أبواب الأمثال في المعاش والأموال
١٠٣ -؟ باب المثل في الخصب والسعة
[قال أبو عبيد] قال أبو عبيدة والأصمعي جميعًا: من أمثالهم في ثرة الخصب والخير قولهم " هم في عيش (١) لا يطير غرابه "، قالا: وقد يضرب هذا المثل في الشدة أيضًا.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الخير قول النابغة (٢):
" ولرهط حراب وقد سورة في المجد ليس غرابها بمطار " (٣)
_________________
(١) ف: في شيء، وقال أبو العباس: هم في كلأ؛ ط: في خير.
(٢) ديوان النابغة: ٤٩.
(٣) قال أبو عبيد في الأمثال: قوله حراب وقد هما رجلان من بني أسد، قال أبو عبيد عن أبي عبيدة: سورة يعني منزلة وفضيلة، ومنها قول النابغة أيضًا: ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذب
[ ٢٧٧ ]
ع: يريد النابغة سعة مجدهم وتمكنه، والسورة: المنزلة الرفيعة، وكانوا إذا وصفوا المكان بالخصب وكثرة الشجر يقولون " لا يطير غرابه " يريدون أنه إذا وقع في مكان وجد ما يحسبه فلا يحتاج أن يتحول ولا يطير إلى غيره، ويكون أيضًا أن أهل ذلك الموضع المخصب لا يطيرون عما يقع عليه لكثرة الشيء عندهم وهوانه عليهم.
وأما قول أبي عبيد: إن هذا المثل أيضًا يضرب في الشدة فلأن الزمان إذا اشتد والجدب إذا أفرط هلك المال وجيف فيقع الغراب منه حيث يشاء ويأكل هو وسائر سباع الطير وغيره كيف أحب، لا يطار منه شيء ولا يهاج، وعلى هذا المعنى قالوا: " نعيم كلب في بؤس أهله "، وقال الشاعر:
أراني إذا ما الكلب أنكر أهله أفدى وحين الكلب جذلان نابح إذا أنكر الكلب أهله: إذا لبسوا السلاح للحرب لم يعرفهم الكلب، كما قال طفيل (١):
أناس إذا ما أنكر الكلب أهله حموا جارهم من كل شنعاءً مضلع (٢) يقول الشاعر: أفدى في ذلك الوقت لأني أقاتل عنهم، وحين الكلب جذلان في الجدب إذا موتت الإبل أكل وفرح، أفدى لأني أفضل وأطعم.
قال أبو عبيد: قال أبو زيد: من أمثالهم في الخصب " وقع في سن (٣) رأسه " أي فيما شاء واحتكم.
_________________
(١) ديوان طفيل الغنوي: ٢٨ وأمالي القالي ١: ٥٥ والسمط: ٢١٠ والمعاني الكبير ٢٣١، ٩٠٦ وأنشده في الثانية بالقاف " موبق ".
(٢) مضلع: ثقيلة، لا يقوم لمثلها غيرهم.
(٣) قال صاحب اللسان (سنن): روى أبو عبيد هذا الحرف " في سن رأسه " في الأمثال، ورواه في المؤتلف في " سي رأسه " قال الأزهري: والصواب بالياء. وهو بالياء في نسخة ف، وعلق عليه في الحاشية بقوله: ووقع في أكثر النسخ في سن رأسه بالنون وهو تصحيف وإنما المعروف في سي رأسه - بالياء -.
[ ٢٧٨ ]
قال أبو زيد: تفسير سن رأسه: عدد شعره من الخير.
[ع]: قال يعقوب: يقال في سي رأسه من الخير أي فيما يغمر رأسه من الخير.
وقال الكسائي: وقع فلان في سواء رأسه؟ بكسر السين؟ والناس كلهم على فتحها، والقياس ما قال الكسائي، لأنه مصدر ساوى سواء.
قال أبو عبيد: ومنه قولهم " وجدت الدابة ظلفها " أي ما يوافقها، وتكون فيه إرادتها، وكذلك الإنسان.
ع: هذا من قولهم: ظلف فلان نفسه عن كذا إذا نزه نفسه وكفها عنه، فهو ظلف النفس وظليفها، وكذلك قولهم: وجدت الدابة (٢) ظلفها أي ما يكفيها ويكفها عن طلب غيره.
١٠٤ -؟ باب كثرة المال والخير يقدم به الغائب
قال أبو عبيد: يقال: " جاء فلان بما صأى وصمت " يعني بما نطق وسكت (٢) .
_________________
(١) قال أبو عبيد في شرحه على هذا المثل: وبلغني عن المفضل أن المتمثل به قصير بن سعد قاله للزبى حين أتاها بالأموال من العراق فقال: جئتك بما صأى وصمت، يعني ما نطق وسكت. وقال الأصمعي: العرب تقول من المال الصامت والناطق، والصامت عندهم كل شيء سوى الحيوان مثل العروض والأثاث والعقار والعين والورق، قال: والناطق عندهم الحيوان كله ما كان من رقيق أو دواب أو نحوها قال أبو عبيد: وأما العامة فالصامت عندهم العين والورق خاصة ولا ينبغي أن يكون الأصل إلا الأول وأما أهل الحجاز فإن اسم الدراهم والدنانير عندهم الناض وإنما يسمونه ناضًا إذا تحول عينًا بعد أن كان متاعًا.
(٢) قال أبو عبيد في شرحه على هذا المثل: وبلغني عن المفضل أن المتمثل به قصير بن سعد قاله للزبى حين أتاها بالأموال من العراق فقال: جئتك بما صأى وصمت، يعني ما نطق وسكت. وقال الأصمعي: العرب تقول من المال الصامت والناطق، والصامت عندهم كل شيء سوى الحيوان مثل العروض والأثاث والعقار والعين والورق، قال: والناطق عندهم الحيوان كله ما كان من رقيق أو دواب أو نحوها قال أبو عبيد: وأما العامة فالصامت عندهم العين والورق خاصة ولا ينبغي أن يكون الأصل إلا الأول وأما أهل الحجاز فإن اسم الدراهم والدنانير عندهم الناض وإنما يسمونه ناضًا إذا تحول عينًا بعد أن كان متاعًا.
[ ٢٧٩ ]
ع: يقال: صأى الفرخ وغيره يصأى صأيًا، وصاء يصيء صيأً إذا صوت. وقال المؤلفون لكتب الفروق من اللغويين: الصأي أكثر ما يقال للفيل والجرذ.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم قولهم " عند فلان من المال عائرة عين " (١) ومعناه أنه من كثرته يملأ العين حتى يكاد يعورها أي يفقأها.
ع: عبارة أبي عبيد في تفسير هذا المثل فاسدة. قبح الله كل مال يكاد يفقأ العين، وإنما معناه أن هذا المال لكثرته وحسنه صار قيد الناظر وشغل العين عن النظر إلى سواه (٢)، فكأنه قد عارها عنه، كما قال أبو تمام في النسيب (٣):
لها منظر قيد النواظر لم يزل يروح ويغدو في خفارته الحب وقال أبو الطيب في نحوه (٤):
وخصر تثبت الأبصار فيه كأن عليه من حدق نطاقا وقالوا: معنى عائرة عين أي يعير فيه البصر هكذا وهكذا لكثرته كما تعير الدابة إذا أفلتت من صاحبها وأخذت حيث شاءت، وكذلك عار الفحل إذا ترك شوله وند.
_________________
(١) التعبير عن المعنى الذي يتضمنه المثل يتخذ عندهم أشكالًا فيقولون " عليه من المال عائرة عينين وعيرة عينين " وقال أبو عبيد نفسه: يقال للرجل إذا كثر ماله " ترد على فلان عائرة عين " ومنه حديث بسطام بن قيس للذي أسره (النقائض: ٣١٥) " وأنا معطيك من المال عائرة عين ".
(٢) هذا الذي اختاره البكري مما يقره الشراح قبله: قال أبو عبيدة معلقًا على قوم بسطام: يعني كثيرًا ما تذهب العين فيه وتجيء. وفي اللسان (عير) أي ما يذهب فيه البصر مرة هنا ومرة هنا. أما المعنى الذي أنكره على أبي عبيد فقد وجد - على سوئه - قبولًا إذ قال به الجوهري واللحياني.
(٣) ديوان أبي تمام: ٢٦.
(٤) ديوان المتنبي ٣: ٤٧.
[ ٢٨٠ ]
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في المال قولهم " لفلان كحل " و" لفلان سواد ".
ع: فسر أبو عبيد لفلان سواد (١)، ولم يفسر " لفلان كحل "، وقال أبو حنيفة: اكحالت الأرض، وذلك أول ما يبدو نبتها.
قال أبو عبيد: ومن أسماء المال عندهم " النشب " يقال: " فلان ذو نشب "
ع: اختلف في النشب فقيل إنه يقع على الصامت والناطق، هكذا قال ابن دريد.
وقال ابن النحاس: النشب: المال الأصلي كالدار وما أشبهها، ولذلك فرق الشاعر بينهما في قوله (٢):
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به فقد تركتك ذا مال وذا نشب كأنه من نشب الشيء إذا احتبس، ويروى ذا مال وذا نسب؟ بالسين المهملة (٣) .
_________________
(١) قال في تفسيره له: وكان الأصمعي يتأول في سواد العراق أنه سمي سوادًا للكثرة، وأما أنا فأحسبه سمي للخضرة التي في النخل والشجر والزرع لأن العرب قد تلحق لون الخضرة بالسواد فيوضع أحدهما في موضع الآخر.
(٢) من أبيات الشواهد (الخزانة ١: ١٦٤ وشواهد الكشاف: ٢٢) وقد ورد في شعرين أحدهما لأعشى طرود (المؤتلف: ١٧) والثاني مختلف في قائله فينسب لعمرو بن معد يكرب وخفاف بن ندبة والعباس بن مرداس.
(٣) قال صاحب الخزانة: رواه الهجري في نوادره ذا نسب، وقال الخمي وأبو الوليد الوقشي فيما كتبه على كامل المبرد: هذا هو الصحيح لأنه لا معنى لإعادة المال.
[ ٢٨١ ]
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في كثرة المال يأتي به الرجل " جاء فلان بالطم والرم "
ع: أحسن ما قيل فيه أن الطم ما حمله الماء والرم ما حملته الريح، وقال أبو محمد: الطم البحر والرم الثرى ".
وقد قال بعضهم: إن الطم إذا أفرد ولم يذكر الرم، فتح فيل: جاء بالطم، كما يقال: هنأني الطعام ومرأني، فإذا أفردوا لم يقولوا إلا أمرأني.
١٠٥ -؟ باب استصلاح المال وترك إضاعته
قال أبو عبيد: من هذا قول أحيحة بن الجلاح (١) " التمرة إلى التمرة تمر والذود إلى الذود إبل " وهو القائل (٢):
استغن أو مت لا يغررك ذو نشب من ابن عم ولا عم ولا خال
إني مقيم على الزوراء أعمرها إن الحبيب إلى الإخوان (٣) ذو المال ع: وبعدهما وهي كلها أمثال حكيمة:
يلوون ما عندهم من حق أقربهم ومن عشيرتهم والمال بالوالي
_________________
(١) كان أحيحة سيد الأوس في الجاهلية، وكان غنيًا بخيلا يعطي بالربا، راجع الأغاني ١٣: ١١٤، والخزانة ٢: ٢٣.
(٢) الأبيات في الأغاني، وياقوت: (الزوراء)، والبيان ٢: ٣٦١ والعقد ٣: ٣١ والثاني في حماسة البحتري: ٢١٦.
(٣) في البيان وط: إن الكريم على الإخوان.
[ ٢٨٢ ]
كل النداء إذا ناديت يخذلني إلا نداي إذا ناديت يا مالي قال أبو عبيد: ومنه البيت السائر في العالم (١):
قليل المال تصلحه فيبقى ولا يبقى الكثير مع الفساد ع: البيت للمتلمس، وقبله:
وأعلم علم حق غير ظن وتقوى الله من خير العتاد
لحفظ المال أيسر من بغاه وضرب في البلاد بغير زاد
قليل المال (البيت) ١٠٦؟ باب عذر الرجل في إمساك ماله
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في المنع: " ليس في كل حين: أحلب فاشرب "، قال: وهذا المثل يروى عن سعيد بن جبير أنه قاله في حديث سئل عنه.
ع: روى أبو محمد الأصلي قال: نا النقاش، نا أبو يعلى أحمد بن علي [بن المثنى]، نا أبو الربيع الزهراني، نا حماد بن زيد، نا أيوب قال: حدثنا سعيد بن جبير يومًا حديثًا أعجبنا، فاتبعته، فقلت: الحديث الذي حدثتناه أعده علي، فقال لي: " ما كل ما تشاء أحلب فاشرب " (٢) .
_________________
(١) انظر حماسة البحتري: ٢١٦ وشعراء النصارنية: ٣٤٣ والمحاسن والأضداد: ٥٣ والأغاني ٢١: ١٣٦، ١٣٧.
(٢) س ط: فتشرب.
[ ٢٨٣ ]
١٠٧ - باب الجد يعطاه الإنسان
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الجدود " عارك بجد أو دع " أي من لم يكن له ذلك في شيء فليدعه. ومنه قول الشاعر:
عش بجد لا يضرك النوك ما أعطيت جدا ع: عارك أي عارك أخدانك وزمانك من قولهم: تعارك القوم في الحرب عراكًا ومعاركةً. وأما البيت الذي أنشده فإن بعده (١):
والموت خير في ظلال العيش ممن عاش كدا وقال آخر في معناه (٢):
عش بجد ولا يضرك نوك إنما عيش من ترى بالجدود
عش بجد وكن هبنقة القي سي نوكًا أو شيبة بن الوليد وقال محمد بن حازم الباهلي (٣):
لا تعجبن لأحمق نال العلى من غير كده
ولعاقل ما يستثيب فكلهم يسعى بجده وقال أبو تمام:
ولو كانت الأرزاق تجري على الحجى فلكن إذا من جهلهن البهائم
_________________
(١) من شعر الحارث بن حلزة، انظر العسكري ١: ٢٠٥.
(٢) لليزيدي في هجاء شيبة بن الوليد. الأغاني ١٨: ٧٧، ٢٠: ٢٨ وحماسة البحتري: ١٥٨.
(٣) انظر ترجمته في المرزباني: ٤٢٩ والورقة: ٥٠ وتاريخ بغداد ٢: ٢٩٥ والديارات ١٧٧ - ١٨٢ والوافي: ٧٦٥.
[ ٢٨٤ ]
وقال أبو الطيب (١):
هو الجد حتى تفضل العين أختها (٢) وحتى يكون اليوم لليوم سيدا وقال الأول:
والسبب المانع حظ العاقل هو الذي سبب رزق الجاهل قال أبو عبيد: [ومنه قولهم] " جدك لا كدك ". أي إنما تنتفع بالجد لا بالكد.
ع: أول من قاله حاتم بن عميرة الهمداني، وكان بعث ابنيه: الحسل وعاجنة أخاه، في تجارة لوجهين مختلفين، فلقي الحسل قوم من بني أسد، فأخذوا ماله وأسروه، وسار أخوه أيامًا حتى وقع على مال الحسل، فاتبعه حتى بلغ نجران، فنادى في قومه همدان، فانتشطه من أيدي سالبيه قبل أن يبلغ إلى موضع متجره، وكانت الإبل موسومة بسمة أبيهما، وعرفوا أن ما كان عليها من المتاع له، فأخذه ورجع إلى أهله، فقال في ذلك:
كفاني الله بعد السير أني رأيت الخير في السفر القريب
وهذا القرب نلنا فيه خيرا ولم نلق الخسارة في الدءوب فلما رجع تباشر به أهله، وانتظروا الحسل. فلما أبطأ عليهم رابهم أمره، وبعث (٣) أبوه أخًا له يقال له " شاكر " في طلبه والبحث عنه. فلما دنا شاكر من الأرض التي فيها الحسل، وكان الحسل عائفًا يزجر الطير، قال الحسل:
_________________
(١) ديوان المتنبي ١: ١٠.
(٢) المعنى: هو الحظ، يرجح أحد المتساويين على أخيه، فتفضل عين أختها ويصبح اليوم أعلى من يوم آخر.
(٣) س: وأبهم أمره بعث.
[ ٢٨٥ ]
تخبرني بالنجاة القطاة وقول الغراب لها شاهد
تقول ألا قد دنا نازح فداء له الطارف التالد
أخ لم تكن أمنا أمه ولكن أبونا أب واحد
تداركني رأفةً حاتم فنعم المربب والوالد
تداركني بك يا شاكر ومن بك الملك الماجد ثم إن شاكرًا سأل عنه فأخبر بمكانه فاشتراه منهم بأربعين بازلًا. فلما رجع به وأخبره بما لقي من البلاء، قال له أبوه: " اسع بجدك لا بكدك ".
قال أبو عبيد: ومن هذا قول الشاعر (١):
هون عليك فإن الأمور بكف الإله مقاديرها
فليس بآتيك منهيها ولا قاصر عنك مأمورها ع: بين البيتين:
فمنه إذا شاء تيسيرها ومنه إذا شاء تعسيرها وبه يتم المعنى. والشعر للأعور الشني (٢)، قال سيبويه: رفع، فقال: " ولا قاصر " لأنه جعل المنهي من سبب الأمور ولم يجعله من سبب المنهي. وجره قوم، فجعلوا المأمور للمنهي، والمنهي من الأمور، فهو بعضها، فأجراه كما قال جرير (٣):
إذا بعض السنين تعرقتنا كفى الأيتام فقد أبي اليتيم
_________________
(١) البيتان في شرح شواهد المغني: ١٤٦ نقلا عن الحماسة البصرية وشرح أبيات الكتاب للزمخشري.
(٢) راجع الشعر والشعراء: ٤٠٦ والمؤتلف: ٣٨.
(٣) من قصيدة له في مدح هشام بن عبد الملك، انظر ديوانه: ٥٠٧ والبيت هو الشاهد رقم ٢٨٨ في الخزانة ٢: ١٦٧ على أن " بعض " اكتسب التأنيث مما بعده.
[ ٢٨٦ ]
١٠٨ -؟ باب المال يضيعه من لم يكسبه
قال أبو عبيد: [المثل] في اكتساب المرء مال غيره " رب ساع لقاعد ".
ع: أول من قال ذلك النابغة الذبياني، وكان وفد على النعمان بن المنذر في وفود العرب، منهم رجل من عبس يقال له " شقيق " فمات عنده، فلما حبا الوفود بعث إلى أهل شقيق بمثل ما حبا به الوفود [فقال النابغة: رب ساعٍ لقاعد] وقال النابغة للنعمان:
أبقيت للعبي فضلًا ونعمةً ومحمدة من باقيات المحامد
أتى أهله منه حياء ونعمة ورب امرئ يسعى لآخر قاعد وذكر أبو محمد الهمداني أن أول من قال " رب ساع لقاعد " معاوية أبي سفيان، وكان من خبر ذلك أنه قال لابنه يزيد: هل بقي في نفسك أرب من الدنيا؟ قال: نعم، أم خالد امرأة عبد الله بن عامر بن كريز. وكان عبد الله عامل معاوية على البصرة، فأمر عمرو بن العاص أن يكتب إليه يشير عليه بالوفادة على أمير المؤمنين معاوية لعله يعمل له في تزويج هند بنت معاوية. فخف لذلك ابن عامر حتى وصل إليه. فأزلفه معاوية وقربه، ثم غفل عنه، فساء ذلك عبد الله بن عامر، وشكا أمره إلى عمرو بن العاص. فقال له عمرو: إنه كره أن يدخل ابنته على ضرة فطلق أم خالد، فطلقها، وأقام أيامًا؛ فقال له معاوية: غن أهل البصرة تواترت كتبهم يذكرون اضطرابًا في البلد، وأمره بالعود إلى عمله، ووعده بإنفاذ ما ابتدأه، فانصرف ابن عامر. فلما انقضت عدة أم خالد بعث معاوية أبا هريرة إلى المدينة يخطبها على يزيد. فلما دخل المدينة بدأ بالمسجد فصلة، وألم بالقبر فسلم ودعا ثم مال إلى حلقة الحسن والحسين فسلم وقعد. فسألوه: فيم قدمت؟ فأخبرهم، فقال له الحسن: اذكرني لها، فمضى حتى استأذن على أم خالد، وخبرها بما بعث له، وبما أوصاه به الحسن. فقالت: بأيهم تشير يا عماه؟ قال: أرددت الأمر إليّ؟ قالت: نعم. قال: فأرى أن لا تؤثري أحدًا على
[ ٢٨٧ ]
من رأيت رسول الله ﷺ يفتح فاه ويلثم ثناياه، يعني الحسن ﵀. وبلغ الخبر معاوية فقال (١):
" رب ساعٍ لقاعد واسلمي أم خالد " ١٠٩؟ باب عناية الرجل بماله دون غيره
قال أبو عبيد: وقال أبو عبيد في نحو هذا:
لبث قليلًا يلحق الداريون أهل الجباب البدن المكفيون " ع: هذا الرجز لمالك بن المنتفق (٢)، وذلك أن بسطام بن قيس أغار على إبله واستاقها، فكلما اعتاصت عليه ناقة عقرها لجده في السير بها، فقال له مالك: دعها إما لنا وإما لك ثم ارتجز:
لبث قليلًا يلحق الداريون أهل الجباب البدن المكفيون سوف ترى إن لحقوا (٣) ما يغنون
_________________
(١) في حاشية ف: ٤٤ ظ، وأنشد أبو العباس: انعمي أم خالد رب ساع لقاعد رب مال جمعته لامرئ غير حامد (٢) أغار بسطام بن قيس على بني ثعلبة بن سعد بن ضبة وهم بالدهناء وكان أول شيء أحرزه نعم مالك ابن المنتفق، فركب مالك في قومه ومعه ابن عمه عاصم بن خليفة واتبعوا بسطامًا وأصحابه وهم يشلون النعم شلا عنيفًا فقال لهم مالك: بعض هذا الشل لا تعقروا النعم فإما لنا وإما لكم. ولحق عاصم ببسطام فطعنه فمات وأسر قومه، وهذا يوم نقا الحسن (النقائض: ١٩٠ وما بعدها وكذلك ٢٣٣) ويسمى أيضًا يوم الشقيقة.
(٢) س: حضروا.
[ ٢٨٨ ]
١١٠ -؟ باب صيانة الحر نفسه عن خسيس المكاسب
قال أبو عبيد: من أمثال أكثم بن صيفي " تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها ". قال: وهذا مثل قديم. ولكن العامة ابتذلته وحولته فقالت: لا تأكل ثدييها. قال بعض العلماء: ليس هذا بشيء، وإنما هو بثدييها، ومعناه عندهم الرضاع، يقول: لا تكون ظئرًا لقوم على جعل تأخذه منهم. ثم قال: وذكر بعض أهل العلم أن المثل للحارث بن السليل الأسدي، قاله لامرأته ريا (١) بنت علقمة الطائي وذكر خبره.
ع: ذكر أبو محمد ابن قتيبة هذا المثل في شرح حديث النبي ﷺ أن الحجاج (٢) سأله: ما يذهب عني مذمة الرضاع. قال: غرة: عبد أو أمة. قال: يعني ذمام المرضعة برضاعها، وكانوا يستحبون أن يرضخوا للظئر شيئًا عند فصال الصبي سوى الأجر. وأما العرب فكانوا يعدون أخذ الأجر على الرضاع سبة، ولذلك قيل: تجوع الحرة ولا تأكل ثدييها. وقال العلماء: بثدييها، والقولان صحيحان، لأنها إذا أكلت ثمن لبنها فكأنها قد أكلت ثدييها، كما قال الراجز (٣):
إن لنا أحمرة عجافا يأكلن كل ليلةٍ إكافا أي نبيع كل يوم إكافًا من آكفتها ونعلفها ثمنه، وكذلك قول الآخر في وصف إبل (٤):
نطعمها إذا شتت أولادها
_________________
(١) الميداني ١: ٨١، الزباء بنت علقمة، وكذلك هو في نسخة الخشني من اصل أبي عبيد.
(٢) يريد الحجاج بن علاط السلمي، أسلم يوم خيبر.
(٣) انظر الرجز في اللسان: (أكف) .
(٤) اللسان: (أكف) .
[ ٢٨٩ ]
أي أثمان أولادها.
وريا بنت علقمة التي ذكر، هي القائلة لزوجها (١): " مالي وللشيوخ الناهضين كالفروخ ".
قال أبو عبيد: وقال أوس بن حارثة لابنه مالك سفينما يوصيه به: " يا مالك، المنية ولا الدنية، وشر الفقر الخضوع، وخير الغنى القنوع ".
ع: الخضوع: التذلل للمسئول وهو ذد المعنى الذي أراد أبو عبيد والقنوع ": ضد القناعة. قال الشماخ (٢):
لمال المرء يصلحه فيغني (٣) مفاقره أعف من القنوع يعني بذلك السؤال. وإنما قال أوس لابنه: شر الفقر الضراعة، وخير الغنى القناعة.
قال أبو عبيد: وقال الشاعر (٤):
فتىً كان يدنيه الغنى من صديقه إذا ما استغنى ويبعده الفقر قال: وهذا البيت يقول بعضهم إنه لعثمان بن عفان رضي لله عنه.
_________________
(١) هذا القول أيضًا من زيادات الزبير بن بكار على أصل أبي عبيد.
(٢) ديوان الشماخ: ٥٦، والمعاني الكبير: ٤٢٩، ٤٩٩، ١٢٣٣ من قصيدة يرد بها على امرأته وكانت لامته يومًا لامساكه، قال ابن قتيبة: ولم نسمع بامرأة عاتبت على إصلاح المال غير هذه.
(٣) المفاقر: وجوه الفقر، لا واحد لها وقيل هي جمع فقر على غير قياس، والمعنى: أن إصلاح المال خير للمرء من سؤال الناس.
(٤) سيذكر البكري فيما يلي أنه الأبيرد اليربوعي، وترجمته في الأغاني ١٢: ٩ والمعمرين رقم ٥٨، والشعر في المؤتلف: ٢٤ والسمط: ٤٩٥ وأمالي اليزيدي: ٢٦.
[ ٢٩٠ ]
ع: كيف جهل أبو عبيد أن هذا البيت من شعر الأبيرد اليربوعي، وهو أشهر في الناس من أن يجهله أحد، فكيف يجهله أحد الجلة من العلماء بفنون العلم؟ يقوله الأبيرد في رثاء أحيه بريد. وبعده:
فتىً لا يعد الرسل يقضي مذمةً إذا نزل الأضياف أو تنحر الجزر
وسامي جسيمات الأمور فنالها على العسر حتى أدرك العسرة اليسر وإنما روي عن عثمان ﵁ أنه قال البيت متمثلًا. ولله در إبراهيم ابن العباس الصولي في قوله (١):
أسد ضارٍ إذا استنجدته وأب بر إذا ما قدرا
يعرف الأبعد إن أثرى ولا يعرف الأدنى إذا ما افتقر وقال أيضًا في هذا المعنى فأحسن (٢):
ولكن الجواد أبا هشام نقي الجيب مأمون المغيب
بطيء عنك ما استغنيت عنه وطلاع عليك مع الخطوب ١١١ - باب المال يملكه من لا يستوجبه
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم " عبد وخلي في يديه "
ع: هكذا أورده أبو عبيد، وإنما يخرج على تقدير مضمر كأنه قال: وخلي في يديه مال أو ما يعيث فيه. ورواه غيره: " عبد وخلي في يديه " والخلى: الرطب من النبات، يكنى به عن المال.
_________________
(١) ديوان إبراهيم: ١٣٣.
(٢) ديوان إبراهيم: ١٢٩.
[ ٢٩١ ]
١١٢ -؟ باب احتفاظ الرجل بالعلق الكريم
قال أبو عبيد: قال أبو عبيدة في المال الكثير يكون عند الرجل، وليس عنده من ينفقه عليه، فيقال في هذا " نرهى ولا أكولة " ومثله: " عشب ولا بعير "
ع: قال الشاعر:
أمرعت الأرض لو أن مالا لو أن نوقًا لك أو جمالا وقال آخر (١):
فجنبت الجيوش أبا زنيب وجاد على مسارحك السحاب دعا عليه بذهاب إبله وماله، فلا يقصد جيش ليغير عليه، فإنه لا مال له، ولا شيء يؤخذ. ثم دعا لمسارحه بالسقي لتمرع فيكون أشد لحزنه وأبلغ في أسفه، إذ لا راعية له. ويتوجه أيضًا أن يكون دعا له، والوجه الأول أبين.
قال أبو عبيد: من الأمثال في الشيء يحض صاحبه على التمسك به: " أشدد يديك بغرزه ".
ع: قاله أبو بكر الصديق ﵁ لعمر بن الخطاب ﵁ يوم الحديبية (٢): أيها الرجل، إنه لرسول الله فاستمسك بغرزه، فوالله إنه لعلى الحق. والغرز: ركاب الإبل (٣) . وقد غرزت رجلي في الغرز، واغترزت إذا ركبت.
_________________
(١) البيت في اللسان (زنب)، والمعاني الكبير: ٨٣٣ والبيان ١: ١٧٢ ومعاني الاشنانداني: ١٠٨.
(٢) انظر سيرة ابن سيد الناس ٢: ١١٩ وفيها " يا عمر الزم غرزه فإني أشهد أنه رسول الله " وإنما قال له ذلك لأن عمر كان كارهًا لصلح الحديبية.
(٣) س ط: الرحل.
[ ٢٩٢ ]
١١٣ -؟ باب اكتساب المال والحث عليه
قال أبو عبيد: من ذلك قولهم: " ألق دلوك في الدلاء " وقال الشاعر (١):
وليس الرزق عن طلب حثيث ولكن ألق دلوك في الدلاء
تجئك بملئها طورًا، وطورًا تجئك بحمأة وقليل ماء ع: الشعر لأبي الأسود الدؤلي يقوله لابنه أبي حرب. وكان أبوه عذله على توكله وقلة تصرفه، فقال له: إن كان لي رزق فسيأتي، فقال البيتين، والرواية عن أبي عبيدة:
ما طلب المعيشة بالتمني ولكن ألق دلوك في الدلاء قال أبو عبيد: من ها قولهم " كلب عس خير من كلب ربض "
ع: المعروف في المثل: كلب اعتس خير من كلب ربض. ومعنى اعتس جاء وذهب. ومن هذا قيل للحراس عسس.
قال أبو زيد: ويقال جيء به من عسك وبسك. والعس التطوف وجيء به من حسك وبسك، بالفتح والكسر. وحكى الفراء: جيء به من عشك وبسك؟ بالشين معجمة في عشك.
قال أبو عبيد: ومنه قولهم " يا حرزا وأبتغي النوافلا " أي أدركت
_________________
(١) البيتان في ديوان أبي الأسود: ٤٣ واغاني ٤: ١٥ والخزانة ١: ١٣٨ وفيها رواية أبي عبيد. وانظرهما في المحاسن والأضداد: ١١٠.
[ ٢٩٣ ]
ما أريد وأنا أبتغي الزيادة.
ع: الحرز: الشيء المحروز، كالقبض وهو الشيء المقبوض. أراد يا حرزي فعوض من الياء ألفًا في النداء لخفتها. وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة أن أبا بكر ﵁ كان يوتر من [أول] الليل (١)، ويقول: يا حرزا وأبتغي النوافلا [وفي رواية أخرى: أحرزت نهبي وأبتغي النوافل] (٢) يريد أنه قد قضى الواجب من الوتر، وأمن فواته، وأحرز أجره فإن استيقظ من الليل تنفل، وإلا فقد خرج من ضمان الواجب وتخلص من عهدته.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في المال قولهم " في وجه الما تعرف إمرته " يعني كثرته وزيادته.
ع: قال يعقوب: يقال: في وجه مالك تعرف إمرته بكسر الهمزة وتثقيل الميم، وأمرته بفتجح الهمزة وتخفيف الميم، أي نماءه وكثرته.
_________________
(١) الفائق ١: ٢٥٢.
(٢) انظر اللسان (حرز) والفائق ١: ٢٥٢ وأثبت الروايتين.
[ ٢٩٤ ]