليم. وأما ملك الحزم فإنه تقوم به الأمور ولا يسلم من الطعن والتسخّط ولن يضرّه طعن الضعيف مع حزم القوي. وأما ملك الهوى فلعب ساعة ودمار دهر» .
حدّثني يزيد بن عمرو عن عصمة بن صقير الباهليّ قال: حدّثنا اسحق ابن نجيح عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان قال: قال رسول الله ﷺ: «إن لله حرّاسا فحرّاسه في السماء الملائكة وحرّاسه في الأرض الذين يأخذون الدّيوان» .
[ ١ / ٥٤ ]
حدّثني أحمد بن الخليل قال: حدّثني سعيد بن سلم الباهلي قال:
أخبرني شعبة عن شرقيّ عن عكرمة في قول الله ﷿: لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ
»
قال: «الجلاوزة «٢» يحفظون الأمراء» .
وقال الشاعر: [طويل]
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة خليّا من اسم الله والبركات
يعني باسم الله، وفيه قول الله يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ
أي بأمر الله.
وقرأت في كتاب من كتب الهند: «شرّ المال ما لا ينفق منه وشرّ الإخوان الخاذل وشرّ السلطان من خافه البريء وشر البلاد ما ليس فيه خصب ولا أمن» .
وقرأت فيه: «خير السلطان من أشبه النّسر حوله الجيف لا من أشبه الجيفة حولها النسور» وهذا معنى لطيف وأشبه الأشياء به قول بعضهم:
«سلطان تخافه الرعيّة خير للرعية من سلطان يخافها» .
حدّثني شيخ لنا عن أبي الأحوص عن ابن عمّ لأبي وائل عن أبي وائل قال: قال عبد الله بن مسعود: «إذا كان الإمام عادلا فله الأجر وعليك الشكر، وإذا كان جائرا فعليه الوزر وعليك الصبر» .
وأخبرني أيضا عن أبي قدامة عن عليّ بن زيد قال: قال عمر بن
[ ١ / ٥٥ ]
الخطاب ﵁: «ثلاث من الفواقر «١» .: جار مقامة «٢» إن رأى حسنة سترها وإن رأى سيئة أذاعها، وامرأة إن دخلت عليها لسنتك «٣» وإن غبت عنها لم تأمنها، وسلطان إن أحسنت لم يحمدك وإن أسأت قتلك» .
وقرأت في اليتيمة: «مثل قليل مضارّ السلطان في جنب منافعه مثل الغيث الذي هو سقيا الله وبركات السماء وحياة الأرض ومن عليها، وقد يتأذّى به السّفر «٤» ويتداعى له البنيان وتكون فيه الصواعق وتدرّ سيوله فيهلك الناس والدّوابّ وتموج له البحار فتشتدّ البليّة منه على أهله فلا يمنع الناس، إذا نظروا إلى آثار رحمة الله في الأرض التي أحيا والنبات الذي أخرج والرزق الذي بسط والرحمة التي نشر، أن يعظّموا نعمة ربهم ويشكروها ويلغوا ذكر خواصّ البلايا التي دخلت على خواصّ الخلق. ومثل الرياح التي يرسلها الله نشرا بين يدي رحمته فيسوق بها السّحاب ويجعلها لقاحا للثمرات وأرواحا للعباد يتنسّمون منها ويتقلّبون فيها وتجري بها مياههم وتقد بها نيرانهم وتسير بها أفلاكهم وقد تضرّ بكثير من الناس في برّهم وبحرهم ويخلص ذلك إلى أنفسهم وأموالهم فيشكوها منهم الشاكون ويتأذّى بها المتأذّون ولا يزيلها ذلك عن منزلتها التي جعلها الله بها وأمرها الذي سخّرها له من قوام عباده وتمام نعمته. ومثل الشتاء والصيف اللذين جعل الله حرّهما وبردهما صلاحا للحرث والنّسل ونتاجا للحبّ والثمر، يجمعها البرد بإذن الله ويحملها ويخرجها الحرّ بإذن الله وينضجها مع سائر ما يعرف من منافعها وقد يكون الأذى والضرّ في حرّهما وبردهما وسمائمهما وزمهريرهما وهما مع ذلك لا ينسبان إلا إلى الخير
[ ١ / ٥٦ ]
والصلاح. ومن ذلك الليل الذي جعله الله سكنا ولباسا وقد يستوحش له أخو القفر وينازع فيه ذو البليّة والرّيبة وتعدو فيه السّباع وتنساب فيه الهوامّ «١» ويغتنمه أهل السّرق والسّلّة «٢» ولا يزري صغير ضرره بكثير نفعه ولا يلحق به ذمّا ولا يضع عن الناس الحقّ في الشكر لله على ما منّ به عليهم منه. ومثل النهار الذي جعله الله ضياء ونشورا وقد يكون على الناس أذى الحرّ في قيظهم وتصبّحهم فيه الحروب والغارات ويكون فيه النّصب والشخوص وكثير مما يشكوه الناس ويستريحون فيه إلى الليل وسكونه. ولو أن الدنيا كان شيء من سرّائها يعمّ عامة أهلها بغير ضرر على بعضهم وكانت نعماؤها بغير كدر وميسورها من غير معسور كانت الدنيا إذا هي الجنة التي لا يشوب مسرّتها مكروه ولا فرحها ترح والتي ليس فيها نصب ولا لغوب «٣»، فكلّ جسيم من أمر الدنيا يكون ضرّه خاصة فهو نعمة عامة وكل شيء منه يكون نفعه خاصا فهو بلاء عام.
وكان يقال: «السلطان والدين أخوان لا يقوم أحدهما إلا بالآخر» .
وقرأت في التاج لبعض الملوك: «هموم الناس صغار وهموم الملوك كبار وألباب الملوك مشغولة بكل شيء يجلّ وألباب السّوق «٤» مشغولة بأيسر الشيء، فالجاهل منهم يعذر نفسه بدعة ما هو عليه من الرّسلة «٥» ولا يعذر سلطانه مع شدّة ما هو فيه من المؤنة «٦»، ومن هناك يعزّر الله سلطانه ويرشده وينصره.» .
سمع زياد رجلا يسبّ الزمان فقال: «لو كان يدري ما الزمان لعاقبته،
[ ١ / ٥٧ ]
إنما الزمان هو السلطان» .
وكانت الحكماء تقول: «عدل السلطان أنفع للرعية من خصب الزمان» .
وروى الهيثم عن ابن عيّاش عن الشّعبي قال: «أقبل معاوية ذات يوم على بني هاشم فقال: يا بني هاشم، ألا تحدّثوني عن ادعائكم الخلافة دون قريش بم تكون لكم أبالرضا بكم أم بالاجتماع عليكم دون القرابة أم بالقرابة دون الجماعة أم بهما جميعا؟ فإن كان هذا الأمر بالرضا والجماعة دون القرابة فلا أرى القرابة أثبتت حقا ولا أسّست ملكا، وإن كان بالقرابة دون الجماعة والرضا فما منع العباس عمّ النبي ﷺ ووارثه وساقي الحجيج وضامن الأيتام أن يطلبها وقد ضمن له أبو سفيان بني عبد مناف، وإن كانت الخلافة بالرضا والجماعة والقرابة جميعا فإن القرابة خصلة من خصال الإمامة لا تكون الإمامة بها وحدها وأنتم تدّعونها بها وحدها، ولكنا نقول: أحقّ قريش بها من بسط الناس أيديهم إليه بالبيعة عليها ونقلوا أقدامهم إليه للرغبة وطارت إليه أهواؤهم للثقة وقاتل عنها بحقها فأدركها من وجهها. إنّ أمركم لأمر تضيق بها الصدور، إذا سئلتم عمّن اجتمع عليه من غيركم قلتم حقّ. فإن كانوا اجتمعوا على حق فقد أخرجكم الحقّ من دعواكم. أنظروا: فإن كان القوم أخذوا حقكم فاطلبوهم، وإن كانوا أخذوا حقّهم فسلّموا إليهم فإنه لا ينفعكم أن تروا لأنفسكم ما لا يراه الناس لكم. فقال ابن عباس: ندّعي هذا الأمر بحقّ من لولا حقّه لم تقعد مقعدك هذا، ونقول كان ترك الناس أن يرضوا بنا ويجتمعوا علينا حقّا ضيّعوه وحظّ حرموه، وقد اجتمعوا على ذي فضل لم يخطىء الورد والصّدر، ولا ينقص فضل ذي فضل فضل غيره عليه. قال الله ﷿ وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ
«١» فأما الذي منعنا من طلب هذا الأمر بعد رسول الله ﷺ فعهد منه إلينا
[ ١ / ٥٨ ]
قبلنا فيه قوله ودنّا بتأويله ولو أمرنا أن نأخذه على الوجه الذي نهانا عنه لأخذناه أو أعذرنا فيه، ولا يعاب أحد على ترك حقه إنما المعيب من يطلب ما ليس له، وكل صواب نافع وليس كل خطأ ضارّا، انتهت القضية إلى داود وسليمان فلم يفهّمها داود وفهّمها سليمان ولم يضرّ داود. فأما القرابة فقد نفعت المشرك وهي للمؤمن أنفع؛ قال رسول الله ﷺ: «أنت عمّي وصنو أبي ومن أبغض العباس فقد أبغضني وهجرتك آخر الهجرة كما أن نبوّتي أخر النبوّة» . وقال لأبي طالب عند موته: «يا عمّ، قل لا إله إلا الله أشفع لك بها غدا وليس ذاك لأحد من الناس. قال الله تعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا
«١» .
حدّثنا الرياشي عن أحمد بن سلّام مولى ذفيف عن مولى يزيد بن حاتم عن شيخ له قال: قال كسرى: «لا تنزل ببلد ليس فيه خمسة أشياء: سلطان قاهر، وقاض عادل، وسوق قائمة، وطبيب عالم، ونهر جار» .
وحدّثنا الرياشي قال: حدّثنا مسلم بن إبراهيم قال: حدّثنا القاسم بن الفضل قال: حدّثنا ابن اخت العجاج عن العجاج قال: «قال لي أبو هريرة:
ممن أنت؟ قال: قلت من أهل العراق. قال: يوشك أن يأتيك بقعان «٢» الشام
[ ١ / ٥٩ ]
فيأخذوا صدقتك فإذا أتوك فتلقّهم بها فإذا دخلوها فكن في أقاصيها وخلّ عنهم وعنها، وإياك وأن تسبّهم فإنك إن سببتهم ذهب أجرك وأخذوا صدقتك وإن صبرت جاءتك في ميزانك يوم القيامة» . وفي رواية أخرى أنه قال: «إذا أتاك المصدّق فقل: خذ الحقّ ودع الباطل، فإن أبى فلا تمنعه إذا أقبل ولا تلعنه إذا أدبر فتكون عاصيا خفّف عن ظالم» .
وكان يقال: «طاعة السلطان على أربعة أوجه: على الرغبة، والرهبة، والمحبة، والديانة» .
وقرأت في بعض كتب العجم كتابا لأردشير بن بابك إلى الرعية، نسخته: «من أردشير الموبذ «١» ذي البهاء ملك الملوك ووارث العظماء، إلى الفقهاء الذين هم حملة الدين، والأساورة الذين هم حفظة البيضة «٢»، والكتّاب الذين هم زينة المملكة، وذوي الحرث الذين هم عمرة البلاد.
السلام عليكم، فإنا بحمد الله صالحون وقد وضعنا عن رعيتنا بفضل رأفتنا إتاوتها الموظّفة عليها. ونحن مع ذلك كاتبون اليكم بوصية: لا تستشعروا الحقد فيدهمكم العدوّ، ولا تحتكروا فيشملكم القحط، وتزوّجوا في القرابين فإنه أمسّ للرّحم وأثبت للنّسب، ولا تعدّو هذه الدنيا شيئا فإنها لا تبقي على أحد ولا ترفضوها مع ذلك فإن الآخرة لا تنال إلا بها.
[ ١ / ٦٠ ]
وقرأت كتابا من أرسطاطاليس «١» إلى الاسكندر وفيه: «املك الرعية بالإحسان إليها تظفر بالمحبة منها فإن طلبك ذلك منها بإحسانك هو أدوم بقاء منه باعتسافك، واعلم أنك إنما تملك الأبدان فتخطّها إلى القلوب بالمعروف، واعلم أن الرعية إذا قدرت على أن تقول، قدرت على أن تفعل، فاجهد ألا تقول تسلم من أن تفعل» .
وقرأت في كتاب الآيين «٢» أن بعض ملوك العجم قال في خطبة له: «إني إنما أملك الأجساد لا النيات وأحكم بالعدل لا بالرضا وأفحص عن الأعمال لا عن السرائر» .
ونحوه قول العجم: «أسوس الملوك من قاد أبدان الرعية إلى طاعته بقلوبها» .
وقالوا: «لا ينبغي للوالي أن يرغب في الكرامة التي ينالها من العامة كرها ولكن في التي يستحقها بحسن الأثر وصواب الرأي والتدبير» .
حدّثنا الرياشي عن أحمد بن سلّام عن شيخ له قال: «كان أنو شروان إذا ولّى رجلا أمر الكاتب أن يدع في العهد موضع أربعة أسطر ليوقّع فيه بخطه فإذا أوتي بالعهد وقّع فيه: سس خيار الناس بالمحبة وامزج للعامة الرغبة بالرهبة وسس سفلة الناس بالإخافة» .
[ ١ / ٦١ ]
قال المدائني: «قدم قادم على معاووية بن أبي سفيان فقال له معاوية:
هل من مغرّبة خبر؟ قال: نعم، نزلت بماء من مياه الأعراب فبينا أنا عليه أورد أعرابي إبله فلما شربت ضرب على جنوبها وقال: عليك زيادا. فقلت له: ما أردت بهذا؟ قال: هي سدى، ما قام لي بها راع مذ ولي زياد. فسرّ ذلك معاوية وكتب به إلى زياد» .
قال عبد الملك بن مروان: «أنصفونا يا معشر الرعية، تريدون منا سيرة أبي بكر وعمر! ولا تسيرون فينا ولا في أنفسكم بسيرة رعية أبي بكر وعمر! نسأل الله أن يعين كلّا على كل» .
قال عمر بن الخطاب: «إن هذا الأمر لا يصلح له إلا الليّن في غير ضعف والقويّ في غير عنف» .
وقال عمر بن عبد العزيز: «إني لأجمع أن أخرج للمسلمين أمرا من العدل فأخاف أن لا تحتمله قلوبهم فأخرج معه طمعا من طمع الدنيا، فإن نفرت القلوب من هذا سكنت إلى هذا» .
قال معاوية: «لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، قيل: وكيف ذاك؟ قال: كنت إذا مدّوها خلّيتها وإذا خلّوها مددتها» .
ونحو هذا قول الشّعبي فيه: «كان معاوية كالجمل الطّبّ «١»، إذا سكت عنه تقدّم وإذا ردّ تأخر» . وقول عمر فيه: «احذروا آدم قريش وابن كريمها، من لا ينام إلا على الرضا ويضحك في الغضب ويأخذ ما فوقه من تحته» .
[ ١ / ٦٢ ]
وأغلظ له رجل فحلم عنه فقيل له: أتحلم عن هذا؟ فقال: «إني لا أحول بين الناس وبين ألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين سلطاننا» .
كان يقال: «لا سلطان إلا برجال ولا رجال إلا بمال ولا مال إلا بعمارة ولا عمارة إلا بعدل وحسن سياسة» .
قال زياد: «أحسنوا إلى المزارعين فإنكم لا تزالون سمانا ما سمنوا» .
وكتب الوليد إلى الحجاج يأمره أن يكتب إليه بسيرته فكتب إليه: «إني أيقظت رأيي وأنمت هواي، فأدنيت السّيّد المطاع في قومه، ووليت الحرب الحازم في أمره، وقلّدت الخراج الموفّر لأمانته، وقسمت لكل خصم من نفسي قسما يعطيه حظّا من نظري ولطيف عنايتي، وصرفت السيف إلى النّطف «١» المسيء، والثواب إلى المحسن البريء فخاف المريب صولة العقاب، وتمسّك المحسن بحظه من الثواب» .
وكان يقول لأهل الشام: «إنما أنا لكم كالظّليم «٢» الرائح عن فراخه ينفي عنها القذر «٣» ويباعد عنها الحجر ويكنّها «٤» من المطر ويحميها من الضّباب «٥» ويحرسها من الذئاب. يا أهل الشام أنتم الجنّة «٦» والرّداء وأنتم العدّة والحذاء» .
فخر سليم مولى زياد بزياد عند معاوية فقال معاوية: «أسكت، ما أدرك صاحبك شيئا قطّ بسيفه إلا وقد أدركت أكثر منه بلساني» .
[ ١ / ٦٣ ]
وقال الوليد لعبد الملك: يا ابت، ما السياسة؟ قال: «هيبة الخاصّة مع صدق مودّتها واقتياد قلوب العامة بالإنصاف لها واحتمال هفوات الصنّائع» .
وفي كتب العجم: «قلوب الرعيّة خزائن ملوكها فما أودعتها من شيء فلتعلم أنه فيها» .
ووصف بعض الملوك سياسته فقال: «لم أهزل في وعد ولا وعيد ولا أمر ولا نهي ولا عاقبت للغضب واستكفيت على الجزاء وأثبتّ على العناء لا للهوى، وأودعت القلوب هيبة لم يشبها مقت وودّا لم تشبه جرأة وعمّمت بالقوت ومنعت الفضول» .
وقرأت في كتاب التاج: «قال أبرويز «١» لابنه شيرويه وهو في حبسه: «لا توسعنّ على جندك فيستغنوا عنك ولا تضيقنّ عليهم فيضجّوا منك، أعطهم عطاء قصدا وامنعهم منعا جميلا ووسّع عليهم في الرجاء ولا توسّع عليهم في العطاء» . ونحوه قول المنصور في مجلسه لقوّاده: صدق الأعرابي حيث يقول:
أجع كلبك يتبعك. فقام أبو العباس الطّوسي فقال: يا أمير المؤمنين أخشى أن يلوّح له غيرك برغيف فيتبعه ويدعك.
وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري: «أما بعد، فإن للناس نفرة عن سلطانهم فأعوذ بالله أن تدركني وإياك عمياء «٢» مجهولة وضغائن محمولة، أقم الحدود ولو ساعة من نهار، وإذا عرض لك أمران: أحدهما لله، والآخر للدنيا فآثر نصيبك من الله فإن الدنيا تنفد والآخرة تبقى، وأخيفوا الفسّاق واجعلوهم يدا يدا ورجلا رجلا، وعد «٣» مرضى المسلمين واشهد جنائزهم وانتح لهم
[ ١ / ٦٤ ]
بابك وباشر أمورهم بنفسك فإنما أنت رجل منهم غير أن الله جعلك أثقلهم حملا، وقد بلغني أنه قد فشا لك ولأهل بيتك هيئة في لباسك ومطعمك ومركبك ليس للمسلمين مثلها، فإياك يا عبد الله أن تكون بمنزلة البهيمة مرّت بواد خصيب فلم يكن لها همّ إلا السّمن وإنما حتفها في السمن، واعلم أن العامل إذا زاغ زاغت رعيّته، وأشقى من شقي الناس به والسلام» .
هشام بن عروة قال: «صلى يوما عبد الله بن الزّبير فوجم بعد الصلاة ساعة فقال الناس: «لقد حدّث نفسه. ثم التفت إلينا فقال: لا يبعدنّ ابن هند! إن كانت فيه لمخارج لانجدها في أحد بعده أبدا، والله إن كنا لنفرّقه، وما الليث الحرب «١» على براثنه بأجرأ منه فيتفارق لنا. وإن كنا لنخدعه، وما ابن ليلة من أهل الأرض بأدهى منه فيتخادع لنا، والله لوددت أنّا متّعنا به ما دام في هذا حجر (وأشار إلى أبي قبيس) لا يتخوّن له عقل ولا تنتقص له قوّة، قلنا:
أوحش والله الرجل. قال: وكان يصل بهذا الحديث: كان والله كما قال العذري «٢»:
[متقارب]
ركوب المنابر وثّابها معنّ بخطبته مجهر
تريع إليه هوادي الكلام إذا خطل النّثر المهمر «٣»
حدّثني أبو حاتم قال: حدّثنا الأصمعي قال: حدّثنا جدّ سران وسران عمّ الأصمعي قال: «كلّم الناس عبد الرحمن بن عوف أن يكلّم عمر بن الخطاب في أن يلين لهم فإنه قد أخافهم حتى إنه قد أخاف الأبكار في
[ ١ / ٦٥ ]
خدورهنّ. فقال عمر: إني لا أجد لهم إلا ذلك، إنهم لو يعلمون مالهم عندي لأخذوا ثوبي عن عاتقي» .
قال: وتقدمت إليه امرأة فقالت: «يا أبا حفص، الله لك، فقال: ما لك أعقرت؟»
فقالت: صلعت فرقتك «٢» .
قال أشجع السّلميّ «٣» في إبراهيم بن عثمان: [كامل]
لا يصلح السلطان إلا شدّة تغشى البريء بفضل ذنب المجرم
ومن الولاة مقحّم لا يتّقى والسيف تقطر شفرتاه من الدم
منعت مهابتك النفوس حديثها بالأمر تكرهه وإن لم تعلم
كان يقال: «شرّ الأمراء أبعدهم من القرّاء وشرّ القرّاء أقربهم من الأمراء» .
كتب عامل لعمر بن عبد العزيز على حمص إلى عمر: «إن مدينة حمص قد تهدّم حصنها، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في إصلاحه» فكتب إليه عمر «أمّا بعد، فحصّنها بالعدل، والسلام» .
ذكر أعرابي أميرا فقال: «كان إذا ولي لم يطابق بين جفونه وأرسل العيون على عيونه، فهو غائب عنهم شاهد معهم، فالمحسن راج والمسيء خائف» .
كان جعفر بن يحيى يقول: «الخراج عمود الملك وما استغزر بمثل العدل ولا استنزر بمثل الظلم» .
[ ١ / ٦٦ ]
وفي كتاب من كتب العجم أنّ أردشير قال لابنه: «يا بنيّ، إن الملك والدين أخوان لا غنى بأحدهما عن الآخر، فالدين أسّ والملك حارس، وما لم يكن له أس فمهدوم وما لم يكن له حارس فضائع، يا بني، إجعل حديثك مع أهل المراتب وعطيتك لأهل الجهاد وبشرك لأهل الدين وسرّك لمن عناه ما عناك من أرباب العقول» .
وكان يقال: «مهما كان في الملك فلا ينبغي أن تكون فيه خصال خمس: لا ينبغي أن يكون كذابا فإنه إذا كان كذابا فوعد خيرا لم يرج أو أوعد بشرّ لم يخف، ولا ينبغي أن يكون بخيلا فإنه إذا كان بخيلا لم يناصحه أحد ولا تصلح الولاية إلا بالمناصحة ولا ينبغي أن يكون حديدا فإنه إذا كان حديدا مع القدرة هلكت الرعية ولا ينبغي أن يكون حسودا فإنه إذا كان حسودا لم يشرّف أحدا ولا يصلح الناس إلا على أشرافهم، ولا ينبغي أن يكون جبانا فإنه إذا كان جبانا ضاعت ثغوره واجترأ عليه عدوه» .
وقدم معاوية المدينة فدخل دار عثمان فقالت عائشة بنت عثمان:
واأبتاه، وبكت، فقال معاوية: «يا ابنة أخي إنّ الناس أعطونا طاعة وأعطيناهم أمانا وأظهرنا لهم حلما تحته وأظهروا لنا طاعة تحتها حقد ومع كل إنسان سيفه وهو يرى مكان أنصاره فإن نكثنا بهم نكثوا بنا ولا ندري أعلينا تكون أم لنا، ولأن تكوني بنت عمّ أمير المؤمنين خير من أن تكوني امرأة من عرض المسلمين» .
كتب عبد الله بن عباس إلى الحسن بن علي: «إنّ المسلمين ولّوك أمرهم بعد عليّ فشمّر للحرب وجاهد عدّوك ودار أصحابك واشتر من الظّنين «١»
[ ١ / ٦٧ ]
دينه بما لا يثلم دينك وولّ أهل البيوتات والشرف تستصلح بهم عشائرهم حتى تكون الجماعة فإن بعض ما يكره الناس، ما لم يتعدّ الحق وكانت عواقبه تؤدي إلى ظهور العدل وعز الدين، خير من كثير مما يحبون إذا كانت عواقبه تدعو إلى ظهور الجور ووهن الدين» .
حدّثني محمد بن عبيد عن معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق عن الأعمش عن إبراهيم قال: «كان عمر إذا قدم عليه الوفد سألهم عن حالهم وأسعارهم وعمن يعرف من أهل البلاد وعن أميرهم هل يدخل عليه الضعيف؟
وهل يعود المريض؟ فإن قالوا نعم، حمد الله تعالى، وإن قالوا لا، كتب إليه:
أقبل» .