ومن أحسن ما قيل في تشبيه ضوء الشمس على الماء قول ابن المعتز ووصف إبلا:
فتبدى لهنَّ بالنجفِ المقفى ماءٌ صافي الجمام غريُّ
يتمشى على حصًى يسلبُ الماءُ قذاهُ فمتنه مجليُّ
فإذا قابلتهُ ذرةُ شمسٍ خلته كسرتْ عليهِ الحلى
وقال ابن قلاقس من قطعة:
وللنيلِ تحتَ ثيابِ الأصي لِ لجينٌ توشحَ بالعسجدِ
فأشبهَ إذْ درجتهُ الصبا برادةَ تبرٍ على مبردِ
وقال مؤيد الدين الطغرائي في تشبيه الشمس قابلت غديرا:
حولَ غديرٍ ماؤه دارعٌ والأرضُ من رقته حاسرهْ
قد ركب َالخضراء فيه فمنْ حصبائه أنجمها الزاهره
والشمسُ إذ حاذته وقت الضحى حسناءُ في مرآتها ناظرهْ
[ ٣١ ]
وهذا من قولِ ابن المعتز يصف غديرًا:
ما إن يزالُ عليه ظبيٌ كارعُ كتطلع الحسناءِ في المرآةِ
وقال ابن وكيع:
غديرٌ تدرجُ أمواجهُ هبوبُ الرياح ومرُّ الصبا
إذا الشمسُ من فوقهِ أشرقتْ توهمتهُ زردًا مذهبا
وقال السلامي من قطعة:
ونهرٌ تمرحُ الأمواجُ فيه مراحَ الخيل في رهجِ الغبارِ
إذا اصفرتْ عليه الشمسُ خلنا نميرَ الماءِ يمزج بالعقارِ
كأنَّ الماءَ أرضٌ من لجينٍ مغشاةٌ صفائحَ من نضارِ
وقال أيضًا من قصيدة:
ولم تر بحرًا جرى بالعقارْ ولا ذهبًا صيغ منه جبل
إلى أن جرتْ دجلةٌ بالشعاعِ وطنبَ بالنورِ أعلا القلل
وكنا نرى الموجَ من فضةٍ فذهبهُ النورْ لما اشتعلْ
وقال البحتري في بركة الجعفري:
إذا علتها الصبا أبدتْ لها حبكًا مثلَ الجواشن مصقولٌ حواشيها
إذا النجومُ تراءتْ في جوانبها ليلًا حسبتَ سماءً ركبت فيها
[ ٣٢ ]
وقد أخذ هذا الصنوبري فقال:
ولما تعالى البدرُ واشتدَّ ضوؤهُ بدجلة في تشرينَ بالطولِ والعرضِ
وقد قابل الماءُ المفضضُ نوره وبعض نجوم الليلِ يطفي سنا بعضِ
توهم ذو العينِ البصيرة أنه يرى باطنَ الأفلاكِ في ظاهر الأرض
ولأبي الحسن الصقلي في تشبيه ضوء السراج على الماء، وأحسن:
شربنا مع غروب الشمس شمسًا مشعشعةً إلى وقتِ الطلوعِ
وضوء السرج فوقَ الليلِ بادٍ كأطرافِ الأسنةِ في الدروعِ
وذكر أبو الصلت أميةُ في يوم المهرجان إلى الأفضل:
أبدعت للناس منظرًا حسنًا لا زلت تحيى السرورَ والطربا
ألفت بين الضدينِ مقتدرًا فمن رأى الماءَ خالطَ اللهبا
كأنما الماءُ والشموع به أفقُ سماءٍ تألقتْ شهبا
قد كان من فضةٍ فصيره توقدُ النارِ فوقهُ ذهبا
وأنشدني الفقيه همام بن راجي الله لنفسه:
رأيتُ الماءَ قابلهُ سراجٌ ولاحَ الضوءُ من فوقِ الحبابِ
فقلتُ لصاحبي لما اجتمعنا هدى البرق من خللِ السحابِ
[ ٣٣ ]
وهذا مأخوذ من قول غلام البكري الأندلسي:
أعجبْ بمنظر ليلةٍ ليلاءِ تحيى بها اللذاتُ فوقَ الماءِ
في منظرٍ يزهى بغرةِ أغيدٍ يختالُ مثل البانةِ الغناءِ
قرنت يداهُ الشمعتين بوجههِ كالبدرِ بينَ النسرِ والجوزاءِ
والتاحَ تحتَ الماءِ ضوءٌ منهما كالبرقِ يخفقُ في غمام سماءِ
وأخذه غلام البكري من قول إبراهيم بن غانم القيرواني في البحر:
يأتيكَ من كدرِ الزواخرِ متنهُ بممسكٍ من مائهِ ومصندلٍ
وكأنَّ ضوءَ البدرِ في تمويجهِ برقٌ تموج في سحابٍ مقبل
وقال المملوك من مزدوجة:
والشمسُ قدْ مالتْ لنحوِ المغربِ فموهتْ لجينهُ بالذهبِ
وفتحتْ في ساعةِ الأصيلِ وردتها في خدهِ الأسبلِ
كأنما النورُ وتدرجُ الصبا ينشرُ فوقَ الماءِ درعًا مذهبا
[ ٣٤ ]