وهذه القضية يقع فيها كثير من فقراء الزوايا، ومجاوري الترب والمدارس ونحوهم، فإن كثيرًا من الناس يأتي إليهم فيتبرك بهم ويدعوهم إلى منزله ليقرأوا للميت ختمًا، ويكون الميت قد ترك في الورثة محجوزًا كطفل ومجنون، أو غائبًا كما تقدم. وفي البيت آلة الأكل كطحين ودبس وأرز ونحو ذلك، فيصنعون لهم من ذلك ما يأكلون، فيأتون يسعون أفواجًا، ويجلسون على أشياء محرمة كجلود النمور عند الشافعية وغيرها، فيبتدئ بهم المشار إليه معهم، فيزعمون أنهم يقرأون ختمًا ويهدونه وما يكونون قرأوا نحو ثُمُن. وبلغني أن بعضهم يقرأ سورة الإخلاص ثلاث مرات ويقول أو يحلف أنه قرأ للميت فلان ختمًا تامًا، ثم يدعوا، فمنهم من يذكر في دعائه ما يهيج أهل الميت على البكاء، ومنهم من يحسن صوته ويرفعه بلا خشوع ولا خضوع، ومنهم من يظهر الصلاح في هيئته ونطقه، ثم يقول في دعائه وإهدائه: وأجعل اللهم ثواب هذه الختمة المعظمة المبجلة المشرفة الميمونة إلى صحائف سيدنا رسول الله ﷺ،وإلى أو زيادة في شرفه. فيتجرأ على الجناب الرفيع، وذلك أدبه معه، وقد أفتى بترك ذلك على سبيل الأحترام غير واحد من العلماء المتأخرين، فإنه لم يأذن في ذلك ولم يشرعه وجميع المشروعات الصادرة منه أجرها وأجر من عمل بها إلى الأبد. ثم بعد فراغهم من دعائهم يؤتى بالسماط، فينظرون إلى مكان يخرج منه ذلك الطعام السُّحت، وإلى النوع الفاخر منه، ثم يأكلون كأكل الأطفال الجائعين، وبعضهم يحمل معه في وعاء إن قدر، وإلا في كمه بعد أكله وشبعه. حتى إن بعضهم يكون صائمًا فيفطر على ذلك عند إفطاره.
وقد قال حجة الإسلام الغزالي: زلة الصوفي حرام. هذا مع اتصافه بذلك، فإن كان ذلك، ليس بصوفي، ولا يشتغل في المدرسة. كما شرط الواقف، فهو أبلغ ولهذا قال العالم الرباني تقي الدين الحسني: وكثيرًا ما يسكن المدارس من لا يتأتى منه التحصيل، بل هو يعطل نفسه، فهذا لا يعطي بلا خلاف، ولو كان مقبلًا على العبادة، لأن نفعه قاصر على نفسه، بخلاف المشتغل بالعلم الشرعي، فإنه متعد إلى غيره، وكُلًاّ لا تحل له الزكاة، انتهى ملخصًا.
[ ٦ ]
والحاصل أن الأكل من هذه الوضيمة والحالة ما ذكر حرام بلا خلاف. وفي مسند الفردوسي للديلمي من حديث أبن مسعود: أن رسول الله ﷺ قال: " من أكل لقمة من حرام - أي وهو عارف - لم تقبل له صلاة أربعين ليلة ". وفيه من حديث أبن عمر: " من لم يسأل من أين أكتسب المال، لم يسأل الله تعالى من أين أدخله النار ". وقال أبن عباس: لا يقبل الله صلاة امرئ في جوفه حرام. وقد أكل أبو بكر الصديق طعامًا، ثم ظهر فيه شبهة فقذفه وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لحم بنت من حرام النار أولى به ". وكذا ورد عن عمر. فما بالك بهذا الحرام المحقق قال تعالى: (الّذِيْنَ يَأْكُلُوْنَ أمْوَالَ اليَتَامى ظُلْما إنّما يَأْكُلُونَ في بُطُوْنِهِم نَاْرًا وسَيَصْلوْنَ سَعِيْرًا) السادسة: