وهل يملك الضيف ما يأكله؟ وجهان: قال القفال من الشافعية: لا يملكه؛ وهو مذهب أبي حنيفة، بل هو إتلاف بإذن المالك، وللمالك أن يرجع ما لم يؤكل. وقال إمام الحرمين: إنه الصحيح. وقال الجمهور: أنه يملك. وصححه الرافعي في كتاب الهبة. قال أبن العماد: وتظهر فائدة الخلاف، فيما لو أكل الضيف تمرًا وطرح نواه فنبت، فلمن يكون ثمره؟ وفيما لو رجع فيه صاحب الطعام قبل أن يلتقم. انتهى. قال أبن قاضي شهبة: وحيث قلنا بأنه يملك، فالمراد به أنه ملك أن ينتفع بنفسه كالعارية، لا أنه ملك العين كما توهمه بعضهم انتهى. وقد قال الرافعي وتبعه النووي في الأيمان: لو حلف لا يهب أو لا يتصدق، لا يحنث بالضيافة لأنه لا تمليك فيها انتهى. وقال في المعلمات: قيل يملكه بالوضع بين يديه، وقيل بالأخذ باليد، وقيل بالوضع في الفم، وقيل بالازدراد. يتعين حصول الملك قبله، رجح منها الأول وفيه نظر؛ فإن الأذرعي قال: أنه أضعف الأوجه، بل هو غلط. ولم لأره في طريقة العراق، ولا يجوز حمله على إطلاقه في كل ما يوضع قل أو جل انتهى. وقال في المهمات: والراجح من الوجوه المقدمة على الملك أن يحصل بالوضع في الفم انتهى. وقال صاحب الذخائر: وفائدة الخلاف في ذلك إن قلنا يملك بالوضع بين يديه أو بالأخذ كان للمقدم إليهم التصرف فيه فإن كان المقدم إليه واحدًا كان له أن يطعم من شاء على ما جرت بع عادة الصوفية في تناولهم اللقم لمن يقف على رؤوسهم ويخدمهم وأختاره أبو حامد الاسفرائيني والقاضي أبو الطيب، وعلى هذا لهم بيعه لأنه ملكهم. وحكى الشيخ أبو حامد عن جمهور الأصحاب، أنه ليس له أن يعطيه لغيره، كما لا يعير المستعير، وإن كانوا جماعة. وقلنا يملكون بالتقديم، كانوا في حكم المسافرين يخلطون الأزواد ثم يأكلون، لا يجوز لواحد منهم أن يتناول أحدًا شيئًا إلا برضى الباقين، وإن قلنا يملك بالوضع في الفم أو بالازدراد فليس له أن يعطيه لغيره قبل ذلك انتهى. ووجد عند البرماوي من الشافعية لنا: ضيافة لا يملك فيها الطعام على الأصح، وذلك في لحم الأضحية إذا قدم للأضياف، وضيافة تملك بالتقديم قطعًا، وهي ضيافة أهل الذمة المشروطة عليهم، فليملكها المقدمة إليه بالتصرف كما ذكره الرافعي انتهى.
[ ١٦ ]
ونقل النووي في شرح مسلم الإجماع على امتناع أخذ الدراهم عند العلم بالرضا، ثم قال: وفيه نظر، وينبغي جواز الأخذ عند العلم كما يجوز أكل الطعام انتهى. وقال أبن العماد: ولا شك أن غباحة مال الغير على خلاف الأصل، والآية إنما وردت في الأكل خاصة، فلا قياس عليها غيرها، لن شرط القياس أن يكون المقيس شاذًا عن الأصول.
وينبغي التنبيه هاهنا لأمر وهو أن أخذ الدراهم له صورتان، الأولى: أن لا يرضى صاحبها بأخذها مجانًا، ويرضى بأخذها وبرد بدلها على نية القرض مقاوضة، وشرطها أن تكون بعقد، والعقد لا يكون من شخص واحد والمعاوضة الفاسدة يكون المأخوذ بها حرامًا، فتحريم الأخذ لعدم المعاوضة لا لعدم الرضا، كما تقول: البيع الفاسد يجوز التصرف في المأخوذ به وإن كان الرضا موجودًا. والصورة الثانية: أن يقوم عنده دليل على الرضا بالأخذ من غير بدل، فهذا موضع نظر، فقد يقال بجوازه كالطعام، وقد يقال بامتناعه؛ لأن الغالب عدم الرضا بأخذ الأموال، ولهذا تصان ويختم عليها، بخلاف الطعام، ولا نظر إلى شذوذ بعض الأحوال؛ لأن أحكام الشرع إنما تبنى على الغالب، فظهر أن القياس الذي قاله النووي قياس خفي، لا يصح الإلحاق به لقيام الفارق الجلي انتهى. وإنما للضيف أخذ ما يعلم رضاه به لحصول الرضا، لأن مدار الضيافة على طيب النفس، فإذا تحقق ولو بالقرينة رتب عليه مقتضاه، ويختلف ذلك بقدر المأخوذ وجنسه وبحال المضيف وبالدعوة.
فرع