في جماع أحوال (١) الرجال واختلاف نعوتهم وأحوالهم
٣٥ -؟ باب المثل في الرجل البارع المبرز في الفضل
قال أبو عبيد: من أمثالهم في (٢) " ما يشق غباره " وأصله في الخيل، قال: وكان المفضل يخبر بهذا المثل عن قصير بن سعد اللخمي، وكان نهى جذيمة الأبرش أن يصير إلى الزبى فعصاه حتى إذا صار في سلطانها ندم فقال له قصير عند ذلك: اركب فرسي هذا فانج عليه " فإنه لا يشق غباره " فذهبت كلمته مثلًا (٣) . ومنه قول النابغة الذبياني لزرعة بن عمرو بن الصعق (٤):
أعلمت يوم عكاظ حين لقيتني تحت العجاج فما شققت غباري
_________________
(١) س: أمثال.
(٢) س ط: في هذا.
(٣) زاد في س: لكل سابق مبرز على أصحابه.
(٤) ديوان النابغة: ٤٨، والمعاني الكبير: ٨٣٧، والخزانة ٤: ١٣٤ وقد توسع صاحب الخزانة في ذكر الروايات المختلفة في " حططت " و" خططت " وأقول العلماء فيها. وفي بعض التعليقات على هامس ف: ويروى حططت عثاري، ويروى خططت غباري وغططت.
[ ١٢٣ ]
ع: كثير من العلماء يغلط في جذيمة المذكور فيظنه جذيمة الوضاح (١)، وهو غيره، وجذيمة الوضاح سمي بذلك لوضوح لونه، وهو ابن الحارث بن زرعة بن ذي غيمان بن أخنس بن كبرال بن أصبح بن زيد بن قيس بن صيفي بن زرعة، وهو حمير الأصغر، وهذا نسب عال قديم جدًا، والزبى بنت عمرو بن ظرب بن حسان بن أذينة بن السميدع بن هوثر؟ بالثاء المثلثة؟ بن غريب بن مازن ابن لأي بن عملية (٢) بن هوثر بن العمالق (٣) . وهؤلاء عمالقة حمير الذين خرجوا حرجًا (٤) من البغي في الحرم لما حاربت قنطورا جرهمًا فلحقوا بالشام فتملكوا بها، وأما جذيمة الأبرش فهو ابن مالك بن فهم بن غنم بن دوس الأزدي، كان به نمش وبرص، وهو من ملوك الحيرة، وأول من ملكها من الأزد أبو مالك ثم أخوه عمرو بن فهم ثم ابنه جذيمة بن مالك الأبرش هو الذي ناصب عمرو بن الظرب أبا الزبى فظفر به وقتله، فلم تزل بنته تنصب له الحبائل وتطعمه في نكاحها وترغبه في ملكها مجموعًا إلى ملكه، وقصير ينهاه ويحذره مكرهًا ويذكره وترها، فأبى إلا اتباع هواه في شأنها والنهوض إلى دار سلطانها وذلك بتدمر فلما صار ببقة وكانت الفرز (٥) ما بين المملكتين شاور رجاله في المضي لنيته والاستمرار لطيته، فكلهم صوب ذلك إلا قصيرًا فإنه استمر على نهيه عنه، قال نهشل بن حري بن ضمرة (٦):
ومولى عصاني واستبد بأمره كما لم يطع بالبقتين قصير وقال عدي بن زيد (٧):
دعا بالبقة الأمناء يومًا جذيمة ينتحي عصبًا ثبينًا
_________________
(١) قلت: لم يميز بينهما ابن حزم في الجمهرة: ٣٧٩.
(٢) ط س: عميلة.
(٣) س: العماليق.
(٤) ط س: تحرجًا.
(٥) الفرز: ما اطمأن من الأرض؛ وفي س: الفوز؛ وغير معجمة في ط.
(٦) البيت في حماسة البحتري: ١٧٢، ومعجم البكري: (بقة) .
(٧) معاهد التنصيص ترجمة عدي بن زيد.
[ ١٢٤ ]
فطاوع أمرهم وعصى قصيرًا وكان يقول؟ لو نفع - اليقينا فلما صار جذيمة في بلاد الزبى قال القصير: ما الرأي؟ قال " ببقة تركت الرأي " فذهبت مثلًا. وقال له: ستلقاك الخيول فإن صارت أمامك فالمرأة صادقة، وإن أحاطت بك فالقوم غادرون، فاركب العصا " فإنه لا يشق غباره " فإني راكبه ومسايرك عليه، فلقيته الخيول والكتائب فأحاطت به وحالت بينه وبين العصا، ونظر الأبرش إلى قصير على ظهر العصا فقال " ويل أمه حزمًا على ظهر العصا " فأرسلها مثلًا، فلما وصل جذيمة إلى الزبى كشفت له عن شوارها وقد ضفرت شعرته فقالت: يا جذيمة أشوار عروس ترى؟ قال: ما أرى إلا شوار لخناء.
فأمرت الزبى بفصاده في طست ذهب، تفاؤلًا أن ثأره قد ذهب، وقد قيل لها: إن سقط من دمه شيء في غير الطست طلب بدمه فلما ضعفت يده سقطت فقطر أمه في غير الطست.
وقال سويد بن أبي كاهل (١):
وأبو مالك الملك الذي قتلته بنت عمرو بالخدع وخلف جذيمة في ملكه عمرو اللخمي؟ ابن أخته؟ ولم يكن لجذيمة ولد، وهو الذي يقال له فيه " شب عمرو عن الطوق " فانتقل ملك الحيرة من الأزد إلى لخم، فقال قصير لعمرو تأهب واستعدد ولا تطل دم خالك. ولم يزل قصير يعمل الحيلة ويزاول المكيدة؟ في خبر طويل؟ حتى أدرك عمرو بثأر خاله.
والزبى على وزن فعلى مقصور وقد رد العلماء فيه لأنه تأنيث زبان؟ الاسم المستعمل؟ فأما زباء ممدود فإنما تأنيث أزب ولم يستعمل اسمًا وإنما هو صفة للكثير شعر البدن، وإذا وصفت الداهية بالشدة قيل داهية زباء. (٢) والشاهد لما
_________________
(١) صاحب القصيدة المفضلية: ٣٨١ وهذا البيت على وزنها ورويها ولكنه غير مذكور هنالك.
(٢) علق في حاشية ف على الاسم فقال: الزباء تمد وتقصر، والقصر أعرف. قال أبو حاتم يقال للملكة زبى بالقصر لا غير، وقال الأصمعي يقال جاء بداهية زباء، وزباء أنثى أزب وهو الكثير شعر الجسد.
[ ١٢٥ ]
قلناه قول عدي بن زيد:
فأضحت من مدائنها كأن لم تكن زبى لحاملة جنينا وقال أبو عبيد في البيت الذي تقدم إنشاده للنابغة: فما شققت غباري، قال: ويروى: فما حططت غباري، قلت: وهذا يروى بالحاء والخاء فما خططت غباري؟ بالخاء المعجمة؟ معنى شققت، أي لم تلحق بغباري حتى تدخله فتشقه بدخولك فيه أو تحطه بلحاقك بي، ومن رواه بالحاء المهملة فإن معناه لم يرتفع غبارك فوق غباري فتحطه (١)، وذكر ذلك ابن السيرافي.
قال أبو عبيد: ومن ذلك [قولهم] " جري المذكي حسرت عنه الحمر " أي كمات يسبق الفرس القارح الحمر. وقال زهير (٢):
فضل الجياد على الخيل البطاء ولا (٣) يعطيك ذلك ممنوعًا ولا نزقا ع: يمدح زهير هرم بن سنان، وقبل البيت (٤):
ليث بعثر يصطاد الرجال إذا (٥) ما كذب الليث عن أقرانه صدقا
يطعنهم ما ارتموا حتى إذا طعنوا ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا (٦)
فضل الجياد
_________________
(١) س ص: فيحطه.
(٢) ديوان زهير: ٤٩.
(٣) النزق: إذا جاءت منه حدة في العطية ثم يكف، ويروى " ولا نفقا " والنفق: السريع الذهاب.
(٤) ليس هذا ترتيب الأبيات في الديوان، فالبيت السابق قبل البيتين التاليين هنالك، بأبيات كثيرة.
(٥) عثر: اسم مكان قبل تبالة. كذب: لم يصدق الحملة.
(٦) يقول: إذا رموا من بعيد غشيهم بالرمح فإذا طعنوا دخل تحت الرماح بالسيف فضارب، فإذا ضاربوا دخل تحت السيف فاعتنق.
[ ١٢٦ ]
ويروى: ممنونًا ولا نزقا.
قال أبو عبيد: وقال قيس بن زهير لحذيفة بن بدر: " جري المذكيات غلاب ".
ع: قوله غلاب أي كأنها تغالب الجري مغالبة. ويروى: غلاء أي مغالاة في السير. ولما تراهن قيس بن زهير العبسي وحمل بن بدر الفزاري؟ لا حذيفة ابن بدر كما قال أبو عبيد؟ فأرسلا فرسيهما: فرس قيس داحس، وفرس حمل الغبراء وقيل غير ذلك، فلما أحضرا خرجت الغبراء على داحس فقال حمل بن بدر: سبقتك يا قيس. فقال قيس " رويدًا يعدوان الجدد " فأرسلها مثلًا، فلما أوغلا عن الجدد وخرجا إلى الوعث (١) برز داحس إلى الغبراء فقال قيس " جري المذكيات غلاب " فذهبت مثلًا، وهذا الرهان جر الحرب بين عبس وذبيان أربعين سنة، والله تعالى أعلم.
٣٦ -؟ باب الرجل النابه الذكر الرفيع القدر
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا " ما يوم حليمة بسر ". وكان هشام بن الكلبي يخبر أنها حليمة بنت الحارث بن أبي شمر الغساني. وكان من حديثها أن أباها وجه جيشًا إلى المنذر بن ماء السماء فأخرجت لهم طيبًا في مركن فطيبتهم.
ع: الحارث هذا هو الحارث الأعرج ويكنى أبا جبلة، وكان المنذر ابن ماء السماء [اللخمي] غزاه في مائة ألف فرأى الحارث أنه لا قبل له به، فأعمل الحيلة
_________________
(١) الوعث: الموضع الكثير الرمل.
[ ١٢٧ ]
والمكيدة في أمره، فبعث إليه غلام من أبناء العرب فيهم لبيد بن ربيعة (١) وبعث معهم هدايا وأظهر أنه حباء للمنذر وأن الحارث قد بخع (٢) بطاعته، فأحاطوا برواقه، فلما استنام (٣) إليهم وغفل، وثبوا عليه فقتلوه وجالوا في متون خيلهم، فنجا أكثرهم وحمل الحارث على العسكر فحطمه، وكانت حليمة بنته قد دلته على هذا الرأي ونبهته على هذه المكيدة فنسب ذلك اليوم إليها. ويقول من لا علم له إنها طيبت المائة الغلام، والملوك لا تمتهن حرمهم هذا الامتهان، بل السوقة (٤) تأنف من ذلك وتأباه، فكيف الملوك؟
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم فيه: " وهل يخفى على الناس النهار ".
ع: هذا عجز بيت للقتال (٥) وهي أبيات، قال (٦):
أنا ابن المضرحي أبي سليل وهل يخفى على الناس النهار
علينا سبره ولكل فحلٍ على أولاده منه نجار يقول: يلوح علينا كرم نجارنا وشبه آبائنا. قال أبو زيد: السبر ما عرفت به لؤم دابة من كرمها، وأصله من قولهم: سبرت الجرح إذا عرفت مقداره بالميل وهو السبار. وفي الحديث أن أبا بكر قال للنبي ﵊ في حديث الهجرة: لا تدخل الغار حتى أدخله فأسبره قبلك.
_________________
(١) هذا وهم من النقلة وقع فيه البكري وغيره، وليس للبيد وقومه صلة قوية بالغساسنة، والأصح أنه لبيد بن عمرو، كما ذكر الميداني، ٢: ١٥٠.
(٢) بخع: أذعن وانقاد.
(٣) ط: استأمن.
(٤) س: فالسوقة.
(٥) من بني أبي بكر بن كلاب شاعر إسلامي من شعراء اللصوص، والقتال لقب له، وأسمه عبد الله بن المضرجي. انظر أخباره وشعره في الشعر والشعراء: ٤٤٣، والأغاني ٢٠: ١٥٨ والتبريزي في مواطن متفرقة؛ وقد جمع أشعاره إحسان عباس (دار الثقافة بيروت: ١٩٦١) .
(٦) البيتان في اللسان (سبر) غير منسوبين، وانظر ديوان القتال: ٥١.
[ ١٢٨ ]
٣٧ -؟ باب الرجل العزيز المنيع الذي يعز به الذليل (١)
قال أبو عبيد: (٢) من أمثالهم في هذا " إن البغاث بأرضنا يستنسر " والبغاث: الطير الذي يصاد، واحدته بغاثة. وقال الزبير: البغاث ذكر الرخم، قال الشاعر (٣):
كأن بني مروان إذ يقتلونه بغاث من الطير اجتمعن على صقر ع: حكى أبو حاتم هذا المثل عن الأصمعي " إن البغاث؟ بكسر الباء؟ بأرضنا تستنسر "؟ بالتاء؟ فقال: هكذا قاله الأصمعي، وذكر ذلك أبو علي في البارع (٤) .
وقول الزبير: البغاث ذكر الرخم، قول غريب، وإنما البغاث كل ما يصاد من الطير، والجوارح منها كل ما صاد، والرهام ما لا يصيد ولا يصاد كالخطاف والخفاش، وقول الشاعر: كأن بني مروان إذ يقتلونه، يعني قتل عبد الملك بن مروان لعمرو بن سعيد بن العاص.
قال أبو عبيد: فإن أرادوا أن كل من ناوأنا ذل عندنا قالوا: " لا حر بودي عوف " يقول: كل من صار بناحيته خضع وذل، وذكر (٥) عن المفضل خبره.
_________________
(١) زاد في س: ويذل به العزيز.
(٢) زاد في س: قال الأصمعي.
(٣) هو يحيى بن الحكم بن أبي العاصي، والبيت مع أبيات أخرى في نسب قريش: ١٧٩.
(٤) انظر البارع: ٥٦ وهامش ف الورقة: ١٩.
(٥) ط: وحكى.
[ ١٢٩ ]
ع: الذي ذكر أبو عبيد عن المفضل خلاف ما رواه أكثر العلماء وذلفك أن مروان القرظ بن زنباع العبسي الذي يقال فيه: " أعز من مروان القرظ " غزا بكر بن وائل فقصوا أثر جيشه، فأسره رجل منهم يقال له زهير بن أمية بن جشم بن تميم الله بن ثعلبة وهو لا يعرفه فأتى به أمه، فلما رأته يسوق أسيره قالت: إنك لتختال بأسيرك كأنك قد جئت بمروان القرظ. فقال لها مروان: وما ترتجين من مروان؟ قالت: كثرة فدائه، قال: وكم مبلغ رجائك من فدائه، قالت: مائة بعير. قال مروان: لك عندي مائة بعير على أن تؤديني إلى خماعة بنت عوف ابن محلم. قالت: ومن لي بالإبل، فأخذ عودًا من الأرض وقال: هذا لك، فمضت به إلى خماعة (١) فبعثت به إلى أبيها. ثم إن عمرو بن هند بعث إلى عوف أن يأتيه بمروان وكان عليه واجدًا. فقال عوف لرسول الملك: إن خماعة بنتي قد أجارته، فقال: إن الملك قد آلى أن لا يعفو عنه أو يضع كفه في كفه. فقال عوف: على أن يكون كفي بين أيديهما. ثم حمله إليه على هذه الشريطة، فعفا الملك عنه وقال: " لا حر بوادي عوف ". ووهم أبو عبيد فيما أورده فقال: إن الذي كان يطلبه المنذر بالذحل زهير بن أمية وإنما المطلوب بذلك مروان القرظ، وأسره زهير بن أمية.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في العزة (٢) قولهم " تمرد مارد وعز الأبلق " وكان المفضل يقول (٣): هذا المثل للزبى الملكة وكانت سارت إلى مارد، حصن دومة الجندل، وإلى الأبلق، حصن تيماء، فامتنعا عليها فعندها قالت " تمرد مارد وعز الأبلق ".
ع: هذا الحصنان كانا للسموأل بن عاديا، وكان مارد مبنيًا بحجارة
_________________
(١) في ح ص ط: جماعة، حيثما ورد.
(٢) س ط: في العز.
(٣) أمثال الضبي: ٦٤.
[ ١٣٠ ]
سود، والأبلق مبني (١) بحجارة سود وبيض فلذلك سمي الأبلق. ودومة الجندل بضم الدال؟ قال أبو بكر ابن دريد: وأصحاب الحديث يقولون بفتحها، وهو خطأ. وقد حكاه غيره؟ وهو على عشر مراحل من المدينة وعشر من الكوفة وثمان من دمشق واثنتي من مصر.
٣٨ -؟ باب الرجل الصعب الخلق
الشرس الطبيعة، الشديد اللجاجة
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا: " لتجدن فلاناص ألوى بعيد المستمر " قال: المفضل فيما بلغني عنه يذكر (٢) أن المثل للنعمان بن المنذر، قاله في خالد بن معاوية السعدي، ونازعه رجل عنده فوصفه النعمان بهذه الصفة، فذهبت مثلًا.
ع: الذي نازع خالد بن معاوية بنو غنم، وهو غنم بن دودان بن أسد، وسنذكر خبره بعد هذا إن شاء الله تعالى.
وهذا المثل في رجز لأرطاة بن سهية مشهور، قال (٣):
إذا تخازرت وما بي من خزر ثم كسرت العين من غير عور
ألفيتني ألوى بعيد المستمر أبذى إذا بوذيت من كلب ذكر
_________________
(١) ط: مبنيًا؛ س: وكان الأبلق مبنيًا.
(٢) انظر أمثال الضبي: ١٢.
(٣) أورده في السمط: ٢٩٩. وفي ديوان الطيل الغنوي: ٥٨ نقلا عن أمثال العسكري أنه لطفيل ويرويه ابن السيد وابن بري في اللسان (خزر): لعمرو بن العاص. وانظر الرجز أيضًا في المعاني الكبير: ٢٣٩ والدميري ١: ٣١١، ٣٤١.
[ ١٣١ ]
أحمل ما حملت من خيرٍ وشر وهي طويلة.
قال أبو عبيد: (١) من أمثالهم في هذا: " ما بللت منه بأفوق ناصل " وأصله (٢) السهم المكسور الفوق، الساقط النصل، يقول: فهذا ليس كذلك في الرجال.
ع: لم يفسر أبو عبيد قولهم: بللت، يقال: بللت به؟ بكسر اللام؟ أبل، وقال أبو نصر: بللت به فأنا أبل به إذا ظفرت به. قال ابن أحمر (٣):
فبلي إن بللت بأريحي من الفتيان لا يضحي بطينا وأنشد أيضًا:
ولو ببني ذبيان بلت رماحنا لقرت بهم عيني وباء بهم وتري وقال غيره: بلت بمعنى منيت بهم، وعلقتهم، يقال فيه: بلت تبل بلالةً وبلولا، ويقال أيضًا: بللت بفلان بلالةً: منيت به.
قال أبو عبيد: ومثله قولهم: " وما تقرن بفلان الصعبة " أي أنه يذل من ناوأه.
ع: الذي قاله الأصمعي وغيره في هذا المثل " بفلان تقرن الصعبة ".
_________________
(١) زاد في س: قال الأصمعي؛ وبعده: ومثله قولهم.
(٢) ط: وهو.
(٣) انظر اللسان (بلل)، وحماسة البحتري: ١٢٧ وفيها " وكوني إن هلكت لأريحي ".
[ ١٣٢ ]
وهو الصحيح لا غير، وكذلك رواه الأصمعي، أي أن صعاب الأمور تراض به وتذل بتدبيره كما قال:
إذا القوم قالوا من فتىً لعظيمةٍ فما كلهم يدعى ولكنه الفتى قال أبو عبيد: عن الأصمعي: ومثله " لقد كنت وما يقاد بي البعير ".
ع: قال محمد بن حبيب: أول من قال هذا المثل سعد بن زيد مناة من تميم وهو الفزر، وكان له بنون: هبيرة وعبشمس وصعصعة أبو عامر بن صعصعة وأمه الناقمية، فكبر سعد حتى كان لا يطيق ركوب البعير، ولا يملك رأسه إلا أن يقاد به فقال يومًا وصعصعة يقوده: " لقد كنت وما يقاد بي البعير ". قال المخبل (١):
كما قال سعد إذ يقوم به ابنه كبرت فجنبني الأرانب صعصعا (٢) وكان سعد كثير الشاء فقال يومًا لابنه هبيرة: يا بني، اسرح في معزاك، فقال: " لا أرعاها حتى يحن الضب في آثار الإبل الصادرة " فقال لعبشمس: ارعها، قال: " لا أرعاها سبعين خريفًا " فقال لصعصعة: ارعها، فقال: لا أرعاها ألوة (٣) أخي هبيرة "؟ أراد يمين أخي هبيرة؟ فذهبت أقوالهم أمثالًا. فغضب سعد وكظم على ما نفسه (٤) ثم ذهب بشائه إلى سوق عكاظ والناس مجتمعون، فنادى: ألا إن هذه معزاي فلا يحل لأحد أن يدع أخذ شاة منها ولا يحل
_________________
(١) في س ط ص: المنخل، والبيت في النقائض: ١٠٦٤ والمعاني الكبير: ٢١١، ١٢١٤ والميداني ٢: ٨٥ ومعجم البكري: (الأرانب) .
(٢) قال ابن قتيبة: الأرانب أحقاف من الرمل منحنية، يريد خذ بي في طريق مستو، وجنبني الوعث والرمل والصعود، ثم عاد (١٢١٤) فشرحه شرحًا آخر فقال أي لا تنفح - أي تثور وتثب - يعني الأرانب فينفر بعيري.
(٣) س: ألية.
(٤) س: على نفسه لما به.
[ ١٣٣ ]
لرجل (١) أن يجمع (٢) بين ساتين، فانتهبها الناس.
وحكى الكلبي أنه قال: من أخذ منها واحدة فهي له ولا يحل لأحد أن يأخذ منها فزرًا، وهو الاثنان، فبهذا لقب الفزر وضرب به المثل فقيل: " لا أفعل ذلك معزى الفزر " أي حتى تجتمع. قال شبيب بن البرصاء (٣):
ومرة ليسوا نافعيك ولن ترى لهم مجمعًا حتى ترى غنم الفزر وقال السعدي:
وقد أنهب المعزى فبرت يمينه وما ضر سعدًا ماله المتنهب وقد تقدم في اشتقاق الفزر غير هذا.
٣٩ -؟ باب الرجل النجيد يلقى قرنه في البسالة والنجدة
قال أبو عبيد: ومنه قولهم " الحديد بالحديد يفلح " قال الشاعر:
قومنا بعضهم يقتل بعضًا لا يفل الحديد إلا الحديد ع: لما خرج الوليد بن طريف الشيباني الشاري على الرشيد اشتدت شوكته فبعث إليه الرشيد يزيد بن مزيد الشيباني فقتله، فقال الشاعر، وهو بكر بن النطاح:
وائل بعضها يقتل بعضًا لا يفل الحديد إلا الحديد
لو تلقى الوليد غير يزيد لغدا ظاهرًا عليه الوليد
_________________
(١) س: لأحد.
(٢) س: يجمع منها.
(٣) انظر ص: ٣٩ من هذا الكتاب.
[ ١٣٤ ]
ورثته أخته فارعة بنت طريف على ما يأتي ذكره بعد هذا.
قال أبو عبيد: وكذلك قولهم " النبع يقرع بعضه بعضًا " وهذا المثل لزياد قال في نفسه وفي معاوية.
ع: كان زياد على البصرة والمغيرة بن شعبة على الكوفة. فتوفي المغيرة فخاف زياد أن يولي معاوية مكانه عبد الله بن عامر (١) - وكان لذلك كارهًا؟ فكتب إلى معاوية يخبره بوفاة المغيرة ويشير عليه بولاية الضحاك بن قيس مكانه، ففطن له معاوية وعلم ما أراد فكتب إليه: قد فهمت كتابك فأفرخ روعك أبا المغيرة، لسنا نستعمل ابن عامر على الكوفة، قد ضممناها إليك مع البصرة. فلما ورد الكتاب على زياد قال: " النبع يقرع بعضه بعضًا " يثبت بذلك زياد نسبه في بني حرب وأنه ومعاوية من نجار واحد يفهم كل واحد منهما غرض صاحبه ومغزاه. والنبع من أفضل (٢) العيدان وأصلبها، وأكرم القسي ما كان من النبع؟ انتهى.
٤٠ -؟ باب الرجل تكون له نباهة الذكر ولا منظر عنده (٣)
قال أبو عبيد: [قال الكسائي] (٤): من أمثالهم في هذا " أن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه ". قال أبو عبيد: كان الكسائي يدخل فيه " أن " والعامة لا تذكر فيه " أن " ووجه الكلام ما قال الكسائي (٥) .
_________________
(١) انظر ص: ٦٢ - ٦٣ من هذا الكتاب.
(٢) س: اكرم.
(٣) قال أبو عبيد: هو الذي يسميه العرب الخاجي، يريدون خرج من غير أولية له؛ وزاد في س: أو يكون لا قديم له.
(٤) زيادة من س وحدها.
(٥) زاد في س: وكان يرى التشديد في الدال فيقول المعدي.
[ ١٣٥ ]
قال: وأخبرني [ابن] الكلبي أن هذا المثل إنما ضربوه للصقعب بن عمرو النهدي، قاله فيه النعمان بن المنذر، وهذا على معنى من قال: قضاعة من معد لأن نهدًا من قضاعة.
ع: حذف " أن " من المثل أشهر عند العلماء، فيقولون: تسمع بالمعيدي؟ بضم العين؟ وتسمع؟ بنصبها؟ على إضمار أن، وأكثرهم أيضًا يقول: لا أن تراه.
والصقعب لقب واسمه جشم بن عمرو، والصقعب: الطويل.
وقول أبي عبيد: وهذا على معنى من قال قضاعة من معد يريد لقولهم أن تسمع بالمعيدي، وضرب مثلًا أول ما نطق به لنهدي، ونهد من قضاعة. وأهل العلم بالنسب مجمعون (١) على أن معد بن عدنان ولد من المعقبين أربعة: قضاعة وقنصًا وإيادًا ونزارًا. فصارت قضاعة إلى اليمن وقالوا:
نحن بنو الشيخ الهجان الأزهر نحن بنو قضاعة بن حمير النسب المشهور فير المنكر والصقعب هذا هو الذي يضرب به المثل فيقال " أقتل من صيحة الصقعب " وزعم ابن النحاس فيما رواه عن رجاله أنه صاح في بطن أمه صيحة سمعت، وأنه صاح بقوم فهلكوا عن آخرهم.
قال أبو عبيد: وأما المفضل (٢) فحكي عنه أن المثل للمنذر بن ماء السماء قاله لشقة بن ضمرة التميمي، وكان سمع بذكره، فلما رآه اقتحمته عينه فقال " أن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه " قال فقال شقة: إن الرجال ليسوا
_________________
(١) ط: يجمعون.
(٢) الخبر في أمثال الضبي: ٨ - ٩.
[ ١٣٦ ]
بجزر تراد منهم الأحجام (١): " إنما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه ".
ع: إنما قال له شقة بن ضمرة: أيها الملك إن الرجال لا تكال بالقفزان، ولا توزن بالميزان، وليست بمسوك يستقى بها الماء، وإنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه، إن قال قال ببيان، وإن صال صال بجنان. ويروى: وإن صمت صمت بجنان، فأعجب المنذر ما سمع منه وقال: أنت ضمرة بن ضمرة (٢) . ومن ولده نهشل بن حري بن ضمرة بن ضمرة شاعر مجيد.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في نباهة الذكر من غير قديم قولهم: " نفس عصام سودت عصامًا (٣) .
ع: هو عصام بن شهبر حاجب النعمان الذي يقول له النابغة الذبياني:
فإني لا ألام على دخول ولكن ما وراءك يا عصام وبعد الشطر الذي أنشده:
وعلمته الكر والإقداما وصيرته ملكًا هماما فكل من كان لخارجية ليس له قديم فشرف بنفسه قيل له عصامي.
وقال المأمون لرجل سمعه يفخر وهو ناقص: أنت عظامي لا عصامي؛
_________________
(١) الجزر: كل ما أعد للذبح، تراد منهم الأحجام: أي يختارون لضخامتهم وعظم أجسامهم، وفي ح ط: الأجسام، س: الأبدان.
(٢) شهر بهذه التسمية بعدئذ، ونسبه الكامل " ضمرة بن ضمرة بن جابر بن قطن بن نهشل بن دارم "، وعده ابن حبيب في المحبر: ٢٩٩ من البرص الأشراف.
(٣) شطر من رجز، انظر الخزانة ٤: ٩٦ والشريشي ٢: ٣٢، ونهاية الأرب ٣: ٥٢ وديوان النابغة: ١٠٦ والعقد ٣: ٤١١.
[ ١٣٧ ]
أراد المأمون قول الشاعر:
نفس عصام سودت عصامًا وقول الآخر:
إذا ما الحي عاش لعظم (١) ميت فذاك العظم حي وهو ميت وقال أبو الطيب (٢):
إذا لم تكن نفس النسيب كأصله فماذا الذي تغني كرام المناصب (٣) وقال البحتري:
إن النجابة لا يكون تمامها لنجيب قوم ليس بابن نجيب وقال الصابي:
وأحق من نكسته بالصغر من درجاته
من مجده من غيره وسفاله من ذاته قال أبو عبيد: [و] من أمثالهم في الدميم الذي لا منظر له غير أن فيه خصالًا محمودة " هو قفا غادر شر " وذكر خبره.
ع: ويروى " هي قفا غادر شر " لأن القفا يؤنث ويذكر، وكذلك اللسان والمتن والإبط والعاتق والعنق والضرس، فأما الذراع عند بعضهم فيجوز فيها التذكير، ولا يرى ذلك سيبويه ولا يجيزه، والقفا مقصور وقد يمد، قال الشاعر:
_________________
(١) س: إذا ما الفخر كان بعظم؛ ط: بعظم.
(٢) ديوان المتنبي ١: ١٨٠ من قصيدة يمدح بها أبا القاسم العلوي.
(٣) المناصب: الأصول. يعني أن كرم الأصل لا ينفع مع لؤم النفس.
[ ١٣٨ ]
قفاؤك أحسن من وجهه وأمك خير من المنذر وقفا غادر في موضع نصب على الحال (١) أراد هو شر إذا كان قفا غادر أو إذا صار قفا غادر أي قبح المنظر مع قبح المخبر شر، فهو مبتدأ وشر خبره، وقفا غادر في موضع نصب على الحال، كما تقول: زيد قائماص أحسن منه جالسًا. ويحتمل أن يكون " هو " ضمير الأمر والشأن فهو مبتدأ وما بعده جملة في موضع الخبر عنه والتفسير له، أي الأمر الصحيح قفا غادر شر من قفا واف. ويجوز أيضًا على هذا التقدير " هي " على معنى القصة، كما قال تعالى ﴿فإنها لا تعمى الأبصار﴾ (الحج: ٤٦) .
قال الأصمعي: والمثل لعبيد بن شجنة، قاله في الجاهلية، وقال غيره: المثل لأبي حنبل جارية بن مر الطائي (٢) - كان من حديثه أن امرأ القيس نزل به (٣) ومعه أهله وماله وسلاحه ولأبي حنبل امرأتان جدلية وثعلية، فقالت (٤) الجدلية: رزق الله أتاك، لا ذمة له عليك ولا عقد ولا جوار، فكله وأطعمه قومك. وقالت الثعلية: رجل تحرم بك واستجارك فأرى أن تحفظه وتقي له ماله (٥) . فقام أبو حنبل إلى جدعة من الغنم فاحتبلها وشرب لبنها ثم مسح بطنه وقال:
لقد آليت أغدر في جداع وإن منيت أمات الرباع
لأن الغدر في الأقوام عار وأن الحر يجزأ بالكراع فقالت الجدلية: ما رأيت كاليوم قفا واف، فقال: " هو قفا غادرٍ شر ".
_________________
(١) س: نصب في موضع الحال.
(٢) انظر قصة أبي حنبل في المحبر: ٣٥٢ وما بعدها، وسيكررها البكري نصًا فيما يلي، على غير عادته في هذا الكتاب؛ س: حارثة بن مرة.
(٣) س: عليه.
(٤) ط: فقالت له.
(٥) ط: وتفي له.
[ ١٣٩ ]
٤١ -؟ باب الرجل ذي الدهاء والأرب
قال أبو عبيد: قال أبو زيد: من أمثالهم في هذا " إنه لهتر أهتار وإنه لصل أصلال " وأصله من الحيات. شبه الرجل بها.
ع: أما قولهم: هتر أهتار، فإن العرب تقول: فلان هتر أهتار إذا وصف بالنكر أو الدهاء، والهتر: العجب، قال أوس بن حجر:
يراجع هترًا من تماضر هاترا وقال اللحياني: يقال إنه لصل أصلال، وضل أضلال؟ بالضاد المعجمة؟ والصل من الحيات: التي لا يبل سليمها، قال الشاعر:
والحية الصل لا تغررك هدأته فكم سليم وموقوذ لنكزته وقال ابن أخت تأبط شرًا (١):
مطرق يرشح موتًا كما أطرق أفعى ينفث السم صل وأما قولهم ضل أضلال؟ بالضاد؟ فمعناه أنه يضل خصمه وقرنه فلا يهتدي من حيث يأتيه ولا يتجه معه لوجه يخلصه منه. وذلك من قولهم: أرض ضل إذا ضللت سالكها، وضل الشيء إذا خفي وغاب وبذلك فسر قوله تعالى ﴿أإذا ضللنا في الأرض﴾ (السجد: ١٠) وقيل: معناه إذا هلكنا، وإذا قالوا: فلان ضل؟ بالضم؟ فإنما به المنهمك في الضلال، وهو ضل بن ضل.
فأما شطر بيت أوس بن حجر فإن صلته (٢):
_________________
(١) القصيدة في التبريزي ٢: ١٦٠ والمرزوقي: ٢٧٣.
(٢) البيتان في اللسان (هتر) والثاني في (لمم)، الديوان: ٣٣.
[ ١٤٠ ]
ألم خيال موهنًا من تماضرا (١) هدوا لم يطرق من الليل باكرا
وكان إذا ما التم منها بحاجة يراجع هتراص من تماضر هاترا التم: أي ألم، يقول: إذا ألم به الخيال عاوده الخبال (٢) فاضطرب لبه.
وقال ابن الأعرابي: الهتر والهتر؟ بالكسر والضم؟ ذهاب العقل.
قال أبو عبيد: قال أبو زيد: ومن أمثالهم في هذا أيضًا " إنه لداهية الغبر ".
قال الحرمازي للمنذر بن الجارود:
داهية الدهر وصماء الغبر ع: قال محمد بن حبيب: الغبر: الماء الذي قد غبر زمانًا غير مورود ولا يقربه أحد من أجل هذه الحية.
يقول الحرمازي لابن الجارود في سنة أصابتهم (٣):
أنت لها منذر من دون مضر [أنت لها منذر من بين البشر] داهية الدهر وصماء الغبر قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا " فلان أعلم من حيث تؤكل الكتف ".
ع: معناه أن لحم الكتف إذا أكل من أعلاه تناثر، وإذا أكل من قبل
_________________
(١) هدوا أي بعد هذه من الليل، ولم يطرق من الليل باكرًا: لم يطرق من أوله.
(٢) عاوده الخبال: سقط من س.
(٣) راجع المعاني الكبير: ٦٧١ واللسان (غبر) .
[ ١٤١ ]
الغضروف لم يتأت لآكله، وقيل: إن آكل الكتف إذا أمسك منها بطرف الغضروف ربما سقطت فتربت، وإذا أمسكها بالطرف الذي فيه الحق أمن ذلك، فيضرب مثلًا لمن حرب الأمور ودرى مآخذها وعلم مواردها ومصادرها. قال ابن الأعرابي: للكتف مأتى، إذا قشرتها من أسفلها جامعتك (١) وإذا قشرتها من أعلاها تقطع لحمها، وأنشد لأوس بن حجر (٢):
أم دلكم بعض من يرتاد مشتمتي فأي أكلة لحمٍ تؤكل الكتف يقول: أنا أعلم كيف أنالكم (٣)، والإكلة: الحال التي يؤكل عليها مثل الجلسة والركبة، وأنشد:
إني على ما ترين من كبري أعلم من حيث تؤكل الكتف ٤٢؟ باب الرجل الفهم العالم بمغمضات الأمور
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا " إنه لنقاب " والنقاب: الرجل الفطن الذكي الفهم، ومنه قول أوس بن حجر (٤):
كريم (٥) جواد أخو مأقط نقاب يحدث بالغائب ع: قولهم نقاب (٦) أصل هذه الصفة من التنقيب في البلاد والتجريب للأمور.
_________________
(١) س ط: جاءت معك.
(٢) ديوان أوس: ٧٦.
(٣) س ط: آتي لكم.
(٤) اللسان (نقب، أقط)؛ والديوان: ١٢.
(٥) اللسان: نجيح، ورواه الجوهري: كريم، الديوان: نجيح مليح، قال ابن بري: والأصل نجيح مليح وغيره من يرى أبعاد صفة الملاحة في مدح الرجال.
(٦) قولهم نقاب: سقط من س.
[ ١٤٢ ]
ومن كلامهم في المجرب الداهي " فلان قد ركب ظهري البر والبحر، وعرف حالي الخير والشر، وذاق طعمي الحلو والمر "، وقال بعض (١) البلغاء: لا ينال أحد الحكمة حتى ينسى الشهوات ويجوب الفلوات ويحالف الأسفار ويقتات القفار ويصل الليلة باليوم ويعتاض السهر من النوم (٢) . وقال أبو الأشعث: النظر كالسيف والتجارب كالمسن. وقيل: مرآة العواقب في يدي ذي التجارب. وقال أبو تمام يصف نفسه بالتنقيب وشدة التجريب (٣):
سلي هل عمرت القفر وهو سباسب وغادرت ربعي من ركابي سباسبا
وغربت حتى لم أجد ذكر مشرق وشرقت حتى قد نسيت المغاربا وقال ايضًا (٤)
خليفة الخضر من يربع على وطن في بلدة فظهور العيس أوطاني
بالشام (٥) أهلي وبغداد المنى وأنا بالرقمتين (٦) وبالفسطاط إخواني وكذلك قولهم " فلان باقعة " إنما أصله من حلول البقاع وتطلع البلاد وأهلها.
وقول أوس: أخو مأقط، المأقط: موضع الحرب ومكان رحاها، وقوله: نقاب يحدث بالغائب، يصفه بالذكاء وجودة الحدس وإصابة الظن، كما قال في صفته في موضع آخر (٧):
الألمعي الذي يظن لك الظن كأن قد رأى وقد سمعا.
_________________
(١) س: أحد.
(٢) ط: بالنوم.
(٣) ديوان أبي تمام (ط. دار المعارف): ١٤٧ والشريشي ١: ١٣٢، ٢٦٢.
(٤) انظر الشريشي ١: ٢٥٦.
(٥) س: قومي.
(٦) س ط: بالرقتين.
(٧) يتردد هذا البيت كثيرًا في الكتب الأدبية، انظر حماسة البحتري: ٢٥٥ وشعراء النصرانية: ٤٩٢ ونظام الغريب: ٢٩، والديوان: ٥٣.
[ ١٤٣ ]
وقال بلعاء بن قيس (١):
وأبغي صواب الظن أعلم أنه إذا طاش ظن المرء طاشت مقادره وقال آخر:
بصير بأعقاب الأمور إذا التوت كأن له في اليوم عينًا على غد وقال شاعر عصره (٢):
تجاوزت مقدار الشجاعة والنهى إلى قول قوم أنت بالغيب عالم [وقال ابن الرومي:
كمال وافضال وبأس ونجدة وظن يريه الغيب لا رجم راجم] (٣) وقال عمر بن الخطاب ﵁: من لم ينتفع بظنه لم ينتفع بيقينه.
وقال عبد الملك بن مروان: ما فرق بين عمر وعثمان إلا اختلاف الظن، ظن عمر فأصاب فتحفظ، وظن عثمان فأخطأ فأهمل.
قال أبو عبيد: ويقال في نحو منه " إنه لعض " قال القطامي (٤):
أحاديث من عاد وجرهم ضلة يورثها العضان زيد ودغفل ع: العض: الرجل المنكر الداهية، وأصله من العض على النواجذ، يقال: عض الرجل على نواجذه إذا صبر على الأمر. وفي تحريض علي رضي الله تعالى عنه لأصحابه يوم صفين: عضو على النواجذ من الأضراس فإنه أبر للسيوف
_________________
(١) نسبه البحتري في حماسته: ٢٥٥ لعفرس بن جبهة الكلبي.
(٢) ديوان المتنبي ٤: ١٢٣.
(٣) زيادة من ط.
(٤) ديوانه: القصيدة: ١١ ص: ٣١، واللسان والتاج: (عض) .
[ ١٤٤ ]
على (١) الهام. والنواجذ أقصى الأضراس وآخرها نباتًا، وهي أربعة، ناجذ في أقصى (٢) كل فك. والعرب تسمي الناجذ سن الحلم (٣) حتى قالوا: نبت حلمه إذا نبت ناجذه، قال الشاعر وهو النمر بن تولب:
على أنها قالت عشية زرتها هبلت ألم ينبت لذا حلمه بعدي وكذلك تسميها الفرس خوذدندان (٤) . وزعم قوم أن النواجذ إنما هي الضواحك واحتجوا بحديث النبي ﷺ: أنه ضحك حتى بدت نواجذه، وأقصى الأضراس لا تبدو عند أشد الضحك، فكيف والرسول ﷺ إنما كان ضحكه تبسمًا. ومنه قولهم: قد نجذت فلانًا الخطوب إذا أحكمته التجارب. وقال الحارث بن وعلة (٥):
الآن لما ابيض مسربتي وعضضت من نابي على جذم (٦) ويروى في بيت القطامي: أحاديث من عاد وجرهم جمة (٧) . ويروى يثورها وينورها. ومعنى ضلة: لا يهتدى لها. قالت السلكة أم السليك (٨):
ليت شعري ضلةً أي شيء قتلك
_________________
(١) س ط: أنبى عن.
(٢) أقصى: سقطت من ط.
(٣) س: ضرس الحلم.
(٤) ط: حود ذيدان؛ ولفظة " دندان " بالفارسية تعني " السن " ولعل الصواب: دندان خرد أي سن العقل أو سن الحلم.
(٥) ترجمته في السمط: ٥٨٥ والمؤتلف: ١٩٧ والبيت من قصيدة له في حماسة أبي تمام، انظر التبريزي ١: ١٠٧ والمرزوقي: ٤٥ واللسان (سرب)، وحماسة البحتري: ٥٠ وأماكن متفرقة من السمط، والمفضليات: ٣٢٧ والبيت وحده في معجم العسكري: ٦٦ والشاعر ذهلي في الحماسة، جرمي في المفضليات، وعدهما اثنين في المؤتلف. قال البكري: ولعله كان مجاورًا في جرم، وبعد البيت المذكور: وحلبت هذا الدهر أشطره وأتيت ما آتي على علم ترجو الأعادي أن ألين لها هذا تخيل صاحب الحلم (٦) المسربة: اسم للشعر. وعضضت على جذم: أي كبرت حتى أكلت على جذم نابي.
(٦) هذه هي الرواية المثبتة في ديوانه.
(٧) من قصيدة لها في الحماسة، انظر التبريزي: ١٩١ والمرزوقي: ٣١٠، ونسبها في العقد ٣: ٢٦١ لأعرابي.
[ ١٤٥ ]
ومعنى يشورها: يبعثها من مكامنها، ويبرزها من مظانها، ومعنى ينورها: يبين وجوهها ويكشف ما استتر منها، مأخوذ من النور الذي يجلو الظلمات. وزيد أحد بني هلال بن ربيعة وهو الكيس النمري وكان من أعلم الناس. ودغفل من بني ذهل بن ثعلبة وكان عالمًا بأنساب العرب.
وقبل البيت:
ألا عللاني كل حي معلل ولا تعداني الشر والخير مقبل
فإنكما لا تدريان أما مضى من العيش أم ما قد تأخر أطول أحاديث من عاد وجرهم جمة.
قال أبو عبيد: وقال أعرابي لعيسى بن عمر " شهدت عليك بالفقه ".
ع: يريد بالفقه هنا الفطنة من قولهم قد فقه الرجل عنه إذا فهم وفطن لمراده، يقال منه قد فقه؟ بكسر القاف؟ يفقه؟ بفتحها -. وقوله شهدت عليك يريد: شهدت لك. وفي حديث مولد النبي ﵊: ثلاث يشهدن عليه منها أنه طلع نجمه البارحة، ومنها أن اسمه محمد، ومنها أنه ولد في صيابة قومه: يعني يشهدن له، ذكر ذلك أبو محمد بن قتيبة.
٤٣ -؟ باب الرجل الجزل الرأي الذي يستشفى برأيه (١)
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا " عنيته تشفي الجرب ".
_________________
(١) س: يستشفى بعقله ورأيه؛ ط: يستشفى به.
[ ١٤٦ ]
ع: هكذا قال أبو عبيد، تشفي الجرب؟ بفتح الجيم والراء؟ فيكون انتصابه على إسقاط حرف الصفة، فلما سقط أوصل الفعل فنصب وإنما هو تشفي من الجرب. والذي رواه غيره " عنيته تشفى الجرب " ورواه قوم تشفي الجرب.
قال أبو عبيد: ويقال في مثل هذا " إنه نهاض ببزلاء " ومنه قول الشاعر (١):
إني إذا شغلت قومًا فروجهم رحب المسالك نهاض ببزلاء ع: وقولهم " إنه لذو بزلاء " فسره العلماء على وجهين. قالوا: البزلاء: الرأي الجيد الذي ينشق عن الصواب. مأخوذ من بزل ناب البعير إذا انشقت عنه لثته. قال الراعي (٢):
من أمر ذي بدوات لا تزال له (٣) بزلاء يعيى بها الجثامة اللبد ويقال: رجل بازل إذا احتنك، تشبيهًا بالبازل من الإبل الذي كملت سنه واستوفى قوته. والوجه الثاني: أن البزلاء الداهية العظيمة يقال: فلان نهاض ببزلاء إذا كان مطيقًا للشدائد.
_________________
(١) انظر البيت في اللسان (بزل) .
(٢) راجع أمالي القالي ١: ٥٣ والسمط: ٢٠٢ واللسان (بزل) .
(٣) ذو بدوات: ذو آراء وهو وصف للرجل الحازم، والجثامة: البليد، واللبد: اللازم لموضعه وجاء في هامش ف: شاهدا على بزلاء. قال أبو الحسن: أنشدونا عن الأصمعي: ألم ترياني لا أقول لسائل إذا قال مرني أنت ما شئت فافعل ولكنني أبري له فأريحه ببزلاء من الشك فيصل معنى قوله مرني: أي أشر علي، يقول: فإذا استشارني أشرت بالرأي والصواب، ولم أقل له اصنع ما شئت.
[ ١٤٧ ]
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: ومن أمثالهم [في هذا] (١) قولهم:
" لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا وما علم الإنسان إلا ليعلما " وذكر خبره وأنه يقال في عامر بن الظرب العدواني، ويقال في أكثم بن صفي، ويقال أول من قرعت له العصا سعد بن مالك الكناني (٢):
ع: البيت الذي أنشده للمتلمس جرير بن عبد المسيح الضبعي، سمي المتلمس بقوله (٣):
فهذا أوان العرض حي ذبابه (٤) زنابيره والأزرق المتلمس وذكر الرواة فيمن قرعت له العصا رابعًا لم يذكره أبو عبيد وهو عمرو بن حممة الدوسي، وهو (٥) من حكام العرب وكهانها وذوي الرأي منها، وقيل إن الذي كان يقرع للرابع منهم المجن.
_________________
(١) زيادة من س وحدها.
(٢) قال البكري في شرح الأمالي: ٥٨٤ قرع العصا مثل للتنبيه، وكان أحد حكام العرب أسن، فإذا قرعت له العصا استيقظ وثاب حلمه. راجع هنالك رأيه في أول من قرعت له العصا، وانظر التبريزي ١: ١٠٨ وفي هامش ف: قال أبو الحسن أخبرني ابن الأعرابي قال: حكام قريش في الجاهلية عبد المطلب وأبو طالب والعاص بن وائل الثقفي، وحكام تميم: أكثم بن صيفي والأقرع بن حابس وحاجب بن زرارة وربيعة بن مخاشن وضمرة بن ضمرة ارتشى في الحكم فسقط، وحكام قيس: عامر بن الظرب وغيلان بن سلمة، وحكام كنانة: صفوان بن محرث ويعمر وهو الشداخ بن عوف وسليم بن نوفر.
(٣) التبريزي ٢: ١٠١ والخزانة ٣: ٢٧٠ والأغاني ٢١: ١٢٢ والسمط: ٢٥٠ وشعراء النصرانية: ٢٣٦ والمعاني الكبير: ٦٠٤.
(٤) العرض: واد باليممة يقول: حي ذبابه لمكثر النبات فيه، والأزرق: ذباب ضخم أخضر يكون في الرياض، والمتلمس: الطالب؛ وفي س: جن ذبابه.
(٥) ط: وكان.
[ ١٤٨ ]
وبعد بيت الملتمس (١):
ولو غير أخوالي نقيصتي جعلت لهم فوق العرانين ميسما وكان الملتمس قد نشأ في أخواله؟ بني يشكر؟ حتى كادوا يغلبون على نسبه، فسأل عمرو بن هند الحارث بن قتادة بن التوأم اليشكري عن نسب الملتمس فقال: أوانًا يزعم أنه من ضبيعة أضجم، وأوانًا يزعم أنه من بني يشكر فقال عمرو: ما هو إلا كساقط بين الفراشين. فبلغ ذلك الملتمس فقال في ذلك هذه الكلمة، وفيها:
أحارث إنا لو تشاط دماؤنا تزايلن حتى ما يمس دم دما (٢) ٤٤؟ باب الرجل يصيب بالظنون حتى كأنه يرى الظن عيانًا
قال أبو عبيد: من أمثالهم [في هذا] " إنه لألمعي "، وأنشد بيت أوس بن حجر وقد تقدم إنشاده.
ع: اشتقاق الألمعي من اللمعان كأن الأمور تلمع له وتبين، وكأن مغيبها يشف له (٣) ويظهر.
قال أبو عبيد: ويروى في حديث مرفوع: لم تكن أمة إلا وفيها (٤) محدث
_________________
(١) البيت في مختارات العلوي: ٣٠ وشعراء النصرانية: ٣٣٧ والخزانة ٤: ٢١٥ والأصمعيات رقم: ٩٢.
(٢) تشاط: تهدر، ويروى أيضًا " تساط " أي تمزج، وهي رواية س ط.
(٣) س: ينكشف؛ ط: يكشف.
(٤) ف: إلا وكان فيها.
[ ١٤٩ ]
فإن يكن في هذه الأمة محدث فهو عمر بن الخطاب (١) .
ع: ويروى من طرق مختلفة عن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: قد كان فيمن كان قبلكم من الأمم ناس محدثون؟ وفي رواية: رجال يكلمون؟ من غير أن يكونوا أنبياء. فإن يكن في أمتي منهم أحد فعمر. ويروى: لم تكن أمة إلا وفيها مروعون فإن يكن في هذه الأمة مروع فإنه عمر بن الخطاب.
المروع: الذي يلقى الصواب والحق في روعه إلهامًا من الله تعالى. من ذلك أن سارية بن زنيم كان في جيش للمسلمين في بعض ثغورهم فألقى الله تعالى في روع عمر وهو يخطب بالناس بالمدينة أن العدو قد نهد إلى المسلمين، واشتد الخطب عليهم، وكان المسلمون بحضرة جبل، فقطع عمر الخطبة ونادى: يا سارية الجبل الجبل. فأسمع الله سارية (٢)، وانحاز بالمسلمين إلى الجبل فتخلصوا. وقد قال عمر: وافقت ربي في ثلاث: قلت يا رسول الله، لو تطوقنا بين الصفا والمروة فأنزل الله ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ (البقرة: ١٥٨)، وقلت: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فأنزل الله آية الحجاب. واجتمع نساء النبي ﷺ في الغيرة فقلت: ﴿عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن﴾ عنزلت هذه الآية (التحريم: ٥)؟ رواه (٣)
_________________
(١) تتمة هذا كما ورد عند أبي عبيد في ف: " قيل وما المحدث؟ ثال: يرى الرأي ويظن الظن فيكون كما رأى. قال: ما خاف عمر امرًا قط أن يقع إلا وقع. وفي بعض الحكمة: من لم ينتفع بظنه لم ينتفع بيقينه. وسئل بعض حكماء العرب: ما العقل؟ فقال: الإصابة بالظنون ومعرفة ما لم يكن بما قد كان ".
(٢) ط: فاسمع الله سارية صوت عمر.
(٣) ط س: ورواه.
[ ١٥٠ ]
حميد عن أنس عن عمر.
وقد تقدم من ذكر الإصابة بالظن قبل هذا ما أغنى عن الإعادة.
قال أبو عبيد: ومن هذا مقالة عمرو بن العاص وقد اعتزل الناس آخر خلافة عثمان، فلما بلغ (١) حصره ثم قتله قال: أنا أبو عبد الله " إذا (٢) حككت قرحةً أدميتها ".
ع: المعروف من الرواية في هذا: إني إذا نكأت قرحة أدميتها. وكان سبب حقد عمرو بن العاص على عثمان ﵁ أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح القرشي العامري كان من فرسان قريش المعدودين فيهم، وكان على ميمنة عمرو بن العاص في افتتاحه مصر وفي حروبه كلها هنالك، فلما عزل عثمان عمرًا عن مصر ولاها عبد الله بن سعد؟ وكان أخا عثمان من الرضاعة أرضعت أمه سبع وعشرين، فاعتزل عمرو بن العاص بفلسطين وجعل يطعن على عثمان ويؤلب عليه ويسعى في إفساد أمره ولا يألو في ذلك جهدًا، فلما بلغه قتل عثمان [﵁] قال: أنا أبو عبد الله إني إذا نكأت قرحة أدميتها.
قال أبو عبيد: ومن أمثال أكثم بن صيفي في نحو هذا " الأمور تشابه مقبلة ولا يعرفها إلا ذو الرأي؛ فإذا أدبرت عرفها الجاهل كما يعرفها العاقل ".
ومن قول الشاعر:
_________________
(١) ط س: بلغه.
(٢) ط: إني إذا.
[ ١٥١ ]
تشابه أعناق الأمور بواديًا وتظهر في أعقابها حين تدبر (١) ع: ومن هذا قول الشاعر وهو يبين الغرض فيه (٢):
لا يحذرون الشر حتى يصيبهم ولا يعرفون الأمر إلا تدبرا يقول: بعد إدباره، وهذا هو الرأي الدبري عندهم وهو الذي لا يظهر إلى صاحبه إلا بعد إدباره الأمر، وأحسن من البيت الذي أنشده أبو عبيد وأسير ي الأمثال قول الشاعر (٣):
تبين أعجاز الأمور مواضيا وتقبل أشباهًا عليك صدورها ٤٥؟ باب الرجل المجرب الذي قد جرسته (٤) الأمور وأحكمته
قال أبو عبيد: قال أبو زيد والأصمعي جميعًا في مثل هذا " إنه لشراب بأنقع " أي أنه معاود للخير والشر. قال: وأخبرني بعض علمائنا أن ابن جريج قاله في معمر بن راشد.
ع: قال أبو محمد: الصحيح في تفسير هذا المثل أن الطائر إذا كان حذرًا منكرًا (٥) لم يرد المياه التي يردها الناس لأن الأشراك تنصب بحضرتها وإنما يرد
_________________
(١) أعناق الأمور: أوائلها، وعنق كل شيء أوله؛ ط: إذا بعدت.
(٢) البيت لجرير كما في ديوانه: ٢٤٦ واللسان (دبر) .
(٣) هو شبيب بن البرصاء، والبيت من قصيدة له في التبريزي ٣: ٧٧ والمرزوقي: ٤٠٣ وحماسة البحتري: ١٥٤.
(٤) ص: جسرته؛ ح: حزمته.
(٥) المنكر: الداهية الفطن.
[ ١٥٢ ]
المناقع التي في الفلوات. والأنقع: جمع نقع وهو الماء المستنقع.
وقال طاهر بن عبد العزيز: حدثنا الكشوري (١) عبيد بن محمد حدثنا محمد ابن عبد الله بن القاسم أخبرنا عبد الرزاق عن رباح بن زيد قال: سألت ابن جريج عن آية وقلت إن معمرًا أخبرني بكذا فقال: " إن معمرًا شرب العلم بأنقع ". قال عبد الرزاق: الأنقع الصفا الذي يصيبه الغيث فيكون هاهنا ماء وهاهنا ماء (٢) .
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: ويقال في نحو منه " فلان مؤدم مبشر ". وهو الذي قد جمع لينًا وشدة مع المعرفة بالأمور. قال: وأصله من أدمة الجلد وبشرته، فالبشرة ظاهره، وهو منبت الشعر، والأدمة باطنه وهو الذي يلي اللحم، والذي يردا به أنه قد جمع لين الأدمة وخشونة البشرة.
ع: اختلف العلماء في الأدمة والبشرة فقال الأصمعي ما ذكره أبو عبيد، وقال أبو زيد: البشرة باطن الجلد، وقال ابن الأعرابي: البشرة والأدمة جميعًا ظاهر الجلد. نقل ذلك عنهم ثابت بن عبد العزيز. وقال أبو حاتم أيضًا في معنى المثل يقال: " إنما امرأة فلان المؤدمة المبشرة " يراد به التامة في كل وجه، وقال ابن الأعرابي: هي التي حسن منظرها وصح مخبرها، نقل ذلك عنه أبو علي (٣) .
_________________
(١) نسبه إلى كشور، بلد باليمن وهو شيخ الصاغاني. وهذا الخبر مكتوب بهامش ف، الورقة: ٢٢و.
(٢) جاء في ف: بعد ذكره للمثل السابق " قال أبو عمرو الشيباني في مثل هذا: قد حلب فلان الدهر أشطره، أي أنه قد اختبر الدهر شطرين من خير وشر، قال أبو عبيد: وأصله من حلب الناقة يقال: حلبت شطرها أي نصفها وذلك إذا حلب خلفين من أخلافها ثم يحلبها الثانية خلفين أيضًا فتقول حلبتها شطرين ثم يجمع فتقول: أشطر ". اه؟.
(٣) ط: عنهما أبو علي؛ س: أبو علي عنهما.
[ ١٥٣ ]
؟ ٤٦؟ باب الرجل الذي قد حنكته السن مع الحزامة والعقل
قال أبو عبيد: وذكر رهان قيس [وحذيفة؛ قال: و] حذيفة القائل في هذا الرهان: خدعتك يا قيس، فقال قيس: " ترك الخداع من أجرى من المائة ".
ع: قد تقدم ذكري لهذا الرهان وأن المشهور عند العلماء أن الرهان بين قيس وحمل بن بدر؟ لا حذيفة أخيه؟ وقوله: من أجرى من المائة، يريد: مائة غلوة، والغلوة من موقف الرامي إلى مسقط سهمه، يريد أن من أرسل من مائة غلوة فقد كشف أمره ولم يخادع.
قال الأصمعي: وأصل ذلك أن أحد المخاطرين في غبراء وداحس قال لصاحبه: الغاية على (١) حكمي، قال: نعم، قال: فالغاية مائة، قال: تخدعني (٢)؟ قال " ترك الخداع من أجرى من المائة ".
قال أبو عبيد: قال حارثة بن سراقة الكندي حين منعوا الصدقة أيام الردة (٣):
؟؟؟؟ يمنعها شيخ بخديه الشيب لا يحذر الريب إذا خيف الريب فامتدح هاهنا بالسن، وقال آخر في طعنة طعنها:
فلم أرقه إن ينج منها وإن يمت فطعنة لا غس ولا بمغمر
_________________
(١) ط: الغاية في.
(٢) قال تخدعني: سقطت من ط.
(٣) هو أبو السميط حارثة بن سراقة بن معد يكرب من كندة، انظر خبره والرجز في الطبري ٢: ٥٤٣.
[ ١٥٤ ]
فالغس: اللئيم، والمغمر: الذي لا تجارب له ولا سن.
ع: قوله أيام الردة: هكذا رويت بالكسر، وقال أبو جعفر ابن النحاس سمعت الأخفس يقول: أختار (١) الفتح في ذلك لأن العرب لم يكن ارتدادها إلا مرة، فالفتح أجود.
وقوله: فامتدح هاهنا بالسن: للعرب في ذلك مذهبان: فإذا أرادوا الحزامة وحسن التدبير في الحروب وثبات الأقدام والوطأة إذا اشتدت الخطوب، فإنما يذكرون أهل السن والتجربة، لأنهم أهل الحفائظ والاستبصار وهم أجدر بالحياء من الأغرار (٢) ولذلك قال علي بن أبي طالب؟ ﵁؟ رأي الشيخ خير من مشهد الغلام.
وقال أبو الطيب (٣):
سأطلب حقي بالقنا ومشايخٍ كأنهم من طول ما التثموا مرد وإذا أرادوا شدة المسارعة وحدة المضاربة والإعراض عن ذكر العواقب واطراح ذلك بجابن، ذكروا أهل الشباب والفتوة (٤)، كما قال عامر بن الطفيل للنبي ﷺ: والله لأملأنها عليك خيلًا جردًا ورجالًا مردًا. فأما قول قطري (٥):
ولقد أراني للرماح دريةً من عن يميني مرةً وأمامي
حتى خضبت بما تحدر من دمي (٦) أكناف سرجي أو عنان لجامي
_________________
(١) ط: اختاروا.
(٢) س ط: الفرار.
(٣) ديوان المتنبي ٢: ١٠٨.
(٤) س: والقوة.
(٥) راجع أبيات قطري القالي ١: ١٩٠ والسمط: ٨٠٦ والتبريزي ١: ٦٨، وشرح النهج ٢: ٢٦٦، ١: ٣١٣ والخزانة ٤: ٢٥٩ والحصري ٤: ١٦٣.
(٦) أكناف السرج: جوانبه، وعنان اللجام: سيره الذي تمسك به الدابة؛ وفي س: أحناء سرجي.
[ ١٥٥ ]
ثم انصرفت وقد أصبت ولم أصب جذع البصيرة قارح الإقدام فإنه يحتمل معنيين (١): أحدهما ظاهر جلي، والثاني غامض خفي. أما الجلي فإنه يقول إنه انصرف جذع البصيرة مستمر المريرة لم يفل عزمه ولا ضعفت نيته بما أصيب من جسمه من الخيل الذي كملت سنه وتناهت قوته، وأما المعنى الخفي فإنه يقول: ثم انصرفت وقد أصبت؟ أي قتلت أعدائي ونكيت؟ ولم أصب أي لم ألف على هذه الحال، أي لم ألف جذع البصيرة قارح الإقدام بل ألفيت قارح البصيرة جذع الإقدام لأن بصيرة القارح المجرب المنجذ هي التي لا تستحيل ولا تضطرب. وأما بصيرة الجذع أي الصبي فلا تثبت ولا تدوم، وألفيت جذع الإقدام أي شديده ماضيه، لا ينثني ولا يردعه شيء على نحو ما قدمان من مذهب من ذكر الشباب وأهل الغرارة في الحروب. ويعضد هذا المعنى على [المعنى] الأول الجلي ويؤيده أنه يستحيل أن يقول: ولم أصب أي لم ينل مني (٢) وهو قد قال قلبه:
حتى خضبت بما تحدر من دمي أكناف (٣) سرجي أو عنان لجامي فهذا نقض وإبرام ونفي وإيجاب وسوفسطانية صحيحة. والحجة للقول الأول أنه أراد بقوله: لم أصب: لم أقتل أي انصرفت وقد قتلت فيهم وسلمت منهم كما تقول: أصيب فلان يوم كذا أي قتل، يريدون: أصيبت نفسه، كما قال النبي ﷺ لجيش الأمراء: أميركم زيد فإن أصيب فجعفر فإن أصيب فعبد الله ابن رواحة، فأصيبوا كلهم. وحجة أصحاب المقالة الثانية: وكيف يسوغ له أن يقول ولم أقتل وهو ينشد شعره ويخاطبهم بلفظه. والعرب تقول: أصيب
_________________
(١) أفاض أبو عبيد في شرحه هذا المعنى هنا، واختصر القول فيه شرح الأماني (انظر السمط: ٨٠٦) وقد نقل صاحب الخزانة من شرح أبي عبيد على الأمالي ولم ينقل من شرحه المسطور هنا (انظر الخزانة ٤: ٢٦٠) وخير الآراء فيه رأي أبي العلاء وهو إن إقدامه قارح لأنه قديم، وإنه جذع البصيرة لأنه كان فيما سلف لا يرى رأي الخوارج ثم تبصر، والبصيرة اصطلاح يتكرر كثيرًا في الشعر الخارجي، وهو يعني عندهم اهتداءهم إلى العقيدة الصحيحة.
(٢) س ط: منه شيء.
(٣) س: أحناء؛ حيثما وقعت.
[ ١٥٦ ]
فلان، في كل ما يكره أن يناله. قال الله تعالى ﴿ما أصابكم من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها﴾ (الحديد: ٢٢) وقال: ﴿الذي إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ (البقرة: ١٥٦) .
وقول الشاعر الذي أنشده أبو عبيد:
فلم أرقه إن ينج منها وإن يمت (البيت) الشاعر [هو] زهير بن مسعود، وقبل البيت (١):
عشية غادرت الحليس كأنه على النحر منه لون برد محبر
جمعت له كفي بلدنٍ يزينه سنان كمصباح الدجى المتسعر
فلم أرقه كانت العرب تزعم أن الرجل إذا طعن آخر فنفث عليه الطاعن ورقاه، أن المطعون يبرأ من طعنته، قال عنترة (٢):
فإن يبرأ فلم أنفث عليه وإن يفقد فحق له الفقود وقال آخر، وهو ثعلب بن عمرو الشيباني (٣):
فأتبعته طعنةً ثرةً يسيل على النمحر منها صبيب
فإن ينج منها فلم أرقه وإن قتلته فجرح رغيب
_________________
(١) انظر السمط: ٥٥ والبيت الثاني مذكور في الألفاظ: ١٤٣ والثالث في اللسان (غسس) وشرح الحماسة للمزوقي: ٤٢٦.
(٢) من أبيت له في التبريزي ١: ٢٢٠ والمرزوقي: ١٤٦.
(٣) هكذا سماه البكري أيضًا في شرحه على الأمالي (السمط: ٥٢) وغيره الميمني إلى ثعلبة، اعتمادًا على ما ذكره ابن الأنباري في شرح المفضليات. والقصيدة التي أورد منها البيتين مفضلية: ٥١١ - ٥١٤ والمطعون هو والد أسماء التي ذكرها في مطلع قصيدته. والبيت الثاني يختلف في روايته عما هو هنا.
[ ١٥٧ ]
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في نعت الرجل الحازم " إذا تولى عقدًا (١) أحكمه " ومنه قول الشاعر:
وما عليك أن يكون أزرقا إذا تولى عقد شيءٍ أوثقا ع: هذان الشطران للأحنف بن قيس، والعرب تكني بالزرقة عن اللؤم، يقول: وما عليك أن يكون لئيمًا ولكنه إذا تولى عقدًا أحكمه.
وقال الشاعر في زرقة اللئيم (٢):
لقد زرقت عيناك يابن مكعبرٍ (٣) كذا كل ضبي من اللؤم أزرق وقال الشماخ، وقيل أخوه مزود، يرثي عمر بن الخطاب (٤) [﵁]
وما كنت أخشى أن تكون وفاته بكفي سبنتى أزرق العين مطرق (٥) ٤٧؟ باب ذكر الغيران الدافع
عن حرمته مع ذكر ما يخاف من الفتنة فيهن
قال أبو عبيد: قال أبو عبيدة (٦): من هذا قولهم: " الخيل تجري على مساويها " يقول: إنها وإن كانت بها أوصاب وعيوب فإن كرمها مع هذا
_________________
(١) ط: عقد شيء.
(٢) في الأغاني ١٩: ٣٩ إن البيت لسويد بن أبي كاهل.
(٣) ص: معكبر.
(٤) انظر البيت مع أبيات أخرى في طبقات ابن سلام: ١١١ منسوبة لجزء أخي الشماخ، ونسبها أبو تمام ي حناسته ٣: ٦٥ للشماخ، وهي في ابن سعد ٣: ٢٤١ والعقد ٣: ٢٨٤.
(٥) السبنتى: النمر، وشبه قاتل عمر به لخبثة ولؤم طباعه. وما كنت أخشى: أي ما كنت أظنه يحدث فأخشاه.
(٦) قال أبو عبيدة: سقط من س.
[ ١٥٨ ]
يحملها على الجري فكذلك الحر من الرجال يحمي حريمه على ما فيه من علة.
ع: قال أبو بكر ابن القوطية: المساوئ جمع سوء على غير قياس، وقال غيره: لا واحد لها.
وقال الأصمعي: يراد بهذا المثل أن الرجل ربما استمتع (١) به، وفيه الخصال المكروهة.
قال أبو عبيد: قال أبو زكريا الفراء: من أمثالهم في الحمية عند ذكر الحرم (٢) " كل شيءٍ مهه ما النساء وذكرهن " أي أن الحر يحتمل كل شيء حتى يأتي ذكر حرمته، ومعنى المهه: اليسير وفيه لغتان: مهه ومهاه، قال: وهذه هاء، فإذا (٣) اتصلت بالكلام لم تصر تاء. إنما تكون تاء في الاتصال إذا أرادوا بالمهاة: البقرة، قال عمران بن حطان (٤):
ليس لعيشنا هذا مهاه وليست دارنا هاتا (٥) بدار ع: قوله كل شيء مهه ما النساء يريد ما خلا النساء، فنصب على هذا واكتفى بذكر ما عن ذك خلا. ونقل أبو علي في الكتاب البارع قوله: كل شيء مهه إلا النساء، يريد كل شيء يسير إلا النساء. فنصب على هذا التأويل، والهاء في مهه ومهاه أصلية ومعناه اليسير كما قال أبو عبيد، قال أبو بكر ابن دريد: ويقال ما لهذا الأمر مهه ومهاه، أي ليس عليه حلاوة (٦)، وهذا هو الذي أراد
_________________
(١) س: استمنع.
(٢) عند ذكر الحرم: سقط من س.
(٣) س ط: وهذه الهاء إذا.
(٤) قصيدة عمران التي منها البيت في الخزانة ٢: ٤٤٠ والبيت مذكور في اللسان والتاج والأساس في مادة (مهه) . وفي شرح المفصل ١: ٤٥٣ والمقاييس ٥: ٢٦٨ وسيبويه ٢: ١٣٩.
(٥) س ط: الدنيا.
(٦) س ط: طلاوة.
[ ١٥٩ ]
عمران بن حطان في البيت الذي أنشده أبو عبيد وليس هو من المهه الذي أنشده عليه في شيء.
وقال ابن درستويه: أخبرنا محمد بن يزيد قال: المهه: الرفق واللين بالإبل في الرعي وغيره، ويقال: سرت سيرًا مههًا أي رفيقًا، ويقال: مههت يا رجل أي لنت، ومنه قول الشاعر وأنشد البيت. ويروى بيت عمران بن حطان أيضًا " وليس لعيشنا هذا مهاة " بالهاء المندرجة تاء، أي ليس له صفاء ولا رونق، مأخرذ من المهاة وهي البلورة. وبعد بيت ابن حطان:
وإن قلنا لعل بها قرارًا فما فيها لحي من قرار
فلا تبقى ولا نبقى عليها ولا من الأمر نأخذ بالخيار قال أبو عبيد: قال عمر بن الخطاب: " لا يخلون رجل بمغيبةٍ وإن قبل حموها، ألا حموها الموت ".
ع: قال الأصمعي (١): امرأة مغيبة بالهاء إذا كان زوجها غائبًا، قال أبو زيد: أو أخوها أو أبوها أو عمها أو وليها، أغابت فهي مغيبة. وقال أبو حاتم قلت للأصمعي: لم أثبت الهاء في هذا وحذفتها من قلوك امرأة مشهد إذا كان زوجها شاهدًا؟ فذهب مذهب الحكائة عن العرب لا مذهب القياس، وقال أرأيت: ناقة عاسر وضامر وناقة فاعلة في ألف شيء بالهاء، أي شيء فرق بينهما؟ نقله أبو علي عنهم.
وقال غير الأصمعي: قالوا امرأة مغيبة وامرأة مشهد بغير هاء، كأنهم جعلوا الهاء في مغيبة عوضًا من ذهاب حركة الغين. وقال أبو بكر ابن دريد: يقال: امرأة مغيب؟ بغير هاء؟ ومغيبة، وقالوا: مغيبة ولم يقولوا مغيبة، وهذا
_________________
(١) هذا النص بتمامه في البارع: ٧٤.
[ ١٦٠ ]
يقوي قول من قال: إن الهاء تثبت فيها عوضًا من ذهاب حركة الغين.
ومثل قول عمر ﵁: لا يخلون رجل بامرأة وإن قيل حموها، قال الشاعر:
لا يأمنن على النساء أخ أخًا ما في الرجال على النساء أمين قال أبو عبيد: ويقال: " كل ذات صدارٍ خالة " وكان المفضل يقول: إن صاحب هذا المثل همام بن مرة الشيباني.
ع: قال يعقوب: كانت أم همام بن مرة، امرأة من بني أسد ثم من بني كاهل، فأغار همام على بني أسد فأصاب فيهم، فقالت له امرأة منهم؟ وهي لبنى بنت الحرمز؟ أبخالاتك تفعل هذا؟ فقال " كل ذات صدار خالة " أي لا تعتدي علي بالخئولة فليس ذلك بمانعي من الإغارة عليك. فكل امرأة يجب على الغيور من الكف عن محارمها ما يجب للخالة أخت الأم، ولا يجب الكف عن مالها كما تذهبين إليه. وإنما قالت له: أبخالاتك تفعل هذا على سبيل ما يقول بنو زهرة: نحن أخوال رسول الله ﷺ. والصدار ثوب لا كمين له تتبذل فيه المرأة في بيتها وكذلك اشوذر والقرقل والمجول (١) .
قال أبو عبيد: وقال عبادة بن الصامت: ألا ترون أني لا أقوم إلا رفدًا ولا آكل إلا ما لوق لي، وإن صاحبي لأعمى أصم (٢) وما يسرني أني خلوت بامرأة.
ع: قوله لوق لي يريد لين [لي] (٣) . قال رجل من عذرة؟ وهو عبد الملك
_________________
(١) الشوذر: ثوب يكون إلى السرة وإلى أنصاف الفخذين، والمجول: درع خفيف تجول فيه الجارية، والقرقل: قميص للنساء.
(٢) س: لأصم أعمى.
(٣) زادة من ط.
[ ١٦١ ]
ابن عبد الله بن عباس (١):
وإني لمن سالمتم لألوقة وإني لمن عاديتم سم أسود ويقال للزبد بالرطب: ألوقة ولوقة (٢)، ومن هذا قيل: ليقة الدواة لأنها تلين بالمداد.
قال أبو عبيد: ويروى عن عمر أنه قال: ما بال أحدكم لا يزال كاسرًا وسادةً عند امرأة مغزية يتحدث إليها وتتحدث إليه " عليكم بالجنبة فإنها عفاف ".
ع: الجنبة: الاجتناب. وقال أبو عبيد: الجنبة: الناحية، يقول: تنحوا عنهن، وكلموهن من خارج الدار ولا تدخلوا عليهن. وقال أبو بكر ابن دريد: الجنبة هنا الاعتزال.
٤٨ -؟ باب الرجل يدخله الأنف من مصاحبة
من يرغب عن صحبته (٣)
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا " خل سبيل من وهي سقاوه " أي إذا ترك صحبتك ولم يستقم لك فدعه وازهد عنه (٤) .
_________________
(١) البيت في اللسان: (لوق) .
(٢) ولوقة: سقطت من ط.
(٣) س: مصاحبته.
(٤) س: وازهد فيه كزهده فيك.
[ ١٦٢ ]
ع: قال غيره: إنما يضرب هذا المثل في إفشاء السر، يقول: إذا مذل صديقك بسرك كما ينضج هذا السقاء الواهي بالماء فدعه ولا تؤاخه، فلا خير لك فيه، وهذا المثل قد روي في أشطار رجز
خل سبيل من وهى سقاوه ومن هريق بالفلاة ماؤه قال أبو عبيد: وكذلك قولهم " خله درج الضب ".
ع: قال أبو عمر المطرز: الدرج: الطريق البين، ومعناه عندي الذهاب، يقول: خله يذهب ذهاب الضب، أي خله ضالًا كضلال الضب، لأن الضب أسوأ الحيوان هداية، ولذلك تضرب به العرب المثل فتقول " ضل من ضب، وأضل من ورل " قالوا: ولذلك لا يخلو من حجر عند باب حجره يهتدي به إليه. فقالوا في المثل السائر أيضًا: " كل ضب عند مرداته " يضرب مثلًا لحضور حوادث الزمان وأن الإنسان لها غرض، كما أن الضب لا يعدم محترشه بحضرة حجره حجرًا يضربه به.
وأنشد أبو عبيد في مثل هذا للبيد (١):
فاقطع لبانة من تعرض وصله ولخير واصل خلة صرامها ع: قوله من تعرض وصله يقول: من تعوج وصله ولم يستقم.
ومثاله قول امرئ القيس:
إذا ما الثريا في السماء تعرضت
_________________
(١) البيت من معلقته، انظر شرح المعلقات للتبريزي: ١٤٠ والشعر والشعراء: ١٥٣ والمعاني الكبير: ١٢٥٣ واللسان (عرض، صرم) .
[ ١٦٣ ]
يقول: اعوجت في رأي العين عن هيئتها وقت الطلوع، لأنها إذا طلعت استقبلتك بأنفها، فإذا كبدت أو كادت رأيتها جانحة. وقوله: ولخير واصل خلة صرامها، يقول: من صرمها وقد استحقت الصرم وكانت أهله فذلك الذي يصل من يستحق الوصل ويستوجبه، لأن من صرم الكريم يوشك أن يصل اللئيم، وكذلك من لم يميز الفضيلة يوشك أن يلتبس بالرذيلة، كما قال الشاعر (١):
[وقائل فيم تفرقتما فقلت قولًا فيه إنصاف] (٢)
لم يك لي شكلًا ففارقته (٣) والناس أشكال وألاف وقال الراجز:
وتلك قربى مثل أن تناسبا أن تشبه الضرائب الضرائبا والخارب اللص يحب الخاربا وإلى هذا المعنى ذهب أبو الطيب في قوله فاحسن (٤):
فمن العداوة ما ينالك نفعه ومن الصداقة ما يضر ويؤلم وقال عدي بن زيد (٥):
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي وبعد البيت لبيد:
واحب المجامل بالجزيل وصرمه باق إذا زاغت وزاغ قوامها يقول: احبه بأكثر من مودته وأبق له صرمك إذا لم يستقم وصله، وزاغت:
_________________
(١) الشعر لابن حازم الباهلي. انظر الورقة: ١١١.
(٢) زيادة من ط.
(٣) الورقة: لم يك من شكلي فتاركته.
(٤) ديوان المتنبي ٤: ٢٣٨.
(٥) انظر الصداقة والصديق: ٣٠ وشعراء النصرانية: ٤٦٦.
[ ١٦٤ ]
أي مالت خلته فلم تستقم (١)، ويقال قوام الأمر وقوامه، وملاكه وملاكه، يقول: لا تصرمه عند [أول] عوج.
وروى محمد بن حبيب: ولشر واصل خلة صرامها، والأولى رواية الأصمعي، والخلة: الصديق، والخلة: الصداقة.
قال أبو عبيد: والعامة تقول في هذا " لو كرهتني يميني ما صحبتني ".
ع: هذا المثل منظوم لشاعر جاهلي وهو المثقب العبدي، قال (٢):
فلو أني تعاندني شمالي عنادك (٣) ما وصلت بها يميني
إذا لقطعتها ولقلت بيني كذلك أجتوي من يجتويني ٤٩؟ باب الرجل يأبى الضين فيأخذ حقه
قسرًا [إذا أعياه الرفق]
قال أبو عبيد: قال بعض الأعراب يمدح رجلًا:
" فتى لا يحب الزاد إلا من التقى ولا المال إلا من قنا وسيوف " ع: ليس كما قال أبو عبيد، إنما هذا البيت لفارعة بنت طريف ترثي أخاها الوليد بن طريف الشيباني، وكان خرج على الرشيد فاشتدت شوكته، فبعث إليه
_________________
(١) ص: يستقم.
(٢) المفضليات: ٥٧٥ وأمالي اليزيدي: ١١٢.
(٣) هذه رواية أبي عبيدة، وروى الطوسي: فإني لو تخالفني شمالي، خلافك.
[ ١٦٥ ]
يزيد بن مزيد الشيباني فقتله، وقد تقدم ذكر ذلك، فقالت أخته ترثيه (١):
أيا شجر الخابور ما لك مورقًا كأنك لم تحزن على ابن طريف
فتى لا يحب الزاد إلا من التقى (البيت) وقال كراع: ويروى، أيا شجر الخافور، بالفاء، وهو شجر، وهذا تصحيف صراح لأن الخابور الذي ذكر ونسب إليه الشجر إنما هو نهر بالجزيرة، وهناك قتل الوليد بن طريف، قال الأخطل (٢):
فأصبحت منهم سنجار خالية فالمحلبيات فالخابور فالسرر هذه كلها بالجزيرة. وظن كراع أن الخابور شجر فقال: ويروى شجر الخافور؟ بالفاء؟ الخافور ليس من الشجر وإنما هو من النجم وهو ضرب من الحبق، وهو المرو العريض الورق، والعرب تسميه أيضًا: الزغبر والزبعر (٣) قال الشاعر:
والشاهد الإسفنط يوم لقيتها والضومران تمله بالزغبر (٤)
_________________
(١) راجع قصيدة الفارعة في رثاء في ابن خلكان (ترجمة الوليد)، وحماسة البحتري: ٣٩٨ والأغاني ١١: ٨ والعقد ٣: ٢٦٩ وأمالي القالي ٢: ٢٧٤، وقال البكري في السمط: ٩١٣ اختلف في قائله (أي الشعر) فقيل إنه لأخته ليلي بنت طريف (وسماها الفارعة في شرح الأمثال، وقيل أيضًا فاطمة)، وقال دعبل وابن الجراح: هو لمحمد بن بجرة؛ فقول أبي عبيد، قال بعض الأعراب ليس ببعيد عن الصواب.
(٢) انظر ديوان الأخطل: ١٨.
(٣) في اللسان: (زبعر): الزبعر ضرب من المرو ليس بعريض الورق وما عرض ورقه منه فهو ماحور. وهذا مخالف لما ذكره البكري، وذكر في مادة (زبغر) - بالعين المعجمة أن الزبغر هو المرو الدقاق الورق. أما أبو حنيفة فيقول أنه الزغبر. والمرو: شجر طيب الريح أو ضرب من الرياحين؛ ووردت اللفظتان بالعين المهملة في س ط.
(٤) الاسفنط: ضرب من الأشربة، ولفظه فارسي معرب، وقال الأصمعي: هو رومي الأصل والضومران والضيمران والضومر: من ريحان البر طيب الريح.
[ ١٦٦ ]
قال أبو عبيد: وقال زهير بن أبي سلمى (١):
ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم ع: لم يرد بقوله يظلم الناس، يبدأهم بالظلم، إنما يريد من لم يحم نفسه من الظلم كما قال، ومن لا يذد عن حوضه، ومن لا يعاقب ويجاز على ظلمه بمثله لم يزل يهتضم ويظلم، فلما كان جزاء على الظلم سماه ظلمًا، كما قال الله تعالى ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ (البقرة: ١٩٤) . وكما قال الله تعالى ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ (الشورى: ٤٠) وكما قال الله تعالى ﴿ومكروا ومكر الله﴾ (آل عمران: ٥٤) . وقال ﴿إنما نحن مستهزئون، الله يستهزئ بهم﴾ (البقرة ١٤؟ ١٥)، ومعنى هذا يجزيهم جزاء المكر. وجزاء الاستهزاء. وقال النبي ﵊: اللهم إن فلانًا هجاني، وهو يعلم أني لست بشاعر، اللهم فاهجه والعنه عدد ما هجاني؛ المعنى: فجازه على هجوه، وهذا هو المذهب القصد. وكان للعرب مذهب في المدح بالاستعلاء وظلم الأقران. قال النجاشي في هجوه (٢) [بني] عجلان (٣):
قبيلة لا يغدرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل فقال: إنهم لضعفهم وقلتهم ومهانتهم لا يقدرون على [الغدر و] الظلم، هم أذل من ذلك وأقل. وقال آخر (٤):
_________________
(١) ديوان زهير: ٣٠.
(٢) س: يهجو؛ ط: في هجو.
(٣) ترجمة النجاشي والقصة والشعر في الشعر والشعراء: ١٨٧ - ١٩٠ وسيورد البكري القصة مفصلة، ومن القصيدة بيتان في العقد ٣: ١٧.
(٤) نسبه في حماسة البحتري: ٢١٣ لعبد الله بن معاوية، وسيرد في باب الرجل يكون ضارًا لا نفع عنده، وهو في مجموعة المعاني: ١٧٥ وفي العقد ٣: ١٥.
[ ١٦٧ ]
إذا أنت لم تنفع فضر فإنما يرجى الفتى كيما يضر وينفعا قال أبو الطيب (١):
من أطاق التماس شيء غلابًا واقتدارا لم يلتمسه سؤالا ٥٠؟ باب الرجل يطيل الصمت حتى يحسب
مغفلا وهو ذو نكراء
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا " مخزنبق لينباع " والمخزنبق: المطرق الساكت، لينباعك ليثب إذا أصاب فرصة، فمعناه أنه سكت لداهية يريدها.
ع: قال أبو محمد بن قتيبة عن أبي حاتم عن الأصمعي: المخزنبق: اللاطئ بالأرض، قال: ومثل هذا المثل قولهم " تلبدي تصيدي " يقول: إنما تلبدك لشر (٢) . يقال: لبد وتلبد إذا انضظ بعضه إلى بعض. وقال أبو علي: مخرنبق لينباق. يقال: باق يبوق بوقًا. مثل صام يصوم صومًا إذا ظهر، والمخرنبق: الساكت على السوءة. وقال بعضهم: لينباع، والمنباع: الذي ينباع بالشر الذي في طيه ليظهره.
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: ومثله أو نحوه " تحسبها حمقاء وهي باخس ".
_________________
(١) ديوانه ٣: ٣٣٣.
(٢) ص: لتثير؛ ط: لشيء؛ س: لتصيدي.
[ ١٦٨ ]
ع: يريد تبخس الناي حقوقهم أي تنقصهم وتظلمهم، قال الله تعالى ﴿ولا تبخسوا الناس أشياءهم﴾ (الشعراء: ١٨٣)، وقال الشاعر:
فأكرمه لدى اللزبات جهدي وأعطي الحق مني غير بخس وكان الأصل " باخسة " ولكن ربما حذفوا الهاءات في مواضع إثباتها، قالوا: ناقة عاسر وجمل عاسر، وكذلك ناقة ضامر وناقة مغذ؟ من السرعة؟ وناقة بازل.
قال أبو عبيد: قال الأمر: وتقول في مثله " تحقره وينتأ " أي أنك تزدريه لسكوته وهو يجاذبك (١) .
ع: يقال نتأ الشيء ينتأ ونتا ينتو؟ يهمز ولا يهمز؟ إذا انتبز وانتفخ، والمصدر: نتأ ونتوءًا ونتوًا ونُتُوًا.
٥١ -؟ باب الرجل الجلد المصحح الجسم
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: من أمثالهم في جلادة الرجل " أطري فإنك ناعلة ".
وأصل هذا أن رجلًا قال لراعية له وكانت ترعى في السهولة وتترك الحزونة " أطري؟ أي خذي طرر الوادي وهي نواحيه؟ فإنك ناعلة " [أي فإن عليك نعلين] (٢) . قال أبو عبيد: أحسبه يعني بالنعلين غلظ جلد قدميها.
_________________
(١) ط: لسكونه يجاذبك.
(٢) زيادة من س.
[ ١٦٩ ]
ع: طرر واحد وجمعه أطرار وهي النواحي، وقال أبو بكر: أطرار الطريق: نواحيه، واحدها طر وطرة، قال: وطرة كل شيء حرفه، وطرة الثوب: موضع هدبه، وقال أبو زيد: طر الإبل طرًا إذا طردها، يقول: أطري الإبل واجمعيها فإنك ذات نعلين؟ هكذا قال: طر الإبل ثم فسر به المثل أطري، وأطري إنما هو من أطر مثل أمر ولعلها لغتان. وقال الخليل: الطر كالشل (١)، وهذا المثل يضرب لمن ينصر من لا يستنصره، وكذلك قال أبو زيد في تفسيره.
قال ابن دريد، قال قوم: أظري فإنك ناعلة؟ بالطاء المعجمة؟ أي اركبي شدائد الأمور من الظرر وهو المحدد من الصخر الذي يصعب المشي عليه، قال امرؤ القيس (٢):
اطاير ظران الحصى بمناسم صلاب العجى ملثومها غير أمعرا (٣) وفي الحديث الإباحة أن يذبح بالظرر.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الجلاد " لألحقن قطوفها بالمعناق " يعني في شدة السير.
ع: قلت هكذا أورده أبو عبيد لألحقن بالنون الشديدة [وحكاه الأصمعي عن أبي عمرو: لألحقن بالنون الخفيفية (٤)] ويورى لألحقن قطوفها بالوساع، وهو الواسع الخطو.
_________________
(١) س: الشل.
(٢) ديوانه: ٨٩، والمعاني الكبير: ١٦٥ وفيه: تطاير شذان الحصى.
(٣) العجى: جمع عجاية وهي عصبة في باطن يد الناقة وهي من الفرس مضغة. ملثومها: خفها، غير أمعر: لم يذهب شعره، أي خفها يؤثر في الحصى لقوته فتتطاير ولا تؤثر في الحصى، ولا يذهب شعره.
(٤) في هامش ف: قال علي (بن عبد العزيز): وقد سمعت من يحكيها لألحقن قطوفها (بالنون الخفيفة) قال القاضي أبو الوليد: هو على ما سمع علي " بالمعناق " بإسكان القاف، بيت من شطر السريع الموقوف، وأبو الوليد هذا هو هشام بن أحمد الوقشي.
[ ١٧٠ ]
قال أبو عبيد: ومثله قولهم " بيدين ما أوردها زائدة ".
ع: روى الأصمعي هذا المثل " بيدين ما أوردها "؟ ما زائدة؟ تم المثل في قوله " ما أوردها " ثم قال: ما زائدة، وكلاهما صحيح، والله أعلم كيف كان أصل [هذا] المثل (١) .
وقوله: بيدين أي بجد وقوة وشدة لأن يتولى عملًا بيديه معًا أقوى على عمله وأجد فيه، وقد يحتمل أن يريد بقوله " بيدين ما أوردها " تثنية يد، وأيد، والأيد: القوة فثناهما على الأخف، كما قال أصحاب المعاني في قول النابغة الجعدي في صفة سيف (٢):
يصمم وهو مأثور جراز (٣) إذا جمعت بقائمه اليدان قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في التجلد " ليتني وفلانًا يفعل بنا كذا حتى يموت الأعجل " والمثل للأغلب العجلي في شعر له قال:
ضربًا وطعنًا أو يموت الأعجل وقد تكلم به بعض الصحابة في كلام له.
ع: قوله " أو يموت الأعجل " يعني الأعجل منية والأقرب أجلًا فإن الأجل لا يستأخر عنه ولا يستقدم، والذي تكلم به من الصحابة عمار بن ياسر في شأن عثمان بن عفان.
_________________
(١) في هامش ف: زائدة اسم رجل.
(٢) انظر البيت في أمالي ١: ٧١ والسمط ٢٤٦ والخزانة ١: ٥١٣؛ وقوله: في صفة سيف: سقط من س.
(٣) في المعمرين: ٧٢ تفلل وهو مأثور. والمأثور الذي فيه أثر وهو الفرند، والجراز: القاطع.
[ ١٧١ ]
وروى يوسف بن الماجشون عن صالح بن إبراهيم عن أبيه عن عبد الرحمن ابن عوف قال: كنت يوم بدر بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، فتمنيت أن أكون بين أصلع منهما، فقال لي أحدهما: يا عماه أتعرف أبا جهل؟ قلت: ما حاجتك إليه؟ قال: أخبرت أنه سب رسول الله ﵇، والذي نفسي بيده لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل. فأريتهما أبا جهل فقتلاه، فقضى رسول الله ﷺ بسلبه لهما، ويقال إنهما ابنا عفراء.
قال أبو عبيد: وقد حكى بعض العلماء [أن من أمثالهم] (١) " الشجاع موقى " ويقال إنه لحنين (٢) بن خشرم السعدي.
ع: أسقط أبو عبيد نصف المثل، إنما هو " الشجاع موقى والجبان ملقى "، وهذا كما روي عن أبي بكر أو عن علي ﵄: احرص على الموت توهب لك الحياة، وقال الشاعر (٣):
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد لنفسي حياة مثل أن أتقدما قال أبو عبيد: ويقال للشاب القوي " كأنما قد سيره (٤) اليوم " أي كأنما ابتدأ في شبابه اليوم.
ع: ذكر أبو علي إسماعيل بن القاسم عن شيوخه أن هذا المثل إنما يضرب
_________________
(١) زيادة في س.
(٢) ح ص: لجبير.
(٣) نسبة في الخزانة ١: ١٩٠ لشبيب بن البرصاء، وفي التبريزي ١: ١٠٢ للحصين بن الحمام المري.
(٤) ص: غيره؛ ط: شبابه.
[ ١٧٢ ]
للشيخ إذا كان في خلقه الأحداث، وهذا أقرب إلى الصواب بلفظ المثل لأن الشاب القوي هو الذي ابتدأ (١) شبابه وعنفوانه فكيف يقال فيه؟ على ما ذكر أبو عبيد؟ كأنما ابتدأ شبابه اليوم وإنما يقال للشيخ إذا تزيا بزي الأحداث وكان في خلقهم: كأنما ابتدأ شبابه اليوم.
٥٢ -؟ باب الرجل المقدام على الأهوال والمخاوف والحث على ذلك
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا " اكذب النفس إذا حدثتها " ثم فسره وقال: ومنه قول لبيد (٢):
اكذب النفس إذا حدثتها إن صدق النفس يزري بالأمل (٣) ع: وقبله ما يكشف معناه ويعضد وهو قوله:
وإذا رمت رحيلًا فارتحل واعص ما يأمر توصيم الكسل (٤)
واكذب النفس يقول: اعص أسباب الكسل وامض على ما خيلته الأماني والأمل، وقال آخر في مثل هذا:
_________________
(١) س ط: في ابتداء.
(٢) ديوان لبيد (جمع هوبر وبروكلمان): ١١، وانظر في البيتين الواردين هنا: الخزانة ٤: ٦٩ ونهاية الأرب ٣: ٦٧ والثاني وحده في طبقات الشعراء: ١٥٣ والبيان والبيان ٢: ١٩٢ والمفضليات: ٧٥١ والمعاني الكبير: ١٢٥٧ وألفاظ ابن السكيت: ٥٧٧.
(٣) قال الزمخشري: هذا مثل يضرب في الحث على الجسارة، أي حدثها بالظفر وبلوغ الأمل إذا همت بأمر لتنشطها للاقدام ولا تنازعها بالخيبة فتثبطها، وقال غيره معناه: من نفسك بالعيش الطويل لتأمل الآمال البعيدة في الطلب، لأنك إذا صدقتها قصر أملها وضعف طلبها.
(٤) التوصيم: التكسير والفترة في الجسد.
[ ١٧٣ ]
إذا ازدحمت همومي في فؤادي طلبت لها المخارج بالتمني وقيل لابنة الخس: ما ألذ شيء؟ قالت: أماني تقطع بها أيامك (١) .
قال أبو عبيد: ومثله قول الآخر (٢):
إذا هم ألقى بين عينيه عزمه وأعرض عن ذكر الحوادث جانبا
سأغسل عني العار بالسيف جالبًا علي قضاء الله ما كان جالبا ع: الشعر لسعد بن ناشب، وبعد البيت الأول في معناه:
ولم يستشر في رأيه غير نفسه ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا قال أبو عبيد، وقال الثالث:
أمض الهموم ورام الليل عن عرضٍ بذي سبيب يقاسي ليله خببا ع: الشعر لعبادة بن بجير الغنوي (٣)، وبعد البيت:
ملء الحزام إذا ما شد محزمه (٤) ذي كاهل ولبان يملأ اللببا
_________________
(١) أخطأ أبو عبيد في إيراد هذين الشاهدين على قيمة التأميل كما صورها لبيت لبيد، إذ الأمل في بيت لبيد حافز للعمل، أما الأماني في بيت الشاعر، ومقالة ابنة الخس فإنها للتهرب من مواجهة الواقع.
(٢) راجع الحماسة ١: ٣٥ والكامل: ١١٨ والشعر والشعراء: ٤٣٨ والخزانة ٣: ٤٤٤ والعيون ١: ١٨٧ والعقد ٣: ١٤.
(٣) هكذا سماه البكري في هذا الموطن، وفي شرحه على الأمالي (٧٤٠) أنه سهم بن حنظلة الغنوي، وكذلك قال صاحب الخزانة ٤: ١٢٤ ونسب الأصمعي القصيدة التي منها هذه الأبيات لغنوي ولم يسمه (رقم ١٢)، وقال الآمدي: إنه سهم ولكنه غير المنسوب إلى غني (رقم ٤٣٠) . وسهم بن حنظلة الذي ترجح نسبة القصيدة له شاعر شامي مخضرم وهو سهم بن حنظلة بن جاوان ابن خويلد أحد بني ضبينة، ترجم له في الإصابة (رقم ٣٧٠٨)؛ وفي س: لعبادة بن محبر، وكذلك في ط دون إعجام الباء من محبر.
(٤) الأصمعيات: إذا ما اشتد. اللبان: الصدر، اللبب: ما يشد في صدر الدابة.
[ ١٧٤ ]
كالسمع لم ينقب البيطار سرته (١) ولم يدجه ولم يلمس له عصبا
حتى يصادف مالًا أو يقال فتىً لاقى التي تشعب الفتيان فانشعبا
لا يحملنك إقتار على زهد ولا تزال في عطاء الله مرتغبا
إذا قتيبة مدتني حوالبها (٢) بالدهم تسمع في حافاتها لجبا
لا يمنع الناس مني ما أردت ولا (٣) أعطيهم ما أرادوا حسن ذا أدبا ٥٣؟ باب الرجل يكون ذا عز ثم يحور عنه
قال أبو عبيد: ومنه قولهم " حور في محاورة ".
ع: قد روي هذا الحرف " حور في محارة " وحور في محارة، وبالفتح صح، لأنه هو قياس مصدر حار يحور حورًا أي نقص، ومحارة أيضًا مفعلة منه، قد قيل إن الأكثر في الكلام ضم الحاء في حور، قال الشاعر:
والذم يبقى وزاد القوم في حور كأنه نقصان على نقصان، قال اللغويون: ومثل العرب " الحور بعد الكور "
_________________
(١) لم يدجه: لم يقطع ودجه. السمع: ولد الذئب من الضبع.
(٢) قتيبة: أحد أبناء معن بن مالك بن أعصر (جمهرة الأنساب: ٢٣٤) وكذلك روي في الأصمعيات، أما ضبينة التي قد تلتبس بقتيبة وتصحف إحداهما عن الأخرى فإنها زوج جعدة بن غني وولدت له عبسًا وسعدًا.
(٣) هو الشاهد الثاني والسبعون بعد السبعمائة في الخزانة ويوردونه على أن " حسن ذا أدبا " للتعجب ويجوز فتح الحاء وضمها وإسكان السين، وقال أبو العلاء في تفسيره: كأنه ينكر على نفسه أن يعطيه الناس ولا يعطيهم ويمنعهم.
[ ١٧٥ ]
أي النقصان بعد الزيادة.
قال أبو عبيد: وقال بعض المعمرين يذكر ما صار إليه:
والذئب أخشاه إن مررت به وحدي وأخشى الرياح والمطرا ع: الشعر للربيع بن ضبع الفزاري، وهي أبيات، قال (١):
أصبحت لا أحمل السلاح ولا أملك رأس البعير إن نفرا
والذئب أخشاه (البيت)
ها أنا ذا آمل الخلود وقد أدرك عمري ومولدي حجرا
أبا امرئ القيس قد (٢) سمعت به هيهات هيهات طال ذا عمرا والربيع هذا من المعرمين، عمر أربعمائة سنة، وهو القائل (٣):
إذا بلغ الفتى مائتين عامًا (٤) فقد ذهب اللذاذة والفتاء ثم عمر بعد أن قال هذا البيت مائتين عامًا أخريين.
قال أبو عبيد: ومن أمالثهم في الذل بعد العز: " الحمى أضرعتني إليك " إذا ذل للحاجة تنزل به.
_________________
(١) انظر الأبيات في أمالي القالي ٢: ١٨٥ والخزانة ٣: ٣٠٨ والتيجان: ١٢١ وحماسة البحتري: ٢٩٣ والمعمرين: ٥ وأمالي المرتضى ١: ٢٥٥.
(٢) في المعمرين: هل، وفي حماسة البحتري: ذو.
(٣) انظر ترجمته في المعمرين رقم: ٧ والبيت التالي مذكور هنالك.
(٤) س: المسرة؛ ص: والغناء، والتصحيح عن المعمرين والسمط: ٨٠٣ ويروى: فقد أودى المسرة، ويورى أيضًا: فقد ذهب التخيل.
[ ١٧٦ ]
ع: قال ابن حبيب البصري: أول من قال هذا المثل قرين بن مصاد (١) الكلبي، وكان له أخوان: مرارة ومرة. وكان قرين لصًا عيارًا (٢) يقال له الذئب لشدة لصوصيته، وإن مرارة أخاه خرج يتصيد الأروى في يقال له ابلى (٣)، فاختطفته الجن، فانطلق أخوه مرة في أثره حتى إذا كان بذلك الموضع (٤) اختطف، وكان قرين غائبًا، فلما قدم أقسم لا يشرب خمرًا ولا يمس رأسه غسل حتى يطلب بأخويه. فتنكب قرين قوسه وانطلق إلى ذلك الجبل فمكث به سبعة أيام لا ينام ولا يرى شيئًا حتى إذا كان في اليوم الثامن إذا هو بظليم فرماه فأصابه واستقل الظليم حتى صار في أسفل الجبل، فلما وجبت الشمس، بصر بشخص قائم على صخرة، ينادي:
يا أيها الرامي الظليم الأسود نبت (٥) مراميك ولما ترشد فأجابه قرين:
يا أيها الهاتف فوق الصخره كم عبرةٍ هيجتها وعبره
بقتلكم مرارةً ومره فرقت جمعًا وتركت حسره فتوارى الجني عنه هويًا من الليل، وأصابت قرينًا حمى فغلبته عيناه (٦) فنام، فأتى الجني فاحتمله وقال: ما أنامك وقد كنت حذرًا، قال " الحمى أضرعتني للنوم " فذهبت مثلًا. ثم أتى به حاضر الجن، فلما كان فيوجه الصباح خلى سبيله، فقال قرين:
ألا من مبلغ فتيان قومي بما لاقيت بعدهم جميعا
_________________
(١) في الميداني: مرين بن مصاد أو مرير؛ التاج (ضرع): مرير.
(٢) ط: مبرًا.
(٣) ص: أبل؛ وأبلى جبال على طريق الآخذ من مكة إلى المدينة، قال البكري: وحذاء أبلى من شرقيها جبل يقال له ذو المرقعة تكون فيه الأروى كثيرًا.
(٤) ط: في ذلك المكان.
(٥) ص: ثبت؛ ط: تبت؛ والتصحيح عن الميداني.
(٦) س ط: عينه.
[ ١٧٧ ]
غزوت الجن أطلبهم بثاري لأسقيهم به سمًا نقيعا
فيعرض لي ظليم بعد سبعٍ فأرميه فأتركه صريعا
وكنت إذا القروم تعاورتني جريء الصدر معتزا منيعا
بنى لي معشري وجدود صدقٍ بذورة شامخ بيتًا منيعا
وعزًا سامقًا ثبت الرواسي ترى شم الجبال له خضوعا قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الذي قد أدبر وتولى ولم يبق من عمره إلا اليسير " وما بقي منه إلا ظمء الحمار ". وهذا المثل يروى عن مروان بن الحكم أنه قاله في الفتنة " الآن نفد عمري ولم يبق منه إلا ظمء الحمار (صرت) (١) أضرب الجيوش بعضها ببعضها (٢) " قال: ويقال إنه ليس شيء من الدواب أقصر ظمأ من الحمار.
ع: قاله مروان يوم مرج راهط في حرب الضحاك بن قيس. والأظماء: هي الأيام التي تظمأ فيها الإبل؟ أي تعطش ولا ترد الماء؟ قالوا: والحمار لا يصبر أكثر من غب، لا يربع، والغب بعد الظاهرة (٣) والربع بعد الغب، والخمس بعده، وكذلك فيما بعد الخمس إلى العشر، فإذا زادت الأظماء على العشر قيل عشر وغب وعشر وربع، وعشر وخمس إلى العشرين، ثم هي إبل جوازئ، وقد جزأت لأن الإبل لا تنتهي أظماؤها إلى هذا العدد إلا وقد جزأت بالرطب عن الماء.
_________________
(١) زيادة من ف.
(٢) س ط: ببعض.
(٣) الظاهرة: أن ترد الإبل كل يوم نصف النهار.
[ ١٧٨ ]
٥٤ -؟ باب الرجل يكون ذا مهانة ثم ينتقل إلى العز
قال أبو عبيد: قال الأصمعي في مثله " لكن بشعفين أنت جدود " وهي القليلة اللبن. وأصله أن امرأة أخصبت بعد هزل (١)، فذكرت درة لبنها ففخرت به فقيل لها: لكن بشعفين لم تكوني كذلك، وهو اسم موضع كانت فيه.
ع: قال أبو حاتم: أتان جدود قد عز درها وذهب لبنها. وأصل هذا المثل أن عروة بن الورد سبى جارية فجعل يغذوها وكانت بضر فسمنت وحسنت حالها، فسمعها تقول لجوار لها: احلبنني فإنني خلفة، فقال لها: لكن بشعفين أنت جدود (٢) وشعفين موضعها الذي أخذها منه (٣) .
قال أبو عبيد: ومثله " صار خير قويسٍ سهمًا " أي صار إلى الحال الجميلة بعد الخساسة.
ع: قالوا (٤): أول من نطق بهذا المثل خالد بن معاوية بن سنان السعدي، وذلك أنه تساب مع بني غنم (٥) بن المنذر، فقال خالد يرجز بهم (٦):
_________________
(١) ص: أحصنت بعد تبذل.
(٢) هذا التعليق الذي أورده البكري كان مدونًا في النسخة الأم التي كتبت بخط علي بن عبد العزي كاتب أبي عبد القاسم (انظر هامش ف الورقة: ٢٥ ظ) .
(٣) س ط: فيه.
(٤) راجع قصة هذا المثل وما فيه من رجز في أمثال الضبي: ١٢.
(٥) الضبي: عثم.
(٦) س: فقال خالد يرتجز.
[ ١٧٩ ]
دوموا بني غنمٍ ولن تدوموا لنا ولا سيدكم مرحوم
إنا سراة وسطها قروم قد علمت أحسابنا تيمم في الحرب " حين حلم الأديم " (١) فذهب قوله " حلم الأديم " مثلًا.
وقال لهم:
إنا لنا يا آل غنمٍ أفواه أفراس أكلن هشما
أستاه آمٍ يغتذين لحما " تركتهم خير قويس سهما " فرجز شاعر غنم بخالد، ومع خالد أخ له، فاستعدوا عليهما (٢) النعمان فقال خالد: أبيت اللعن، أنا [إذا] أركب لهم أنا وأخي ناقة ثم نتعرض لهم فإن استطاعوا فليعقروا بنا، فأعجب ذلك النعمان وقال: قد أعطوكم بحقكم، قالوا: قد رضينا فقال النعمان " أما والله لتجدنه ألوى بعيد المستمر " فأرسلها مثلًا.
ثم اكتفل خالد وأخوه ناقتهما بكفل وتأخر أحدهما إلى العجز وجعل وجهه مما يلي الذنب وتقدم الآخر إلى الكتف وجعل كل [واحد] منها يذب بسيفه فلم يخلصوا [إلى] أن يعقروا بهما.
وقوله: لنا ولا سيدكم مرحوم، هكذا ورد هذا هاهنا، ولا أدري ما صحته، وأما الذي في عبد القيس فإنما هو مرجوم؟ بالجيم؟ قال لبيد (٣):
_________________
(١) استعمل الوليد بن عقبة هذا المثل في شعر له كتب به إلى معاوية يقول فيه: (نسب قريش: ١٤٠ والدميري ١: ٢٦٨) . فإنك والكتاب إلى علي كدابغة وقد حلم الأديم (٢) س ص: فاستعدى عليه.
(٢) لم يرد هذا البيت في ديوان لبيد، ولكن كثيرًا من المصادر نسبته له. انظر طبقات ابن سلام: ٣٨٤ والبيان ١: ٢٦٣ والعيني ٤: ٥٤٨ واللسان (رجم) وسيبويه ٢: ٢٩١ وصدره وقبيل من لكير شاهد.
[ ١٨٠ ]
رهط مرجوم ورهط ابن المعل سمي بذلك لأنه فاخر رجلًا عند النعمان، فقال له النعمان: رجمك بالشرف فسمي مرجومًا، واسمه عامر، والمذكور في هذا الخبر إنما هو من بني غنم بن دودان بن أسد.
قال أبو حاتم: القويس صغرت بغير هاء وترك القياس في أحرف معها مثل قولهم: حريب في تصغير حرب ونحوه. قال: وفي مثل " كونوا خير قويسٍ سهمًا " وسهمًا تمييز.
ومن أمثالهم " أعلاها ذا فوق " يريد (١) أعلى القوم سهمًا في الخير. وروى ابن أبي خيثمة عن يونس بن بكير عن يونس بن أبي إسحاق عن أبيه عن المهلب بن أبي صفرة قال: سألت أصحاب محمد ﷺ، لأي شيء قلتم لعثمان: ولم نأل خيرنا ذا فوق، فقالوا: لأنا لا نعلم أحدًا أرسل ستره على بنتي نبي غيره.
يعني بقولهم: ذو فوق، السهم التام ذو الحظ الوافر الكامل لأنه قد يسمى سهمًا وليس له فوق فكأنهم قالوا: لم نأل خيرنا نصيبًا من رسول الله ﷺ، ثم فسروا النصيب بما هو، وذا فوق منتصب على التمييز.
وروى ابن أبي خيثمة وغيره أن ابن مسعود سار من الكوفة ثمانيًا حين قتل عمر ﵁ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال (٢): أيها الناس، إن أمير المؤمنين قد مات، فلم ير يوم كان أكثر نشيجًا من ذلك اليوم (٣)، قال: ثم اجتمعنا أصحاب محمد فلم نأل خيرنا ذا فوق فبايعناه، يعني عثمان.
_________________
(١) س ط: يراد.
(٢) انظر طبقات ابن سعد ٣: ١ / ٤٣.
(٣) الطبقات: فلم نر يومًا أكثر نشيجًا من يومئذ.
[ ١٨١ ]
٥٥ -؟ باب الرجل المسن يؤدب بعد العسو
[أو يكون مذمومًا يخلف بعد الرجل المحمود] (١)
قال أبو عبيد: وفي مثله " ومن العناء رياضة الهرم "، قال: ومثله قولهم " عود يعلم العنج ".
ع: أما الأول فإنه بيت شعر ومثل سائر (٢):
أتروض عرسك بعدما هرمت ومن العناء رياضة الهرم وأما الثاني فإن أبا زيد رواه على العنزيين (٣) " عود يعلم (٤) العنج ".
قال أبو عبيد: وقال الشاعر (٥):
" إن الغصون إذا قومتها اعتدلت ولن تلين إذا قومتها الخشب " ع: قبل هذا البيت وبه يفهم معناه:
قد ينفع الأدب الأحداث في مهل وليس ينفع بعد الكبرة الأدب وقد مر هذا الشعر (٦)، وهو في ديوان شعر سابق البربري من قصيدة له.
_________________
(١) زيادة من س وحدها.
(٢) البيت في حماسة البحتري: ٣٢٥ والبيان ٢: ٧٩ والعسكري ٢: ٢٤٩.
(٣) س: العرب.
(٤) ط: يعود.
(٥) هو صالح بن عبد القدوس. انظر حماسة البحتري: ٢٣٥، والبيتان معًا في جامع بيان العلم ١: ٨٣ لسابق البربري.
(٦) س: تفسير هذا الشطر.
[ ١٨٢ ]
قال أبو عبيد: قال أبو زيد في مثله " أعييتني بأشر فكيف أرجوك بدردر "، يقول: لم تقبلي الأدب وأنت شابة [ذات أشر] فكيف الآن وقد أسنت [وبدت درادرك وهي مغازر الأسنان؛ والأشر تحدد ورقة، يكون ذلك في الأحداث] .
ع: قال الأصمعي (١): أول من نطق بهذا المثل زوج دغة وهي مارية بنت مغنج، ومغنج هو ربيعة بن عجل، وكانت حمقاء يضرب بها المثل، فيقال: أحمق من دغة " ونظرت يومًا إلى زوجها يقبل بنته منها ويقول: بأبي دردرك؟ وهو مغرز (٢) الأسنان؟ فذهبت ودقت أسنانها بفهر ثم جاءت زوجها وقالت: كيف ترى دردري. فقال: " أعييتني بأشر فكيف بدردر " أي إنما كان أحسن شيء فيك أسنانك.
ومن حمق دغة هذه أنها زوجت في بني العنبر بن عمرو بن تميم، فلما مخضت ظنت أنها تريد الخلاء فبرزت إلى بعض الغيطان فولدت، فاستهل الوليد، فانصرفت إلى الرحل تقدر أنها أحدثت، فقالت لضرتها: يا هنتاه، هل يفتح الجعر فاه؟ فقالت: نعم ويدعو أباه، فمضت ضرتها وأخذت الوليد، فبنو العنبر يدعون لذلك بني الجعراء.
[قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في المذموم يخلف بعد المحمود " بدل أعور " ومنه قول ابن همام السلولي لقتيبة بن مسلم وولي خراسان بعد يزيد بن المهلب:
أقتيب قد قلنا غداة أتيتنا بدل لعمرك من يزيد أعور (٣)]
_________________
(١) ط س: قال الأصبهاني.
(٢) س: درادرك وهو مغارز.
(٣) ثبت في س ط؛ ولم يعلق البكري هنا.
[ ١٨٣ ]
٥٦ -؟ باب الرجل الذليل المستضعف
قال أبو عبيد: (١) من أمثالهم في الذليل " لقد ذل من بالت عليه الثعالب ". قال: وبلغني أن رجلًا من العرب كان يعبد صنمًا، فنظر إلى ثعلب جاء حتى بال عليه (٢) فقال (٣):
أرب يبول الثعلبان برأسه لقد هان (٤) من بالت عليه الثعالب ع: قيل إن هذا البيت لعباس بن مرداس السلمي، وقال كراع في كتابه المنضد (٥): إن البيت لأبي ذر الغفاري، قاله في الجاهلية، في صنم كان لهم وقد رأى ثعلبًا يبول عليه.
قال أبو عبيد: قال أبو زيد: ومن هذا قولهم " أهون مظلوم سقاء مروب " [وأصله السقاء يلف حتى يبلغ أوان المخض] .
ع: معنى المظلوم (٦) هنا أن يشرب قبل أن يروب وأصل الظلم وضع الشيء
_________________
(١) زاد في س: قال أبو عبيدة.
(٢) س: على صنمه.
(٣) انظر اللسان (ثعلب)، ونسبه لغاوي بن ظالم السلمي.
(٤) ط: لقد ذل.
(٥) لقبه كراع النمل، واسمه علي بن الحسين، مصري كوفي المذهب في النحو، كتب المنضد سنة ٣٠٩هـ؟، راجع الفهرست: ٨٣ والانباه رقم ٤٤٥ ومعجن الأدباء ١٣: ١٢ وبغية الوعاة: ٣٣٣.
(٦) س ط: مظلوم.
[ ١٨٤ ]
في غير موضعه. ومن هذا قولهم " من أشبه أباه فما ظلم " أي فما وضع الشبه في غير موضعه.
قال أبو عبيد: ونحو منه قولهم " أهون مظلوم عجوز معقومة ".
ع: هذا وهم من أبي عبيد إنما هو " أهون هالك عجوز معقومة "، لأنها إذا هلكت لم يفقدها فاقد، لأنها عقيم، وقد بلغت من السن ما ليس يهابه الطرف الآخر، فهي فريدة (١) . ومنه قولهم: " أهون هالك عجوز في عام سنت (٢) " أي في عام جدب ومسغبة.
قال أبو عبيد: ويقال " فلان لا يعوى ولا ينبح " يقول: من ضعفه ليس يعتد به ولا يكلم في خير ولا شر (٣) .
ع: العواء للذئاب والنباح للكلاب، فلا أدري أي خير فيهما، فيكنى بأحدهما عن الخير وبالثاني عن الشر، كما قال أبو عبيد، وإنما معنى المثل عندي أن هذا لضعفه وقتله كأنه غير محسوس به. فليس يعوبه ذئب ولا ينبحه كلب، كما تقول العرب " هو أقل من خشاشة وأحقر (٤) من فراشة " والخشاشة لا ينبحها كلب. وقال أبو الطيب (٥):
_________________
(١) وقد بلغت فريدة: سقط من س.
(٢) ط س: سنة.
(٣) س ط: بخير ولا بشر.
(٤) ط س: وأخف.
(٥) ديوان المتنبي ١: ١٣.
[ ١٨٥ ]
وإن من العجائب أن تراني فتعدل بي أقل من الهباء وقال آخر (١):
ألام على أخذ القليل وإنما أصاحب أقوامًا أقل من الذر
فإن أنا لم أقبل قليلًا حرمته ولا بد من شيء يعين على الدهر وقال الأصمعي: قولهم: فلان لا يعوى ولا ينبح أي لا يتعرض لشره، مثل قولهم لا يصطلى بناره، وليس ينبغي على هذا التأويل أن يدخل في هذا الباب.
٥٧ -؟ باب الرجل الذليل يستعين بمثله في الذل
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في العبد " هو العبد زلمة "، ومعناه اللئيم، قال الزبير: زنمة عندي أشبه، لقول الله تعالى ﴿عتل بعد ذلك زنيم﴾ (ن: ١٣) (وهو في القوم وليس منهم) .
ع: قال أبو محمد: يقال هو العبد زلمة وزنمة وزَنَمة، وزلمة وَزَلَمَة. وقال غيره: من قال زلمة يريد قُدّ قَدّ العبد، من قولهم: زلمت القدح إذا بريته، ومن قال: زنمة يريد ما قال الزبير أو يريد أنه موسوم بالذلة من الزنمة التي توسم بها الشاة. وفي كتاب الأصمعي: زلمة معرفة لا تكون نكرة (٢) .
_________________
(١) أوردها الحميدي في الجذوة: ٣٨٥ ونسبهما للشاعر المصري محمد بن مهران الدفاف.
(٢) كذا، وقال اللحياني: يقال ذلك في النكرة والأمة.
[ ١٨٦ ]
٥٨ -؟ باب الرجل الأحمق المائق
قال أبو عبيد: من أمثالهم السائرة قولهم " معاداة العاقل خير من مصادقة (١) الأحمق ".
ع: نظمه الشاعر فقال (٢):
ولأن يعادي عاقلًا خير له من أن يكون له صديق أحمق والبيت لصالح بن عبد القدوس، أخذه أبو الطيب فقال:
ومن العداوة ما ينالك نفعه ومن الصداقة ما يضر ويؤلم قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الأحمق قولهم " خامري أم عامر " وهي لضبع، يشبه بها الأحمق، [ويروى عن علي ﵀ أنه قال: لا أكون مثل الضبع تسمع اللدم فتخرج فتصاد؛ وهي زعموا من أحسن الدواب يدخل عليها يقال: ليست هذه أم عامر حتى تجر رجلها وتؤخذ] .
ع: من حمقها الظاهر أن الصائد يدخل عليها وجارها، والوجار: الجحر هذا كان على وجه الأرض، وإذا كان في الجبل فهو مغار، فيقول لها " خامري عن عامر "؟ ومعناه: استتري وتواري، مأخوذ من الخمر وهو ما وارى وستر؟ لنقبض، ويقول: أم عامر ليست في جارها، ويقول: أم عامر أبشري بشاء زلى، وجارد عظلى، حتى يأخذ بيديها ورجليها فيوثقها، ولو شاءت أن تقتله
_________________
(١) س: مصاحبة.
(٢) انظر البيت في ترجمة صالح في تهذيب ابن عساكر، والدميري ١: ٣٢.
[ ١٨٧ ]
لأمكنها، قال الكميت (١):
فعل المقرة للمقا لة خامري يا أم عامر ويزعم العرب فيما يذكرون من رموزهم أن أحد الضباع وجد تودية في غدير فجعل يشرب الماء ويقول: حبذا طعم اللبن، وينادي: واصباحاه حتى انشق بطنه ومات. والتودية: خلال عود يشد على رأس الخلف لئلا يرضع الفصيل أمه.
٥٩ -؟ باب الرجل الضعيف العزم الواهن الرأي (٢)
قال أبو عبيد: من أمثالهم في الواهن الضعيف قولهم " ماله بذم وماله صيور ".
ع: يقال رجل ذو ذم إذا كان قويًا شديدًا، وثوب ذو بذم إذا كان كثير الغزل والبذم والبذامة: القوة على احتمال مئونة السؤدد، وقولهم: ماله صيور، أي ماله عقل ولا رأي يرجع ويصير إليهما.
قال أبو عبيد: من أمثالهم في وصف الرجل بضعف الرأي " هو إمعة " وكذلك " هو إمرة " [من أغرب ما جاء في هذا الباب " هو بنت الجبل " ومعناه الصدى يجيب المتكلم بين الجبال، يقول: هو مع كل متكلم كما أن الصدى يجيب كل ذي صوت بمثل كلامه] .
ع: الإمعة الذر لا رأي له من قبل نفسه، هو تابع أبدًا. قال السيرافي في
_________________
(١) البيت في المعاني الكبير: ٢١٤.
(٢) س: الواهي العزم الضعيف الرأي المخلط في حديثه.
[ ١٨٨ ]
شرحه الكتاب: إمرة وزنها فعلة، فإن قيل: لم جعلتم الهمزة أصلية ولم تكن افعلة؟ قيل: ليس في النعوت افعلة، وقد جاء في الأسماء نحو إوزة، وأيضًا فإنه ليس في الأسماء ما عينه وفاؤه من جنس واحد إلا أحرفًا يسيرة نحو أول وكوكب، فعدلنا به إلى الأكثر وهو فعّل نحو: قنّب وهيّج؟ وهو الجمل الهائج -.
وزعم الخليل أن قياس مفعلة من الإوز مأوزة فهذا على أن الهمزة أصلية، ويقوي ما ذهب إليه أبو سعيد؟ وهو قول المازني؟ قول الأعشى (١):
ترى الاوزين في أكناف دارتها فوضى وبين يديها التبن منثور فقال الاوزين كما قال (٢) الاحرين لجمع الحرة. وأما إمرة فإنه الذي يأتمر لكل أمر. وأما قوله " هو بنت الجبل " فإن المعروف من أمثالهم: " ما أنت إلا كابنة الجبل مهما يقل تقل " يضرب مثلًا للإمعة التابع (٣) هذا وذاك. ويقولون (٤) عند سماع ما يسوء استكفافًا لشره " صمي ابنة الجبل " فأما قولهم " صمي صمام "، فإن صمام اسم للداهية. قال الكميت في قولهم صمي ابنة الجبل (٥)
فإياكم إياكم وملمة يقول لها الكانون صمي ابنة الجبل أي الذين (٦) يكنون عنها.
وقال غيره في صمي صمام:
أيدفع مشربي عن حوض سعدٍ ويشرب مالك، صمي صمام
_________________
(١) البيت لأوس بن حجر، انظر اللسان (وزز)، والديوان: ٤٦.
(٢) س: قالوا.
(٣) ط: المتابع.
(٤) س: ويقال.
(٥) المعاني الكبير: ٨٥٧.
(٦) س ط: الذي.
[ ١٨٩ ]
وسيعاد القول في هذا كافيًا، في آخر الكتاب عند ذكر القتل والدواهي إن شاء الله.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في المخلط " كل نجار إبل نجارها " يعني أن فيه كل لون من الأخلاق (وليس له رأي يثبت عليه) (١) .
ع: هذا رجز يروى لبان بن لقيط، وكان لصًا خاربًا (٢):
تسألني الباعة ما نجارها إذ زعزعوها فسمت أبصارها
فقلت دار كل قومٍ دارها كل نجار إبلٍ نجارها وكل نار العالمين نارها يقول: فيها من كل نجار ومن كل نسل ومن كل نار ومن كل وسم فيضرب مثلًا للمتلون الخلق المضطرب الحال.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم " قد استنوق الجمل " وهو الرجل يكون في حديث ثم يخلط ذلك بغيره وينتقل إليه، وكان بعض العلماء يخبر أن هذا المثل لطرفة بن العبد وكان عند بعض الملوك شاعر ينشده شعرًا في وصف جمل ثم حوله إلى نعت ناقه، فقال طرفة عندها " استنوق الجمل "، وقد يقال للرجل يظن به أن عنده غناء من شجاعة وجلد ثم يكون الأمر على خلاف ذلك، وأنشد للكميت (٣):
_________________
(١) الزيادة من ف.
(٢) أورد أبو عبيد البكري هذا الرجز في شرحه على الأمالي (السمط: ٧٢٢) .
(٣) البيت في الأغاني ٢١: ١٣٢.
[ ١٩٠ ]
هززتكم لو أن فيكم مهزة وذكرت ذا التأنيث فاستنوق الجمل ع: هذا الشاعر الذي لم يذكر اسمه هو المسيب بن علس، وقيل هو الملتمس، أنشد شعره الذي يقول فيه (١):
وقد أتناسى الهم عند احتضاره بناجٍ عليه الصيعرية مكدم وذلك عند عمرو بن هند، فقال طرفة " استنوق الجمل " لأن الصيعرية سمة لا تكون إلا للإناث خاصة.
وأما قول الكميت " وذكرت ذا التأنيث فاستنوق الجمل ": قيل إنما كان (٢) حد الكلام وصوابه أن يقول: وأنثت ذا التذكير فاستنوق الجمل، أو يقول: وذكرت ذا التأنيث فاستجملت الناقة، ولم أر لأحد فيه شيئًا إلا لأبي الحسن بن سيده فإنه قال في بعض كتبه: هذا على القلب، أراد: فاستجملت الناقة، فقلب. ولم ينسب هذا القول إلى أحد، وهذا ليس بشيء، لأن هذا الشعر قاله الكميت يمدح مسلمة بن هشام بن عبد الملك ويهجو خالد بن عبد الله القسري، يقول بعد البيت:
وقرظتكم لو أن تقريظ مادحٍ يواري عوارًا من أديمكم النغل (٣)
غسلنا وجوهًا من بجيلة لاصق (٤) بها حمم لم ينقها قبله الغسل وإنما أراد أن تقريظه ومديحه لم يغن عنهم شيئًا ولا وارى عوارًا ولا أنقى ذكرانًا ولا ذكر مؤنثًا بل زادهم استئناثًا وأنث ذكرانًا، وفيها يقول (٥):
_________________
(١) انظر ديوان المسيب: ٣٥٩ وهو في شعر المتلمس أيضًا في التاج واللسان، وفي الأغاني ٢١: ١٣٢.
(٢) ط: يكون.
(٣) النغل: فساد الأديم في دباغه.
(٤) ط: غسل.
(٥) ط: يقول الشاعر.
[ ١٩١ ]
فصرت كأني وامتداحي خالدًا وأسرته حادٍ وليست له إبل وبنو قسر من بجيلة (١) .
٦٠ -؟ باب الرجل يكون ضارًا ولا نفع فيه
قال أبو عبيد: قال أبو زيد: من أمثالهم في هذا: " المعزي تبهي ولا تبني ". وفسره ثم قال: يقال (٢) أبهيت البيت أبهيه إذا خرقته فهو مبهىً، فإذا أردت أنه انخرق قلت: بيت باه.
ع: فعل باه بهي، بكسر الهاء، يبهى بهاء، فهو باه إذا انخرق. قال أبو علي وكراع: والعرب تقول في ذد هذا المثل، وهو النافع الذي لا ضر عنده " هو السمن لا يخم (٣) " وهذا مثلهم في النافع الذي لا يضر وهو خالص من كل شر.
قال أبو عبيد: وكان بعض علمائنا ينشد هذا البيت (٤):
إذا أنت لم تنفع فضر فإنما يرجى الفتى كيما يضر وينفعا ع: ومثله (٥):
_________________
(١) س: حي من بجيلة.
(٢) ط: قولهم ببهي يقال
(٣) ص: لا يجمع.
(٤) مضى تخريجه، راجع الصفحة ١٦٧ من هذا الكتاب.
(٥) حماسة البحتري: ٢١٣ وشعراء النصارنية: ٤٦٧.
[ ١٩٢ ]
إذا أنت لم تنفع بودك أهله ولم تنك بالبوسى عدوك فابعد وهو لعدي بن زيد، وله في هذه القصيدة عدة أمثال وحكم.
ولأبي عبد الله اليماني (١):
إذا كنت مذمومًا وأنت قدير وخيرك ممنوع ووعدك زور
فمت عاجلًا لا عشت في الناس ساعةً فموتك عند العالمين سرور ونقيض هذا قول مسلم بن الوليد:
عند الملوك منافع ومضرة وأرى البرامك لا تضر وتنفع
وإذا جهلت من امرئ أعراقه وقديمه فانظر إلى ما يصنع ٦١؟ باب ذكر الجليس السوء وما يتقى منه
قال أبو عبيد: من (٢) حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري وأهل البصرة في صبيغ " أن لا تجالسوه ".
ع: وكان من شأن صبيغ أنه سأل عمر بن الخطاب ﵁ عن ﴿الذاريات﴾ و﴿النازعات﴾ ونظائرها من القرآن، فبان له فيه الزيغ فضربه حتى أدبر ظهره، وكان من أهل البصرة، وكتب إلى أميرهم وإليهم أن لا تجالسوه. وهو صبيغ بن غسل (٣) بن عمرو بن يربوع، وزعموا أن غسلًا هو الذي ولدته السعلاء لعمرو بن يربوع، وأخاه ضمضمًا ابني عمرو، وأن عمر بن الخطاب ﵁ قال له حين بان له الزيغ: اكشف رأسك، فإذا فيه ضفائر،
_________________
(١) ط: اليمامي.
(٢) ط: ومنه.
(٣) س: عسل، حيثما وقعت.
[ ١٩٣ ]
فقال له: لو كنت محلوقًا ما شككت؟ يعني ما شككت أنك من الخوارج، قال الراجز (١):
يا قبح الله بني السعلاة عمرو بن يربوع شرار النات (٢) يريد الناس.
٦٢ -؟ باب الرجل يكون ذا منظر ولا خير عنده
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم: " ترى الفتيان كالنخل، وما يدريك ما الدخل ".
ع: ذكر محمد بن حبيب أن أول من نطق بهذا المثل عثمة بنت مطرود البجلية، وكانت ذات عقل ورأي مستمع في قومها. وكانت لها أخت يقال لها خود، ذات جمال وكمال، وأن خمسة إخوة من غامد؟ بطن من الأزد؟ خطبوا خودًا إلى أبيها، فقدموا عليه لابسي الحلل اليمنية، على النجائب المهرية، والرحال العلافية، مكسوة بالثياب العبقرية، فأنزلهم وأكرمهم وغدوا عليه خاطبين، معهم الشعثاء، كاهنة لهم، فقال لهم مطرود: أقيموا حتى نرى رأينا، ثم دخل إلى بنته فقال: ما ترين؟ فقالت: أنكحني على قدري، ولا تشطط في مهري، فإن تخطئني أحلامهم لا تخطئني أجسامهم، لعلي أصيب ولداص وأكثر عددًا، فخرج بوها فقال: أخبروني عن أفضلكم، فقالت الشعثاء: اسمع أخبرك عنهم، هم إخوة، كلهم أسوة، أما الكبير: فعمرو، بحر غمر، سيد صقر، يقصر دونه الفخر. وأما الذي يليه فعاصم، جلد صارم، أبي حازم،
_________________
(١) أورده القالي في أماليه ١: ٦٨ والجاحظ في الحيوان ١: ١٨٧، ٦: ١٦١ والسمط: ٧٠٨ والدميري ٢: ٢٣، وقال أبو زيد في نوادره: ١٠٤ أنه لعبلياء بن أرقم.
(٢) قال الأخفش تعليقًا على هذا البدل: " هذا من قبيح البدل "؛ وقوله: يريد الناس: سقط من ط.
[ ١٩٤ ]
جيشه غانم، وجاره سالم، وأما الذي يليه فوثاب، ليث غاب، سريع الجواب، عتيد الصواب، كريم النصاب. وأما الذي يليه فمدرك، بذول لما يملك، عزوف عما يترك، يغني ويهلك، وأما الذي يليه فجندل، مقل لما تحمل، يعطي ويبذل، لقرنه مجدل، لا يخيم ولا ينكل، فأبلغها أبوها ذلك، فشاورت أختها عثمة فيهم فقالت لها: " ترى الفتيان كالنخل وما يدريك ما الدخل " اسمعي كلمة ناصحة لك: إن شر الغريبة يعلن، وخيرها يدفن، فانكحي في القرباء ولا تغررك أجسام الغرباء. فلم تقبل منها وبعثت إلى أبيها: أنكحني (١) مدركًا، فأنكحها منه على مائة ناقة برعاتها، فحملها مدرك، فلم تلبث معه إلا قليلًا حتى أغار على غامد فوارس من بني مالك بن كنانة فاقتتلوا ساعة، ثم انكشف زوجها وقومه، فسباها بنو مالك فيمن سبوا، وجعلت تبكي، فقيل لها: ما يبكيك؟ أعلى فراق زوجك؟ قالت: قبحه الله، قالوا: لقد كان جميلًا، قالت: قبح الله جمالًا لا منعة معه، إنما أبكي عصياني أختي، وأخبرتهم خبرها، فقال لها رجل منهم يكنى أبا نواس أسود (٢) أفوه مضطرب الخلق: أترضين بي على أن أمنعك من ذؤبان العرب؟ قالت لأصحابه: أكذلك هو؟ قالوا: نعم إنه مع ما ترين ليمنع الحليلة وينقب القبيلة، قالت: هذا أجمل جمالًا وأكمل كمالًا، قد رضيته فزوجوها إياه.
وقال الشاعر في هذا المثل (٣):
ترى الفتيان كالنخل وما يدريك ما الدخل
وكل في الهوى ليث وفيما نابه فسل
وليس الشان في الوصل ولكن أن يرى الفصل وأنشد أبو علي لهند بنت الخس:
وقالت قولة أختي وحجواها لها عقل
_________________
(١) س: زوجني.
(٢) س: وكان أسود.
(٣) الأبيات في البيان ١: ٢٢٠.
[ ١٩٥ ]
ترى الفتيان كالنخل وما يدريك ما الدخل يعني بأختها عثمة بنت مطرود المذكورة. حجوى: فعلى من المحاجاة.
٦٣ -؟ باب [ذكر] أخلاق الناس في اجتماعهم وافتراقهم
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: يقال في أمثالهم " لن يزال الناس بخير ما تباينوا فإذا تساووا هلكوا ". قال الأصمعي، وقال أبو عمرو بن العلاء: ما أشد ما هجا القائل:
سواسية كأسنان الحمار ع: قد فسر أبو عبيد قولهم: فإذا تساووا هلكوا أنه يعني به تساويهم في الشر حتى لا يكون فيهم خير.
وقوله: سواسية كأسنان الحمار، هذا عجز بيت لا أدري صدره ولا رأيته، وإنما المحفوظ (١):
سواء كأسنان الحمار فلا ترى لذي شيبةٍ منهم على ناشئ فضلا وسواسية جمع سواء على غير قياس.
وفي نحو هذا المعنى قول أعرابي يهجو بني جوين من طيء (٢):
ولما أن رأيت بني جوينٍ جلوسًا ليس بينهم جليس
يئست من التي أقبلت أبغي لديهم، إنني رجل يئوس
_________________
(١) البيت لكثير عزة يهجو بني ضمرة، انظر ديوانه، القصيدة رقم ٩٧ والعيون ٢: ٢ والشريشي ١: ٦٢ واللسان (سوا) وكنايات الجرجاني: ١١٩.
(٢) الأبيات في العيون ٢: ٢ وكنايات الجرجاني: ١١٩.
[ ١٩٦ ]
إذا ما قلت أيهم لأي تشابهت المناكب والرؤوس يقول: هؤلاء قوم لا ينتجع الناس معروفهم فليس فيهم غيرهم، وهذا من أقبح الهجاء.
قال أبو عبيد: ومثله قولهم " هم سواء كأسنان المشط ".
ع: أما قولهم: كأسنان المشط؛ فإنه يقع على كل استواء في أي حال كان.
قال الشاعر:
أناس هم المشط استواءً لدى الوغى إذا اختلف الناس اختلاف المشاجب وقال أبو عبيد: قال أبو زيد، ومن أمثالهم في هذا أيضًا قولهم (١):
" الناس إخوان وشتى في الشيم وكلهم يجمعهم (٢) بيت الأدم " [قال: ومعناه أنهم وإن كانوا مجتمعين بالشخوص والأبدان فإن شيمهم وأخلاقهم مختلفة، وقوله " بيت الأدم " قالوا: هو الأرض، وقالوا: آدم، إليه يلتقون في النسب، وقالوا: بيت الاسكاف فيه من كل جلد رقعة] .
ع: قال أبو علي: بيت ا>م، يريد القبة بباب الملك يجتمعون فيها فتجمع من كل قبيل ومن كل أمة، وهذا تفسير على اللفظ، وهو أصح ما قيل فيه (٣) .
_________________
(١) انظر البيت في المعاني الكبير: ١٢٥٣ واللسان (أدم) وروايته: أخياف، والصداقة: ٢٨.
(٢) س ط: يجمعه.
(٣) مثل هذا التفسير أورده ابن قتيبة أيضًا في معانيه: ١٢٥٣ وزاد على ذلك قوله: ويقال: بيت الأدم بيت الإسكاف فيه كل من جلدة رقعة.
[ ١٩٧ ]
وقال أبو زيد: يقال إخوة وأخوة وإخوان وأخوان (١)، قال: وسمعت من العرب مثلًا " القوم أخوان وشتى في الشيم " بضم الهمزة.
قال أبو عبيد: وإذا جاء القوم كلهم قالوا: " جاووا قضهم بقضيضهم ".
ع: ويقال: قضهم بقضيضهم بالنصب، والقض والقضض: الحصى الصغار، وأقض الطعام: إذا كان فيه حصى صغار، وقض المضجع، وأقض: إذا خشن، والقضاض والقضيض: صخر يركب بعضه بعضًا مثل الرضاء، فكأنه قال: جاء القوم صغارهم وكبارهم.
٦٤ -؟ باب الرجلين يكونان متساويين في خير أو شر
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في التساوي بين الاثنين: " هما زندان في وعاء " ولا يكاد يوضع في المدح، إنما هذا في موضع الحساسة والدناءة.
ع: لا أعلم وجهًا لم جعل في موضع الدناءة إلا أن يتأولوا فيه قولهم: اللئيم مزند، والتزنيد أيضًا التضييق، يقال: بئر مزندة أي ضيقة.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الرجلين يسقطان [متساويين " وقعا] كعكمي عير " (٢) .
_________________
(١) أي بكسر الهمزة وضمها.
(٢) في ف: أصله أن تحل عن البعير حباله فيسقط عكماه معًا.
[ ١٩٨ ]
ع: إنما يقال ذلك في الرجلين إذا اصطرعا فوقعا معًا، لم يصرع أحد منهما صاحبه، هكذا قال أبو علي في البارع.
٦٥ -؟ باب الرجلين يكونان
ذوي فضل غير أن لأحدهما فضيلة على الآخر
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم " مرعى ولا كالسعدان " ومثله " ماء ولا كصدى " يضرب للرجل يحمد شأنه ثم يصير إلى أكثر منه وأعلى [وحكي عن المفضل أنه كان يخبر عن المثلين فقال: الأول منهما لامرأة من طيء وكان تزوجها امرؤ القيس بن حجر الكندي وكان مفركًا، فقال لها: أين أنا من زوجك الأول، فقالت: " مرعى ولا كالسعدان " والمثل الآخر للقذور بنت قيس بن خالد الشيباني وكانت زوجة لقيط بن زرارة التميمي ثم تزوجها بعد رجل من قومها فقال لها: أنا أجمل أم لقيط؟ فقالت: " ماء ولا كصداء " أي أنت جميل ولست مثله، قال المفضل: وصداء ركية لم يكن عندهم أعذب من مائها، وفيها يقول ضرار السعدي:
وإني وتهيامي بزينب كالذي يطالب من أحواض صداء مشربا ع: كان أبو العباس محمد بن يزيد يقول (١): " ماء ولا كصداء " على مثال صدعاء. وحكى أبو بكر: ماء ولا كصيداء بالياء. وقال الخليل: منهم من يضم أول صدا فيقول: صدى.
_________________
(١) الكامل: ٣١٦.
[ ١٩٩ ]
وبعد البيت الذي أنشده أبو عبيد (١) لضرار، وهو ضرار بن عتبة السعدي:
يرى دون برد الماء هولًا وذادة (١) إذا شد صاحوا قبل أن يتحببا وأنشد ابن الأعرابي وابن السكيت في صداء (٣):
وإني وهجراني عوادة بعد ما تشغب أهواء الفؤاد المشاعب
كصاحب صداء الذي ليس رائيًا كصداء ماءً ذاقه الدهر شارب قال يعقوب: كانوا مجتورين (٤) في ربيع، فلما جاء القيظ وصاروا إلى محاضرهم تشعبت أهواؤهم أي تصرفت، وإنما سميت صداء لطيب مائها وأن من شربه صده عن غيره ولا يستمرئه.
وقال أبو عبيد: إن المثل المضروب في صداء (٥) للقذور بنت قيس بن خالد.
: سميت المرأة قذور بصفتها وهي التي تجتنب الأقذار كما قيل متحرج للذي يجانب الحرج، ومتأثم للذي يجانب الإثم، ومتهجد للذي يتجنب الهجود، وهو النوم، ومتحنث للذي يتجنب الحنث ويتوخى البر، وكان يقال دابة ريض للتي لم ترض وهي الصعبة (٦)، ولها نظائر في الكلام.
وقال أبو بكر: ناقة قذور: عزيزة النفس لا ترعى مع الإبل ولا تبرك معها، وبها سميت المرأة قذور.
_________________
(١) البيت الذي أنشده أبو عبيد هو البيت المذكور على الصفحة السابقة، انظر اللسان (صدد) والضبي: ٢١ ويورى: كأني من وجد بزينب هائم يخالس من أحواض صداء مشربا
(٢) البيت الذي أنشده أبو عبيد هو البيت المذكور على الصفحة السابقة، انظر اللسان (صدد) والضبي: ٢١ ويورى: كأني من وجد بزينب هائم يخالس من أحواض صداء مشربا
(٣) انظر السمط: ٣٦٤.
(٤) ص: محتورين؛ س: محتروين؛ ومعنى مجتورين: متجاورين، وتجاور واجتور بمعنى.
(٥) س ط: في هذا.
(٦) ط: صعبة.
[ ٢٠٠ ]
وذكر محمد بن يزيد (١) أن ابنة هانئ بن قبيصة كانت تحت لقيط بن زرارة ابن عدس، فلما قتل عنها تزوجها رجل من أهلها، فكان لا يزال يراها تذكر لقيطا، فقال لها: ما استحسنت من لقيط؟ قالت: كل أموره حسن، ولكني أخبرك أنه خرج مرة إلى الصيد وقد انتشى، فرجع وبقميصه نضح من دم صيده، والمسك يضوع من أعطافه، ورائحة الشراب من فيه، فضمني ضمة، وشمني شمة، فليتني كنت مت ثمة، قال: ففعل زوجها مثل ذلك ثم ضمها إليه وقال: أين أنا من لقيط: قالت: " ماء ولا كصداء " وزنها فعلاء، وموضع اللام همزة، عن الأصمعي وأبي عبيدة. هكذا قال محمد بن يزيد.
وقال ابن الأعرابي عن المفضل (٢): إن زرارة بن عديس بن زيد بن عبد الله ابن دارم بن مالك بن حنظلة رأى ابنه لقيطًا يومًا مختالًا، فقال: والله إنك لتختال كأنك قد أصبت ابنة قيس بن خالد ذي الجدين ومائة من هجائن المنذر بن ماء السماء، فقال لقيط: إن الله علي أن لا يمس رأسي غسل ولا أشرب خمرًا حتى أجيء بابنة قيس بن خالد وبمائة من هجائن المنر، وأبلي في ذلك عذرًا، وسار حتى أتى قيسًا؟ وكان سيد ربيعة؟ وكان على قيس يمين أن لا يخطب إليه أحد علانية إلا أصابه بشر. فلما أتاه لقيط وجده جالسًا في نادي قومه فسلم عليه وعليهم وخطب إليه ابنته. فقال له: من أنت؟ قال: أنا لقيط بن زرارة. فقال: ما حملك على أن تخطب إليّ علانية؟ قال: لأني قد علمت أني إن أعالنك لا أشنك، وإن أناجك لا أخدعك. قال: كفء كريم، لا جرم والله لا تبيت عندي عزبًا ولا محرمًا. وأرسل إلى أم الجارية: إني قد زوجت لقيط بن زرارة القذور بنت قيس، فاصنعيها حتى يبيت بها، ففعلت وساق عنه قيس، وابتنى لقيط، وأقام فيهم ما شاء أن يقيم. ثم احتمل بأهله إلى المنذر، فذكر له ما قال أبوه، فأعطاه مائة من هجانه فانصرف إلى أبيه بابنة قيس وهجائن المنذر. فلما قتل عنها لقيط تزوجها رجل من قومها، وذكر باقي الحديث كحديث محمد بن يزيد وقو أبي عبيد.
_________________
(١) انظر الخبر في الكامل: ٣١٦.
(٢) راجع أمثال الضبي: ٢٠ - ٢١.
[ ٢٠١ ]
وحكي عن المفضل أنه كان يخبر أن المثل الأول لامرأة من طيء، وكان تزوجها امرؤ القيس بن حجر فقال لها: أين أنا من زوجك الأول، ولم يسمه، وهو قيس بن مسعود بن قيس بن خالد؟ وقيس هو ذو الجدين سمي بذلك لأنه كان ذا جد عند الملوك وجد في الحرب؟ وقيل: إنما سمي ذا الجدين لأنه أسر أسيرين شريفين كان لهما فداء كير، ولم يأسر أحد في زمانه أشرف منهما ولا أكثر فداء، فسمي ذا الجدين، قال الشاعر (١):
أيا ابنة عبد الله وابنة مالك ويا ابنة ذي الجدين والفرس الورد
إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له أكيلا فإني لست آكله وحدي
قصيًا كريمًا أو قريباص فإنني أخاف مذمات الأحاديث من بعدي اشترط الكرم في القصي، لأن قريبه لا يكون إلا كريمًا.
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا قولهم " فتى ولا كمالك "، قال الأصمعي: ولا أدري من مالك.
ع: قال محمد بن يزيد: هو مالك بن نويرة، وقال غيره: هو مالك بن قيس بن زهير.
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: ومن أمثالهم في تفضيل بعض أهل الفضل (٢) على بعض " في كل شجر نار واستنجد المرخ والعفار " وقال غيره: واستمجد المرخ والعفار: يعني (٣) اتخذا من النار ما هو حسبهما، يقال: أمجدت الدابة علفًا إذا أكثرت لها منه.
_________________
(١) هو حاتم الطائي كما في شعراء النصرانية: ١٣٣ والعيون ٣: ٢٦٣.
(٢) ط: العلم.
(٣) س: يعني أنهما.
[ ٢٠٢ ]
ع: روى طاهر: " واستمجد المرخ والعفار " أي اخترهما على سائر الزناد، وفضلهما.
ومن روى " استنجد "؟ بالنون؟ فمعناه: قوى واستكثر من النار، قال أبو علي: استمجد بالميم لا غير.
وقال الأعشى (١):
زنادك خير زناد الملوك صادف منهن مرخ عفارا وقال أبو زيد: يقال " اقدح بدفلى في مرخ " فإنهما (٢) أسرع الخشب وريا، يضرب مثلًا للرجل الكريم الأبوين وهو أيضًا كريم.
وقال أبو بكر: ومن أمثالهم " اقدح بعفار أو مرخ، ثم اشدد إن شئت أو أرخ " (٣) . وقال الراجز:
" أرخ يديك واسترخ إن الزناد من مرخ " ٦٦؟ باب الرجل يعجب بالفضيلة تكون فيه
ولا يعرف فضل غيره عليه
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا " كل مجر في الخلاء (٤) يسر " وفسره، ومعناه ظاهر.
_________________
(١) ديوانه: ٤١ والكامل: ١٢١ والخزانة ٣: ٢٥٣ وأمالي القالي ١: ٦٦ والسمط ٢: ٣٦، وفي س: وقال الشاعر.
(٢) س ط: وهما.
(٣) الكامل: ١٢١ والسمط: ٢٣٦ وقال البكري في شرح الأمالي: يضرب مثلًا لمن طلب حاجة فيؤمن ألا يلح فيها فإن صاحبه كريم.
(٤) س ط: بالخلاء.
[ ٢٠٣ ]
ع: قال أبو الطيب، فنظم هذا المثل بأحسن لفظ (١):
وإذا ما خلا الجبان بأرضٍ طلب (٢) الطعن وحده والنزالا ٦٧؟ باب مساواة الرجل صاحبه فيما يدعو إليه
قال أبو عبيد: قال ابن الكبي: من أمثالهم: " أنصف القارة من راماها "، قال هشام: والقارة عضل والديش ابنا الهون بن خزيمة، سموا قارة لاجتماعهم والتفافهم.
ع: قال أبو عبيدة: ويروى " أنصف القارة من راداها " والمراداة: المراماة، يقال: رادأته بالحجر وراديته؟ يهمز ولا يهمز؟ إذا رميته. والهون ابن خزيمة؟ بفتح الهاء؟ مشتق من الشيء السهل من قولهم: مر على هونه أي على سكون وهدء (٣)، أما الهون؟ بالضم؟ فالهوان، من قوله تعالى ﴿أيمسكه على هون﴾ (النحل: ٥٩) .
وقال أبو بكر: إنما سموا القارة لأن القارة أكمة سوداء فيها حجارة، وكان بعض بني كنانة؟ وهو الشداخ؟ أراد أن يفرقهم في كنانة فقال شاعرهم (٤):
دعونا قارة لا تنفرونا فنجفل مثل إجفال الظليم وهم اليوم في اليمن، وينسبون إلى أسد.
_________________
(١) ديوانه ٣: ٣٢٧.
(٢) س: ذكر.
(٣) س: أي على هدوء وهدنة.
(٤) البيت في الاشتقاق: ١١٠ والجمهرة ٢: ٤١٠ واللسان: (قور) والفصول والغايات: ٤٥٥؛ وفي س: فقال شاعر منهم.
[ ٢٠٤ ]
وزعموا (١) أن رجلين التقيا، أحدهما قاري والآخر من حي غيرهم فقال القاري: إن شئت صارعتك، وإن شئت سابقتك، وإن شئت راميتك، فقال الآخر: قد اخترت المراماة، فقال القاري: وأبيك لقد أنصفتني، ثم أنشأ يقول (٢):
قد أنصف القار من راماها إنا إذا ما فئة نلقاها نرد أولاها على أخراها ثم انتزع القاري بسهم فشك فؤاده، وكانوا رماة الحدق.
٦٨ -؟ باب المساواة في التكافؤ والأفعال (٣)
قال أبو عبيد: قال مؤرخ: من أمثالهم في هذا " أضيء لي أقدح لك " ويقال: أكدح لك، أي كن لي أكن لك.
ع: قوله أقدح لك، هو من قدح النار، ويريد بقوله: أضئ لي: أسرج لي إذا احتجت، أقدح لك نارًا إذا احتجت. فأما من روى أكدح لك. فإن معناه أسعى لك، وكدح الرجل لمعيشته: سعى واكتسب. وقوله تعالى ﴿إنك كادح إلى ربك كدحًا﴾ (الانشقاق: ٦) أي عمله الذي يعمل من خير وشر لنفسه.
وقال أبو زيد، قال العقيلي: إذا طلب الرجل إلى الرجل حاجة فلم يعرف وجهها قال: أضئ لي أقدح لك، أي بين لي أجبك.
_________________
(١) س: ويروى.
(٢) انظر اللسان (قور) .
(٣) س ص: في التكافي والأفعال.
[ ٢٠٥ ]
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في المكافأة " إنما يجزي الفتى ليس الجمل " قالها لبيد (١) في شعره.
ع: قال لبيد (٢):
" فإذا أقرضت قرضًا فاجزه إنما يجزي الفتى ليس الجمل (٣) "
" وإذا رمت رحيلًا فارتحل واعص ما يأمر توصيم الكسل "
" واكذب النفس إذا حدثتها إن صدق النفس يزرى بالأمل " وهذه كلها أمثال.
قال أبو عبيد: من أمثالهم في المكافأة " هذه بتلك فهل جزيتك ".
وحكى عن المفضل (٤) أنه كان يخبر عن قائله أنه يزيد بن المنذر، قاله لعمرو ابن فلان، وهما من بني نهشل في فعلة فعلها به عمرو فجزاه يزيد بمثلها فقال هذه المقالة.
ع: كانت عند عمرو بن جابر بن سلمى بن جندل بن نهشل (٥) امرأة له معجبة جميلة، وكان ابن عمه يزيد بن المنذر بن سلمى بها معجبًا، فدخل عمرو
_________________
(١) س: لبيد بن ربيعة.
(٢) البيت الأول هنا في الخزانة ٤: ٦٩، وحماسة البحتري: ١٦١ وسيبويه ١: ٣٧٠ والأساس (جزى) واللسان (قرض) .
(٣) معناه أن الذي يجزي بما يعامل به من حسن أو قبيح هو الإنسان لا البهيمة، وقال أبو الحسن: إن قوله الجمل جاء للقافية فقط، ورواه سيبويه (غير الجمل) .
(٤) أمثال الضبي: ٢٣.
(٥) في نسبه اختلاف عما أورده الضبي: وهو عمرو بن جدير بن سلمى بن جندل. وفي هامش ف: هو عمرو بن جدير بن سلمى بن نهشل بن دارم، عن يعقوب بن السكيت.
[ ٢٠٦ ]
ذات يوم بيته فرأى منه ومنها شيئًا كرهه، فطلق المرأة، فمكث يزيدبن المنذر ما شاء الله لا يقدر أن ينظر في وجه عمرو من الحياء، ثم أغير عليهم (١) فركب عمرو فيمن ركب فصرع، وتنازلوا عليه ليأسروه، ورآه يزيد بن المنذر، فحمل عليهم، فصرع بعضهم وأخذ فرس عمرو فاستنقذه، وقال: اركب فانج. فلما ركب، قال: " هذه بتلك، عمرو، فهل جزيتك ".
قال أبو عبيد: في بعض الحديث المرفوع " من أزلت إليه نعمة فليكافئ عليها (٢)، فإن لم يقدر فليظهر (٣) ثناء حسنًا ".
ع: وقد روى مكحول عن عروة عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ كثرًا ما يقول: ما فعلت أبياتك؟ فأقول: أي أبيات يا رسول الله؟ فيقول في الشكر، فأقول نعم قوله (٤):
إرفع ضعيفك لا يحر بك ضعفه يومًا فتدركه العواقب قد نمى
يجزيك أو يثني عليك وكل (٥) من أثنى عليك بما فعلت فقد جزى
إن الكريم إذا أردت وصاله لم يلف رثًا حبله واهي القوى فيقول: يا عائشة، إذا حشر الله الخلائق يوم القيامة فرأى العبد من عباده
_________________
(١) ط: عليهم ذات يوم.
(٢) س ط: بها.
(٣) س: فليثني.
(٤) تنسب هذه الأبيات لسعية بن عريض ولورقة بن نوفل، راجع الخزانة ٢: ٣٩ والأغاني ٣: ١٣ والسمط: ٢٠٦ وحماسة البحتري: ٢٥٢ والثاني في العيون ٣: ١٦٢.
(٥) س: وإن من.
[ ٢٠٧ ]
اصطنع إليه آخر من عباده معروفًا فيقول: عل شكرته؟ فيقول: يا رب (١)، علمت أن ذلك كان منك فشكرتك، فيقول: لم تشكرني إذا (٢) لم تشكر الذي أجريت ذلك على يديه.
_________________
(١) يا رب: سقطت من س.
(٢) س: إذ.
[ ٢٠٨ ]