ومن أحسن ما قيل في ذلك قول القاضي التنوخي:
لم أنسَ دجلة والدجى متصوب والبدرُ في أفقِ السماءِ مغربُ
فكأنها فيه رداءٌ أزرقٌ وكأنه فيها طرازٌ مذهبُ
وقال المملوك من قطعة يظن أنه زاد فيها على هذا المعنى:
والليلُ فرعٌ بالكواكبِ شائبٌ فيه مجرته كمثلِ المفرقِ
ولربما يأتي الهلالُ ببحرهِ متصيدًا حوتَ النجوم بزورقِ
حتى إذا هبتْ على الماءِ الصبا وألاحَ نورُ تمامه بالمشرقِ
أبدى لنا علمًا بهيجًا مذهبًا قد لاحَ من تجعيدِ كم أزرقِ
وحكى برادةَ عسجدٍ قد رامَ صا ئغها يؤلفُ بينها بالزئبق
وهذا معنى غريبٌ لا يظنُّ المملوكُ أنه سبق إليه.
ومن أحسن ذلك أيضًا قولُ ابن التمار الواسطي:
قم فانتصفْ من صروفِ الدهرِ والنوبِ واجمعْ بكأسكَ شملَ اللهوِ والطربِ
أما ترى الليلَ قد ولتْ عساكرهُ مهزومةً وجيوشُ الصبح في الطبِ
البدرُ في الأفق الغربي تحسبهُ قد مد جسرًا على الشطينِ من ذهبِ
[ ٢٧ ]
وقد قالَ المملوك من قطعة زاد فيها على هذا المعنى من قبل الصنعة وهي:
بشاطئ نهرٍ كالسماءِ نجومه ال حصى فوقه مثل الهلالِ سماري
فلما أتانا عسكرُ الليلِ راكبًا على الشهبِ في نقعِ الدياجرِ ساري
ألاحَ عليه البدرُ في الغربِ نورهُ فسارتْ خفايا فوقهُ ودراري
كأنَّ جيوشَ الليلِ حاولنَ قطعهُ فمدَّ عليهِ البدرُ جسر نضار
ومن أطرف ذلك قول منصور بن كيغلغ:
قام الغلامُ يديرها في كفهِ فحسبتُ بدرَ التمِّ يلثمُ كوكبا
والبدرُ يجنحُ للأفولِ كأنهُ قد سلَّ فوقَ الماءِ سيفًا مذهبا
ومثله في الحسنِ قول ابن وكيع:
قم يا غلامُ أدرْ عليَّ بسحرةٍ كأسًا كطعم العيشِ بل هي أطيبُ
لا سيما والنيلُ يلمعُ فوقهُ بدرٌ لوقتِ مغيبه متصوبُ
وكأنَّ صفحَ الماءِ درجٌ أبيض فيه لضوءِ البدرِ سطرٌ مذهبُ
ويلحقه في الجودة قول الأمير تميم:
يا رب ليلٍ بته ناعمًا بينَ ربى المختارِ والجسرِ
أخرجُ فيه لصبًا من صبًا وأستحثُّ الخمرَ بالخمرِ
والبدرُ قد شدَّ على نيلهِ منطقةً من خالصِ التبرِ
وقال كشاجم:
ما زلتُ أسقاها على وجهِ غزالٍ موفقِ
[ ٢٨ ]
مختمٍ بختمٍ بمثلهِ ممنطقِ
والبدرُ فوق دجلة والصبحُ لما يشرقِ
كحلةٍ من ذهبٍ فوقَ رداءٍ أزرقِ
وقال علي بن محمد التميمي من قصيدة:
وتخال مطردَ الحباب بنوره في حيثُ ما استقبلتَ معدنَ زئبقِ
يختالُ فوق الماءِ من لألائهِ في مثل منطقةِ اللجين المطرقِ
ومن أخرى له:
وكأنَّ السحابَ تذرو على الأرْ ضِ إذا قابلته مسكًا فتيقا
تتلقى أضواءه حبكُ الما ءِ كما لاعبَ الحبابُ الغريقا
كلما ارتجتْ الرياحُ عليه خلتَ منه بالماءِ قلبًا خفوقا
وقال السلامي من قصيدة:
على نهر سلِّ في دجى الليل من رأى كواكبه زهرًا تكاملنَ أم زهرا
إذا طلعتْ فيه النجومُ فما ترى به العينُ إلا الثلجَ مستودعًا خمرا
يرى قد أعادَ الليلُ مسكًا ثرى له وماءً أعاد البدرُ فضتهُ تبرا
وأنشدني القاضي النفيسُ عبد الغني بن الفطرسي الكاتب لنفسه وأجاد فيه:
يا حبذا النيل وحس نُ موجهِ المطردِ
[ ٢٩ ]
والبدرُ يحكي فوقهُ من أفقهِ على يدِ
كجوشنٍ من فضة عليه ترسُ عسجدِ
وقال المملوك بديهًا على شاطئ النيل:
جلستُ بشاطئ النيل ليلًا وقد بدا به ضوءُ بدرِ التم والماءُ مهتدي
فخلنا له من مائهِ سيفَ فضةٍ موشى من البدرِ المنيرِ بعسجدِ
وقال أيضًا:
تأملْ مياهَ الخليج الذي أتى لكَ من أمره بالعجبْ
وقد درجتهُ الصبا سحرةً وقابلهُ البدرُ لما غربْ
حكى زردًا صيغَ من فضةٍ وقد موهوا بعضهُ بالذهبْ
ولابن رشيق من قصيدة:
وجرى شعاعُ البدر فيه فانثنى كاللازورد المذهبِ الأثناءِ
[ ٣٠ ]