الفصل الثاني: في تشبيه الأنهار الهادئة والغدران الساكنة.
الفصل الثالث: في ذكر التشبيه الواقع في تغير ماء الأنهار بالمدود.
الفصل الرابع: فيما يتعلق بوصف الأنهار وذكر ما قيل من التشبيه في المراكب.
الفصل الخامس: في تشبيه الفوارات وما شابها.
[ ٥٩ ]
الفصل الأول:
فيما قيل في الأنهار عند تجعيدها بمر الريح عليها
ومن أحسن ما قيل في ذلك قول الأمير تميم بن المعز:
يومٌ لنا بالنيلِ مختصرٌ ولكلِّ وقتِ مسرةٍ قصرُ
والسفنُ تصعدُ كالخيول بنا فيه وجيشُ الماءِ ينحدرُ
وكأنما أمواجه عكنٌ وكأنما داراته سررُ
وقال ابن وكيع في تشبيهه بالعكن:
خذها بكفنْ فاترِ الجفونِ على خليجٍ أملسِ المتونِ
أمواجه كعكنِ البطونِ ذي زردٍ كالزردِ الموضونِ
كسلخِ أيمٍ أو كسلخ نونِ
وله أيضًا:
سقاني كأسَ الراحِ شاطئُ جدولٍ تداريجه يحكينَ بطنًا معكنا
إذا صافحتهُ راحةُ الريحِ خلتها بتكسيرها إياهُ ثوبًا مغبنا
وإنما أخذ الأمير تميم أبياته من قول الصنوبري:
طربتُ إلى شطِّ الفراتِ عشيةً بكلِّ فتًى كالسيفِ أروعَ صنديدِ
[ ٦١ ]
وقد عبثتْ فيه الصبا فتخالهُ طريقُ لجينٍ ذا ربى وأخاديدِ
تروقكُ داراتٌ عليه كأنها خواتمُ حسنٍ في خدود مهًا غيدِ
وقال الرصافي الأندلسي:
وجدولٍ كاللجينِ سائلْ صافي الحشى أزرقِ الغلائلْ
عليه شكلٌ صنوبريٌ تفتلُ مِنْ مائهِ خلاخلْ
ووجدت منسوبًا إلى الوأواء:
شربنا على النيل لما بدا بمدهِ يزيدُ ولا ينقصُ
فخلنا تحركَ أمواجه كأعطافِ جاريةٍ ترقصُ
وأخذه الحسن بن رشيق فقال من قصيدة:
خليليَّ هل أعطيتما اللحظَ حقهُ من البركةِ الحسناءِ شكلًا ومنظرا
إذا باشرتْ أولى النسيم حسبتها من الرنجِ المفروكِ ثوبًا منشرا
كأنَّ شباكًا ألقيتْ في متونها فأبقتْ مثالًا فوقها قد تسطرا
ويتركها مرُّ القبول كما انثنت معاطفُ ثوبي راقصٍ قد تكسرا
وقال أيضًا وزاد وأجاد:
لدينا بركةٌ كالبدر حسنًا وليس يصيبها كالبدرْ نقصُ
[ ٦٢ ]
كأنَّ الريحَ تأتيها بريًا حبيٍب قد تباعد منه شخصُ
فيطرِبها إلى أن يعتريها من الإطرابِ تصفيقٌ ورقصُ
وهذا المعنى مأخوذ من أبياتٍ وجدتها منسوبةً إلى ابن المعتز، ولستُ أظنها له:
كأنما النيلُ إذا نسيمُ ريحٍ حركهْ
بنيةٌ ترقصُ في غلالةٍ ممسكهْ
تريكَ من تخليعها في كلِّ عضوٍ حركهْ
وأخذ ابن رشيق البيت الثالث من قول ابن وكيع:
قم فاسقني قهوةً إذا انبعثتْ في باخلٍ جادَ بالذي ملكهْ
لو خامرتْ صخرةً بسورتها لأحدثت في سكونها حركهْ
على غدير إذا الصبا درجتْ في متنه أظهرتْ لنا حبكهْ
كأن أيدي الرياح قد بسطتْ لنا على وجهِ مائهِ شبكهْ
والأصل قول الصنوبري:
سقى حلبًا سافكٌ دمعه بطيءُ الرقو إذا ما سفكْ
ميادينها بسطهن الرياض وأنهارها وسطهنَّ البرَكْ
ترى الريحَ تنسجُ من مائها دروعًا مضعفةً أو شبكْ
كأنَّ الزجاجَ عليها أذيبَ وماءَ اللجينِ بها قدْ سبكْ
وقال ظافرُ الحداد من قصيدة:
وطورًا على ماءِ الخليج وقد جلا عليه نسيمُ الريحِ كشحًا معكنَا
كأنَّ حبابَ الماءِ ثوبٌ مرايشٌ وقد شابه لونُ الضحى فتلونا
وكانَ كأحناكِ الظباءِ تثاءَبتْ فأظهرنَ تدريجًا هناكَ مغضنا
إذا برم التيارُ داراتهِ حكى أناملَ خراط تجرد مدهنا
[ ٦٣ ]
ولحمد بن الحسن فيها، وذكر تغيره بالمد:
والنهرُ مكسوٌّ غلالةَ فضةٍ وإذا جرى سيلٌ فثوبُ نضارِ
وإذا استقامَ رأيتَ صفحةَ منصلٍ وإذا استدار رأيتَ عطفَ سوارِ
وقال الأمير أبو فراس:
أنظرْ إلى زهرِ الربيع والماءِ في بركِ البديعْ
وإذا الرياحُ جرتْ علي هِ في الذهابِ وفي الرجوعْ
نثرتْ على بيض الصفا ئح بيننا حلق الدروعْ
وقال أبو الصلت من قطعة:
للهِ يومي ببركةِ الحبش والجو بينَ الضياءِ والغبش
والنيلُ بينَ الرياحِ مضطرب كصارمٍ في يمين مرتعش
وقال ابن حمديس يصفُ نهرًا من قطعة:
له رعدةٌ تعتادهُ في انحداره كما تبسط الكفُّ البنان وتقبضُ
وتحسبهُ إن حبكتْ متنهُ الصبا عمودًا علاهُ النقشُ وهو مفضضُ
وقال ظافر الحدادُ من قصيدةٍ يصفُ نهرًا:
ترى منهُ تحتَ الماءِ درعًا وجوشنًا وسيفًا بلا غمد إذا كانَ راكدا
كأن الصبا لما أدارت حبابه تمرُّ على سيفٍ صقيلٍ مباردا
[ ٦٤ ]
وقال ابن رشيق من قصيدة:
والماءُ ساجٍ مستكينٌ هيبةً لمعزِّ دين الله ذي الآلاءِ
ذوبٌ من البلور عاد لوقته في هيئة الياقوتةِ الزرقاء
يحكي المباردَ بالمتونِ وتارةً كبطونِ حياتٍ على رمضاء
وقال ابن المعتز من قصيدة:
وكأن درعًا مفرغًا من فضةٍ ماءُ الغديرِ جرتْ عليه صباك
وقال ابن التمار الواسطي:
أما ترى اليومَ في أثوابه الجددِ يحكيكَ يا غرةَ الأيام والأبدِ
فاشربْ وسقِّ الندامى من مشعشعة كلونِ خدكَ لم تنقصْ ولم تزدِ
على خليج إذا هبَّ النسيمُ به أبصرتهُ من حبيك الريح كالزرد
ومن أحسن ما قيل ومن أطرفه قول المعرى من قصيدة:
وكم تصيدتُ والصبا شركي سربَ ظباءٍ ألحاظهنَّ ظبا
على غديرٍ بروضةٍ نظمتْ نوارها حولَ بدرهِ شهبا
يدق فيه الغمام أسهمهُ فيكتسي من نصالها حببا
ويعجمُ الطلُّ ما تخطُّ على صفحتيه مر شمألِ وصبا
ضروبُ وشي كأنما خلع الأي م عليهنَّ بردهُ طربا
[ ٦٥ ]
وقال الرصافي الأندلسي في نهر عليه شجرة:
ومهلهلِ الشطين تحسبُ أنهُ متسيلٌ من درةٍ لصفائهِ
فاءَتْ عليه مع الهجيرة سرحةٌ صدئتْ لفيئتها صفيحةُ مائهِ
فتراهُ أزرق في غلائلِ سمرةٍ كالدارِعِ استلقَى لظلِّ لوائهِ
وقال ابن قلاقس من قطعة:
ومجلسٍ أشقَّ تعاريجهُ نهرٌ كما شقَّ الطروبُ الردا
كأنه والماءُ في متنه صرحُ سليمانَ الذي مردا
يلمعُ كالسيفِ فإنْ درجتْ منه الصبا أبصرته مبردًا
وقال أيضًا في بركة:
قد صفتَ واعتلى الحبابُ عليها فهي سيان مع كؤوسِ الراح
يا لها أنصلًا بواطنَ لولاَ زردٌ ظاهرٌ بأيدي الرياحِ
أيُّ درعٍ موضونةِ النسجِ تمتدْ دُ السواقي منها ببيضِ الصفاحِ
وللمولى تاج الملوك، نور الله ضريحه:
أنظرْ إلى النيلِ الذي ظهرتْ به آياتُ ربي
فكأنه في جريه دمعي وفي الخفقانِ قلبِي
[ ٦٦ ]