قال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة ﵀: حدّثني عبد الرحمن بن عبد الله بن قريب عن عمه الأصمعي قال: أخبرنا جميع بن أبي غاضرة وكان شيخا مسنّا من أهل البادية وكان من ولد الزّبرقان بن بدر من قبل النساء، قال:
كان الزبرقان يقول: أبغض صبياننا إليّ الأقيعس الذكر الذي كأنما يطّلع في حجره، وإن سأله القوم أين أبوك، هرّ في وجوههم وقال: ما تريدون من أبي.
وأحبّ صبياننا إليّ الطويل الغرلة «١»، السّبط الغرّة، العريض الورك، الأبله العقول الذي يطيع عمّع ويعصى أمه، وإن سأله القوم أين أبوك، قال: معكم.
قال: وقال الأصمعي: قال معاوية: ثلاث من السؤدد: الصّلع، واندحاق البطن، وترك الإفراط في الغيرة.
قال وقيل لأعرابي: بم تعرفون سؤدد الغلام فيكم؟ فقال: إذا كان سائل الغرّة طويل الغرلة ملتاث الإزرة وكانت فيه لوثة فلسنا نشكّ في سؤدده. وقيل لآخر: أيّ الغلمان أسود؟ قال: إذا رأيته أعنق أشدق أحمق فأقرب به من السؤدد. وكان يقال: إذا رأيت الغلام غائر العينين ضيّق الجبهة حديد الأرنبة كأنما جبينه صلاية «٢» فلا ترجه، إلا أن يريد الله أمرا فيبلغه.
[ ١ / ٣٢٥ ]
حدّثنا الرياشيّ عن الأصمعي قال: قريش تمدح بالصّلع.
وأنشد: [رجز]
إنّ سعيدا وسعيد فرع أصلع تنميه رجال صلع
ونظر رجل إلى معاوية وهو غلام صغير فقال: إني أظن هذا الغلام سيسود قومه. فقالت هند: ثكلته إن كان لا يسود إلا قومه.
قال شبيب بن شيبة لبعض فرسان بني منقر: ما مطلت مطل الفرسان ولا فتقت فتق السادة. وقال آخر لسنان بن سلمة الهذليّ: ما أنت بأرسح «١» فتكون فارسا ولا بعظيم الرأس فتكون سيدا. وقال بعض الشعراء: [طويل]
فقبّلت رأسا لم يكن رأس سيّد وكفّا ككفّ الضّبّ «٢» أو هي أحقر
وقال آخر: [طويل]
دعا ابن مطيع للبياع فجئته إلى بيعة قلبي لها غير آلف
فناولني خشناء لمّا لمستها بكفّي ليست من أكفّ الخلائف
وقرأت في كتاب للهند أنه قد قيل في الفراسة والتّوسّم: إنه من صغرت عينه ودام اختلاجها وتتابع طرفها ومال أنفه إلى أيمن شقّيه وبعد ما بين حاجبيه وكانت منابت شعره ثلاثا ثلاثا وطال إكبابه إذا مشى، وتلفّت تارة بعد أخرى، غلبت عليه أخلاق السوء.
كان يقال: أربع يسوّدن العبد: الأدب، والصّدق، والعفّة، والأمانة.
وقال بعض الشعراء في النبي ﷺ: [بسيط]
لو لم تكن فيه آيات مبيّنة كانت بداهته تنبيك بالخبر
[ ١ / ٣٢٦ ]
وقال معاوية: إني لأكره البكاءة «١» في السيد وأحب أن يكون عاقلا متغافلا وقال الشاعر في هذا المعنى: [كامل]
ليس الغبيّ بسيد في قومه لكنّ سيّد قومه المتغابي
ويقال في مثل: «ليس أمير القوم بالخبّ «٢» الخدع» . وقال الفرزدق: [بسيط]
لا خير في خبّ «٣» من ترجى فواضله فاستمطروا من قريش كلّ منخدع
كأنّ فيه إذا حاولته بلها عن ماله وهو وافي العقل والورع
وقال إياس بن معاويه: لست بخبّ والخبّ لا يخدعني. وقال مالك بن أنس عن ابن شهاب: الكريم لمّا تحكمه التجارب.
قال بعض الشعراء: [خفيف]
غير أني أراك من أهل بيت ما على المرء أن يسودوه عار
وقال عمر بن الخطاب ﵁: السيد الجواد حين يسأل، الحليم حين يستجهل، البارّ بمن يعاشر. قال عديّ بن حاتم: السيد الذليل في نفسه، الأحمق في ماله، المطّرح لحقده، المعنيّ بأمر عامّته. سئل خالد بن صفوان عن الأحنف بم ساد، فقال: بفضل سلطانه على نفسه. وقيل لقيس بن عاصم: بم سدت قومك؟ فقال: ببذل القرى وترك المرا «٤» ونصرة المولى. وقال علي بن عبد الله بن عباس: سادة الناس في الدنيا الأسخياء وفي الآخرة الأتقياء. وقال سلم
[ ١ / ٣٢٧ ]
ابن قتيبة لولده: إنكم لن تسودوا حتى تصبروا على سرار الشيوخ البخر. وقال:
الدنيا هي العافية، والصحة هي الشباب، والمروءة الصبر على الرجال. قال عمرو بن هدّاب: كنا نعرف سؤدد سلم بن قتيبة بأنه كان يركب وحده ويرجع في خمسين. وقال رجل للأحنف وأراد عيبه: بم سدت قومك؟ قال: بتركي من أمرك ما لا يعنيني كما عناك من أمري ما لا يعنيك. وقال عبد الملك بن مروان لابن مطاع «١» العنزيّ: أخبرني عن مالك بن مسمع. فقال له: لو غضب مالك لغضب معه مائة ألف لا يسألونه في أيّ شيء غضب. فقال عبد الملك: هذا وأبيك السّؤدد، ولم يل شيئا قط. وكذلك أسماء بن خارجة لم يل شيئا قط.
قيل لعرابة الأوسيّ: بم سدت قومك؟ فقال بأربع: أنخدع لهم عن مالي، وأذلّ لهم في عرضي، ولا أحقر صغيرهم، ولا أحسد رفيعهم. وقال المقنّع الكنديّ وهو محمد بن عميرة «٢»: [طويل]
ولا أحمل الحقد القديم عليهم وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا
وليسوا إلى نصري سراعا وإن هم دعوني إلى نصر أتيتهم شدّا
إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
يعيّرني بالدّين قومي وإنما ديوني في أشياء تكسبهم حمدا «٣»
وقال آخر: [بسيط]
هينون «٤» لينون أيسار ذوو يسر سوّاس مكرمة أبناء أيسار
[ ١ / ٣٢٨ ]
لا ينطقون على الفحشاء إن نطقوا ولا يمارون إن ماروا بإكثار
من تلق منهم تقل لاقيت سيّدهم مثل النجوم التي يسري بها الساري
وقال آخر: [وافر]
وإنّ سيادة الأقوام فاعلم لها صعداء مطلعها طويل
وقال رجل من العرب: نحن لا نسوّد إلا من يوطّئنا رحله ويفرّشنا عرضه ويملّكنا ماله. وفي الحديث المرفوع: «من بذل معروفه وكفّ أذاه فذلك السيد» .
ويقال: لا سؤدد مع انتقام. والعرب تقول: «سيد معمّم» يريدون أنّ كل جناية يجنيها أحد من عشيرته معصوبة برأسه. ويقال: بل السيد منهم كان يعتمّ بعمامة صفراء لا يعتمّ بها غيره. وإنما سمّى الزّبرقان بصفرة عمامته. يقال:
زبرقت الشيء إذا صفّرته، وكان اسمه حصينا. قيل لابن هبيرة: من سيد الناس اليوم؟ قال: الفرزدق، هجاني ملكا ومدحني سوقة. وقال عامر «١» بن الطّفيل: [طويل]
إني وإن كنت ابن سيد عامر وفارسها المشهور في كل موكب
فما سوّدتني عامر عن وراثة أبى الله أن أسمو بأمّ ولا أب
ولكنّني أحمي حماها وأتّقي أذاها وأرمي من رماها بمنكب «٢»
هذا نحو قول الآخر:
[ ١ / ٣٢٩ ]
[رجز]
نفس عصام سوّدت عصاما وعلّمته الكرّ والإقداما
وصيّرته ملكا هماما
وعصام عبد كان للنعمان بن المنذر. وله يقول النابغة [وافر]
فإنّي لا ألوم على دخول ولكن ما وراءك يا عصام؟