في حفظ اللسان
١ - باب المثل في حفظ اللسان.
قال أبو عبيد: ومنها قول شداد بن أوس الأنصاري (١): " ما تكلمت
_________________
(١) ابن أخي حسان، شهد بدرًا، مختلف في تاريخ وفاته. انظر أسد الغابة ٢: ٣٨٧ والإصابة: ٣٨٤٧.
[ ٢١ ]
بكلمةٍ منذ كذا وكذا حتى أخطمها وأمها ".
(١) .
ع: الزمام: ما تزم به الناقة عند المشي؛ والخطام ما تخطم به عند الامساك، فالخطام غير الزمام: قال امرؤ القيس في الزمام (٢):
فقلت لها سيري وأرخى زمامه ولا تعبدينا من جناك المعلل قال أبو عبيد: ومنها قول عمر بن عبد العزيز " التقي ملجم ".
ع: ضرب اللجام للتقي مثلًا، لأن التقي يمنعه من الكلام فيما لا يعنيه كما يمنع اللجام الدابة من الأخذ فيما لا يعني راكبها. قال الشاعر (٣):
خل جنبيك لرام وامض عنه بسلام
_________________
(١) ما بين معكوفين لم يرد في س ط، وكذلك كل ما يرد بين مثل هذين المعكوفين.
(٢) ديوانه: ٢٢.
(٣) الأبيات لأبي نواس ولم ترد في ديوانه (نشر آصاف - بيروت) انظر البيان ٢: ٧٩، ٣: ١٩٩.
[ ٢٢ ]
مت بداء الصمت خير لك من داء الكلام
إنما السالم من أل؟ جم فاه بلجام ٢ - باب حفظ اللسان لما يخاف على أهله
قال أبو عبيد:؛من أمثالهم في هذا مقالة أكثم بن صيفي التميمي " مقتل الرجل بين فكيه " يعني لسانه، والفكان: اللحيان>. وقال بعض العرب لرجل وهو يعظه في حفظ لسانه " إياك أن يضرب لسانك عنقك "
رأيت اللسان على أهله إذا ساسه الجهل ليثًا مغيرا> ع: هكذا أورد أبو عبيد هذا الكلام وإنما هو " إياك وأن يضرب.. " بالواو، كما ورد في الحديث: إذا بلغ الرجل السبعين فإياه وايا الشوارب، وانظر عبد الله المعتز هذا المثل فقال (١):
يا رب ألسنة كالسيوف تقطع أعناق أصحابها
وكم دهي المرء من نفسه فلا تؤكلن بأنيابها قال أبو عبيد: ومنه قول أكثم بن صيفي أيضًا " رب قولٍ أشد من صولٍ "
_________________
(١) راجع أشعار أولاد الخلفاء: ١٤٧.
[ ٢٣ ]
في الناس من يلتقطه فينميه (١) ويشيعه حتى يورط فيه قائله، فاحذره. وقال الأصمعي واسمه عبد الملك بن قريب: من أمثالهم في التحفظ " ربما أعلم فأذر " يريد أني قد أدع ذكر الشيء وأنا به عالم لما أحاذر من فتنته> (٢) .
ع: أي رب كلام يعاب به الإنسان هو أشد عليه من أن يصال به. وقد قال الشاعر (٣):
وقد يرجى لجرح السيف برء وجرح الدهر ما جرح اللسان (٤):
جراحات السنان لها التئام ولا يلتام ما جرح اللسان> ويروى:
وجرح السيف تدمله فيبرا وجرح الدهر ما جرح اللسان وقال الآخر (٥):
والقول ينفذ ما لا تنفذ الإبر وقالوا: اللسان أجرح جوارح الإنسان، وقال ابن عباد الصاحب:
حفظ اللسان راحة الإنسان فاحفظه حفظ الشكر للإحسان فآفة الإنسان في اللسان
_________________
(١) ف: فينمه، وفي الهامش: فينميه، وتقرأ أيضًا فيبثه.
(٢) ف: من غبه.
(٣) البيت في العقد ٣: ٨١.
(٤) البيت والذي يليه وردا معًا في المحاسن والأضداد: ١٦ والثاني منهما في تشبيهات ابن أبي عون: ٢٧٣ ونهاية الأرب ٢: ٧٢ ونظام الغريب: ٢٧.
(٥) هو الأخطل كما في ديوانه: ١٠٥ والبيان ١: ١٥٨ وصدر البيت: حتى أقروا وهم مني على مضض.
[ ٢٤ ]
وقال امرؤ القيس (١):
إذا المرء يخزن عليه لسانه فليس على شيء سواه بخزان يقال: صال الرجل على قرنه، يصول صولًا إذا قهره. وقال علي بن أبي طالب ﵁: كان النبي ﷺ إذا أراد سفرًا قال: " اللهم بك أصول، وبك أحل، وبك أسير ".
قال أبو عبيد: ومن جناية اللسان على صاحبه قولهم: " محا السيف ما قال ابن دارة أجمعا " وهو سالم بن دارة أحد بني عبد الله بن غطفان، وكان هجا بعض بني فزارة فاغتاله الغزاري حتى ضربه بالسيف.
ع: دارة لقب، واسمه مسافع، وكانت امرأة من العرب تعشقه، فقيل لها: من هذا الذي تصبين إليه؟ قالت: لا أعلم، إلا أن وجهه كدارة القمر، فلقب بدارة. والدارة أيضًا الداهية، وذلك من قولهم: " دار الدهر بدوائره ".
وقاتل ابن دارة زميل بن أبرد الفزاري (٢) وكان يعرف بأمه، أم دينار، وهو القائل لما قتله ووداه:
أنا زميل من بني فزاره أنا زميل قاتل ابن داره ثم جعلت عقله البكاره (٣)
_________________
(١) ديوانه: ١١٤.
(٢) انظر قصة ابن دارة في السمط: ٦٨٨، وقد تعقب الميمني ما وقع فيه أبو عبيد من وهم عنا، فاسم قاتل ابن دارة زميل بن أبير - لا أبرد - كما ورد في التبريزي والخزانة ١: ٢٩٣ - ٤: ٥٦٠ وشرح أسماء شعراء الحماسة لابن جني، والبيت " محا السيف.. " مثل تمثل به زميل، أما الشعر فهو للكميت بن ثعلبة وقيل ابن معروف.
(٣) البكارة: جمع بكر من الإبل.
[ ٢٥ ]
ولما عذل في فتكه به قال:
فلا تكثروا فيه الضجاج فإنه محا السيف ما قال ابن دارة أجمعا قال الزبير (١): قال مسافع أبو سالم لزميل بعد أن أمن: ويحك يا زميل لم قتلت سالمًا، قال أحرقتني بالهجاء، قال: أنت أشعر الناس حين تقول (٢):
أجارتنا من يجتمع يتفرق ومن يك رهنًا للحوادث يغلق ع: في هذا معنى لا يفهمه كثير من الناس، وإنما أراد مسافع بقوله أنت أشعر الناس في الكلمة المذكورة أن من كان هذا مقداره من الشعر ومنزلته من الاقتدار عليه قارض على الهجاء بأشد منه وأبلغ وانتصف من هاجيه هجوًا بهجو، ولم يتعد إلى القتل، وبيت زميل أول القصيدة، وبعده:
ومن لا يزل يوفي على الموت نفسه صباح مساء يا ابنة الخير يعلق
ويفرق بين الناس بعد اجتماعهم وكل جميعٍ صالحٍ لتفرق
فلا السالم الباقي على الدهر خالد ولا الدهر يستبقي حبيبًا لمشفق يقول: الحوادث تفرق الناس بعد اجتماعهم. ويروى: ولا الدهر يستبقي جنينًا (٣) لمشفق. وقد روى هذا الشعر لطارق بن صفوان الضبي (٤) .
قال أبو عبيد:
_________________
(١) ليس هذا من أصل أبي عبيد وإنما هو من رواية علي بن الزبير وقد دخل في نص أبي عبيد نفسه (انظر هامش: ف، الورقة: ٥) .
(٢) انظر هذه الأبيات في أمالي القالي ٢: ٥٥.
(٣) كذا في أمالي القالي وفي الأصل: حنينًا.
(٤) وكذلك ذكر ابن دريد في المجتنى: ٩٧.
[ ٢٦ ]
" إذا وقي الرجل شر لقلقه وقبقبه وذبذبه فقد وقي " قال: فاللقلق: اللسان، والقبقب: البطن، والذبذب: الفرج>.
وفي بعض الأحاديث أن الإنسان إذا أصبح كفرت أعضاؤه اللسان، فتقول له: اتق الله فإنك إن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا.
(١) " من صدق الله ﷿ نجا " يكون في القول والعمل جميعًا.
ويروى عن يونس بن عبيد أنه قال: " ليس خلة من خلال الخير تكون في الرجل هي أحرى أن تكون جامعة لأنواع الخير كلها فيه من حفظ اللسان " >.
ع: التكفير هاهنا: الخضوع، وأصله الانحناء الشديد، كما تكفر النصارى لكبارهم، روى ابن علية عن أيوب عن أبي معشر أنه كان يكره التكفير في الصلاة، وهو الانحناء الشديد في الركوع، وقد ورد في ذلك النهي عن النبي ﷺ قال: " لا تدبحوا كما يدبح الحمار "، وقال محمد بن عبد السلام الخشني (٢): أشهد لقد رأيت أبا حاتم يكفر بين يدي الرياش ويجله ويعظمه وهو أسن منه ولكنه كان يرى فضلًا.
_________________
(١) ملحق بخط ابن الأنباري، ولم يذكره أبو عبيد في النص الأصلي.
(٢) كنيته أبو عبد الله، أندلسي رحل إلى العراق وإلى غيرها من البلاد وغاب عن بلده خمسًا وعشرين سنة، ثم رجع إلى الأندلس وحدث بها وانتشر علمه، من شيوخه محمد بن المغيرة ومحمد بن وهب المسعري صاحبا أبي عبيد القاسم بن سلام، توفقي بالاندلس سنة ٢٨٦هـ؟، بعد أن أخذ عنه جماعة كثيرون (الجذوة: ١٠٠ وبغية الملتمس: ٢٠٢) .
[ ٢٧ ]
٣ - باب الاقتصاد في المنطق
قال أبو عبيد: قال أبو عبيدة واسمه معمر بن المثنى: من أمثالهم في هذا " من أكثر أهجر ". .
ع: الهجر: القبيح من الكلام، يقال [منه]: أهجر، إذا أفحش وقال ما يقبح، ويقال هجر في منامه إذا تكلم بما لا يعقل، ويقال هجر المريض وأهجر إذا هذى. وقال ابن عباس: اشتد برسول الله ﵊ وجعه فقال: ايتوني بكتاب أكتب لكم لا تضلوا بعدي فقالوا: ما شأنه أهجر (١) . وقرئ ﴿سامرًا تهجرون﴾ وتهجرون (المؤمنون: ٦٧) فمن قرأ بفتح التاء احتمل معنيين: معنى الهذيان ومعنى تهجرون الحق.
وقال شبيب بن كريب (٢):
صلاصل لو أدركتها لجزيتها بما جر مولاها عليها وأهجر وقال الشماخ بن ضرار (٣):
كماجدة (٤) الأعراق قال ابن ضرةٍ عليها كلامًا جار فيه وأهجرا
_________________
(١) انظر ابن سعد ٢/٢: ١٠، ١١ وإمتاع الأسماع: ٥٤٥.
(٢) طائي ذكره الجاحظ في البيان ٣: ٨٥ وأن له فرسًا تسمى العصا.
(٣) ديوانه الشماخ: ٢٨ واللسان (هجر) .
(٤) ص: ماجدة، ورواية الديوان: ممجدة، والتصحيح عن اللسان، وسقط البيت من ط.
[ ٢٨ ]
قال أبو عبيد: وقال أكثم بن صيفي " المكثار كحاطب الليل " قال: وإنما سبهه بحاطب الليل، لأنه ربما نهشته الحية أو لسعته (١) العقرب في احتطابه ليلًا، قال: فكذلك (٢) هذا المهذار، ربما أصاب في إكثاره بعض ما يكره.
(٣) المحبة " وقال غيره من العلماء " الندم على السكوت خير من الندم على القول ". وقال الثاث " عي صامت خير من عي ناطق ". وقال بعض أشياخنا (٤): كان ربيعة الرأي (٥) مكثارًا فسمعه أعرابي يومًا يتكلم، فلما كان عند انقضاء مجلسه، سأله رجل: ما تعدون العي بالبادية؟ فقال الأعرابي: ما هذا فيه منذ اليوم، يعني إكثارًا ربيعة>.
ع: كان حكم هذا المثل (٦) على تفسيره هذا أن يضعه في الباب الذي يقبل هذا وهو " باب حفظ اللسان لما يخاف على أهله من عقوبات الدنيا " لأن هذا المكثر يصيبه في إكثاره ما يكره، كما أن المحتطب ليلًا ربما أصابه من هذه الهوام حمامه أو ألم.
وقال الفرزدق فبين معناه (٧):
وإن امرءًا يغتابني لم أطا له حريمًا ولا تنهاه عني أقاربه
كمحتطب ليلًا أساود هضبة أتاه بها في ظلمة الليل حاطبه
_________________
(١) ط: لسبته.
(٢) س ط: وكذلك.
(٣) في ف: يكسب أهله.
(٤) وردت هذه القصة في العقد ٣: ٤١٨.
(٥) في هامش ف: ربيعة الرأي هو شيخ مالك بن أنس وكنيته أبو عثمان وتوفي سنة ست وثلاثين ومائة.
(٦) يعني " المكثار كحاطب الليل ".
(٧) ديوان الفرزدق: ٧٤ والخزانة ٢: ٣٨٨ والقصيدة في هجاء عمرو بن عفراء الضبي.
[ ٢٩ ]
وإنما يصلح وضع هذا المثل في الباب الذي أدخله فيه على تفسير آخر لم يذكره أبو عبيد، وهو أن المحتطب ليلًا يجمع بين شخت الحطب وجزله ويابسه ورطبه لا يختار، لظلام الليل، وكذلك هذا المكثر يجمع بين غث الكلام وسمينه، وجيده ورديئه، فأما قولهم:
أيا موقدًا نارًا لغيرك ضوءها ويا حاطبًا في حبل غير تحطب فإن معناه أن حاطب الليل أيضًا يضع حبله ويحتطب ويأتي بما يجتمع له، ليضعه على الحبل، فربما وضعه على غير الحبل لظلام الليل، فإذا رأى أنه قد اكتفى، عمد إلى طرفي الحبل ليشده على الحطب فلم يجد فيه شيئًا أو وجد فيه بعض ما احتطب، فيأتي غيره نهارًا فيجد حطبه مجموعًا، فكأن احتطابه إنما كان في حبل ذلك الواجد لحطبه.
قال أبو عبيد: ويروى في الحديث عن لقمان أنه قال: " الصمت حكم وقليل فاعله ".
ع: روي أن داود ﵇ كان يسرد درعًا ولقمان عنده فقال: ما هذا يا نبي الله؟ فسكت عنه حتى إذا فرغ داود من سردها لبسها فعند ذلك قال لقمان " الصمت حكم وقليل فاعله "، والسرد: سمر حلق الدرع، قال الله تعالى ﴿وقدر في السرد﴾ (سبأ: ١١) أي لا تجعل المسمار دقيقًا فيقلق (١)، ولا غليظًا فيقصم الحلقة.
قال أبو عبيد: وقال علقمة بن علاثة الجعفري (٢) وكان من حكماء العرب:
_________________
(١) س: رقيقًا فيقلق؛ ط: فيعلق.
(٢) من حكام الجاهلية وصاحب المنافرة المشهورة مع عامر بن الطفيل، انظر الإصابة: ٥٦٦٩ والخزانة ٣: ٤٩٢ والأغاني ١٥: ٥٠.
[ ٣٠ ]
أول العي الاختلاط وأسوأ القول الإفراط ".
ع: الاختلاط: التخليط في الكلام والإكثار من النطق، وكان أبو علي إسماعيل بن القاسم يقول (١): أول العي الحتلاط بالحاء مهملة، وهو الغضب يقول: إن العيي بالمنطق لعجزه عن الكلام والعبارة عما في نفسه يرجع إلى الغضب والضجر، برمًا بخصمه، والاحتلاط أيضًا: الاجتهاد؛ احتلط الرجل وأحلط إذا اجتهد في الشيء وجد؛ قال عمرو بن أحمر (٢):
فألقى التهامي منهما بلطاته (٣) وأحلط هذا لا أريم مكانيا أي جد واجتهد في يمينه ألا يريم مكانه،
وكنا وهم كابني سباتٍ تفرقا سوى ثم كانا منجدًا وتهاميا> (٤) ٤ - باب القصد في المدح وما يؤمر به من ذلك
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا " من حفنا أو رفنا فليقتصد " (٥) .
ع: معنى الرفيف هنا النضارة، وهو معنى الإطراء في المديح، يقال: رف البيت يرف رفيفًا مثل ورف يرف وريفًا، ويقال: فلان يحف ويحف بفلان إذا
_________________
(١) ورد هذا التعليق مع شعر ابن أحمر في هامش: ف.
(٢) البيتان في اللسان (سبت، حلط) .
(٣) لطاته: ثقله؛ وفي ط: لا يريم.
(٤) ابنا سبات هما الليل والنهار، وقيل هما أخوان مضى أحدهما إلى المشرق والآخر إلى المغرب.
(٥) روايته عند القالي (١: ١٩٢) من حفنا أو رفنا فليترك؛ والمثل عنده مروي عن امرأة رأت نعامة الخ.
[ ٣١ ]
طاف به وألطفه وهو به حف وحفي، والحفان: الخدم، وقيل معنى من حفنا في هذا المثل (١) أي سمع له حفيفًا بالثناء (٢) .
وقال الأصمعي (٣): ومن أمثالهم " هو يحف له ويرف " أي يقوم له ويقعد، وينصح ويشفق، وأصل هذا المثل على ما ذكر ابن الأعرابي أن أعرابيًا خرج فرأى نعامةً غصت بصعرور (٤) - وهي الصمغة الجليلة؟ فثبتت قائمةً، فعدا إلى الحيّ ليجيء بشيء يشده في عنقها وهو يقول: من حفنا أو رفنا فليترك، وأخذ خمار أمة وأتى النعامة وهي قد أساغت الصمغة، وذهبت. فمعنى رفنا على هذا أنالنا وأعطانا. يقال: رففت الرجل أرفه: إذا أسديت إليه يدًا. وقال ابن الأعرابي عن العقيلي: حفه إذا أطعمه قثدر الشبع ليس فيه فضل وهو الحفف في الطعام. وأنشد عمرو عن أبيه:
أوفت له كيلًا سريع الإغدام (٥) فيه غنىً عن حففٍ وإعدام
في سنوات كن قبل الإسلام كانت ولا يبعد إلا الأصنام قال أبو عبيد: ومنه حديث مرفوع أن رجلًا جاء إلى النبي ﵊ فقال: أنت أفضل قريش قولًا وأعظمها طولًا، فقال النبي ﷺ: يا أيها الناس قولوا بقولكم ولا يستجرينكم الشيطان.
ع: معنى قوله ﵇ لا يستجرينكم: لا يتخذنكم إجريًا أي وكلاء
_________________
(١) ص: القيل.
(٢) س ط: أي أن يسمع له حفيف بالثناء.
(٣) انظر السمط: ٤٢٦ حيث نقل أبو عبيد البكري ما جاء في هذا المثل عن الأصمعي، ثم نقل (٤٦٥) أن المثل عند ابن سلام " فلان يحفنا ويرفنا " أي يعطينا ويميرنا، ولم يورده كذلك هنا.
(٤) س: بصفرود.
(٥) الاغذام: الأخذ الكثير من كل شيء، وفي الجمهرة ٣: ٤٧٦. إذا أنيخت فالتقوا بالاهجام أوفت لهم كيلا سريع الاغذام
[ ٣٢ ]
على النطق بما لا يحسن، يقال: جريت جريًا؟ غير مهموز؟ أي اتخذت وكيلًا. قال الشاعر (١):
ولما أتى شهر وعشر لعيرها وقالوا تجيء الآن قد حان حينها
أمرت من الكتان خيطًا وأرسلت جريًا إلى أخرى سواها تعينها
فما زال يجري السلك في حر وجهها (٢) وجبهتها حتى نفته قرونها قال أبو عبيد: وروينا عن علي بن أبي طالب ﵁ أن رجلًا أثنى عليه في وجهه فقال له علي: أنا دون ما تقول وفوق ما في نفسك.
ع: هذا الرجل هو الأشعث بن قيس بن معد يكرب.
قال أبو عبيد: وكان المرؤخ العجلي (٣) يقول: من أمثالهم في إفراط المادح أن يقولوا: " شاكه أبا فلان " قال: وأصل هذا أن رجلًا كان يعرض فرسًا له، فقال له رجل: أهذه فرسك التي كنت تصيد عليها الوحش؟ فقال له رب الفرس: شاكه؟ أي قارب؟ في المدح، والمشاكه للشيء هو الذي يشبهه أو يدنو من شبهه.
ع: المؤرخ هذا شاعر، وكنيته أبو الفيد، والفيد شعر الزعفران، والفيد
_________________
(١) انظر هذه الأبيات في الأمالي ١: ١٩٥ والسمط: ٤٦٨ واللسان (عنى) .
(٢) قال القالي في شرح الأبيات: هذه امرأة تنتظر عيرًا تقدم وزوجها فيها فأرادت أن تنتف بالخيط وتتهيأ له، والجري: الرسول يقول أرسلت إلى جارة لها تنتفها لتزين، وفي رواية: فما برحت تقريه أعناء وجهها، وأعناء الوجه: نواحيه؛ وفي س: حتى تثنيه قرونها.
(٣) هو المؤرخ بن عمرو السدوسي، ممن أخذ النحو عن خليل وله من الكتب كتاب المعاني وكتاب غريب القرآن، توفي سنة ١٩٥هـ؟. ترجمته في مراتب النحويين: ٦٧ والزبيدي: ٧٨ والفهرست: ٤٨ والبغية: ٤٠٠.
[ ٣٣ ]
أيضًا الشعر الذي على الجحفلة، والفيد أيضًا الهلاك مصدر فاد يفيد فيدًا، والفيد أيضًا أن يتبخر في مشيه من الخيلاء. قال حزرة الوالبي:
يفيد في الجري إذا ما أعنقا فيد رئالٍ تستثير الصيقا والصيق: جمع صيق وهو التراب.
وأسقط أبو عبيد من تفسير المثل ما يتم به معناه، قال عمرو بن أبي عمرو عن أبيه: أقام أعرابي فرسًا يبيعها، وقال لصاحبه: امده (١) فرسي، فقال: إنها ليصاد عليها الوحش وهي رابضة. فقال له صاحب الفرس: لا أبا لك، اكذب كذبًا مؤامًا به الدهر، والمؤام: الموافق المقارب، أي موافقًا به الدهر وأحواله، وما عسى أن يجوز فيه من الأفعال والأحوال.
قال أبو جعفر في كتاب الاشتقاق: المؤام: المقارب، أخذ من الأمم وهو القرب، ومعنى شاكه: وافق، يقال: شاكهني الشيء شكاهًا ومشاكهة، أي وافقني، وتشاكه (٢) الشيئان أيضًا إذا تشابها. وقال أبو عبيد: المشاكه للشيء هو الذي يشبه أو يدنو من شبهه، والصحيح ما فسرته به.
قال أبو عبيد: والعامة تقول في مثل هذا المثل " دون هذا وينفق الحمار " وكلام العرب هو الأول.
ع: قال أبو بكر (٣): أخبرنا أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه قال:
_________________
(١) ص: أمن؛ وامده: لغة في امدح.
(٢) ص: شاكه.
(٣) جاء في هامش ف: قال أبو بكر محمد بن عمر بن عبد العزيز: قال أبو محمد الأعرابي العامر: انهم كانوا يعتقدون - يعني أعراب البوادي - هذا المثل مثلًا واحدًا لا مثلين. اهـ؟ أي قولهم: شاكه أبا يسار، دون ذا وينفق الحمار.
[ ٣٤ ]
شهدت أبا محمد ابن بكار العامري الأعرابي في مجلس يزيد بن طلحة وكتاب الأمثال يقرأ عليه، فلما أتى هذا المثل قال ابن بكار: إنما كان بصدد فتى (١) يكنى أبا يسار، فأدخل رجل السوق حمارًا فجعل أبو يسار يقول: إن حافره جلمد (٢) وإن ظهره حديد، فقال له صاحب الحمار: " شاكه أبا يسار، دون ذا وينفق الحمار " (٣) .
٥ - باب الرجل يعرف بالكذب حتى يرد (٤) صدقه لذلك
قال أبو عبيد: من هذا قولهم: " إذا سمعت بسرى القين فإنه مصبح " وفسر معناه،.
وأنشد في بعض الروايات (٥) شاهدًا على ذلك لنهشل بن حري الدارمي (٦):
_________________
(١) ص: يصدقني،، ط: تصدقني؛ س: تصدقي.
(٢) س: جلمود.
(٣) أثبت في هامش ف: أن الأصل " وينفق " ورواه الخشني بدون واو.
(٤) ص: يزدد.
(٥) احترز البكري بقوله " في بعض الروايات " لأن بعضها الآخر لم يثبت البيت في أصل أبي عبيد، جاء في هامش ف: هذا ثابت في أصل أبي عبيد.. وهذا البيت ذكر أنه وقع في بعض النسخ وليس عند الخشني.
(٦) ترجمته في ابن سلام: ٤٩٥ والشعر والشعراء: ٤٠٤ والخزانة ١: ١٥١ والبيتان في الميداني ١: ٢٧ وانظر اللسان (ذوق، لمق) والبيت في هامش: ف.
[ ٣٥ ]
وعهد الغانيات كعهد قينٍ ونت عنه الجعائل مستذاق (١) فما يقبل منه.>
ع: وبعد البيت:
كجلب (٢) السوء يعجب من رآه ولا يسقي الحوائم من لماق الجعائل: جمع جعالة، وهو ما يجعل للعامل على العمل، والمستذاق: المتنقل الذي لا يقر بموضع، مستفعل من الذوق، يذاق حيثما حل. وقال الباهلي: مستذاق أي إذا أتى قومًا أصلح لهم عمله يذوقوه، ثم يفسده بعد ذلك. والجلب: السحاب الذي لا ماء فيه: قال الشاعر (٣):
ولست بجلبٍ جلب ريحٍ وقرة ولا بصفا صلدٍ عن الخير معزل (٤) يقول: لا يسقي ولا يروى الحوائم وهي العطاش التي تحوم حول الماء. ويقال: ما ذقت لماقًا، أي ما ذقت شيئًا، فمعناه ولا يسقي الحوائم من شيء من الغلة.
_________________
(١) حاشية ف: قال النجيرمي: الصواب حتى يصدق بالرفع لان المعنى حتى ينتهي إلى هذه الحال، كما يقال مرض لا يرجونه وقال: عرضت هذا على ابن ولاد فاستصوبه.
(٢) كتبت بالخاء حيث وردت في ص.
(٣) هو تأبط شرًا كما في اللسان: (جلب) وإصلاح المنطق: ٣٦.
(٤) يقول: لست برجل لا نفع فيه ومع ذلك فيه أذى كالسحاب الذي فيه ريح وقر ولا مطر فيه.
[ ٣٦ ]
٦ - باب الانتفاع بالصدق والمخافة من عاقبة الكذب
قال أبو عبيد: من امثالهم فيما يخاف من مغبة الكذب، قولهم " ليس لمكذوبٍ رأي " وكان المفضل فيما بلغني عنه، يحدث أن صاحب هذا المثل (١) هو العنبر بن عمرو بن تميم بن مر قاله لابنته الهيجمانة. وذلك أن عبد شمس ابن سعد بن زيد مناة بن تميم كان يزورها، فنهاه قومها عن ذلك، فأبى حتى وقعت الحرب بين قومه وقومها، فأغار عليهم عبد شمس في جيشه، فعلمت به الهيجمانة، فأخبرت أباها، وقد كانوا يعرفون إعجاب الهيجمانة به كإعجابه بها. فلما قالت هذه المقالة لأبيها، قال مازن بن عبد الملك بن عمرو بن تميم " حنت فلا تهنت وأنى لك مقروع "؟ وهو عبد شمس بن سعد، كان يلقب به؟ فقال لها أبوها عند ذلك: أي بنية اصدقيني، أكذلك هو؟ فإنه لا رأي لمكذوب، فقالت: ثكلتك إن لم أكن صدقتك فانج ولا إخالك ناجيًا " فذهبت كلمته وكلمتها وكلمة مازن أمثالًا.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم فيما يخاف من غب الكذب قولهم: " لا يكذب الرائد أهله " وهو الذي يقدمونه ليرتاد لهم كلأ أو منزلًا أو موضع حرز يلجأون إليه من عدو يطلبهم، فإن كذبهم أو غرهم صار تدبيرهم على خلاف الصواب، فكانت فيه هلكتهم.
قال أبو عبيد: ومثل العامة في هذا قولهم " الكذب داء والصدق شفاء " وذلك أن المصدوق يعمل على تقدير يكون فيه مصيبًا، وأن المكذوب على ضد ذلك>.
_________________
(١) س ط: هذه المقالة.
[ ٣٧ ]
ع: هكذا روي الاسم عن أبي عبيد بلا اختلاف؟ عبد شمس بن سعد (١) - وأهل العلم بالنسب يجمعون على أنه عب شمس مخفف من لفظين، اختلفوا فيهما. فأبو عمرو بن العلاء وأبو عبيدة يقولان: هو عب شمس قالا: وعب شمس: ضوءها. وقال ابن الأعرابي: هو عبء شمس؟ أي عدلها ونظيرها، وعبء الشيء مثله ونظيره، قالوا: والعب أيضًا البرد - بتشديد الباء؟ قال الشاعر (٢):
وكأن فاهًا عب قر بارد أو ريح روضٍ مسه تنضاح رك وقد رواه بعضهم: وكأن فاها حب قر، يعني البرد، كما يقال له حب المزن، والمبرد يقول العبقر: البرد، اسم واحد، هكذا ذكره في أبنية الأسماء. ورأيت بخط ابن قتيبة في كتاب جماهير العرب لأبي حاتم اسم هذا التميمي المختلف فيه عبشمس بن سعد؟ هكذا ضبطه بتشديد الباء على أصله غير مخفف، كما ذكر أبو عمرو وأبو عبيدة. وقال قطرب في عبد شمس من قريش: ويقال عب شمس بالتخفيف. قال: والعب مثل الدم: ضوء الشمس وحسنها، يقال: ما أحسن عبها أي ضوءها. قال: ومن ثقل الشين قال: هذه عبشمس ورأيت عبشمس ومررت بعبشمس، وإن شئت صرفت شمس لأنه يريد عبد شمس فأدغم. قال: ومن العرب من يقول: هذه عبشمس، فيفتح الباء والشين في كل موضع، ويخفف الشين، وهي شائعة في قريش غير مدغمة. قال: ومن العرب من يقول: هذه عبشمس ومررت بعبشمس ورأيت عبشمس، فيتبع كما قالوا: هذه بلحارث ومررت ببلحارث ورأيت بلحارث، قال الشاعر (٣):
إذا ما رأت حربًا عبشمس شمرت إلى رملها، والجلهمي عميدها ويروى: والجرهمي عميدها.
_________________
(١) أجمل في هامش ف الخلاف في هذا الاسم عبشمس بقوله: والكوفيون يجعلون إعرابه في الباء يرفعونها في الرفع وينصبونها في النصب، وفي الخفض يخفضونها، والبصريون يقولون عبؤ الشمس بالهمز وربما خففوا الهمز.
(٢) انظر اللسان (عبقر)، قال: ويروى " كأن فاها عبقري بارد " والرك: المطر الضعيف، وتنضاحه: ترششه.
(٣) البيت في اللسان (عبأ - شمس - عمد) والازمنة ٢: ٤٥ وفيه أوجه لقراءة " عبشمس " والجمهرة ٢: ٨٤.
[ ٣٨ ]
وسمي مقروعًا لأن القريع والمقروع: المختار، في كلام العرب. وأبوه سعد ابن زيد مناة بن تميم هو الذي يلقب بالفزر وهو من قولهم فزرت الشيء إذا صدعته، والقطعة منه فزرة، ورجل أفزر مطمئن الظهر، وهو الذي أتى بمعزاه سوق عكاظ لما أبى بنوه أن يرعوها فقال: ألا إن معزى الفزر نهب، جدع الله أنف رجل أخذ أكثر من شاة، فتفرقت في العرب، فصارت مثلًا لما لا يدرك. قال الشاعر (١):
ومرة ليسوا ناصريك ولا ترى لهم وافدًا حتى ترى غنم الفزر وقيل إنما سمي الفزر لنهبه لمعزاه وتبديدها في العرب.
والهيجمانة: الدرة بالفارسية، وكانت الفارسية ودين الفرس فاشيًا في بني تميم، ولذلك سمي لقيط أيضًا ابنته دختنوس.
وقول مازن: حنت ولا تهنت، أراد أن غرضها إنما كان ليجري اسمه على لسانها حنينًا إليه لا نصحًا لأبيها وتحذيرًا، ولا تهنت على الدعاء أي لا هنأها الله ذلك، أراد لا تهنؤه فخفف الهمزة فالتقى ساكنان فحذف. ويحتمل أن يريد ولا هنا أي ليس أوان ذلك ولا حينه، كما قال الأعشى (٢):
لات هنا ذكرى جبيرة أم من (٣) جاء منها بطائف الأهوال أي ليس حين ذكرها، يأسًا منها. وكما قال الراعي (٤):
أفي أثر الأظعان عينك تطمح نعم لات هنا إن قلبك متيح وكما قال حجل بن نضلة الباهلي في نوار بنت كلثوم (٥)، وأصابها يوم طلح،
_________________
(١) سيأتي البيت منسوبًا لشبيب بن البرصاء، وترجمته في المؤتلف: ٦٨.
(٢) ديوان الأعشى قصيدة: ١، البيت الثالث، والخزانة ٢: ١٥٧.
(٣) ص: أمن.
(٤) اللسان (تيح) والخزانة ٢: ١٥٩ وهو من أبيات الشواهد، وهو مطلع قصيدة للراعي مدح بها بشر بن مروان. وقلب متيح ورجل متيح يتعرض للبلية ويدخل فيما لا يعنيه. وقال ابن دريد في الجمهرة: رجل متيح إذا كان قلبه يميل إلى كل شيء.
(٥) في الشعر والشعراء: ٣٠ والخزانة ٢: ١٥٨ النوار بنت عمرو بن كلثوم.
[ ٣٩ ]
فركب بها الفلاة خوفًا من أن يلحق (١):
حنت نوار ولات هنا حنت (٢) وبدا الذي كانت نوار أجنت
لما رأت ماء السلى (٣) مشروبًا والفرث بعصر في الإناء أرنت (٤) وألحقت التاء بهنا لتأنيث الكلمة كما يقال: رب وربت وثم وثمت. وقال أبو علي الفارسي: التاء تبدل منت الألف للسجع وعند الوقف وأنشد (٥):
من بعد ما وبعد ما وبعد مت صارت نفوس الناس عند الغلصمت ٧ - باب تصديق الرجل صاحبه عند إخباره إياه
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: ومن أمثالهم في هذا " صدقني سن بكره " وأصله أن رجلًا ساوم (٦) رجلًا ببكر أراد شراءه، فسأل البائع عن سنه فأخبره بالحق. فقال المشترى: صدقني سن بكره، فذهبت كلمته مثلًا.
_________________
(١) اختلف في قائل البيتين فقيل شبيب بن جعل التغلبي وهو جاهلي (المؤتلف: ٨٤) وقيل هو حجل بن نضلة وهو جاهلي أيضًا، وهذا هو قول أبي عبيد وتبعه ابن قتيبة في الشعر والشعراء.
(٢) البيت من أبيات الشواهد على أن هنا في الأصل للمكان واستعيرت للزمان (الخزانة ٢: ١٥٦)
(٣) في س: شربًا لها، وفي ح ص: مشروبها، وهو كذلك في اللسان، ويرد بأن البيت شاهد عند العروضيين على نقصان حرف من الفاصلة، والسلى: الجلدة الرقيقة التي يكون فيها الولد من المواشي.
(٤) أرنت: صاحت.
(٥) انظر العيني ٤: ٥٥٩.
(٦) ص: سافر، وفي بعض الأصول سام.
[ ٤٠ ]
وقد روي هذا المثل عن الأحنف بن قيس أيضًا أنه خرج من عند معاوية وهو يقول: صدقني سن بكره (١)، وذلك لكلام كان معاوية كلمه به.>
ع: روى الخليل وابن الأعرابي وغيرهما أن رجلًا ساوم رجلًا ببكر على أن يشتريه مسنًا فقال البائع: هذا جمل؟ لبكر له؟ وقال المشتري: هذا بكر، فقال البائع: بل هو مسن. فبينما هما يتنازعان إذ نفر البكر، فقال صاحبه يسكن نفاره: هَدع هدع. فقال المشتري: صدقني سن بكره، وهدع كلمة للعرب تسكن بها صغار الإبل عند نفارها، ولا يقال ذلك لجلتها ولا مسانها.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في التصديق قولهم: " القول ما قالت حذام ". قال: وسمعت غير أبي عبيدة يقول وأحسبه ابن الكلبي إن هذا المثل للجيم ابن صعب والد حنيفة وعجل؟ ابني لجيم؟ وكانت حذام امرأته، وقال فيها زوجها لجيم:
إذا قالت حذام فصدقوها فإن القول ما قالت حذام (٢) فقد صدق " فسمى بذلك الصديق ".>
ع: حذام: أم عجل بن لجيم، وأن حنيفة البرشاء، سميت حذام لأن ضرتها البرشاء حذمت يديها بشفرة، وصبت حذام عليها جمرًا فبرشت فسميت
_________________
(١) انظر تفصيل الخبر في الميداني ١: ٢٦٥.
(٢) في ف: إن كان قاله، والمثبت هنا صحيح أيضًا.
[ ٤١ ]
البرشاء. ويقال: ما أدري من أي البرشاء هو (١) . والبرشاء: اسم لجميع البشر لاختلاف ألوانهم.
قال ابن كرشم الكلبي: حذام هي بنت الريان بن جسر بن تميم بن يقدم بن عنزة وهي أم عجل بن لجيم، وكان عاطس بن جلاح الحميري (٢) قد سار إلى الريان في جموع من العرب (٣): خثعم وجعفي وهمدان، فلقيهم الريان في عشرين حيًا من أحياء ربيعة ومضر، فاقتتلوا وصبروا لا يولي أحد منهم دبره، ثم إن القيل الحميري رجع إلى معسكره، وهرب الريان تحت ليلته، فسار ليلته وفي الغد، ونزل الليلة الثانية، فلما أصبح عاطس الحميري ورأى خلاء معسكرهم أتبعهم جملةً من حماة رجاله وأهل الغناء منهم، فجدوا في اتباعهم، فانتبه القطا في اسرائهم من وقع دوابهم، فمرت على الريان وأصحابه عرفًا عرفًا، فخرجت حذام بنت الريان إلى قومها فقال:
ألا يا قومنا ارتحلوا وسيروا فلو ترك القطا ليلًا لناما فقال ديسم بن ظالم الأعصري:
إذا قالت حذام فصدقوها فإن القول ما قالت حذام فارتحلوا حتى اعتصموا بالجبل، ويئس منهم أصحاب عاطس فرجعوا عنهم.
٦ - باب الرجل يعرف بالكذب تكون منه الصدقة الواحدة أحيانًا
_________________
(١) قال ابن دريد في الجمهرة ١: ٢٥٥ ما أدري أي برنساء هو يعني أي الناس هو، معرب، لأن البر بالنبطية: ابن، ونسا: إنسان.
(٢) س: غاطس.. الحميري؛ وزاد: والغاطس المظلم مثل الغاطش؛ ثم وردت " العاطس " بالمهملة في مواضع أخرى.
(٣) العرب: سقطت من س ط.
[ ٤٢ ]
الهنة من الاحسان.>
قال أبو عبيد: قال أبو عبيدة: ومثله قولهم " مع الخواطي سهم صائب "
ع: الخواطئ جمع خاطئة من خطيء، والفصيح هنا أخطأ لأن قولنا خطيء إنما هو في الدين وما أشبهه. وقد قيل إنهما لغتان، وصاب وأصاب لغتان، قال جميل (١):
وما صائب من نابل قذفت به يد وممر العقدتين وثيق ٩ - باب الرجل يعرف بالاصابة (٢) والصدق
تكون منه الزلة والسقطة
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا قولهم " لا تعدم الحسناء ذامًا " (٣) .
_________________
(١) هو جميل العذري صاحب بثينة، ترجم له صاحب الأغاني ٧: ٧٢ وابن عساكر ٣: ٣٩٥ والخزانة ١: ١٩٠ والبيت في أمالي القالي ١: ٧، والسمط: ٣٠ والكامل: ٤٢.
(٢) ح ص: بالأمانة.
(٣) ف: تكون منه الهفوة والزلة، وفي بعض الأصول: الهفوة من الزلل.
[ ٤٣ ]
ومثله قول أبي الدرداء الأنصاري " من لك يومًا بأخيك كله " (١) وكذلك قولهم " أي الرجال المهذب "؟ ومنه قول النابغة الذبياني (٢):
ولست بمستبق أخًا لا تلمه على شعثٍ، أي الرجال المهذب؟ قال أبو عبيد: معاني هذه الأمثال كلها أنه ليس أحد يخلو من عيب يكون فيه، فإذا كان الغالب على الرجل الإحسان اغتفرت سقطته، ومنه الحديث>
ع: أول من نطق بهذا المثل حبي بنت مالك بن عمرو العدوانية، وكانت جميلة، خطبها بعض ملوك غسان إلى أبيها وحكمه في مهرها، فأنكحه إياها، فلما أراد حملها قالت أمها لنسوتها: إن لها عند الملامسة رشحة لها قنمة (٣) فإذا أردتن إدخالهات على زوجها فامسحن أعطافها بما في أصدافها، فلما أردن ذلك أعجلهن زوجها عن تطييبها، فافتضها فوجد لها رويحة. فلما أصبح قال له أصحابه: كيف وجدت طروقتك؟ (٤) فقال: لم أر كالليلة (٥)، لولا رويحة أنكرتها، فسمعت قوله من خلف الستر فقالت: " لن تعدم الحسناء ذامًا " فأرسلتها مثلًا. وقال الشاعر في معنى هذا المثل ولفظه (٦):
_________________
(١) ف: من لك بأخيك كله.
(٢) ديوان النابغة: ٥٧.
(٣) غير واضحة في ص ح؛ وفي ط: لها هنة؛ س: قنحة؛ والقنمة: خبث ريح الادهان والزيت.
(٤) ص: صورفتك. والطروقة: الناقة يطرقها الفحل، قال الزمخشري: ويقال للمتزوج: كيف طروقتك؟
(٥) ط: لم أر كالفعلة.
(٦) انظرهما في محاضرات الراغب ١: ١٢٤ ونهاية الأرب: ٣ ونظام الغريب: ٧١ وجاء البيت الأول في جامع بيان العلم ٢: ١٦٢ منسوبًا لأبي الأسود وهما في شرح شواهد المغني: ١٩٤ من قصيدة طويلة لأبي الأسود، وانظر ديوانه: ٥٤.
[ ٤٤ ]
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالناس أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها حسدًا وبغيًا إنه لدميم قال الفراء: والذأم: الذم، يقال ذأمت الرجل أذأمه ذأمًا، وذممته أذمه ذمًا، وذمته أذيمه ذيمًا فهو رجل مذؤوم ومذموم ومذيم بمعنى، قال الله تعالى: ﴿أخرج منها مذؤومًا مدحورًا﴾ (الأعراف: ١٨)، وقال حسان (١):
وأقاموا حتى أبيدوا بجمعٍ في مقامٍ وكلهم مذؤوم وأنشد أبو عبيدة (٢):
تبعتك إذ عيني عليها غشاوةٌ فلما انجلت قطعت نفسي أذيمها قال: وذأمت أشد مبالغة من ذممت.
قال أبو عبيد: ومنه (٣) الحديث المرفوع: " أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم " وكذلك مقالة أبي عبيدة بن الجراح لعمر: ما سمعت منك فهةً في الإسلام قبلها، وكان عمر قال له: ابسط يدك أبايعك.
ع: يقال فه الرجل يفه فهمًا وفهة وفهاهة فهو: فه وفهيه وهو العيي، وأفهمني فلان عن الأمر: نسانيه، قال أبو قيس بن الأسلت (٤):
_________________
(١) ديوان حسان: ٣١٠ وروايته: لم يولوا حتى أبيدوا جميعًا في مقامن وكلهم مذموم
(٢) البيت للحارث بن خالد المخزومي يخاطب به عبد الملك، أورده أبو عبيدة في مجاز القرآن ١: ٣١ وفيه: ألومها بدل أذيمها وهو الشاهد في هذا المقام، وانظر الكامل: ٥١٧.
(٣) ص ح: ومنه في الحديث؛ ط س: وفي الحديث، وأثبتنا رواية ف.
(٤) ترجمته في الأغاني ١٥: ١٥٤ والإصابة ٧: ١٥٧ والبيت من قصيدة مفضلية (المفضليات: ٥٦٤) وورد في البيان ١: ٢٤١، واللسان (هيع)، وأمالي القالي ٢: ٢١٥ والسمط: ٨٣٧. وروايته في المفضليات. الحزم والقوة خير من ال؟ دهان والفكة والهاع والفكة: الضعف. والهاع: شدة الحرص.
[ ٤٥ ]
الحزم والقوة خير من ال؟ إشفاق والفهة والهاع؟ - باب إصابة الرجل في منطقة مرة وإخطائه مرة
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: ومن أمثالهم في هذا (١) في الأرض. يضرب للرجل يخطئ مرة ويصيب. قال الأصمعي: ومثله قولهم> " هو يشوب ويروب ".
ع: إنما قال الأصمعي في الأمثال: هو يشوب ولا يروب. وهو صحيح، معناه يخلط ولا يخلص، لأن الشوب: الحلط ومزج اللبن بالماء، والروب مصدر راب اللبن يروب روبًا إذا خثر، وإذا خلص خثر وإلا فلا. وما ذكره أبو عبيد صحيح على ما عقد عليه الباب، معناه يشوب ويمذق مرة، ويأتي بالصريح الخالص مرة. ويقال: شوب من الناس وأوشاب وأوباش: أخلاط بمعنى، وهم الأشابة أيضًا، قال الشاعر (٢):
_________________
(١) في ف: فيحلب.
(٢) هو أبو كبير الهذلي، انظر ديوان الهذليين ٢: ٩٠ والأساس (فرش) والجمهرة ٢: ٧٦ يقول: جمعت من الصحاب من كانوا سجراء نفسي، وسجير الرجل: صفيه وخليله، حشدًا لا يدعون عند أنفسهم شيئًا من الجهد والنصرة، وهم ليسوا بهلك المفارش أي ليست أمهاتهم أمهات سوء. والمفارش كناية عن النساء، والعزل الذين لا سلاح معهم. وفي الأساس: غزل.
[ ٤٦ ]
سجراء نفسي غير جمع أشابة حشدًا ولا هلك المفارش عزل ويقال أيضًا بوش من الناس كما يقال شوب. وقال يونس: لا يقال شوب إلا أن يكونوا من قبائل شتى.
قال أبو عبيد: ومن هذا قولهم " يشج مرةً ويأسو أخرى (١) " أي ييفسد أحيانًا ويصلح أحيانًا.
ع: قد نظمه الشاعر وهو صالح بن عبد القدوس (٢):
قل للذي لست أدري من تلونه أناصح أم على غش يداجيني
إني لأكثر مما سمتني عجبًا يد تشج وأخرى منك تأسوني
لو كنت أعلم منك الود هان له عليّ بعض الذي أصبحت توليني
لا أسأل الناس عما في ضمائرهم وما في ضميري لهم من ذاك يكفيني
أرضى عن المرء ما أصفى مودته وليس شيء من البغضاء يرضيني
لا أبتغي ود من يبغي مقاطعتي ولا ألين لمن لا يبتغي ليني قال أبو عبيد: قال الأحمر: يقال في نحو هذا (٣) " اطرقي وميشي " وأصله خلط الشعر بالصوف. يقول: فكذلك هذا يخلط في كلامه بين صواب وخطأ. قال رؤبة العجاج (٤):
_________________
(١) ف: ويأسو مرة.
(٢) انظر حماسة البحتري: ٥٩ ومحاضرات الراغب ١: ١٤١ والأبيات وردت في تهذيب ابن عساكر ٣: ٤٥ منسوبة لأسماء بن خارجة، ومنها أربعة في الصداقة والصديق: ٩٦.
(٣) س: في مثل هذا المعنى.
(٤) انظر الرجز في اللسان (رقش، ميش، طرق) انظر أيضًا ديوان رؤبة: ٧٧ والترقيش: زخرفة الكلام.
[ ٤٧ ]
عاذل قد أولعت بالترقيش إليّ سرا فاطرقي وميشي ع: الميش: الخلط، يقال: مشت الشيء أميشه ميشًا إذا خلطته مثل الوبر والصوف، والطرق: هو ضربه بالمطرقة، وهي العصا التي يطرق (١) بها الصوف أي ينفض لينتفش ويتداخل.
وذكر الحربي (٢) أن رجلًا ذكر قومًا من أهل اللغة قال: أولئك طرقوا الكلام وماشوه، فأراد بهذه المقالة أنهم جمعوا مبدده (٣)، وخلطوا بين أنواعه ن نثر ونظم وجد وهزل.
وهذا الأحمر الذي ذكر أبو عبيد: هو عليّ بن المبارك (٤) وليس بأبي محرز خلف الأحمر.
باب سوء المسألة والإجابة في المنطق
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: من أمثالهم في المجيب على غير فهم: " أساء سمعًا فأساء جابة ".
قال أبو عبيد: هكذا تحكى هذه الكلمة؟ جابة؟ بغير ألف، وذلك لأنه اسم
_________________
(١) س: يضرب.
(٢) كان إمامًا في العلم رأسًا في الزهد جماعًا للغة صنف كتاب " غريب الحديث ". توفي سنة ٢٨٥هـ؟ راجع ترجمته في تاريخ بغداد: ٣٠٥٩ ومعجم ياقوت ١: ١١٢ والبغية: ١٧٨ ونزهة الألباء: ٢٧٦.
(٣) ط س: فنونه.
(٤) هو صاحب الكسائي وأول من دون عنه، كان يحفظ ألوفًا من الشواهد سوى القصائد وأبيات الغريب، انظر نزهة الألباء: ١٢٥ والبغية: ١٣٤ وإنباه الرواة رقم ٤٩٥.
[ ٤٨ ]
موضوع، يقال: أجابني فلان جابة حسنة، فإذا أرادوا المصدر قالوا: أجاب إجابة بالألف.
(١): أين أمك؟؟ يريد أين تؤم؟ فظنه يقول: أين أمك، فقال: ذهبت لتشتري دقيقًا، فقال سهيل " أساء سمعًا فأساء جابة " فأرسلها مثلًا. فلما انصرف إلى زوجته أخبرها بما قال ابنها فقالت: أنت بتغضه، فقال: " أشبه امرؤ بعض بزه " فأرسلها مثلًا أيضًا (٢) .>
ع: قال أبو عمر المطرز (٣): ناديت فلانًا فأجابني: إجابة وجوابًا وجابة وجيبة وجيبي، فالجابة اسم للجواب كالطاعة والطاقة فإن أردت المصادر قلت: إجابة وإطاعة وأطاقة، قال الشاعر (٤):
وما من تهتفين (٥) به للينصرٍ بأسرع جابةً لك كن هديل (٦) وقال أبو العتاهية فنظم هذا المثل: (٧)
إذا ما لم يكن لك حسن فهمٍ أسأت إجابةً وأسأت سمعا
_________________
(١) في هامش ف: هذا السائل هو الأخنس بن شريق وأمه صفية بنت أبي جهل.
(٢) المثل في هامش ف: أشبه امرأ بعض بزه.
(٣) ص: المطرزي؛ وهو أبو عمر الزاهد المطرز غلام ثعلب، واسمه محمد بن عبد الواحد كان واسع الحفظ، واتهمه أهل العربية بالوضع، أما المحدثون فكانوا يوثقونه وله كثير من التصانيف توفي ببغداد سنة ٣٤٥هـ؟ انظر البغية: ٦٩ وتاريخ بغداد: ٨٦٥ أما المطرزي فهو نحوي آخر اسمه ناصر ابن عبد السيد توفي ٦١٠هـ؟ وكنيته أبو الفتح.
(٤) هو الكميت بخاطب قضاعة في تحولها عن نزار إلى اليمن (المعاني الكبير: ٢٩٧) .
(٥) ص: تستعين.
(٦) الهديل لا يجيب لأن العرب تقول إنه كان في سفينة نوح فوقع في الماء وغرق، فالطير كلها تبكي عليه.
(٧) ديوان أبي العتاهية: ١٥٨ والبيت الأول غير مذكور هنالك والبيتان معًا في العيون ٣: ١٩.
[ ٤٩ ]
ولست الدهر متسعًا لفضلٍ إذا ما ضقت بالإنصاف ذرعا وقد ذكر الزبير فيما ثبت عنه في الكتاب أن المثل لسهيل بن عمرو، وذكر خبره. قال ابن دستويه: أصل الجابة من قولهم جاب البلاد يجوب إذا قطعها طوافًا، لأن الجواب هو ما يرجع من المجيب إلى السائل ومنه جوائب الأخبار وقولهم: هل من جائبة خبر، وهي الواحدة من الجوائب التي تؤوب وترجع.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في سوء المسألة إذا عجل بها قبل أوانها: " إليك يساق الحديث " وذكر الزبير حديثه (١) .
ع: نظم بشار هذا المثل بمعناه واستوفى فحواه ونحواه فقال (٢):
ومرت فقلت متى نلتقي فهش اشتياقًا إليها الخبيث
وكاد يمزق سرباله فقلت إليك يساق الحديث قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في سوء السمع والإجابة: " حدث حدثين امرأةً فإن لم تفهم (٣) فأربعة:
ع: قد ذكر الزبير بن بكار خبره على ما ذكر عنه في الكتاب وفي آخره:
_________________
(١) قوله: وذكر الزبير حديثه دليل على أن ما وقع قبله بين حاصرتين مما حذفه البكري.
(٢) لم يردا في ديوانه المطبوع. وهما في هامش ف.
(٣) س ط: فإن أبت.
[ ٥٠ ]
" حدث حديثين المرأة فإن أبت فعشرة "، إلا أن الذي روي فيه في غير هذا الكتاب " حدث حديثين المرة فإن أبت فعشرة ".
يقال امرأة ومرأة ومراة ومرة أربع لغات.
وذكر المفضل بن سلمة (١) فيه رواية ثالثة قال: " حدث امرأة (٢) حديثين فإن أبت فاربع " وكذلك ذكره الخطابي. فاربع: أي قف وأمسك عن قولك. يقال: ربع الجرل يريع ربعًا إذا وقف. وربع بالمكان إذا أقام به وربع أيضًا إذا كف وأمسك، وهذه معان متقاربة، في قوله فاربع، يقول: إذا كررت الحديث فلم يفهم عنك فأسمك، ولا تتعب نفسك، فانه لا مطمع في إفهامها. وهذه رواية جلية المعنى، صحيحة الظاهر والمغزى. ورواية أبي عبيد تصح على حذف: يريد حدث حديثين المرأة فإن لم تفهم فأربعة لا تفهمها، وعلى الرواية الثانية: فعشرة لا تفهمها والأمثال مبنية على الإيجاز والاختصار، والحذف والاقتصار.
١٢ - باب الرجل يطيل الصمت ثمن ينطق بالزلل
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا " سكت ألفًا ونطق خلفًا "
ع: روى الأصمعي وغيره أن رجلًا من العرب جلس مع قوم فحبق فأشار بإبهامه إلى استه وقال: إنها خلف نطقت خلفا. فالخلف الرديء
_________________
(١) الفاخر: ٦٢ والرواية هناك: " حدث الرعناء بحديثين ".
(٢) س ط: المرأة.
[ ٥١ ]
من القول، والخلف: الرديء الساقط من الناس وغيرهم.
وأنشد أبو عبيد شاهدًا على هذا المثل قول الهيثم بن الأسود النخعي:
وكائن ترى من صامتٍ لك معجبٍ زيادته أو نقصه في التكلم وذكر خبر عن الأحنف الذي كان يطيل الصمت
وهذا البيت للهيثم بن الأسود (١) النخعي، وقيل للأعور الشني، وقبله:
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم وقالوا: ما الإنسان لولا اللسان إلا صورة ممثلة أو بهيمة مهملة. وقال الشاعر:
المرء يعجبني وما كلمته (٢) ويقال لي هذا اللبيب اللهذم
فإذا قدحت زناده وسبرته في الكف زاف كما يزيف الدرهم وقال آخر (٣):
ترى الناس (٤) أشباهًا إذا جلسوا معًا وفي الناس زيف مثل زيف الدراهم وقال عدي بن الرقاع (٥):
القوم أشباه وبين حلومهم بون كذاك تفاضل الأشياء
_________________
(١) س: يروى للأسود بن الهيثم.
(٢) اللهذم: القاطع.
(٣) البيت في اللسان (سوا) .
(٤) اللسان: أسواء.
(٥) راجع ترجمة عدي في الأغاني ٨: ١٨٢ والشعر والشعراء: ٣٩١، والبيت - مع جملة أبيات - ورد في البيان ٢: ٢٦٥ والشعر والشعراء: ٣٩٣ - ٣٩٤.
[ ٥٢ ]
١٣ - باب الرجل يعرف بالصدق ثم يحتاج إلى الكذب
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا " عند النوى يكذبك الصادق " ثم ذكر عن المفضل (١) حديث المثل بطوله (٢) . قال: لأحملنك على الأدهم. قال: مثل الأمير حمل على الأدهم والكميت والأشقر. قال: إنه حديد، قال: لأن يكون حديدًا خير من أن يكون بليدًا> وفيه: فسقاه لبنًا حليبًا كان في سقاء حازر.
ع: يقال حزر اللبن والنبيذ إذا اشتدت حمضته فهو حازر.
قالالراجز، وهو العجاج (٣):
_________________
(١) انظر أمثال الضبي: ٧٦.
(٢) ص: أو فرق خير، وهذا جائز كما ورد في هامش ف نقلًا عن سيبويه.
(٣) انظر المعاني الكبير: ٨٥٦ وديوان العجاج: ١٨ والجمهرة ٢: ١٣٠.
[ ٥٣ ]
يا عمر بن معمرٍ لا منتظر بعد الذي عدا القروص فحزر فأخبرك انه تعدى القروصة إلى الحموضة. وفي الحديث: فسقوني لبنًا لا محضًا ولا حقينًا، الحقين من اللبن: المحقون في الوطب. قال اللغويون: حقنت اللبان إذا صببت لبنًا حليبًا (١) في سقاء وقد كان فيه رائب فأخذ بعض طعمه، ومن أمثالهم " أبى الحقين العذرة " يقول بطل العذر مع حضور اللبن. وكل شيء جمعته من لبن أو شراب ثم شددته فقد حقنته، وبه سمي حابس البول حاقنًا، فأما حابس الغائط فهو حاقب بالباء.
قال الزبير: ومما يشبه هذا حديث أخبرني به محمد بن الضحاك عن أبيه قال: كان الحجاج قد حبس الغضبان بن القبعثري فدعا به يومًا وقال: زعموا أنه لم يكذب قط وليكذبن اليوم فقال له لما أتى به: سمنت يا غضبان، قال: القيد والرتعة والخفض والدعة وقلة التعتعة، ومن يك ضيف الأمير يسمن، قال: أتحبني يا غضبان قال: أو فرق خير من حبين إلى آخر الحديث.
ع: أول من قال: " القيد والرتعة "، عمرو بن الصعق بن خويلد بن نفيل ابن عمرو بن كلاب، وكانت شاكر؟ قبيلة من همدان؟ أسرته، فأحسنت إليه، ورفهت عنه، وكان يوم فارق أهله نحيفًا، فهرب من شاكر، وصاد في طريقه أرنبًا فشواها (٢)، فبينما هو يأكل منها أقبل ذئب فأقعى غير بعيد منه، فنبذ إليه من شوائه فولى عنه، فقال عمرو (٣):
لقد أوعدتني شاكر فخشيتها ومن شعب ذي همدان في الصدر هاجس
قبائل شتى ألف الله بينها (٤) لها حجف فوق المناكب يابس
_________________
(١) س: اللبن حليبًا.
(٢) س ط: فاشتواها.
(٣) الأبيات في الميداني ٢: ٣١.
(٤) الحجف: التروس من جلد.
[ ٥٤ ]
ونارٍ بموماةٍ قليل أنيسها أتاني عليها أطلس اللون يابس
نبذت إليه حزةً من شوائنا حياءً وما فحشي على من أجالس
فولى بها جذلان ينفض رأسه كما آض (١) بالنهب المغير المخالس فلما وصل إلى قومه قالوا: أي عمرو، خرجت من عندنا نحيفًا وأنت اليوم بادن، قال: القيد والرتعة، فأرسلها مثلًا.
قال المفضل: الرتعة: الخصب، ومن ذلك قولهم هو يرتع في كذا، أي في شيء كثير لا يمنع منه ولا يثني عنه. وقال يحيى بن زياد: هو مثل تضربه العرب (٢) للخصب، تقول: فلان يرتع، أي أنه في خصب لا يعدم شيئًا. ورتعت الماشية في المرعى رتوعًا: إذا جاءت وذهبت كيف شاءت. وفي التنزيل: ﴿يرتع ويلعب﴾ (يوسف: ١٢) قال أبو عبيد (٣): يرتع أي يلهو أو يلعب.
وأما قوله: أتحبني يا غضبان؟ فإنما أراد الحجاج أن يكذبه لو قال أحبك، أبو يعاقبه لو أنكر ذلك. فحاد عن الجوابين وقال: أو فرق خير من حبين، فإنما أراد أمري حب أو فرق خير من حبين، فأتى بحرف الشك الذي لا يخلص بين أحد المعنيين وهو " أو ". ومن قرأه أو فرق على أن الهمزة للاستفهام فقد أخل وأحال، وإنما أراد الغضبان أن هيبته له وفرقه منه أنبل وأرفع من محبته إياه مرات لا مرتين. ويروى أو فرقًا خيرًا (٤) من حبين بالنصب لأنه لما استفهمه بالفعل اجابه به، وأضمره لما جرى من ذكره، وأقام المصدر مقامه، أراد أحبك أو أفرقك فرقًا خيرًا من حبين، وقد ذكر ذلك سيبويه. وهذا (٥) في المعنى كما تقول العرب: خشية
_________________
(١) س: آب.
(٢) س: العامة.
(٣) ح ص: أبو عبيد.
(٤) س ط: خير.
(٥) س: وهو.
[ ٥٥ ]
خير من ملء واد حبًا، وكما تقول: " رهبوتي خير من رحموتي " (١) أي أن ترهب خير (٢) من أن تحب وترحم.
١٤ - باب حفظ اللسان في كتمان السر وترك النطق به
قال أبو عبيد: ومنه قول أكثم بن صيفي: " لا تفش سرك إلى أمة ولا تبل على أكمة " (٣):
وقد أجود وما مالي بذي فنع وأكتم السر فيه ضربة العنق (٤) > ع: وقد أحال أبو عبيد لفظ هذا المثل بعد هذا فقال في باب الدعابة والمزاح: " لا تفاكه أمة ولا تبل على أكمة " والنهي عن البول على الأكمة معناه لئلا يرجع بوله
_________________
(١) س: رهبوتا خير من رحموتا.
(٢) خير لك.
(٣) البيت في ديوانه: ٢٦.
(٤) الشطر الأول في الديوان: وأكشف المأزق المكروب غمته. وفي ف: وأطعن الطعنة النجلاء عن عرض. وفي هامش ف أن أبا عبيد لم يثبت في الأصل إلا عجز البيت. والفنع: الفضل في المال.
[ ٥٦ ]
عليه لانصبابها، فإن بال في أعلاها ردت الريح بوله عليه أو نضحته ببوله إن استدبرها، لاشتداد هبوبها في نشوز الأرض على أكثر المعهود، وأيضًا فإن البائل والمتغوط ينبغي ان يرتاد الوهاد وما ستر من غوامض الأرض، وهذا ضد الإشراف على الآكام.
ونقل أبو علي (١) قال: كان رجل من بني أبي بكر بن كلاب يعلم بني أخيه العلم فيقول: افعلوا كذا وافعلوا كذا. فثقل عليهم، فقال بعضهم: قد علمتنا كل شيء، ما بقي علينا إلا الفعالة، لا يكني، فقال: والله يا بني ما تركت ذلك من هوان بكم علي، اعلوا الضراء وابتغوا الخلاء، واستدبروا الريح وخووا تخوية الظليم، وامشتوا بأشملكم.
قال ابن الأعرابي: الضراء: ما انخفض من الأرض، وقال غيره: هو ما واراك من الشجر خاصة. فتراه قد وصاهم أن يأتوا ما انخفض من الأرض وأن يبتغوا مع ذلك الخلاء، ويقال: خوى الظليم إذا جافى بين رجليه، وقوله امتشوا: يريد امتسحوا واستنجوا بأشمل أيديكم، ولذلك سمي المنديل المشوش، قال امرؤ القيس (٢):
نمش بأعراف الجياد أكفنا إذا نحن قمنا عن شواء مضهب (٣) قال أبو عبيد: وقال قيس بن الخطيم الأنصاري (٤):
إذا جاوز الإثنين سر فإنه بنث وتكثير الحديث قمين
_________________
(١) الأمالي ٢: ١٦٨.
(٢) ديوانه: ٨٠ وابن السكيت: ٦٠١ والسمط: ٦٨.
(٣) المضهب: اللحم الذي لم يبلغ النضج وإنما وصفه بذلك لأنهم كانوا على عجل، وتقدير كلامه نمش أعراف الجياد بأيدينا. فقلب اتعبير. وقال بعض أهل اللغة: لا يكون المش إلا المسح بالشيء الذي يفش الدسم، والعرب تتمدح بالتبذل والتتفل في حال الحرب والصيد.
(٤) البيت في حناسة البحتري: ١٤٧ وروايته بنشر، والشريشي ١: ٢٨٥ ببث، وخيرها ما أثبتناه، وهي رواية أمالي القالي ٢: ١٧٧ والكامل: ٤٢٦ ونسبه لجميل بن معمر؛ ط: وإفشاء الحديث؛ س: وتكثير الوشاة.
[ ٥٧ ]
ع: يقال: قمين وقمن أي خليق بذلك وجدير، ويثنى قمين وقمن ويجمعان، ويقال: قمن بفتح الميم ولا يثنى ولا يجمع، وبعد هذا البيت:
وإن ضيع الإخوان سرا فإنني (١) كتوم لأسرار العشير أمين،احسن ما ورد في كتمان السر قول مسكين الدارمي (٢):
وفتيان صدق لست مطلع بعضهم على سر بعض كان عندي جماعها
يروحون مثنى في البلاد وسرهم إلى صخرة أعيى الرجال انصداعها وأمذل الناس بسر، القائل (٣):
لا أكتم الأسرار لكن أنمها ولا أدع الأسرار تغلي على قلبي
وإن أضل الناس من بات ليله تقلبه الأسرار جنبًا إلى جنب وأحسن في الكتمان الآخر (٤):
سأكتمه سري وأكتم سره ولا غرني أني عليه كريم
حليم فينسى أو جهول يشيعه وما الناس إلا جاهل وحليم ومن أمثالهم في هذا: " سرك أسيرك فإن نطقت به فأنت أسيره "
_________________
(١) زاد بعده في ط: يكون له عندي إذا ما ضمنته مكان بسوداء الفؤاد مكين
(٢) شاعر أموي من المتحيزين لبني أمية، راجع بعض أخباره وشعره في الأغاني ١٨: ٦٨ والشعر والشعراء ٣٤٧ والخزانة ١: ٤٦٥ والأمالي ١: ٤٧٠ والبيتان في أمالي المرتضى ١: ٣٩٩ والتبريزي ٣: ١٢٦ والرواية فيها جميعًا: غير أني جماعها.
(٣) أنظرهما في التبريزي ٣: ٧٥ والشريشي ١: ٢٨٤ ومجموعة المعاني: ٧١ والكامل: ٤٢٧ ونسبهما لبعض المحدثين، ومحاضرات الراغب ١: ٦٠.
(٤) البيتان في الكامل: ٤٢٥ غير منسوبين، وفي روضة العقلاء: ١٦٦.
[ ٥٨ ]
أسيرك سرك إن صنته وأنت أسير له إن ظهر> قال أبو عبيد: وقال رجل من سلف العلماء: كان يقال " أملك الناس لنفسه من كتم سره من صديقه وخليله ". قال أبو عبيد: أحسب ذلك للنظر في العاقبة لئلا يتغير الذي بينهما يومًا ما فيفشي سره.
(١):
أحذر عدوك مرة وأحذر صديقك ألف مره
فلربما انقلب الصدي ق فكان أخبر بالمضره قال أبو عبيد: ومن أمثالهم " سرك من دمك " يقول: ربما أفشيته فيكون سبب حتفك.>
ع: هذا الذي هو عند أبي عبيد حسبان هو يقين، وهو الذي عنى هذا الرجل المذكور، وقد نظمه الشاعر وبينه فقال (٢):
إحذر مودة ماذق شاب المرارة بالحوه
يحصي العيوب عليك أي أم الصداقة للعداوه وقال آخر (٣):
_________________
(١) البيتان في كتاب الآداب: ٩٠ وقد نسبا للقاضي ابن معروف وانظرهما في شرح النهج ٤: ٣٣٨ والشهاب الثاقب: ٤٤ وهما في هامش ف أيضًا.
(٢) أوردها ابن قتيبة في عيون الأخبار ٣: ١٠٧ وهما في الصداقة والصديق: ٤١، وفي هامش ف.
(٣) أنظرهما في الصداقة والصديق: ١٤٣.
[ ٥٩ ]
إن الكريم الذي تبقى مودته ويحفظ السر إن صافى وإن صرما
ليس الكريم الذي إن زل صاحبه بث الذي كان من أسراره علما ١٥؟ باب إعلان السر وإبدائه [بعد كتمانه]
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا " صرح الحق عن محضه " أي انكشف بعد ستره (١) .
ع: جميع العلماء إنما أوردوا هذا المثل " صرح الحقين عن محضه "، وقد تقدم آنفًا ذكر احقين وتفسيره (٢)، ومحضه: خالصه.
قال أبو عبيد: ومثله قولهم " أبدى الصريح عن الرغوة "
ع: ظاهر هذا اللفظ في هذا المثل انه مقلوب، والرغوة تبدي عن الصريح
_________________
(١) زاد في قوله: قال الزبير: صرح وحصص بمعنى، قال: وقالت امرأة العزيز " الآن حصحص الحق "؛ وفي س ط: انكشف الأمر عن ستره.
(٢) انظر الصفحة: ٥٤ فيما تقدم.
[ ٦٠ ]
أي تتكشف عنه لأنها فوقه، ولا يجوز أن ينكشف الصريح عن الرغوة، والرغوة تعلوه. ومعنى المثل: أبدى الصريح خلوصه أو صفحته عن الرغوة، والمفعول محذوف لأن أبدى لا بد له من مفعول، وهو المحذوف الذي دلّ عليه ما بعده. وهو كما تقول: أبدت وجهها عن القناع، وقال سلمة على ما ثبت عنه في الكتاب: الرغوة والرغوة لغتان،
ع: في الرغوة لغات ضمّ الراء وكسرها كما قال، وفتح الراء، ذكره أبو عبيد في الغريب المصنف؛ يقال فيها أيضًا رغاوة ورغاوة ورغاوة.
قال أبو عبيد: فإذا ظهر الأمر كله حتى لا يستتر قيل " قد بين الصبح لذي عينين ".
ع: ذكروا أن بين هنا بمعنى بان وتبين، وإنما تأتي بمعنى واحد وقد أنشد بعض العلماء هذا المثل رجزًا ووصل به شطرًا آخر وهو:
قد بين الصبح لذي عينين أن الطريق قبل النشزين (١) فالصبح هو الذي بين موضع الطريق، فبين ليس بمعنى بان كما ذكروا.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا " قد أفرخ القوم بيضتهم " وأصله خروج الفرخ من البيضة، يقول: قد أبدى هؤلاء القوم أمرهم كما تفرخ الحمامة بيضها، قاله الأصمعي وأبو زيد.
قال أبو عبيد: ومثل العامة في هذا " برح الخفاء ".
ع: المحفوظ عن الغويين: أفرخت الحمامة إذا كانت ذات فراخ وأفرخت
_________________
(١) أي ما يستقبلك منهما. والنشز ما ارتفع من الأرض؛ وفي س: النجدين؛ ط: النسرين.
[ ٦١ ]
البيضة، وهي بيضة مفرخ، إذا كان فيها فرخ، ويقال على ما ذكره أبو عبيد: أفرخت البيضة إذا فقأتها عن فرخ، فمعناه أبدى القوم من شأنهم ما كان مستورًا مجهولًا. كما أن البيضة تجن (١) الفرخ فلا يدري ما فيها حتى تفقأ عنه. فأما قولهم " أفرخ روعك " فقد قيل إنه من هذا، ومعناه انجلى وانكشف كما ينكشف ما في البيضة إذا تقوبت عن الفرخ. وقد قيل إن قولهم: أفرخ روعك ليس من لفظ فرخ الطائر ولا ما تصرف منه، ومعناه ذهب روعك، لأن الفراخ قد تسمى بها أشياء من غير الطير. الفراخ الأسنة العراض، والفراخ: صغار الشجر وغير ذلك.
وقال أبو عبيدة: أفرخ الروع وكل شيء إذا سكن إلا الحرب فإنه إذا قيل أفرخت الحرب فإنما راد ذكاؤها واضطرامها وتهيجها. وقال رؤبة لبلال بن أبي بردة (٢):
وفتنةٍ كالعنت المنهاض أفرخ قيض بيضها المنقاض ومن حديث الشعبي أن عروة بن مضرس قال: أتيت النبي ﷺ بجمع قبل أن يصلي صلاة الصبح، فقلت: يا رسول الله: طويت الجبلين (٣)، ولقيت شدة، فقال: أفرخ روعك، من أدرك إفاضتنا هذه فقد أدرك الحج "
وقال أبو علي الفارسي في التذكرة: معنى أفرخ روعك صار له فرخ وإذا أفرخ الطائر لأنه قد فارق الحضن، وهذا قول مقبول ومعنى حسن جميل.
وزعم ابن الأنباري أن أول من نطق بهذا المثل معاوية بن أبي سفيان قال: قلد
_________________
(١) ص: عن؛ ط: ثخن عن.
(٢) في ديوانه: ٨٢ وفتنة كالعنت المنهاض فيها سعال من طنى الامراض تبرق برق العارض النفاض أفرخ قيض بيضها المنقاض العنت المكسور، الطنى: شدة عطش البعير حتى تلتصق رئته بجنبه، القيض: انكسار البيض.
(٣) يعني جبلي طيء، وعروة طائي.
[ ٦٢ ]
معاوية زيادًا البصرة واستعمل المغيرة بن شعبة على الكوفة، فلم يلبث أن مات المغيرة فتخوف زياد أن يستعمل معاوية مكانه عبد الله بن عامر فكتب إليه يشير عليه باستعمال الضحاك، فكتب إليه معاوية " أفرخ روعك " قد شممنا إليك الكوفة والبصرة. فكتب إليه (١) " النبع يقرع بعضه بعضًا " فذهبت كلمتاهما مثلين. قال: والروع بفتح أوله: الفزع، والروع بضمه: الخلد والنفس.
ومن حديث عبد الله عن النبي ﵇ أنه قال: إن روح القدس نفث في روعي أن نفسًا لن تموت حتى تستوفي رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب.
وأما قولهم: برح الخفاء: فقال ابن دريد (٢): أول من قاله شق الكاهن، ومعنى برح: انكشف وظهر، والبراح من الأرض ما كان بارزًا مكشوفًا، ولذلك سميت الشمس براح، اسم معدول لا يجري، قال الراجز (٣):
هذا مقام قدمي رباح غدوة حتى دلكت براح رباح: اسم ساق يستقي لابله، يريد أنه استقى من تلك الغدوة حتى مالت الشمس؟ وهي براح؟ للغروب، ودلوكها: ميلها، ويروى: حتى دلكت براح، يريد أنها تدلت للمغيب، فهو يحجبها عن عينه براحته إذا نظر إليها، كما قال العجاج (٤):
والشمس قد كادت تكون دنفا أدفعها بالراح كي تزحلفا ويقال برح الخفاء، بكسر الراء، ومعناه زال وذهب، من قولهم: ما برحت
_________________
(١) س ط: فقال زياد.
(٢) الجمهرة ١: ٢١٨.
(٣) انظر مجاز القرآن ١: ٣٨٧ ونوادر أبي زيد: ٨٨ وابن السكيت: ٣٩٣ ومجالس ثعلب: ٣٧٣، واللسان والتاج (برح، ربح) . ويروى: بكرة حتى دلكت، ويروى: ذبب حتى دلكت؛ وفتح الباء وكسرها من " براح " مما ذكره كبار اللغويين أمثال أبي عبيد والأزهري والهروي والزمخشري.
(٤) الرجز في ابن السكيت: ٣٩٣ وتفسير الطبري ١٥: ٨٦ ومجاز القرآن ١: ٣٨٨ والأساس (دنف) وديوان العجاج: ٨٢ والجمهرة ١: ٢١٨.
[ ٦٣ ]
من مكاني أي ما زلت، وأكثر ما يستعمل في النفي، قال الله تعالى ﴿لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين﴾ (الكهف: ٦٠) وقد قالوا: برح كذا أي زال. وأنشد أبو بكر (١):
وأبرح ما أدام الله قومي بحمد الله منتطقًا مجيدًا منتطقًا: عليه سلاح، ومجيدًا: صاحب جواد، وأنشده أبو عبيدة لخداش بن زهير على حذف لا، مقل قول الله تعالى ﴿تفتا تذكر يوسف﴾ (يوسف: ٨٥) قال: ومثله لخليفة بن براز (٢):
وتزال تسمع ما حيي؟ ت بهالكٍ حتى تكونه وقال أبو إسحاق الحربي في قول النبي ﵇ لعبد الله بن مسعود ليلة الجن، وخط عليه خطًا، وقال: لا تبرحن خطك، يقال: برح يبرح إذا تنحى وذهب، وبرح الخفاء: ذهب، وأبرحته أنا أي أذهبته، ويسمى الرجل الشجاع: حبل براح، هكذا ورد عن العرب أي كأنه قد شد بالحبال فلا يبرح ولا يزول.
باب إسرار الرجل إلى أخيه بما يستره عن غيره
قال أبو عبيد:: من أمثالهم في هذا " أفضيت إليه بشقوري " أي أخبرته بأمر، وأطلعته على ما أسره من غيره. قال العجاج (٣):
جاري لا تستنكري عذيري سيري وإشفاقي على بعيري
_________________
(١) الخزانة ٤: ٤٨ والجمهرة ١: ٢١٨.
(٢) من أبيات الشواهد: انظر الخزانة ٤: ٤٧، ٤: ٢٣٣ وروايته: تنفك تسمع، والبيت مما أنشده ابن سلام نفسه في كتاب الأمثال لخليفة بن براز، وهو جاهلي، وعنه نقل صاحب الخزانة؛ وفي س: ومثله قول خليفة.
(٣) انظر اللسان (شقر) وديوان العجاج: ٢٦.
[ ٦٤ ]
وكثرة الحديث عن شقوري (١) ولا تستنكري عذيري وإشفاقي على بعيري.
قال الأصمعي: ومثله قولهم " أخبرته بعجري وبجري " أي أظهرته من ثقتي به على معايبي، قال أبو عبيد: وأصل العجر: العروق المنعقدة، وأما البجر فهي أن تكون تلك في البطن خاصة.
قال أبو عبيد: والعامة إذا أرادت مثل هذا المعنى قالوا " لو كان بجسدي برص ما كتمته ".>
ع: هكذا روي عن أبي عبيد: أفضيت إليه بشقوري، بفتح الشين، وهو قول الأصمعي وحده، وقال أبو زي وغيره: أبث فلان فلانًا شقوره، بضم الشين، والعذير في قول العجاج: الحال، وجمعه عذر، يقول: لا تستنكري حالي من الهرم يا جارية، ولا كثرة ما أحدث به نفسي مما يقوم في بالي من الأسرار، وذلك من أحوال الشيوخ وتهاتر الهرمى.
والعذير: في غير هذا، العذر، يقال: عذيرك من كذا أي هلم معذرتك منه، ويقال: العذير بمعنى العاذر، فعيل بمعنى فاعل، أي هلم من يعذرك من هذا.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الكتمان " الليل أخفى للويل " يقول: افعل ما تريده ليلًا فإنه أستر لسرك (٢) .
ع: أول من قال هذا سارية بن عويمر بن أبي عدي العقيلي، وسبب ذلك
_________________
(١) هكذا قال البكري، وأكثر الشراح عد " سيري " مصدرًا لا فعلا.
(٢) س ط: أستر لك.
[ ٦٥ ]
أن توبة بن الحمير شهد قومه بني خفاجة وبني عوف يختصمون عند همام بن مطرف العقيلي، وكان مروان بن الحكم استعمله على صدقات بني عامر، فضرب ثور ابن سمعان بن كعب العقيلي توبة بجزر (١)، وعلى توبة درع وبيضة، فجرح أنف البيضة وجه توبة، فأمر همام بن مطرف بثور فأقعد بين يدي توبة فقال: خذ حقك يا توبة فقال: ما كان هذا إلا عن أمرك، وما كان ليجترئ عليّ. فانصرف توبة ولم يقتص منه، وهو يقول:
إن أمكن الدهر فسوف أنتقم أو لا فإن العفو أدنى للكرم ثم إن توبة بلغه أن ثورًا قد خرج في نفر من أصحابه يريد ماء بتثليث [لهم]، فتبعهم في أناس من أصحابه، حتى ذكر له أنهم عند رجل من بني عقيل يقال له سارية ابن عويمر، وكان صديقًا لتوبة، فقال توبة: لا أطرقهم وهم عند سارية، ووكل بتفقدهم رجلين من أصحابه، فقال سارية للقوم العقيليين وقد أرادوا أن يخرجوا من عنده مصبحين: " ادرعوا الليل فإنه أخفى للويل فلست آمن عليكم توبة " فلما أظلم فغشيهم هناك، فلما أن رأوهم صفوا لهم رجالهم، فزحف توبة السيهم فارتمى القوم، ثم إن توبة قال لأخيه عبد الله: ترس لي فإني قد رأيت ثورًا يكثر رفع الترس عسى أو أوفق منه مرمى، فترس له ورماه توبة فأصابه على حملة ثديه فصرعه، وانهزم أصحابه، فوضعوا فيهم السلاح حتى أثخنوهم، ومضى توبة حتى طرق سارية بن عويمر من الليل فقال: إنا قد تركنا رهطًا من قومك بالسمرات من قرون بقر، فأدركوهم فواروا موتاهم واحتملوا جرحاهم، فلحق بهم سارية وقد مات ثور، وهذا اليوم جر مقتل توبة.
_________________
(١) الجزر والجمع جرزة: العمود من الحديد؛ وفي س ط: بحرز.
[ ٦٦ ]
١٧ -؟ باب الحديث يستذكر به حديث غيره
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا " الحديث ذو شجون " (١) يحدث بهذا المثل عن ضبة بن أد، قال: وكان بدء ذلك أنه كان له ابنان، يقال لأحدهما سعد والآخر سعيد، فخرجا في طلب إبل لهما، فرجع سعد لوم يرجع سعيد، فكان ضبة كلما رأى شخصًا مقبلًا قال " أسعد أم سعيد " فذهبت كلمته هذه مثقلًا. قال: ثم إن ضبة بينما هو يسير ومعه الحارث بن كعب، في الشهر الحرام، إذ أتيا على مكان (٢) . فقال الحارث لضبة: أترى هذا الموضع فإني لقيت فيه فتى من هيئته كذا وكذا فقتلته وأخذت منه هذا السيف، فإذا هي صفة سعيد، فقال له ضبة: رني السيف أنظر إليه، فناوله فعرفه ضبة، قال: فعندها قال " إن الحديث ذو شجون " فذهبت كلمته الثانية مثلًا أيضًا. ثم ضرب به الحارث حتى قتله، قال: فلامه الناس على ذلك وقالوا: أتقتل في الشهر الحرام؟ فقال: " سبق السيف العذل " فذهبت كلمته الثالثة مثلًا أيضًا، ويقال إنما هو العذل، وإنما جاز في الشعر للضرورة (٣) .>
ع: قد ذكر أبو عبيد هذا المثل وأول من نطق به، وترك معنى قولهم: ذو شجون، ومعناه أن يدخل بعضه في بعض، ويجر بعضه بعضًا، مأخوذ من الشواجن فيها، وهي أودية كثيرة الشجر غامضة، يقال: أشجنت الأرض إذا كثرت الشواجن فيها، وهي الأودية، والشجون أيضًا الحاجات، واحدها شجن، قال الشاعر (٤):
_________________
(١) انظر أمثال الضبي: ٧٦ وما هنا فيه اختلاف وبعض إيجاز.
(٢) في الضبي: إذ مرا على سرحة بمكان.
(٣) ويقال إنما هو العذل الخ من الحاق ابن الأنباري كما في هامش ف.
(٤) الشاعر هو مدرك بن حصن الفقعسي، ونص البيت: ذكرتك حيث استأمن الوحش والتقت رفاق به والنفس شتى شجونها
[ ٦٧ ]
والنفس شتى شجونها قال ابن الأنباري: معنى قولهم: ذو شجون أي ذو فنون وتمسك وتشبك من بعضه ببعض، يقال: شجر متشجن، إذ التف بعضه ببعض، وقال النبي ﵊ " الرحم شجنة من الله " (١)، ويقال: شجنة بالضم، قال أبو عبيد: معناه القرابة مشتبك بعضها ببعض كاشتباك العروق. قال: ثم استعملوا الشجن في معنى الحاجة والحب، لي في موضع كذا شجن أي حاجة وحب، قال (٢):
إني سأبدي لك فيما أبدي لي شجنان: شجن بنجد وشجن لي ببلاد الهند وأنشد أبو عبيد في هذا الحديث للفرزدق (٣):
فلا تأمنن الحرب إن استعارها كضبة إذ قال: الحديث شجون وقبله:
وإن كنت قد سالمت دوني فلا تقم بأرض بها بيت الهوان يكون
فلا تأمنن هكذا روي عن أبي عبيد " إن استعارها " بالسين والعين المهملتين، ورواه ابن الأنباري: إن اشتغارها، بالشين والغين المعجمتين، قال: يريد هيجها وانتشارها من قولهم: شغر برجله إذا أمكن (٤) . يقول: تفاجئك كما فاجأ ضبة الحارث، يريد أن قتل ضبة للحارث كان الكلام سببه، كما قال الآخر (٥):
_________________
(١) الحديث: الرحم شجنة من الله تعالى معلقة بالعرض تقول: اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني.
(٢) انظر تفسير الطبري ٣: ٩٥ (تحقيق الأستاذ محمود شاكر) واللسان (شجن) .
(٣) ديوان الفرزدق: ٤٩ يخاطب به الخيار بن سبرة المجاشعي وروايته " اشتغارها ". وانظر أمثال الضبي: ٥، واللسان (شجن) .
(٤) هكذا هي في ص ح س ط، وفي الضبي: إذا رفعها ليبول.
(٥) سيجيء في جملة أبيات، منسوبًا لصاحبه، ومناسبته مذكورة أيضًا هنالك.
[ ٦٨ ]
فإن النار بالعودين تذكى وإن الحرب يقدمها الكلام وقالوا: الحرب أولها نجوى، وأوسطها شكوى، وآخرها بلوى.
ومن كتاب قاسم بن سعدان (١) بخطه، أخبرنا طاهر (٢) قال سمعت عليًا يقول: حدثني الزبير القاضي، قال حدثني مصعب، قال: بعث عامل معاوية بأحمال مال إلى معاوية، فمرت الإبل على الحسين بن علي، فأخذ منها عشرة أحمال فعزلها هذا من خقي ولقي (٣)، لي أكثر منه، فلما بلغ ذلك معاوية كتب إليه:
يا حسين بن علي ذا الأمل لك بعدي وثبة لا تحتمل
ليس بعدي لك من يحملها ليس بين المال والوثب عمل
إنما أحذر أن تبلى بمن عذره: قد سبق السيف الهذل ويروى عن عبيد بن شربة أنه قال: أول من قال: سبق السيف العذل، حريم (٤) بن نوفل الهمداني، وذلك أن النعمان بن ثواب العبدي كان له بنون سعد وسعيد وساعدة. فأما سعد فكان شجاعًا بطلًا، وأما سعيد فكان جوادًا سمحًا ذا أحواز (٥) وصنائع، وأما ساعدة فكان صاحب شراب وندمان، وكان أبوهم
_________________
(١) أحد نحاة الأندلس، وكان عالمًا بالحديث فقيهًا بصيرًا بالنحو والغريب والشعر، توفي سنة سبع وأربعين وثلاثمائة، انظر الزبيدي: ٣٢٧ وتاريخ ابن الفرضي ١: ٤٠٩ والبغية: ٣٧٧.
(٢) هو طاهر بن عبد العزيز الرعيني القرطبي، كان عارفًا بعلم اللغة والخبر، توفي سنة ٣٠٥هـ؟، تاريخ ابن الفرضي ١: ٢٤٣ والجذوة: ٢٣٠ والزبيدي: ٢٩٧ وبغية الوعاة: ٢٧٢.
(٣) الحق: الأرض المطمئنة واللق: المرتفعة، وفي الجمهرة ١: ٦٨ أن عبد الملك كتب إلى الحجاج يقول: لا تدع خقًا ولا لقًا إلا زرعته، قال: والخق الحفرة الغامضة في الأرض، واللق: الشق؛ وفي ط: هذا من حقي وبقي لي أكثر منه؛ وهي رواية جيدة.
(٤) س ط: خريم، حيثما وقعت.
(٥) س ط: إخوان.
[ ٦٩ ]
النعمان ذا شرف وحكمة، وكان يوصيهم ويحملهم على أدبه، فقال لسعد؟ وكان صاحب حرب؟ إن الصارم ينبو، واجواد يكبو، والأثر يعفو، والحليم يهفو، فإذا شهدت حربًا فرأيت نارها تسعر، وبحرها يزجر، وبطلها يخطر، وضعيفها ينصر، فإياك أن تكون صيد رماحها، ونطيح نطاحها، وأعلم عند ذلك أنهم ينصرون، ثم قال لسعيد، وكان جوادًا: يا بني، إنه قد يبخل الجواد، ويصلد الزناد، وتجمد الثماد، وتمحل البلاد، فلا تدع أن تجرب إخوانك وتبلو أخدانك. ثم قال لساعدة: يا بني إن كثرة الشرب (١) تفسد القلب، وتقل الكسب، وتحدث العب، فانظر نديمك، واحم حريمك، وأعن غريمك، واعلم أن الظمأ القامح، خير من الري الفاضح، وعليك بالقصد، فإن فيه بلاغًا.
ثم إن النعمان توفي فقال سعيد، لآخذن بأدب أبي، وأبلو (٢) أوثق إخواني في نفسي، فعمد إلى كبش فذبحه. ثم أضجعه في قبته، وغشاه ثوبًا، ثم دعا رجلًا كان من أوثق إخوانه في نفسه فقال يا أبا فلان: إنما أخوك من صدقك بعهده، وحاطك برفد، وقام معك يجهده وسواك بولده، قال: صدقت. قال: إني قتلت فلانًا فما عندك؟ فقال: يا للسوأة السوءاء وقعت فيها وانغمست، فتريد ماذا؟ قال: أحب أن تعينني عليه حتى أغيبه وأجنه، قال: لست لك في ذلك بصاحب، ثك تركه وانطلق، فدعا سعيد رجلًا آخر من إخوانه يقال له حريم بن نوفل الهمداني، فقال: يا حريم ما عندك؟ قال: ما يسرك. قال: فإني قتلت فلانًا، قال: فتريد ماذا؟ قال: تعينني عليه حتى أغيبه قال: لهان ما فزعت فيه إلى أخيك؛ ثم قال؟ وعبد لسعيد عنده -: هل اطلع على هذا غير عبدك هذا؟ قال: لا. فأهوى حريم إلى العبد بالسيف فقتله، وقال " ليس عبد بأخ لك " ففزع لذلك سعيد وقال: ما صنعت؟ إنما أردت تجربتك، قال حريم " سبق السيف العذل ".
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في ذكر الشيء بغيره " ذكرتني الطعن وكنت
_________________
(١) س: الشراب.
(٢) وأبلون.
[ ٧٠ ]
ناسيًا " قال: وأصله أن رجلًا حمل على رجل آخر (١) ليقتله، وكان في يد المحمول عليه رمح فأنساه الدهش ما في يده فقال له الحامل: ألق الرمح، فقال الآخر: ألا أرى معي رمحًا ولا أشعر، " ذكرتني الطعن وكنت ناسيًا ". ثم كر على صاحبه حتى طعنه فقتله أو هزمه. وقد يسمى هذان الرجلان فيقال الحامل: صخر بن معاةي السلمي، والمحول عليه: يزيد بن الصعق.
قال أبو عبيد (٢): أبو الحسن قال: أخبرني أبو محمد قال: المحمول عليه أبو ثور ربيعة بن فلان الفقعسي، حمل عليه صخر فقال له: لق الرمح، فقال: " ذكرني الطعن وكنت ناسيًا " فطعنه، فأدخل حلق الدرع في بطنه، فجوي منه فمات، قال الزبير: هو صخر بن عمرو أخو الخنساء (٣) .
ع: وهم أبو عبيد فيما أورده وهمين، أما أحدهما فإنه قوله: صخر بن معاوية وإنما صخر بن عمرو بن الشريد، وأما معاوية فهو أخو صخر، ابني عمرو. والوهم الثاني قوله: ثم كر عليه حتى طعنه فقتله أو هزمه على الشك منه، وإنما طعن صخرًا طعنته (٤) التي مات منها ربيعة بن ثور الأسدي بإجماع من أهل العلم بأيام العرب ومقاتل فرسانها لأنه غزا بني أسد، فالتقوا يوم الأثل فطعنه ربيعة فأدخل جوفه حلقًا من الدرع، فجوي صخر فكان يمرض قريبًا من حول حتى مله أهله، فسمع صخر امرأة تسأل امرأته سلمى، كيف بعلك؟ قلت: لا حي فيرجى ولا ميت فينسى. فقال صخر:
أرى أم صخر ما تمل (٥) عيادتي وملت سليمى موضعي ومكاني
_________________
(١) س ط: حمل عليه آخر.
(٢) من هنا حتى آخر الفقرة سقط من ح س ط.
(٣) انظر الخبر والشعر الذي سيرد بعد قليل في الأغاني ١٣: ١٣٠ والكامل: ٧٤٦ والقصيدة أصمعية برقم: ٤٧.
(٤) س: الطعنة.
(٥) الكامل والأصمعيات: أرى أم صخر ما تجف دموعها.
[ ٧١ ]
وما كنت أخشى أن أكون جنازة عليك ومن يغتر بالحدثان
لعمري لقد نبهت من كان نائمًا وأسمعت من كانت له أذنان
فأي امرئ ساوى بأم حليلة فلا عاش إلا في شقا (١) وهوان
أهم بأمر الحزم لو ستطيعه (٢) " وقد حيل بين العير والنزوان "
فللموت خير من حياةٍ كأنها معرس يعسوب برأس سنان فلما طال عليه البلاء. وقد نتأت قطعة لحم مثل اليد من جنبه قالوا له: لو قطعتها لرجونا لك أن تبرأ فقال: شأنكم. وأشفق عليه بعض أهله فنهاه فأبى وقال: الموت أهون علي مما أنا فيه، فأحموا له شفرة ثم قطعوها، فيئس من نفسه، وسمع أخته خنساء تسأل عنه كيف صبره فقال:
أجارتنا إن الخطوب تنوب على الناس، كل المخطئين تصيب
فإن تسأليهم كيف صبري فإنني صبور على ريب الزمان صليب
كأني وقد أدنوا إليّ شفارهم من الصبر دامي الصفحتين نكيب
أجارتنا لست الغداة بظاعن ولكن مقيم ما أقام عسيب ثم مات. وقال غير أبي عبيد (٣): إن الذي حمل عليه صخر، وعلة الجرمي.
١٨ -؟ باب العذر يكون للرجل ولا يمكنه أن يبديه
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا " رب سامع خبري لم يسمع عذري "
_________________
(١) ط: أذى.
(٢) العير: حمار الوحش، والنزوان: وثوبه على الأنثى، والقول مثل.
(٣) ط: أبي عبيدة.
[ ٧٢ ]
أقدر أن أوسع الناس عذرًا.
قال الزبير: عذرًا، وهي للجماعة واحدتها عذرة.
ومن هذا قول أكثم بن صيفي " رب ملوم لا ذنب له "، يقول: قد ظهر للناس منه أمر أنكروه عليه، وهم لا يعرفون حجته وعذره، فهو يلام، وكذلك قول الآخر " كل أحد أعلم بشأنه " يقول: إنه لا يقدر على إظهار أمره كله وإبدائه، ومنهم قولهم " لعل له (الخ) ".>
ع: قال أبو زيد: مثل لهم " رب سامع عذري (١) لم يسمع قفوتي " يقال قفوته أقفوه قفوة وقفوًا إذا قرفته بشر، يضرب مثلًا لمن يعتذر من شيء لم يعلم منه فيكون اعتذاره من ذلك الشيء تسميعًا بنفسه.
قال أبو عبيد: ومنه قولهم " لعل له عذرًا وأنت تلوم "
ع: هذا صدر بيت شعر لمنصور النمري (٢)، قال:
لعل له عذرًا وأنت تلوم وكم من ملوم وهو غير مليم (٣)
_________________
(١) س ط: عذرتي.
(٢) هو منصور بن سلمة بن الزبرقان من رأس العين ومن مداح الرشيد على ميل للعلويين كان يخفيه. انظر ترجمته في طبقات ابن المعتز: ١١٢ والأغاني ١٢: ١٦ والبيت ص: ١١٥ من الطبقات.
(٣) أورد الميداني المثل عجزًا لبيت شعر، صدره " تأن ولا تعجل بلومك صاحبًا ".
[ ٧٣ ]
غير مليم: أي لم يأت ما يلام عليه، قال الله تعالى ﴿فالتقمه الحوت وهو مليم﴾ (الصفات: ١٤٢.
١٩ -؟ باب الاعتذار في غير موضع العذر
قال أبو عبيد: وروي عن إبراهيم النخعي (١) أنه اعتذر إليه رجل فقال: قد عذرتك غير معتذر،: إن المعاذير يشوبها الكذب (٢) .
ع: يريد قد عذرتك وأنت ممسك عن عذرتك غير معتذر فكأنه كان عنده أعذر قبل أن يعتذر فلذلك قال: إن المعاذير يشوبها الكذب. وقد قال الشاعر:
_________________
(١) المروي عن إبراهيم النخعي في البيان ١: ١٩٢ أنه قال: دع المعاذر فإن أكثرها المفاجر، وقال أيضًا لابن عون وقد اعتذر إليه (البيان ٢: ١٩٠) اسكت معذورًا فإن الاعتذار يخالطه الكذب.
(٢) هذه الكلمة كما أوردها البكري وردت في عيون الأخبار ٣: ١٠١.
[ ٧٤ ]
إذا اعتذر الجاني محا الذنب عذره وكل امرئ لا يقبل العذر مذنب وقال آخر (١):
إذا ما امرؤ من ذنبه جاء تائبًا إليك ولم تغفر له فلك الذنب وقال محمود (٢) الوراق في معنى قول النخعي:
إذا كان وجه العذر ليس ببينٍ فإن أطراح العذر خير من العذر قال أبو عبيد: وقال مطرف بن الشخير: المعاذر مكاذب (٣)، قلت: والمحفوظ عن العرب: دعوا المعاذر فإن أكثرها مفاجر (٤) .
٢٠ -؟ باب التعريض بالشيء يبديه الرجل وهو يريد غيره
(٥): كان رجل نزل بقوم ليلًا، فأضافوه وغبقوه، فلما فرغ قال: إذا صبحتموني غدًا فكيف آخذ في حاجتي؟ فقيل عند ذلك " أعن صبوح ترقق "، والصبوح: هو الغداء، والغبوق هو العشاء، وإنما أراد الضيف بهذه المقالة أن يوجب عليهم الصبوح، فصار مثلًا لكل من كنى عن شيء وهو يريد غيره.
وقد روي هذا المثل عن عامر الشعبي أنه قال لرجل سأل عمن قبل أم امرأته
_________________
(١) البيت في عيون الأخبار ٣: ١٠٤ غير منسوب.
(٢) ص: محمد، ومحمود الوراق مولى بني زهرة يكنى أبا حسن شاعر عباسي نخاس، توفي في حدود المائتين والثلاثين وشعره أمثال وحكم ومواعظ. انظر ترجمته في طبقات ابن المعتز: ٣٦٧ (ط. دار المعارف) وتاريخ بغداد ١٣: ٨٧ وفوات الوفيات.
(٣) انظر عيون الأخبار ٣: ١٠١.
(٤) ص: مفاخر.
(٥) أمثال الضبي: ٥٣.
[ ٧٥ ]
فقال: " أعن صبوح ترقق "، حرمت عليه امرأته.
قال أبو عبيد: ظن الشعبي؟ فيما أحسب؟ أنه أراد غير القبلة فكنى بها عن ذاك؟ فيما أحسب (١) -.
وقال أبو زيد والأصمعي في مثل هذا " يسر حسوًا في ارتغاء " قال الأصمعي: وأصله الرجل يؤتى باللبن فيظهر أنه يريد الرغوة خاصة ولا يريد غيرها فيشربها، وهو في ذلك ينال من اللبن، والارتغاء هو شرب الرغوة، يقال منه: ارتغيت ارتغاء.>
قال أبو عبيد: ومن التعريض قولهم (٢) " إياك أعني واسمعي يا جارة " ويروى عن بعض العلماء أن المثل لشهل بن مالك الفزاري قاله لأخت حارثة بن لام الطائي.
ع: إنما نهشل بن مالك؟ وقيل سهل بن مالك (٣) - وليس في العرب شهل بالشين إلا شهل بن شيبان، وهو الفند الزماني.
وكان من خبر نهشهل بن مالك هذا أنه خرج يريد النعمان بن المنذر فمر ببعض أحياء طي، فسأله عن سيد الحي، فقيل له: حارثة بن لام، فأم رحله فلم يصبه شاهدًا، فقالت له أخته: انزل في الرحب والسعة حتى يلحق حارثة، فنزل، فأكرمت مثواه، وأحسنت قراه. ورآها خارجة من خباء إلى خباء فرأى جمالًا بهره وكمالًا فتنه، وكانت عقيلة قومها، وسيدة نسائها، فجعل لا يدري كيف يعلمها بما في نفسه منها ولا ما يوافقها من ذلك، فجلس بفناء الخباؤ يومًا وجعل ينشد:
يا أخت خير البدو والحضارة كيف ترين في فتى فزاره
_________________
(١) قوله " فيما أحسب " لم يرد في ف.
(٢) ط: ومنه قولهم في التعريض.
(٣) وقيل مالك: سقط من ط.
[ ٧٦ ]
أصبح يهوى طفلةً معطاره إياك أعني واسمعي يا جاره فعرفت أنه يعنيها فقالت: ما هذا بقول ذي عقل أريب، ولا ذي رأي مصيب، ولا أنف نجيب. فأقم ما أقمت مكرمًا، وارحل إذا رحلت (١) مسلمًا، فاستحيا وقال: يا سوأتاه (٢) ! قالت: صدقت. وارتحل وأتى النعمان فحباه وأكرمه فلما رجع نزل على أخيها؟ حارثة بن لام؟ فتبعته نفس الجارية، وكان جميلًا مقبولًان فأرسلت إليه: إن كانت بك في حاجة فاخطبني إلى أخي فإني سريعة إلى ذلك، فخطبها وتزوجها، وسار بها إلى أهله.
٢١ -؟ باب حمد الإنسان قبل اختبار
أنشد أبو عبيد في هذا الباب (٣):
لا تمدحن امرءًا حتى تجربه ولا تذمنه (٤) من غير تجريب
_________________
(١) س: ارتحلت.
(٢) س ط: واسوأتاه.
(٣) في حناسة البحتري: ٢٣٣ بيتان من هذه الأبيات منسوبان لأبي الأسود الكناني.
(٤) س: تلومنه.
[ ٧٧ ]
ع: وبعده:
فرب خدن وإن أبدى بشاشته يضحي على خدنه أعدى من الذيب
(١) وإن مدحك من لم تبله صلف وإن ذمك بعد المدح تكذيب ٢٢؟ باب دعاء الرجل لصاحبه بالخير في الغيبة وغيرها
قال أبو عبيد:: يقال في مثل هذا للقادم من سفر: " خير ما رد في أهل ومال " أي جعل الله ما جئت به خير ما قدم (٢) به الغئب.
ع: قال سلمة: الذي رويناه في هذا أن مجيئك بنفسك خير ما رد في أهلك ومالك.
قال أبو عبيد:: ومن الدعاء قولهم " عرفتني نسأها الله " أي أخر الله في أجلها، وأطال عمرها. قال: وكان أصله أن رجلًا كانت له فرس، فأخذت منه ثم رآها بعد ذلك في ايدي قوم فعرفته فحمحمت حين سمعت كلامه، فقال عند ذلك هذه المقالة. ثم قال: وقال غير الأصمعي: هذا المثل لبيهس الذي (٣) يعرف بنعامة وكان طويل الرجلين فرأته امرأته: بليل فقالت: نعامة والله، فقال: عرفتني، نسأها الله.
_________________
(١) حماسة البحتري: سرف.
(٢) س: جع.
(٣) س ط: وهو الذي.
[ ٧٨ ]
ع: لبيهس هذا أمثال جمة وكلمات حكمة سيورد منها أبو عبيد جملة، على ما كان فيه من اللوثة، وفي شأنه يقول المتلمس:
في حذر الأيام ما حز أنفه قصير ولاقى الموت بالسيف بيهس واختلف في المعنى الذي لقب به نعامة فقيل: لقب بذلك لطول ساقيه، وقيل بل لقب نعامة لصممه، لأنه كان أصم أصلخ، والنعام صم لا تسمع فيما تزعم العرب وتذكره في أشعارها، وقيل إنما سمى نعامة بقوله:
لأطرقن حصنهم صباحا وأبركن بركة النعامه فسمي نعامة، وهو من بني فزارة.
وذكر علاقة الكلبي (١) عن عبيد بن شرية أن هذا لمثل لرجل من العرب كانت له فرس قد ترببها وتألفها، فبعثه طليعةً فمر بروضة فأعجبته والعدو قريب منه لا يراهم، فنزل، فخلع لجام فرسه، وحل (٢) عنها ترعى، فبينا هو كذلك إذا طلعت عليه الخيل دوائس فأسروه، وطلبوا الفرس فسبقتهم، ولم يقدروا عليها فعجبوا من جودتها وقالوا: إن دفعتها إلينا نفاد نفسك بها، فدعاها فأجابت. فقال " عرفتني نسأها الله " فأرسلها مثلًا.
قال أبو عبيد: (٣) >، ومن دعائهم " بلغ الله بك أكلأ العمر " أي أقصاه، قال الزبير أكلأ لعمر: أحفظ العمر، يقال للرجل: كلأك الله أي حفظك الله، قال الشاعر:
_________________
(١) هو الذي يسميه في مواطن أخرى من كتابه " ابن كرشم الكلبي " (الفهرست: الكلابي) ونسبته إلى كلاب مؤيدة بقول ابن النديم " من بني عامر بن كلاب " كان حيًا في أيام يزيد بن معاوية عارفًا بأيام العرب وأحاديثها، وهو أحد من أخذت عن المآثر (الفهرست: ٩٠) .
(٢) س ط: وخلى.
(٣) لقي العلماء، ودخل البادية وأخذ عن فصحاء الأعراب، وكان ثقة في نقله، صنف كتبًا منها " النوادر " و" رحل البيت ". انظر ترجمته في الإنباه: ٣٢٨ وبغية الوعاة: ٢٨٢.
[ ٧٩ ]
كلاك الله حيث عزمت وجهًا وحاطك في المبيت وفي المقيل ع: ليس ما قال الزبير بالوجه الجيد ولكن وجهه ومعناه: بلغ الله بك أنسأ العمر أي أبعده، وكلأ الشيء يكلأ إذا تأخر، ومنه النهي عن الكالئ بالكالئ (١) وكلأ بمعنى حفظ صحيح، وليس له هاهنا وجه.
قال أبو عبيد: ويقولون (٢) للرجل الذي يعجب من كلامه أو غير ذلك من اموره " عيل ما هو عائله " أي غلب ما هو غالبه. .
ع: وقال يعقوب في كتاب الدعاء: " عيل ما عاله " وقال أبو نصر عن الأصمعي: عال الأمر يعول عولًا إذا اشتد وتفاقم، وأنشد للنابغة (٣):
لقد عالني ما سرها وتقطعت لروعاته مني القوى والوسائل ويروى: لروعته (٤) مني القوى، ويروى: لقد سرها ما عالني: أي لقد سر هذه القبائل ما عالني من موت النعمان بن الحارث بن أبي شمر المرثي بهذه القصيدة.
_________________
(١) الكالئ: النسيئة، أي نهى عن النسيئ بالنسيئة، وكان الأصمعي لا يهمز الكالئ. ومثاله أن يسلم الرجل إلى الرجل مائة درهم إلى سنة في كر طعام فإذا حل الأجل وعجز عن اوفاء قال له: بعني الكر بمائتي لشهر كذا.
(٢) س ط: ويقال.
(٣) ديوان النابغة: ٨١ والقبائل التي سرها ما هم النابغة مذكورة في بيت قبل هذا وهو: ورب بني البرشاء ذهل وقيسها وشيبان حيث استبهلتها المناهل
(٤) في س ط ص: لروعاته، والتصحيح عن رواية ذكرها شارح الديوان، ويروى أيضًا لروعاتها، كما هو في متن البيت في ط س.
[ ٨٠ ]
ما عالني يقول: ما اشتد علي وعلني (١) .
ع: قال الحربي: ومنه قولهم: عالت الفريضة أي ارتفعت. وروى ابن جريج عن ابن عباس قال: الفرائض لا تعول، ويقال معنى عالني: أثقلني، والقولان متقاربان. وقال النمر (٢):
وأحبب حبيبك حبًا رويدًا فليس يعولك أن تصرما أي ليس يثقل عليك صرمه؛متى أحببت>.
قال أبو عبيد:: ومن أمثالهم في الدعاء " نعم عوفك " وتأويله: نعم بالك وشانك ونحو هذا، قال: وكان بعض الناس يتأول العوف: الفرج فذكرته لأبي عمرو فأنكره.
ع: العوف: الحال والبال كما ذكر أبو عبيد صحيح، يقال: بات فلان بعوف خير، وبعوف سوء أي بحال خير، وانفرد أبو عمرو بإنكار ما أنكر (٣) لأنه جهله، وهذا الدعاء إنما يدعى به للمتزوج.
روى الحكم عن سلمة بن جنادة الهذلي: كان الفتى من هذيل إذا كان يوم أسبوعه، دخل على سنان بن سلمة، قال أبي: فدخلت عليه يوم أسبوعي وعلي ثوبان موردان، فقال: نعم عوفك، فقلت: وعوفك فنعم، فالعوف في هذا الحديث الفرج، في قول جميعهم. والعرب تقول " لقي عوف توفًا " فالعوف فرج الرجل، والتوف فرج المرأة، والعوف أيضًا: الضيف، والعوف أيضًا عن
_________________
(١) س ط: وغلبني، ورواية الديوان: غالبني.
(٢) من قصيدة له أوردها في مختاراته: ١٩ واعيني ١: ٥٧٥ وانظر الخزانة ٤: ٤٣٧ والبيان ١: ١٠٣ والأغاني ١٩: ١٦١، وسيرد ذكر البيت.
(٣) س ط: أنكره.
[ ٨١ ]
أسماء الأسد، والعوافة ما ظفر (١) به ليلًا، والعوف: شجر طيب الريح. قال الشاعر (٢):
فلا زال حوذان وعوف منور سأتبعه من خير ما قال قائل قال أبو عبيد.
ومنه قولهم " بالرفاء والبنين " وقد فسرناه في غريب الحديث.
ع: قال أبو زيد: الرفاء والمرافاة: الموافقة (٣) وأنشد (٤):
ولما أن رأيت أبا رويم يرافيني ويكره أن يلاما فقولهم بالرفاء، دعاء بالاتفاق وحسن الحال، ومنه رفء الثوب يقال: رفأته أرفؤه، ورفوته أرفوه، قال أبو خراش (٥):
رفوني وقالوا يا خويلد لا ترع فقلت وأنكرت الوجوه هم هم (٦) قال الحسن: تزوج عقيل بن أبي طالب امرأة فقيل له بالرفاء والبنين، فقال، قال رسول الله ﵊: " إذا رفأ أحدكم أخاه فليقل: بارك
_________________
(١) ص ح: طرق؛ وظفر أي الأسد.
(٢) هو النابغة الذبياني (ديوانه: ٨٤) من قصيدته في رثاء النعمان بن الحارث بن أبي شمر، وروايته " وينبت حوذانًا وعوفًا منورا " وقبله: ولا زال ريحان ومسك وعنبر على منتها ديمة ثم هاطل (٣) ص: المراقبة.
(٣) البيت في اللسان (رفا) والتصحيف: ٢٥.
(٤) ديوان الهذليين ٢: ١٤٤، وابن السكيت: ٥٨١.
(٥) رفوني: سكنوني. هم هم: أي هم الذين كنت أخاف.
[ ٨٢ ]
الله لك وبارك عليك ".
قال الأصمعي: الرفاء على معنيين (١)، يكون من الاتفاق وحسن التأليف، ومنه رفأت الثوب، ومعناه ضممت بعضه إلى بعض ولاءمت بينهما، قال ابن هرمة:
بدلت من جدة الشبيبة والأبدال ثوب المشيب أردؤها
ملاءة غير جد واسعة أخيطها تارةً وأرفوها والوجه الآخر: أن يكون الرفاء من الهدوء والسكون، يقال: رفوت الرجل إذا سكنته، وأنشد بيت أبي خراش: [رفوني وقالوا ] .
وقال أبو زيد: الرفاء من المرافأة وهي الموافقة (٢)، واحتج بقول الشاعر: ولما أن رأيت أبا رويم البيت.
وقال اليماني: الرفاء: الماء.
قال أبو عبيد:: ومن دعائهم بالخير قولهم " هنيت ولا تنكه " أي أصبت خيرًا ولا أصابك الضر.
ع: هكذا روي عن أبي عبيد " هنيت " بفتح الهاء، والمعروف هنأني الطعام، وهنئته، بضم الهاء وكسر النون، وهنئته بتشديد النون وكذلك رواه الأصمعي وغيره " هنيت "، ولا تنكه أيضًا؟ بفتح التاء؟ وفي تنكه قولان: أحدهما أنه أراد ولا تنك من النكاية، ووقف بالهاء، وقيل إنما أراد ولا تنكأ
_________________
(١) س: على ضربين.
(٢) في ص: المرافقة.
[ ٨٣ ]
فأبدل من الهمزة هاء، يقال نكيت العدو نكاية، ونكأته نكأ، ونكأت القرحة، بالهمز لا غير.
قال أبو عبيد: ومن دعائهم في موضع المدح " هوت أمه؛ وهبلت أمه " ومنه قول كعب بن سعد الغنوي (١):
هوت أمه ما يبعث الصبح غاديًا وماذا يرد الليل حين يؤوب ع: يرثي كعب بهذا الشعر أخاه أبا المغوار، واسمه هرم، وقوله: ما يبعث الصبح غاديًا، يريد من ذكراه والحزن عليه (٢)، لأنه وقت الغارات وحمايتهم من العاديات. وقوله: وماذا يرد (٣) الليل يعني من ذكراه أيضًا لأنه وقت الضيفان وطروقهم للقرى، وهذا كقول (٤) الخنساء:
يذكرني طلوع الشمس صخرا وأذكره لكل غروب شمس ٢٣ - إنجاز الموعد والوفاء به
قال أبو عبيد:. رووا عن عوف بن النعمان الشيباني أنه قال في الجاهلية الجهلاء: لأن أموت عطشًا أحب إليّ من أن أكون مخلافًا لموعدة.
_________________
(١) من قصيدة أصمعية رقم: ٢٥. والبيت المذكور هنا أورده صاحب الخزانة ٤: ٣٧٤ وذكر قطعة صالحة من قصيدة كعب بن سعد. وانظر شرح شواهد الكشاف: ٤٧ - ٤٨. وابن السكيت: ٥٧٦ والسمط: ٧٧٣ والعقد ٣: ٧١؛ وفي ط س: وماذا يؤدي.
(٢) س ط: والحزن به.
(٣) س: يؤدي.
(٤) س: وكذلك قول.
[ ٨٤ ]
وقال سلمة (١): هي عندي " الموعد " بغير هاء.
ع: والموعدة جيد، قال الله تعالى: ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبي إلا عن موعدة وعدها إياه﴾ (التوبة: ١٤) . فالموعدة اسم للعدة، والموعد بلا هاء يحسن أن يكون مصدرًا، وأن يكون ظرف زمان ومكان، وأحسن ما ورد في إنجاز الموعد، قول عوف بن محلم:
ذكرت مواعيد الأمير ابن طاهر ومثل العطايا في الاكف عداته
وزكيت ما لم أحوه من عطائه فكنت كمن حلت عليه زكاته قال أبو عبيد: وقال الحارث بن عمرو بن حجر الكندي " أنجز حر ما وعد "
ع: قال الأصمعي: أراد، لينجز حر عدته (٢)، على معنى الأمر لا على
_________________
(١) ص ح: سلمة بن عبد العزى، وهو على الأرجح: سلمة بن عاصم.
(٢) س: ما وعد.
[ ٨٥ ]
معنى الخبر. وقد ذكر أبو عبيد خبر المثل ذكرًا ناقصًا وتمامه أن الحارث بن عمرو آكل المرار دل صخرًا على ناس من أهل اليمن فأغار عليهم وملأ يديه (١) وأيدي أصحابه من الغنائم، فأراد صخر قومه على أن يعطوا الحارث ما جعل له فأبوا ذلك عليه (٢)، وفي ريقة ثنية متضايقة يقال لها: شجعات، فلما دنا صخر منها، سار حتى وقف على رأسها وقال: " أوفت شجعات بما فهين " (٣) فقال حمزة ابن جعفر بن ثعلبة بن يربوع: والله لا نعطيه من غنيمتنا شيئًا. ثم مضى في الثنية فحمل عليه صخر بن نهشل فقتله، فلما رأى ذلك الجيش اجتمعوا ودفع إلى الحارث بن عمرو خمس الغنيمة، وقال في ذلك نهشل بن حري بن ضمرة بن جابر بن قطن بن نهشل:
ونحن منعنا الجيش أن (٤) يتناوبوا على شجعات والجياد بنا تجري
حبسناهم حتى اقروا بحكمنا وأدي أنفال الجيوش (٥) إلى صخر قال أبو عبيد: وروي عن عبد الله بن عمرو أنه كان وعد رجلًا من قريش أن يزوجه ابنته، فلما كان عند موته أرسل إليه فزوجه وقال: كرهت أن ألقى الله بثلث النفاق.
ع: إنما قال ذلك لأنه هو الذي روى عن النبي ﷺ: ثلاث من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن، كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان، وهذا من صحيح الحديث خرجه البخاري ومسملم وغيرهما
_________________
(١) س: فامتلأت يده.
(٢) س: فأبى قومه عليه.
(٣) في اميداني: " أزمت شجعات بما فيها " والازم الضيق.
(٤) س ط: يتأوبوا.
(٥) في الميداني: الخميس.
[ ٨٦ ]
من حديث عبد الله بن عمرو (١)، ورواه أبو إسحاق الحربي قال: حدثنا ابن نمر عن أبيه عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله بن عمرو قال: أربع من كن فيه كان منافقًا: إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا وعد أخلف وإذا خاصم فجر، فزاد هذه الرواية رابعة، وجعل الحديث موقوفًا على عبد الله غير مرفوع. وأصل النفاق اختلاف السر والعلانية، وهكذا كان المنافقون على عهد رسول اله ﵊، ومن كانت فيه واحدة من هذه الخلال المذكور فقد أسر خلاف ما أظهر (٢) .
_________________
(١) الحديث في البخاري، الإيمان: ٢٦.
(٢) س ط: أعلن.
[ ٨٧ ]
فراغ
[ ٨٨ ]