ذكر الأمثال في الجنايات
٢٣ -؟ باب الدواهي العظام يجنيها الرجل
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: ويقال: " جاء بأم الربيق على أريق " و" جاء بإحدى بنات طبق " وأصلها من الحيات.
ع: أم الربيق: اسم من أسماء الدواهي، وقولهم على أريق: قال الأصمعي: تزعم العرب أن رجلًا رأى الغول على جمل أورق فقال: جاء بأم الربيق على أريق. وأريق تصغير أورق، وكان أصله أن يقال: أويرق فحذف الواو وإن كانت أصلية لما كانت من حروف الزيادة ليزدوج الكلام. وقيل لابنة الخس أي الجمال شر؟ قالت الأورق؛ ويقال أيضًا للداهية أم أريق. وأم طبق ضرب من الحيات وهو حية صفراء بين السلحفاة والهرهير (١) . ومن طبعه أن ينام ستة أيام ثم ينتبه فلا ينفخ شيئًا
_________________
(١) س ط ص: الهرهر، والهرهير: ضرب من الحيات. وقال الدميري (٢: ٤٢٤) ضرب من السمك، وزعم المبرد أنه مركب من السلحفاة ومن أسود سالخ، قال وهو أخبث الحيات، ينام ستة أشهر ثم لا يسلم سليمه.
[ ٤٧٧ ]
إلا أهلكه قبل أن يتحرك. وربما مر به الرجل وهو نائم فيأخذه كأنه سوار ذهب فإن اسيقظ في كفه خر الرجل ميتًا.
وذكر أبو عبيد في هذا الباب بعض أسماء الدواهي وهي كثيرة؛ قال بعض اللغويين: جمع أسماء الدواهي من الدواهي، ومن كناها خمس عشرة كنية. وذكر أبو عبيد منها أم الربيق وأم جندب لا غير. وأم جندب أيضًا الظلم والغشم، قال الشاعر (١):
سيصلى بها القوم الذي صلوا بها وإلا فمعكود لنا أم جندب يعني الظلم، ومعكود مهيأ لنا مأخوذ من عكدة اللسان وهو أصله وكذلك عكدة الذنب وهو عكوته. وباقي كناها: " أم قشعم وأم خشاف، وأم خنشفير، وأم الرقوب، وأم الرقم، وأم أريق، وأم الربيس، وأم حبو كرى، وأم حبو كر، وأم أدراص، وأم نآد " وقد مضى القول في صمي صمام وصمي ابنة الجبل.
٢٢٤ -؟ باب جناية الجاني التي لا دواء لها
قال أبو عبيد: ومنه قولهم: " جرحه حيث لا يضع الراقي أنفه " أي لا دواء له.
ع: قال ابن الكلبي في كتاب " النسب ": أول من نطق بهذا المثل جندلة بنت فهر (٢) بن مالك بن النضر وكانت بجيلة الخلق (٣) وكان زوجها حنظلة بن مالك
_________________
(١) البيت في اللسان: (عكد) .
(٢) الميداني (١: ١٠٧) جندلة بنت الحارث، وفي هامش النقائض: ٢٢٥ كما نسبها البكري.
(٣) ص: يحيله احق، وفي ح: محيله الخلق، وكان الأستاذ محمود محمد شاكر قد اقترح أن تقرأ " جبلة الخلق " وهي ما أثبتناه في الطبعة الأولى، وربما قرئت " مجبلة " الخلق. وفي هامش النقائض: امرأة خليفة أي عظيمة الخلق؛ قلت: وقد التزمنا بما في س ط، بعد الاطلاع عليهما، والبجيلة: العظيمة الغليظة.
[ ٤٧٨ ]
ابن زيد مناة بن تميم شيخًا كبيرًا فأصابتهم ليلة ريح ومطر وبرق فخرجت تصلح طنب بيتها وعليها صدار فأكبت على الطنب وبرقت السماء برقة فأبصرها مالك بن عمرو بن تميم وهي مجبية (١) فشد عليها فخالطها فقالت (٢):
يا حنظلة بن مالك لحرها شفى بها من ليلة وقرها فأقبل بنوها (٣) وزوجها فقالوا لها: مالك؟ فقالت: لدغت، قالوا: أينه؟ قالت: " حيث لا يضع الراقي أنفه "؟ فذهبت مثلًا؟ ومات حنظلة بن مالك فتزوجها مالك بن تميم صاحب اللدغة فولدت له نفرًا.
٢٢٥ -؟ باب العداوة بين القوم وصفات الأعداء
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: من أمثالهم في نعت العدو قولهم: " هو أزرق العين " وكذلك قولهم: " هو أسود الكبد " (٤) قال الشاعر:
وما حاولت من أضغان قوم هم الأعداء والأكباد سود وقال ابن قيس الرقيات: " ونزالي في القوم صهب السبال ".
_________________
(١) صورة هذه الكلمة في ح ص محببه دون نقط، والمجيبة: المنكبة على وجهها، وجبى تجبية: ركع؛ وفي ط: منحنية، وهي قراءة لا بأس بها
(٢) البيت في هامش النقائض: ٣٢٥ والشطر الثاني منه: من ليلة شفانها وحرها، والشفان: ريح باردة.
(٣) قوله: فأقبل بنوها، مخالف لما جاء في الميداني من أنها كانت ما تزال عذراء، لشيخوخة زوجها.
(٤) الزيادة من ف.
[ ٤٧٩ ]
ع: البيت الذي أنشده محال مغير عن وجهه، وهو للأعشى يخاطب امرأة قال (١):
وما أجشمت من إتيان قومٍ هم الأعداء والأكباد سود
فإن فارقتني فاستبدلي بي فتىً يعطي الجزيل ويستفيد هكذا صحة إنشاده ورواه أبو عبيد وما حاولت بضم التاء يعني نفسه وذلك هم. وإنما قيل للأعداء سود الأكباد كناية كأن العداوة ونيران الأحقاد قد أحرقت أكبادهم كما قال يزيد بن الحكم الثقفي (٢):
تملأت من غيظ علي فلم يزل بك الغيظ حتى كدت بالغيظ تشتوي وتمام بيت ابن قيس:
فظلال السيوف شيبن راسي ونزالي في الحرب صهب السبال هكذا صحة إنشاده: ونزالي في الحرب لا في القوم كما أنشده أبو عبيد، وقال ذو الرمة في معناه (٣):
تسمي امرؤ القيس ابن سعد إذا اعتزت وتأبى السبال الصهب والآنف الحمر
ولكنما أهل امرئ القيس معشر يحل لهم الخنازير والخمر يقول: يعتزون إلى سعد بن زيد مناة وهم عجم ولذلك جعلهم صهب السبال حمر الآنف.
٢٢٦ -؟ باب إظهار العداوة وكشفها
قال أبو عبيد: من أمثالهم هذا قولهم: " لبست له جلد النمر "
_________________
(١) ديوان الأعشى: ٢١٥ والمعاني الكبير: ٨٥١.
(٢) راجع هذه القصيدة في أمالي القالي ١: ٦٨ والخزانة ١: ٤٩٦ والعيني ٣: ٧٧.
(٣) ديوان ذي الرمة: ٢١٩.
[ ٤٨٠ ]
ع: العرب تكني بلبس هذه الجلود عن أحوال السباع التي هي عليها فإذا أرادوا الشدة والجرأة قالوا: جلد النمر لأنه أجرأ السباع وأعداها وأخفها وثبًا وأذكاها قلبًا وهو يقتل الأسد لأنه يجمع جراميزه فيثب على ظهره فينتهشه ويأكل لحمه وهي حي حتى يسقط لفيه، قال أوس بن حجر (١):
كأن جلود النمر جيبت عليهم إذا جعجعوا بين الإناخة والحبس (٢) وإذا أرادوا الروغان والنكوص عن الأقران قالوا: " جلد ثعلب "، قال الشاعر (٣):
أبينا أبينا أن تغنوا بعامرٍ كما قلتم زبان في مسك ثعلب (٤) يعني كما قلتم إن زبان رواغ، وقال آخر:
فطورًا ترانا في مسوك جيادنا وطورًا ترانا في مسوك الثعالب يقول: طورًا ترانا كجيادنا أي كخيلنا في الجرأة والإقدام إذا رأينا مقدمًا، وطورًا ترانا كالثعالب في الروغان إذا رأينا أن الإحجام حزم والنكوص سياسة (٥) كما قال زيد الخيل:
_________________
(١) البيت في أمالي القالي ٢: ١١٥ والسمط: ٣٤٣ وحماسة البحتري ٢: ٤٢، ويلاحظ أن البكري هنا قطع بنسبته إلى أوس أما في شرح الأمثالي فقد قال: اختلف في عزو هذا البيت فقيل: هو لعمر بن معد يكرب، وقيل: هو لأوس بن حجر. ثم أنشده في قصيدتين مختلفتين تتداخل أبياتها في المصادر الأخرى. والقصيدة اعتذار عن فرار الشاعر من المعركة، وكيف أنه لقي قوماص فجاشت نفسه من لقائهم.
(٢) قال البكري في شرحه للبيت يقول: هم من الجرأة كأن جلود النمر جيبت عليهم أي هم نمور، والحبس أن يحبس (البعير) على غير علف.
(٣) الشعر لشرحبيل بن مالك التغلبي كما في السمط: ٣٤٤ ومعاني الاشنانداني: ١٠٠ وتعنوا بعامر: تذكروه في شعر يتغنى، وقوله: كما قلتم زبان الخ.
(٤) انظر السمط: ٣٤٤ ولم ينسبه، وكذلك الاشنانداني: ١٠ واللسان (مسك) .
(٥) لا بأس بهذا التخريج ذكره البكري وذكر مثله في السمط أيضًا وفيه رأي آخر وهو: أنهم أسروا فكتفوا بقدود (القيود الجلدية) من خيولهم المذبوحة.
[ ٤٨١ ]
أقاتل ما كان القتال حزامة وأنجو إذا لم ينج إلا المكيس قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في العداوة: " هو يعض عليه الأرم " قال: يعني أصابعه. وقال مؤرخ: هو يحرق عليه الأرم، قال: وفي تفسيرها ثلاثة أقوال: يقال الحصى، والأضراس، ويقال: الأسنان وهي أبعدها، ولو كانت الأسنان لكانت بالزاي الأزم وإنما هي بالراء.
ع: الأرم بالراء الأسنان هو قول ابن السكيت، وأما قول أبي عبيد: لو كانت الأسنان لكانت الأزم ابن قتيبة ذهب إلى الأزم وهو العض وأغفل الأرم وهو الأكل، يقال: أرم البعير يأرم أرمًا، ومن قال الأرم: الأصابع فإنما سميت بذلك لأن الأكل يكون بها ومثله " فلان يكسر عليه أرعاظ النبل غضبا " والرعظ مدخل النصل في السهم.
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: ومن أمثالهم في الشدة: " لقيت من فلان عرق القربة "، قال: ومعناه الشدة ولا أدري ما أصلها. قال أبو عبيد: وقد فسرناه في غريب الحديث.
ع: ولعل قارئ كتابه هذا لم ير قط شرح الحديث له ولا هو في ملكه ولا في بلده. ومعنى المثل على ما ذكره هو وغيره، قال الكسائي في قول عمر بن الخطاب ﵁: لا تغالوا صدق النساء فإن الرجل يقالي بصداق المرأة حتى يكون ذلك لها في قلبه عداوة، يقول " جشمت إليك عرق القربة " يقول: نصبت وتكلفت حتى عرقت كعرق القربة، وعرقها: سيلان مائها. وقال أبو عبيدة: عرق القربة، يقول تكلفت إليك ما لم يبلغه أحد حتى تجشمت ما لا يكون لأن القربة لا تعرق، يذهب أبو عبيدة إلى مثل قول الناس " حتى يشيب الغراب "
[ ٤٨٢ ]
و" حتى يبيض القار "
وقال الأصمعي: عرق القربة كلمة معناها الشدة ولا أدري ما أصلها. ويروى عن أبي الخطاب الأخفش أنه قال: العرقة السفيفة التي يجعلها الرجل على صدره إذا حمل القربة تسمى عرقة لأنها منسوجة. وقال غيره: عرق القربة نقعها وهو ماؤها يعني في السفار، وأنشد للحارث بن زهير العبسي حين قتل حمل بن بدر وأخذ منه ذا النون سيف مالك (١) بن زهير الذي كان أخذه منه حمل يوم قتله (٢):
سأجعله (٣) مكان النون مني وما أعطيته عرق الخلال أي لم يعرق لي به عن مودة، يقال: خاللته مخالةً وخلالًا.
٢٢٧ -؟ باب فساد ذات البين وتأريث الشر في القوم
قال أبو عبيد: قال أبو زيد: يقال للقوم إذا أوفوا على الشر والفاد: " ثار حابلهم على نابلهم ".
ع: قد مضى القول في الحابل والنابل في المثل المتقدم " هم بين حابل ونابل "
قال أبو عبيد: وإذا نشب الشر بينهم وشملهم قيل: " شرق ما بينهم بشر "
_________________
(١) ص: ابن مالك.
(٢) انظر الأغاني ١٦: ٣٢ واللسان (نون) .
(٣) اللسان: ويخبرهم، لأن قبله: يخبر قومه حنش بن عمرو بما لاقاهم وابنا حلال ومن قال سأجعله فسره بقوله: سأجعل هذا السيف مكان آخر.
[ ٤٨٣ ]
ع: ما هاهنا بمعنى الذي وشرق هو من الشرق بالماء، وهو بمعنى الغصص قال عدي بن زيد (١):
لو بغير الماء حلقي شرق كنت كالغصان بالماء اعتصاري هذا كما تقول: غص المجلس بأهله، أي امتلأ ما بينهما بالشر حتى غص من كثرته وإنما هي كنايات واستعارات.
قال أبو عبيد: فإن كانت بينهم معاملات من أخذ وعطاء لا غنى بهم عنها ولا تزال المشارة تكون بينهم فيها، قيل: " إن الحماة أولعت بالكنة وأولعت كنتها بالظنة ".
ع: هذا شطر رجز ويروى:
إن الحماة أولعت بالكنه وأبت الكنة إلا الظنة وقال عبد الصمد بن المعذل لأخيه أحمد بن المعذل الفقيه:
أطاع الفريضة والسنة فتاه على الأنس والجنه
كأن لنا النار من دونه وأفرده الله بالجنه
وينظر مني إذا زرته بعيني حماة إلى كنه قال أبو عبيد: فإن كان لبعضهم فيه أدنى فضيلة على أنها خسيسة قيل " قبح الله معزى خيرها خطة " وخطة اسم عنز كانت عنز سوء.
ع: قال الكسائي العرب، تقول " لعن الله غنمًا خيرها خطة وكتة
_________________
(١) انظر الصفحة: ٢٦٥ من هذا الكتاب.
[ ٤٨٤ ]
وبطان " هذه شرار الغنم وهي أسماء معارف لا تنصرف. وقال أبو زيد: يقال: فلانة الخيرة من المرأتين بفتح الخاء وسكون الياء، قال: ويقال في مثل للعرب: " قبح الله معزى خيرتها خطة " [خطة] بغير صرف لأنها اسم العنز.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الشر " " بينهم عطر منشم " يراد به الشر العظيم.
ع: للعلماء في تأويل هذا المثل وفي اللفظ به وفي اشتقاقه وفي سبب المثل به اختلاف كثير وأقوال جمة فأما اختلاف لفظه فإنه قد روى منشم ومنشم ومشأم ومن شم؟ مفصولة -، وأما اختلاف معناه فإن أبا عمرو زعم أن المنشم الشر نفسه، وزعم آخرون أن المنشم شيء يكون في سنبل العطر يسميه العطارون قرون السنبل وهو سم وحي وهو البيش، وزعم آخرون أن منشم اسم امرأة.
وأما اختلافهم ف اشتقاقه فقالوا: إن منشم اسم موضوع كسائر الأسماء الأعلام وقال آخرون هو من نشم إذا بدا وأخذ في الشيء وذلك في الشر دون الخير ومنه الحديث: لما نشم الناس على عثمان ﵁ أي طعنوا عليه، وقال آخرون منشم اسم وفعل جعلا اسمًا واحدًا وكان أصله من شم فحذفوا الميم الثانية وجعلوا الأولى حرف الإعراب. وأما من رواه مشأم فإنه يجعله اسمًا مشتقًا من الشؤم.
وأما اختلافهم في سبب المثل فزعم قوم أن منشم اسم امرأة وكانت عطارة تبيع الطيب فكانوا إذا أرادوا الحرب غمسوا أيديهم في طيبها وتحالفوا عليه بأن يستميتوا في الحرب ولا يولوا أو يقتلوا، فكانوا إذا دخلوا الحرب بطيب هذه المرأة يقول الناس: قد دقوا بينهم منشم، فلما كثر منهم هذا القول صار مثلًا للشر العظيم قال زهير:
تداركتما عبسًا وذبيان بعدما تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم وزعم آخرون أن منشم كانت امرأة تبيع الحنوط وإنما حنوطها عطر في قولهم دقوا بينهم عطر منشم لأنهم أرادوا عطر الموتى. وزعم من ذكر أن الاسم مركب
[ ٤٨٥ ]
من اسم وفعل ان امرأة من العرب كانت تسمى خفرة تبيع الطيب فورد بعض أحياء العرب عليها فأخذوا طيبها وفضحوها فلحقهم قومها ووضعوا السيف وقالوا: اقتلوا من شم من طيبها. وزعم قوم أن هذا المثل إنما سار في الناس يوم حليمة وهو اليوم الذي قيل فيه " ما يوم حليمة بسر " وهو اليوم الذي كانت فيه الحرب بين الحارث بن أبي شمر ملك الشام وبين المنذر [بن المنذر] بن امرئ القيس ملك العراق فقتل فيه المنذر، وقد تقدم ذكره وإنما أضيف هذا اليوم إلى حليمة لأنها أخرجت إلى المعركة مراكن الطيب فكانت تطيب الداخلين في الحرب فقاتلوا من اجل ذلك حتى تفانوا.
٢٢٨ -؟ باب مقلية القوم بعضهم بعضًا
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا: " شاهد البغض اللحظ " ومثله في الحب: " جلا محب نظره " ومنه قول زهير (١):
فإن تك في صديقٍ أو عدو تخبرك العيون (٢) عن القلوب ع: هكذا أورد أبو عبيد هذا المثل برفع محب ونصب نظره، والصواب جلا محبًا أي أبدى لك نظره ما ينطوي لك عليه. وعلى هذا يصح أن يوضع مع المثل الذي قبله: " شاهد البغض اللحظ " والعرب تقول: " رب لحظ أنم من لفظٍ " وقال ابن أبي حازم (٣):
خذ من العيش ما كفى ومن الدهر ما صفا
_________________
(١) ديوان زهير: ٣٣٣.
(٢) الديوان: الوجوه، وكذلك في ف.
(٣) انظر العقد ٣: ١٣٤.
[ ٤٨٦ ]
عين من لا تحب وص لك تبدي لك الجفا وقال شاعر عصره (١):
يخفي العداوة وهي غير خفيةٍ نظر العدو بما أسر يبوح وقالوا: يعبر عن الإنسان اللسان، وعلى المودة والبغض العينان.
٢٢٩ -؟ باب توعد الرجل عدوه
قال أبو عبيد: من أمثالهم في الوعيد: " لأمدن غضنك " (٢) أي لأطيان عناءك.
ع: قال أبو الجراح العقيلي: الغضن بفتح الغين والضاد، ما تغضن من باطن المرفق.
قال أبو عبيد: ومن الوعيد قولهم: " لأشأنن شأنهم "
ع: معناه: لأخبرن أمرهم، هكذا قال أبو علي، قال: وقال ابن الأعرابي: ما شأنت شأنه: معناه ما عرفت به ولا أردته، وقال الخليل: الشأن (٣) الخطب وجمعه الشؤون.
_________________
(١) يعني المتنبي، انظر ديوانه ١: ٢٨٩.
(٢) انظر اللسان (غضن) .
(٣) انظر اللسان (شأن) .
[ ٤٨٧ ]
قال أبو عبيد: من أمثالهم في الوعيد: " لألحقن حواقنك بذواقنك " والحواقن ما يحقن الطعام في بطنه، والذواقن [أسفل بطنه. قال أبو عبيد، قال أبو عمرو في الذواقن والحواقن غير هذا] (١) .
ع: قول أبي عمرو هو قول أكثر العلماء وذلك أن باطن الترقوتين هما الحاقنتان، وهو هراء يفضي إلى الجوف، والذاقنة طرف الحلقوم ومنه حديث عائشة ﵂ " قبض رسول الله ﷺ بين حاقنتي وذاقنتي ".
قال أبو عبيد: ويقولون أيضًا: " لأرينك لمحًا باصرًا، أي صادقًا. عن أبي زيد.
ع: معنى هذا المثل لأرينك من إيعادي لك أمرًا واضحًا جليًا، وباصر في تأويل عيشة راضية أي مرضية، وماء دافق أي مدفوق، وكذلك قولهم: سر كاتم.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم " لتحلبنها مصرا "، يقول: لا تقدر على أن تنال منها شيئًا، وأصله قلة اللبن، يقال: مصرت الشاة أمصرها مصرًا.
ع: المصر في الحلب ألا تبقي شيئًا فيريد في المثل لتحلبنها ممصورة لا شيء فيها فوضع المصدر موضع المفصول، كما يقال: هذا درهم ضرب الأمير، ويحتمل أن يريد لتحلبنها حلبًا مصرًا، لأن قلة اللبن تحمل الحالب بالضرورة أن يجهدها بالحلب حتى يثير الدم.
_________________
(١) سقط من ص ح، وهو ثابت في س ط.
[ ٤٨٨ ]
قال أبو عبيد: قال الأحمر: ومن الوعيد " لئن التقى روعي وروعك لتندمن "
ع: الروع: النفس وما خطر فيها، يقال: وقع في روعي أي في خلدي، وفي الحديث: إن روح القدس نفث في روعي أن نفسًا لن تموت حتى تستوفي رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب.
٢٣٠ -؟ باب معاشرة أهل اللؤم وما ينبغي أن يعاملوا به
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا " أجع كلبك يتبعك " قال أبو عبيد: والعامة تقول: " ليس للئيم مثل الهوان ".
ع: قد ذكرت هذا المثل وخبره وأول من نطق به عند ذكر المثل الآخر الذي في نقيض معناه وهو " سمن كلبك يأكلك ". وأما قولهم " ليس للئيم مثل الهوان " فأحسن ما ورد في ذلك قول أبي الطيب (١):
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
ووضع الندى في موضع السيف بالعلى مضر كوضع السيف في موضع الندى وقول الآخر:
إن اللئام إذا أذللتهم صلحوا على الهوان وإن أكرمتهم فسدوا وأنشد أبو عبيد للفند الزماني (٢):
_________________
(١) ديوانه ٢: ١٣.
(٢) اسمه شهل بن شيبان بن ربيعة بن زمان، وشعره هذا في التبريزي ١: ١١ والمرزوقي رقم: ٢.
[ ٤٨٩ ]
وبعض الحلم عند الجه ل للذلة إذعان
وفي الشر نجاة حي ن لا ينجيك إحسان ع: أما البيت الأول فإن من جيد ما ورد في معناه وأبلغه قول النابغة الجعدي (١):
ولا خير في حلم إذا لم تكن له بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا وقد أنشدهما النابغة النبي ﷺ فقال: لا يفضض الله فاك، فعاش النابغة مائة وعشرين سنة لم تنغض له ثنية، أي لم تتحرك.
وأما البيت الثاني فقد أحسن في معناه القتال الكلابي (٢):
نشدت زيادًا والسفاهة كاسمها (٣) (٤) وذكرته أرحام سعر وهيثم
فلما رأيت أنه غير منته أملت لي كفي بلدن مقوم
فلما رأيت أنني قد قتلته ندمت عليه أي ساعة مندم وقال الحصين بن الحمام المري (٥):
ولما رأي الود ليس بنافعي عمدت إلى الأمر الذي كان أحزما
يفلقن (٦) هامًا من رجال أعزةٍ علينا، وهم كانوا أعق وأظلما
_________________
(١) من قصيدة له مدح بها الرسول، واستحسن النبي فيها هذين البيتين، راجع السمط: ٢٤٧، ٢٧٢ والاستيعاب، والجمهرة: ١٤٥.
(٢) هذا الشعر في التبريزي ١: ١٠٥ والمرزوقي: ٤٣ والسمط: ١١٠ والأغاني ٢٠: ١٥٩.
(٣) في الحماسة: والمقامة بيننا.
(٤) زياد ابن عم القتال وكان القتال يتحدث إلى أخته فنهاه وهدده بالقتل، فلم ينته، ثم إنه رأى القتال مرة عندها فتبعه فلما دنا منه ناشده القتال بالله والرحم فلم يلتفت إليه، فأخذ القتال رمحًا وشد عليه فقتله.
(٥) انظر المرزوقي: ٤١ والتبريزي ١: ١٠٢ والخزانة ٢: ٧ والمفضلية رقم: ١٢ والمؤتلف: ٩١.
(٦) س ط: تفلق؛ والضمير في " يفلقن " عائد إلى السيوف المذكورة في بيت واقع بين البيتين.
[ ٤٩٠ ]