من أحسن ما قيل فيه قول ابن المعتز من مزدوجته:
وقد بدت فوقَ الهلالِ كرتهُ كهامةِ الأسودِ شابتْ لحيتهْ
وكذلك قوله:
أهلًا بفطرٍ قد أنار هلالهُ الآنَ فاغدُ على الشرابِ وبكرِ
وانظر إليهِ كزورقٍ من فضة قد أثقلتهُ حمولةٌ من عنبرِ
وأخذ هذا المعنى ظافر الحداد فقال من قطعة:
والجو من شفقِ الغروبِ مفروزٌ كحديقةٍ حفتْ بوردٍ أحمر
وبدا الهلالُ لليلتينِ كأنهُ فترٌ حوى تفاحةً من عنبرِ
وأخذ ابن قلاقس قول ابن المعتز وزاد عليه زيادة من قبل الصنعة فقال:
أنظرْ إلى الشمسِ فوقَ النيلِ غاربةً وانظرْ لما بعدها من حمرةِ الشفقِ
[ ١١ ]
غابتْ وأبقتْ شعاعًا منه يخلفها كأنما احترقتْ بالماءِ في الغرقِ
وللهلالِ فهل وافى لينقذها في إثرها زورقٌ قد صيغَ من ورق
ومن هذا الإعجاز قول أبي منصور الديلمي أنشده الثعالبي في تتمة اليتيمة:
وحاكى هلال الأفقِ في أعين الورى مراةً تبدى بعضها من إهابها
ومما ينسب إلى ابن المعتز هذه الأبيات:
قم فاسقني الخمرَ يا نديمي فإنه آفةُ الهمومِ
فقد تبدى هلالُ شهر قدومه أيمنُ القدوم
كأنهُ في السماءِ فخٌّ ينتظر الصيدَ للنجوم
وزاد عليه القاضي التنوخي فقال:
اسقني واسقِ صاحبي بأكفِّ الكواعبِ
من مدامٍ مزجتها بدموعِ السحائبِ
والهلالُ الذي يلو حُ خلالَ السحائبِ
مثل فخٍّ من اللج ينِ لصيدِ الكواكبِ
وقال أبو بكر الخالدي وقصر:
ربَّ ليل فضحتهُ بضياءِ ال راح حتى تركتهُ كالنهارِ
[ ١٢ ]
ذي سماءٍ كخرم ونجم مشرقات كنرجس وبهارِ
وهلالٍ يلوحُ في ساعدِ الغر بِ كدبوس فضة أو سوارِ
وأجود منه قول الأمير تميم، وإن كان مأخوذًا منه:
ربَّ صفراءَ عللتني بصفرا ء وجنح الدجى خليعُ الإزارِ
وكأنَّ الدجى غدائرُ شعرٍ وكأنَّ النجومَ فيه مداري
وانجلى الغيمُ عنْ هلالٍ تبدى في يدِ الأفقِ مثلَ نصفِ سوارِ
وأخذه علي بن محمد بن حبيب التميمي من قصيدة:
ولا ضوء إلا من هلال كأنما تفرق منه الغيم عن نصف دملجِ
وأخذه الشريف أبو الحسن علي بن إسماعيل الزيدي القيرواني فقال من قصيدة:
كأنَّ طلوعَ أنجمهِ كؤوسٌ سقى الشرقُ الغروبَ بها عقارا
وفي ذيلِ الغروبِ سليلُ شمسِ كما شطرت منعمةٌ سوارا
وأخذه نشو الملك بن المنجم وزاد عليه، وذكر غروب الشمس فقال:
وعشي كأنما الأفق فيه لازوردٌ مرصعٌ بنضارِ
قلتُ لما دنتْ لمغربها الشم سُ ولاحَ الهلالُ للنظارِ
أقرضَ الشرقُ صنوهُ الغرب دينا رًا فأعطاهُ الرهنَ نصف سوارِ
[ ١٣ ]
ومن الشعر الذي تظهر عليه الشطارةُ قول مؤيد الدين الطغرائي أبي إسماعيل:
قوموا إلى لذاتكم يا نيام وأترعوا الكاس بصفو المدام
هذا هلالُ الشهرِ قد جاءنا بمنجلٍ يحصدُ شهرَ الصيام
وقال ابن وكيع من قصيدة:
ولاح لي هلالها كقوسِ رامٍ إذْ يغطْ
أو حاجبٍ ذي شمطٍ ظلَّ من التيه يمطْ
وزاد المملوك على هذا زيادة من طريق الصنعة فقال:
انظر لحسن هلال الجو كيف سرى إلى منازله في غايةِ الصغرِ
كأنما قوسه ما بينَ جبهتهِ وطرفهِ حاجبٌ قد شابَ في كبر
وقال ابن حمديس في طلوع الهلال، عند السحر في أواخر الشهر وأجاد:
وربَّ ليلٍ سهرناهُ وقد طلعتْ بقيةُ البدرِ في أولىَ بشائرهِ
كأنما أدهمُ الإظلامِ حين نجا من أشهبِ الصبحِ ألقَى نعل حافرهِ
ومما ينسب إلى ابن المعتز:
قم يا غلامُ فهاتها كرخيةً حمراءَ تحكي حمرة المارينجِ
[ ١٤ ]
وانظر إلى حسنِ الهلالِ كأنهُ نونٌ مذهبةٌ على فيروزج
وقال السري من قطعة:
ضحكتْ أوجه اللذاذةِ بالفط رِ ولاحتْ طوالعُ السراءِ
وكأنَّ الهلالَ نونُ لجينٍ غرقت في صحيفةٍ زرقاء
وأخذه الوأواءُ فقال:
هلالها من خلل السحابِ كمذهبِ النونِ من الكتابِ
أو طرفِ السيفِ من القرابِ
وأخذه أبو عبد الله بن الحدادِ الأندلسي أخذًا عجيبًا فقال:
وبدا هلالُ الفطر فيها سائرًا وسطَ السماءِ كأنهُ العرجون
فكأنَّ بانَ الصومُ خط بجوهِ خطًا دقيقًا بانَ منه النونُ
وأخذه ظافر الحداد فقال:
لما تجلى هلالُ العيد عادَ بما قد كنتُ آنسُ من لهوٍ ومن طربِ
يلوحُ في الأفق الغربيِّ من شفق كالنونِ خطتْ على لوحٍ من الذهبِ
وللسري الموصلي، وأجاد:
ألا عد لي بباطية وكاس ورع همي بإبريق وطاس
[ ١٥ ]
وذكرني بشعر أبي نواس على روض كشعرِ أبي فراس
وغيمٍ مرهفات البرق فيه عوارٍ والرياضُ به كواسي
وقد سلتْ جيوشُ الفطرِ فيهِ على شهرِ الصيامِ سيوفَ باسِ
ولاحَ لنا الهلالُ كشطرِ طوقٍ على لبابِ زرقاءِ اللباس
وقد أربى هذا على قول ابن المعتز:
وكأنَّ الهلالَ طوقُ عروسٍ بات يجلى على غلائلَ سود
وقال ظافر الحداد وأجاد:
أما ترونَ هلالَ العيدِ حين بدا للعين منه بقايا جرم دائره
كحرف جامٍ من البللورِ قابله ضوءٌ وأخفى الدجى إشراقَ سائرهِ
أو درهمٌ فوق دينارٍ تجللهُ سترًا وضاقَ عن استيعابِ آخرهِ
وقال ابن المعتز من قصيدة:
ولاحَ ضوءُ هلالٍ كادَ يفضحنا مثل القلامةِ قد قدتْ من الظفرُ
وقال علي بن محمد بن حبيب التميمي من قصيدة:
في ليلةٍ أنفٍ كأنَّ هلالها صدعٌ تبين في إناء زجاج
كفل الزمانُ لأختها بزيادةٍ من نورهِ فأتى كوقف العاج
وقال من أخرى:
فلما قضى منه السحابُ قضاءه وأنفقَ في تحديقهِ كل ناظرِ
بدا مستدقَّ الجانبينِ كأنهُ على الأفقِ الغربيِّ مخلبُ طائر
[ ١٦ ]
وهو من قول ابن وكيع:
طاف بها يجلو ظلام الغيهبِ كالبدرِ يمشي في الدجى بكوكبِ
وقد بدا ضوءُ هلالٍ أحدبِ يلوح في الجو كقرني عقربِ
كمنسرٍ من طائرٍ أو مخلبِ
وقال التميمي أيضًا من قصيدة:
إذا استثبتته العينُ لاحَ كأنه وقد كادَ يخفى في الدجى خطُّ مفرقِ
وأضمره الإسهادُ حتى كأنهُ على الأفقِ الغربي قوسُ مفوقِ
وقال ابن وكيع من قطعة:
يلوحُ لي هلالها كمثل نصفِ الزردهْ
[ ١٧ ]