قال أبو بكر الخالدي فيه عند تستره بالغيم، وأجاد:
والبدرُ منتقبٌ بغيم أبيضٍ هو فيه بينَ تخفرٍ وتبرجِ
كتنفسِ الحسناءِ في المرآة قدْ نظرتْ محاسنها ولم تتزوجِ
وأخذه ابنُ برد الأندلسي فقال من قطعة:
والبدرُ كالمرآة غيرَ صقلهُ عبثُ العذارى فيه بالأنفاسِ
وقال إبراهيم بن محمد المرادي القيرواني يلغز فيه ويشبهه في حالات مختلفة، ويمدح المعز بن باديس ملك القيروان:
دع ذا وقلْ للناسِ ما طارقٌ يطرقهم جهلًا ولا يتقي
ليس لهُ روحٌ على أنهُ يركبُ ظهرَ الفرسِ الأبلقِ
شيخٌ رأى آدمَ في عصرهِ وهو إلى الآن بخدٍّ نقي
هذا ويمشي الأرض في ليلةٍ أعجبْ به من موثقٍ مطلقِ
وتارةً يوجد في مغربٍ وتارةً يوجدُ في مشرقِ
[ ٢٢ ]
وتارة تبصرهُ عائمًا يسري بشاطئ البحرِ كالزورقِ
وتارةً تلقاهُ في لجةٍ من فوقهِ الماءُ ولم يغرقِ
وتارة تحسبه وهو في سترتهِ والبعضُ منهُ بقي
ذبابةً من صارمٍ مرهفٍ بارزةً من جفنهِ المطبقِ
ذو زوجةٍ أضحى له حسنها يختطفُ الأبصارَ بالرونقِ
حتى إذا جامعها يرتدي بحلةٍ كالورقِ المحرقِ
وهو على عادته دائمًا يجامع الأنثى ولا يلتقي
ثم يجوبُ القفرَ من أجلها مشتملًا في مطرفٍ أزرقِ
وجسمهُ من ذهبٍ جامدٍ وجلده صيغَ من الزئبق
ثم يرى في حينِ إتمامه مثلَ مجنِّ الحرب للمتقي
وهو إذا أبصرته هكذا أحسنُ من صاحبةِ القرطقِ
كأنه وجهُ المعزِّ الذي تاهَ به الغربُ على المشرقِ
وينسب إلى ابن الرومي في مثله:
يا من كغرته الهلالُ أما ترى قمرَ السماءِ وقد بدا في المشرقِ
كخريدةٍ نظرت إلى إلفٍ لها فتنقبت خجلا بكمٍّ أزرقِ
وقال الوأواء:
والبدرُ أول ما بدا متلثمًا يبدي الضياءَ لنا بخدٍّ مسفرِ
فكأنما هو خوذةٌ من فضةٍ قد ركبتْ في هامةٍ من عنبرِ
[ ٢٣ ]
وقال الطغراني مؤيد الدين في مقابلة النيرين:
فكأنما الشمسُ المنيرةُ إذا بدتْ والبدرُ يجنحُ للمغيب ويغربُ
متحاربان مجنُّ ذا قد صاغهُ من فضةٍ ولذا مجنٌّ مذهبُ
وقال ابن مكنسة الإسكندري:
أما ترى البدرَ وقد شقَّ قميصَ الغسقِ
كأنه وجهُ السما ءِ في قناعِ أزرقِ
ومن قصيدة للشريف أبي الحسن علي بن إسماعيل الزيدي:
ألمَّ وفوق رأسِ الليل تاجٌ مكللةٌ جوانبهُ بدرِّ
وقد حملتْ به كفُّ الثريا جني الوردِ أبيضَ غبَّ قطرِ
كأن الزهرةَ الغراءَ فيه وقد طلعت يتيمةُ درِّ بحرِ
وقد ولى الظلامُ ببدرِ تمٍّ كأسودَ حاملٍ مرآةَ تبرِ
ويقرب من هذا قول سليمان بن محمد الطرابلسي من قطعة:
الويحَ لي من طولِ ليلٍ كدتُ أنفدُ قبلَ ينفدْ
سامرتُ فيه كواكبًا كمصابحِ الرهبانِ ركدْ
فكأنها در تنا ثرَ فوقَ أرضٍ من زبرجدْ
والبدرُ في وسطِ السما ءِ كدرهم في كفِّ أسودْ
[ ٢٤ ]
وقال ابن وكيع في الجوزاء وفيه:
وليلةٍ أحييتها ما بين عجبٍ وعجبْ
طار بنا في جنحها جناحُ لهوٍ وطربْ
والبدرُ قد أهدى لنا في ظلمةِ الليل شهبْ
وقد دنتْ جوزاؤهُ إليه تسعى من كثبْ
كأنها روميةٌ في أذنها شنفُ ذهبْ
وقال ابن رشيق فيه وفي الثريا:
يا ربَّ ليلٍ بته مثل مبيتِ لنابغهْ
ولم يساورني سوى عقربِ صدغ لادغهْ
وقد بدا البدرُ المني رُ والثريا بازغهْ
كأنهُ ترسُ لجينٍ حولَ درعٍ سابغهْ
وقال أيضًا من قطعة:
والثريا قبالةَ البدرِ تحكي باسطًا كفهُ ليأخذَ جاما
وقال ابن بابك في أرجوزة:
والبدرُ كالمرآةِ واللألاءِ حليتها كواكبُ الجوزاءِ
كأنه في كبدِ السماءِ حديقةٌ فيها غديرُ ماءِ
[ ٢٥ ]
وقال في المعنى من قصيدة:
والليل درعٌ قد تسمر ظلُّه والنجمُ في لحظاته إغضاءُ
والبدرُ يضحكُ كالغدير تكشفت عن جانبيه حديقة خضراءُ
ولأبي نصر سهل بن المرزبان فيه وفي الثريا:
كم ليلةٍ أحييتها ومؤانسي طرفُ الحديثِ وطيبُ حثِّ الأكؤسِ
سميتُ بدرَ سمائها لما دنتْ منه الثريا في ملاءَةِ حندس
ملكًا مهيبًا قاعدًا في روضةٍ حياهُ بعضُ الزائرين بنرجسِ
وقال أبو محمد عبد العزيز الحاكم المعافر الصقلي:
وكأنَّ البدرَ والمريخُ إذا وافى إليه ملكٌ يوقدُ ليلًا شمعةً بين يديه
وقال علي بن محمد بن حبيب التميمي من قصيدة:
ورأيتُ العشرى كجذوة نارٍ والثريا كالجوشنِ المزرورِ
وترى أنجم المجرةِ منها في مسيل كالجدولِ الممطورِ
وكأنَّ النجومَ زهرُ رياضٍ قد أحاطتْ من بدرها بغديرِ
بمنير قد استدار به التم مُ فأضحى كجامةِ البلورِ
وقال ابن المعتز في تشبيهه عند انتصافه:
ما ذقتُ طعم النوم لو يدري كأنَّ جنبيَّ على الجمرِ
في قمرٍ مستبرقٍ نصفه كأنهُ مجرفةُ العطرِ
[ ٢٦ ]