ومن المنكر ما لو كان هناك داعية إلى بدعة ولا يقدر المدعو على رده، أو مضحك بالفحش والكذب كما قاله الغزالي في الأحياء، أو هناك آنية ذهب أو فضة كما قاله النووي في شرح مسلم.
الشرط السادس: أن يدعوه في اليوم الأول.
فلو أولم ثلاثة أيام فلا تجب في اليوم الثاني بلا خلاف بل تستحب، ولا يتاكد استحبابها كاليوم الأول، وتكره الإجابة في اليوم الثالث، وقيل خلاف الأولى، لقوله ﷺ: " الوليمة في اليوم الأول حق، وفي الثاني معروف، وفي الثالث رياء وسمعة " رواه الأربعة بسند جيد. وروى أن سعيد نب المسيب دعي مرتين فأجاب، ودعي الثالثة فحصب الرسول. وعن الحسن البصري أنه قال: كان يقال: الدعوة أول يوم حق، والثاني حسن، والثالث رياء وسمعة، وهما منهي عنهما شرعًا. قال النبي ﷺ: " من رأى رأى الله به، ومن سمع سمع الله به ". وقال السبكي: وظاهر هذا الكلام إنه سواء كان المدعو في اليوم الثاني هو المدعو في اليوم الأول أو غيره، وليس في كلام الأصحاب تعرض لذلك. وقال مالك: لا بأس للموسر أن يولم سبعة أيام انتهى. وقال الدميري: فلو أولم في يوم مرتين، فإن كان لسببين فلكل حكم، وإن كان لسبب واحد فالظاهر أن الثاني كاليوم الأول انتهى.
الشرط السابع - أن يدعو مسلم.
فإن دعاه ذمي فلا تجب الإجابة على ما قطع به الجمهور. وقال القونوي: ولا يكون الاستحباب في إجابة دعوته كالاستحباب في إجابة دعوة المسلم في سائر الولائم انتهى. لأن مخالطته مكروهة، لأنه قد يستقذر طعامه لاحتمال نجاسته ولتصرفاته الفاسدة، ولأن في ذلك مواددة وهي مكروهة للنهي عنها. قال الزركشي: إلا أن يرجى بذلك إسلامه، وقال تلميذه الحصني: والصواب التحريم، ويدل عليه الآيات الواردة في القرآن في غير موضع قال تعالى: (لا تَتَّخِذُوْا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أوْلِيَاءَ تُلْقُوْنَ إلَيْهِمْ بالْمَوَدَّة) وقال تعالى: (لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُوْنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّوْنَ مَنْ حَاْدَّ اللهَ وَرَسُوْلَهُ) الآية. فقد نفى الله تعالى الوجدان ممن آمن فدل على أن من وادد ليس بمؤمن. وقد عدى بعض العلماء ذلك إلى مواددة الفسقة من المسلمين، فحرم مجالستهم على سبيل المؤنسة. وقد صرح النووي وغيره بذلك، ولهذا كان سفيان الثوري يطوف بالبيت، فقدم الرشيد يريد الطواف، فقطع سفيان طوافه وذهب وتلا هذه الآية: (لا تَجِدُ قَوْمًا )، وكذلك صنع ابن أبي داود، وتمسك بعموم اللفظ انتهى.
الشرط الثامن - أن يكون طعام الداعي مباحًا.
[ ٢٤ ]
فإن لم يكن مباحًا بأن كان أكثر ماله حرامًا، أو فيه شبهة، كرهت الإجابة. وإن علم أن عين الطعام حرام، حرمت الإجابة. قال الزركشي وهذا يؤدي إلى سقوط الإجابة في هذا الزمان، لغلبة الشبهة انتهى. قال الحصني: فإن لم يكن مباحًا، كطعام المكثر والظلمة من أمراء الجور وقضاة الرشى وأتباعهم من فقهاء المزبلة، الذين يأكلون الأوقاف بغير استحقاق من عدم القيام بشروط الواقفين، أو كان في الوقف شيء يحتاج إلى العمارة، فأن كانت المدرسة ونحوها خراب، فهو أشد في التحريم، والأكل من ذلك من الكبائر لا خلاف في ذلك عند أحد، ومن استحله فهو كافر بلا خلاف، لأن تحريم ذلك مجمع عليه. وكذا المتصوفة الذين ليسوا بصفة القوم، أكلهم من الربط والزوايا حرام لا خلاف في ذلك، ولو أعطي أحد منهم مالًا ليتخذ به عدوة وهو على غير صفة القوم فهو حرام أيضًا لا خلاف فيه، صرح به الغزالي.
فمثل هؤلاء لا تجب إليهم، بل يجب الإنكار على من يحضر عندهم، وإن كان فقيهًا يشار إليه بالفضل والعلم. فأعرف ذلك واتبع الحق، فما بعده إلا الضلال، والله أعلم انتهى.
الشرط التاسع - عدم الأعذار المرخصة في ترك الجماعة.
قال العمراني في البيان: وما كان عذرًا في حضور الجماعة، كان عذرًا في الوليمة بل أولى، وهو يقتضي الامتناع بأكل ماله رائحة كريهة ونحوه، أو كان له عذر شرعي لكون المدعوين، وكذا شدة الحر والبرد إذا منع من تصرف غيره، والمطر الذي يبل الثوب، لا كثرة الزحام خلافًا لمالك. وقال في الاستقصاء: وعن دعي إلى وليمة وهو مريض أو قيم مريض، أو مشتغل بتجهيز ميت، أو طفي حريق، أو طلب حاجة، أو رد عبد آبق، أو جمل شارد أو فرس عاثر، أو ضائق على نفسه أو ماله، أو كان في حر شديد أو برد بريد، لم تجب الإجابة، كما لا يجب عليه السعي إلى الجمعة مع وجود ذلك. وإن دعي وهو شبعان أو متخم، أو كان به حياء أو انقباض، أو كان زِحام يرجو زواله، لم يكن له ترك الإجابة لما مضى انتهى.
الشرط العاشر - أن لا يكون تعيّن عليه حق كأداء الشهادة أو صلاة الجنازة.
وقال الماوردي إن كان المدعو عبدًا لزمه الإجابة إن أذن سيده، وإلا فلا، أو مكاتبًا لزمه الحضور إن لم يضر بكسبه وإلا فلا، إلا أن يأذن السيد. ففي لزومها بإذنه وجهان، والمحجور عليه لسفه كالرشيد.
الشرط الحادي عشر - أن لا يكون الداعي ظالمًا أو فاسقًا أو شريرًا أو متكلفًا طلبًا للمباهاة والفخر.
قاله في الإحياء، لما روى البيهقي في الشعب: عن عمران بن الحصين، أن النبي ﷺ نهى عن الإجابة لطعام الفاسقين. وفيه: عن أنس، أنّ النبي ﷺ قال: " إذا مُدِحَ الفاسق في الأرض، غضب الرب واهتز عرش الرحمن ". وأغرب ابن يونس في شرح التعجيز أن لا يكون من المبتدعة الغلاة.
الشرط الثاني عشر - إطلاق تصرف المولم.
فلا تجب إجابة المحجور عليه لسفه، وإن أذن وليه، لأنه مأمور بحفظ ماله لا بإتلافه. نعم لو أولم العبد بإذن السيد التحق بالحر، قاله الماوردي. وقال في الاستقصاء: ولا يجوز لمن دعاه عبد إلى طعام أن يحضر، إلا أن يأذن السيّد، وإن دعاه مكاتب إلى طعام فإن كان بغير إذن السيد لم يجز، وإن كان بإذنه ففيه وجهان، أحدهما يجوز، والثاني لا يجوز انتهى.
الشرط الثالث عشر - أن لا يكون المدعو قاضيًا.
فإنها لا تلزمه على الصحيح عند الشافعية، بل قال الرويّاني: الأولى في زماننا أن لا يجيب أحدًا لخبث الزمان. وقال الأذرعي: ويشبه أن يكون في معناه كل ذي ولاية عامة بالنسبة إلى رعيته. وقال ابن العماد: وينبغي للقاضي أن يسد عليه أبواب الهدايا والضيفات، ويقطع آمال الناس منه انتهى. وقال في المختار: ولا يقبل هدية أجنبي لم يهد له قبل القضاء، ولا يحضر دعوة إلا العامة.
الشرط الرابع عشر - أن لا يعارض الداعي غيره.
[ ٢٥ ]
فإن دعا اثنان فصاعدًا أجاب الأسبق، وعند المعية أجاب الأقرب رحمًا، ثم الأقرب دارًا. وقال ابن العماد: إذا دعا اثنان شخصًا إلى وليمتين، قال النووي: أجاب السابق، فإن جاءا معًا، فإن كان منهما أحد من أقاربه فذو رحم، فإن استويا في القرب أو في البعد أجاب الأقرب منهما، لما روى أحمد وأبو داود: أن النبي ﷺ قال: " إذا اجتمع داعيان فأجب أقربهما إليك بابًا، فإن أقربهما إليك بابًا أقربهما إليك جوارًا، وإن سبق أحدهما فأجب الذي سبق ". ولم يعترض لما إذا استوت دورهما في القرب. والذي يظهر القرعة، فمن خرجت قرعته أجابه وترك الآخر انتهى. وذكر في الاستقصاء لابن درباس: وإذا دعاه اثنان كل واحد منهما إلى وليمة نفسه، فإن أمكن الجمع بينهما بأن تكون إحداهما عند طلوع الشمس والأخرى بعد ذلك أجابهما، وإن لم يكن الجمع بينهما بأن كانتا في وقت واحد أجاب السابق منهما في ذلك، فإن استويا في السبق بأن كلماه معًا أجاب أقربهما رحمًا، فإن استويا في الرحم أجاب أقربهما إليه دارًا، أي باب داره لأنه من أبواب البر. فكان التقديم فيه على ما ذكرناه كصدقة التطوع، فإن استويا في ذلك أقرع بينهما لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر فقدم بالقرعة، كما لو أراد السفر ببعض نسائه.
الشرط الخامس عشر - أن لا يعتذر المدعو عن الحضور.
فإن اعتذر له فرضي بتخلفه زال الوجوب وارتفعت كراهة التخلف كلها، أطلقوه. وقضية أنه لا فرق بين أن يكون العذر شرعيًا أو ليس على حقيقته وفيه احتمال. وفي البسيط: لو علم بقرينة الحال أنه لا يعزّ على الداعي امتناعه، ففيه تردد، حكاه في الذخائر. وظاهر الحديث يقتضي المنع.
الشرط السادس عشر - أن يكون للمرأة إذا دعت الرجال محرم.
فالأجنبي لا يجيب دعوة المرأة إذا دعته إلى وليمة، وليس هناك محرم له ولا لها، وإن لم يخل بها، بل جلست في بيت وبعثت معه خادم إلى بيت آخر في دارها، مخافة الفتنة. قال إبراهيم المروزي، وأقره النووي بعد أن ذكر من كلام الرافعي ما يقتضي الإجابة. قال السبكي: والصواب المنع، إلا أن يكون الحال على خلاف ذلك، كما كان سفيان الثوري وأضرابه يزورون رابعة العدوية ويسمعون كلامها، وكان الشافعي يأتي السيّدة نفيسة ويسمع عليها الحديث، فإذا وجدت امرأة مثل رابعة ونفيسة، ورجل مثل سفيان والشافعي لم يكره لهما ذلك انتهى. وقال الولوي العراقي: وأين مثل سفيان ورابعة والشافعي ونفيسة، بل الضابط أن يكون الحضور إليها لأمر ديني مع أمن الفتنة والله أعلم.