قال رسول الله ﷺ إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت وقال الشاعر
إذا لم تصن عرضًا ولم تخش خالقًا وتستحي مخلوقًا فما شئت فاصنع
وقالوا فلان لا يستحيي من الشر ولا يحب أن يكون من أهل الخير فلو أفلتت كلمة سوء لم تنسب إلا إليه وإن رفعت لعنة لما وقعت إلا عليه وسئل معاوية عن السفلة فقال الذي ليس له فعل موصوف ولا نسب معروف كما قال بعض الاعراب وقد سئل عن رجل فقال عليه كل يوم قسامة من فعله تشهد عليه بلؤم أصله وشهادات الأفعال أصدق من شهادات الرجال وقال بعض
[ ٧٥ ]
العارفين أفعال المر مشهود لواصفيه وسئل محمد بن الحسن عن السفلة فقال من يبخل بقطعه الحجام ويفعل في الطريق فعل الطغام وقال الأصمعي السفلة من لا يبالي بما قال أو قيل له وقال يحيى بن أكثم السفلة الذي لا يعيبه ما صنع وقال أبو مسلم ألأم الأعراض عرض لم يرتع فيه مدح ولا ذم وسمع الأحنف رجلًا يقول لا أبالي مدحت أو ذممت فقال يا هذا استرحت من حيث تعب الكرام
فمن فعلات من خلع في اللؤم الرسن المكافأة بالقبيح عن الفعل الحسن
من أمثال العرب في ذلك أكفر من ناشرة وذلك أن همام بن مرة كان قد أخذ ناشرة من أمه لما مات أبوه وضاقت بتربيته ذرعًا فرباه وأحسن إليه فلما بلغ الحلم هجاه هجوًا قبيحًا فنهاه عنه فتركه حتى تام واغتاله وحكى الأصمعي أن أعرابيًا ربى جرو ذئب وجعل يغذيه بلبن شاة له حتى كبر فخرج معها يومًا للرعي كعادته فحركته الطبيعة الدنية والنفس الذئبية على افتراس الشاة فلما رأى الأعرابي الشاة فريسة أنشد
عقرت شويهتي وفجعت قومي بشاتهم وأنت لها ربيب
غذيت لبانها ونشأت معها فمن أنباك أنّ أباك ذيب
إذا كان الطباع طباع سوء فليس بنافع أدب الأديب
وأغار خيثمة بن مالك الجعفي على بني القين فاستاق منهم إبلًا فأطلقوا خلفه الأعنة فلم يقدروا عليه ولا وصلوا إليه فنادوه وقالوا له إن أمامك مفازة ولا ماء معك وقد فعلت جميلًا فانزل ولك الذمام والخباء فنزل فلما اطمأن وسكن أخذته سنة فنام فوثبوا عليه وقتلوه
ومما يستغرب منه ويستعجب في هذا الباب ويستعذب
لما حارب الحجاج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بر زمن أصحاب عبد الرحمن عبد الله بن سواد الحارثي وطلب المبارزة فبرز إليه بعض أصحاب الحجاج فقتله عبد الله ثم عاد فطلب المبارزة فخرج إليه آخر فقتله ثم عاد
[ ٧٦ ]
فطلب البراز فخرج إليه آخر فقتله ثم عاد وطلب البراز فقال الحجاج للجراح بن عبد الله الحكمي اخرج إليه فخرج فقال له عبد الله وكان صديقًا له ما أخرجك قال ابتليت بك قال فهل لك في خير قال الجراح وما هو قال أنهزم لك فترجع إلى الحجاج وقد أحسنت عنده وأما أنا فأحتمل مقالة الناس في انهزامي حبًا لسلامتك فإني لا أحب قتل مثلك من قومي قال افعل فحمل الجراح على عبد الله فاستطرد له عبد الله وتبعه الجراح يريد قتله فصاح بعبد الله غلام له وكان ناحية عنه وكان معه إداوة وقال له يا سيدي إن الرجل يريد قتلك فعطف على الجراح فضربه بعمود على رأسه فصرعه فقال له يا جراح بئس ما جزيتني به أردت لك العافية وتريد قتلي انطلق فقد تركتك للصداقة التي بيني وبينك فشتان ما بين الفعلين قصد أبو بكر الخوارزمي الصاحب بن عباد ومدحه بقصيدة قال فيها
وما خلقت كفاك إلا لأربع عوائد لم يخلق لهنّ يدان
لشكرك أفواه وتنويل نائل وتغليب هندي وأخذ عنان
فلما بلغ إلى هذا البيت قال له لم تذكر القلم وهو آلة الكاتب وبه تقدم ورأس فقال قصيدة مدحه بها جاء منها
يد تراها أبدًا فوق يد وتحت فم
ما خلقت بنانها إلا لسيف وقلم
فخلع عليه كل ملبوسه وخلع عليه كل من كان في مجلسه من الثياب موافقة للصاحب فحصلت له مائة جبة فلم يرضه ذلك وانصرف فهجاه بقوله
لا تحمدنّ ابن عباد ولو مطرت كفاه بالجود حتى جازت الديما
لكنها خطرات من وساوسه يعطى ويمنع لا بخلًا ولا كرما
[ ٧٧ ]
واتفق إن مات الخوارزمي عقب قوله هذه الأبيات فلما بلغ الصاحب موته قال
سألت بريدًا من خراسان مقبلًا أمات خوارزميكم قال لي نعم
فقلت اكتبوا بالجص من فوق قبره ألا لعن الرحمن من يكفر النعم
ومما يدل على خبث نجار اللئيم الغدر بمن يركن إليه ويستنيم
قال رسول الله ﷺ إذا جمع الله الأولين والآخرين رفع لكل غادر لواء وقيل هذه غدرة فلان وقالوا من نقض عهده ومنع رفده فلا خير عنده وقالوا العذر يصلح في كثير من المواطن ولا عذر لغادر ولا خائن شاعر
أخلق بمن رضى الخيانة شيمة أن لا يرى إلا صريع حوادث
ما زالت الآراء تلحق بؤسها أبدًا بغادر ذمّة أو ناكث
وقالوا الغدر من صغر القدر ويقال من تعدى على جاره دل على لؤم نجاره وقال علي ﵁ الوفاء بأهل الغدر غدر والغدر بأهل الغدر وفاء ذكر أن عيسى ﵇ مر بانسان يطارد حية وهي تقول له واله لئن لم تذهب عني لأنفخن عليك نفخة أقطعك بها قطعًا فمضى عيسى وعاد فوجد الحية في جونة الرجل محبوسة فقال لها ويحك أين ما كنت تقولين قالت يا روح الله إنه حلف لي وغدر وأن سم غدره أقتل له من سمي أعرق الناس في الغدر عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس بن معد يكرب فإن عبد الرحمن غدر بالحجاج لما ولاه بلاد خراسان وادعى الخلافة وقاتله وكانت بينهم ثمانون وقعة وكان آخرها دائرة السوء عليه وغدر محمد بن الأشعث بأهل طبرستان وكان عبيد الله ولاه إياها فصالح أهلها على أن لا يدخلها ثم عاد إليهم غادرًا فأخذوا عليه الشعاب وقتلوا ابنه أبا بكر وغدر الأشعث بن قيس ببني الحرث بن كعب غزاهم فأسروه ففدى نفسه بمائتي بعير فأعطاهم مائة وبقيت عليه مائة فلم
[ ٧٨ ]
يؤدها لهم حتى جاء الاسلام فهدم ما كان في الجاهلية وكان بين قيس بن معد يكرب وبين مراد عهد إلى أجل فغزاهم في آخر يوم من الأجل وكان يوم الجمعة فقالوا له إنه لا يحل لنا أن نقاتل يوم السبت فأخرهم فلما كان صبيحة السبت قاتلهم فقتلوه وهزموا جيشه وغدر معد يكرب بمهرة وكان بينه وبينهم عهد إلى أجل فغزاهم ناقضًا لعهدهم فقتلوه وفتقوا بطنه وملؤه بالحصا
ومما ينزع لباس الحسب والصيانة رفول المرء في أطمار الخيانة
قال رسول الله ﷺ لا غيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له وقال ﷺ لا تزال أمتي بخير ما لم تر الأمانة مغنمًا والصدقة مغرمًا ومن الحكايات في هذا الباب ما يحكي أن شهر بن حوشب وكان من أجلة القراء وأصحاب الحديث دخل على معاوية وبين يديه خرائط قد جمعت لتوضع في بيت المال فقعد على إحداها ومعاوية يراه فلما رفعت الخرائط فقد من عددها خريطة فأعلم الخازن بذلك معاوية فقال هي محسوبة لكم ولا تسألوا عن أخذها وفيه يقول الشاعر
لقد باع شهر دينه بخريطة فمن يأمن القراء بعدك يا شهر
كان للمأمون خادم يسرق طسه الذي يتوضأ فيه فقال له يومًا هلا إذا سرقت تأتيني بما تسرقه فأشتريه منك قال فاشتر مني هذه وأشار إلى التي بين يديه قال بكم هي قال بدينارين قال على أن لا تسرقها فقال نعم فأعطاه دينارين ولم يعد الخادم يسرق شيأً لما رأى من حلمه عنه وقال المنصور لعامل بلغه عنه خيانة يا عدو الله وعدو أمير المؤمنين وعدو المسلمين أكلت مال الله وخنت خليفة الله فقال يا أمير المؤمنين نحن عيال الله وأنت خليفته والمال مال الله فمن أين نأكل إذًا فضحك منه وأطلقه وأمر أن لا
[ ٧٩ ]
يولي عملًا بعدها سرق رجل في مجلس أنوشروان جام ذهب وهو يراه فلما فقده الشرابي قال والله لا يخرج أحد حتى يفتش فقال أنوشروان لا تتعرض لأحد فقد أخذه من لا يرده ورآه من لا ينم عليه وأودع بعض التجار عند قاضي معرة النعمان وديعة وغاب عنها مدة فلما جاء طالبه بها فأنكرها فتشفع إليه برؤساء بلده في ردها فلم يزالوا به حتى أقر بها وادعى أنها سرقت من حرزه فاستحلفه فحلف فعمل فيه ابن الدويرة الشاعر المعري أبياتًا منها
لا يصدق القاضي الخؤن إذا ادّعى عدم الوديعة من حصين المودع
إن قال قد ضاعت فيصدق إنها ضاعت ولكن منك يعني لو تعي
أو قال قد وقعت فيصدق إنها وقعت ولكن منه أحسن موقع
وقال ابن حجاج
وأدعوهم إلى القاضي عساهم إذا وقع الجحود يحلفوني
وأضيع ما يكون الحق عندي إذا عزم الغريم على اليمين
آخر
إذا حلفوني بالغموس منحتهم يمينًا كسحق إلا لحميّ الممزق
وإن أحلفوني بالعتاق فقد درى سحيم غلامي أنه غير معتق
وإن أحلفوني بالطلاق رددتها على خير ما كانت كان لم تطلق
وقف بعض المجان على قبر سارق فقال رحمك الله فلقد كنت أحمر الأزار حاد السكين إن نقبت فجرد وإن تسلقت فسنور وإن استلبت فحدأة وإن ضربت فقاض ولكنك اليوم وقعت في زاوية سوء وليس كل حبس تحبس فيه إلى التناد على أموال العباد
[ ٨٠ ]