جماع الأمثال التي في معايب المنطق ومساويه (١)
٢٤ -؟ باب المثل في العار والقالة السيئة (٢) وما يحاذر منها
وإن كان (٣) باطلًا
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا " إن حسبك من شر سماعه " أخبرني هشام بن الكلبي أن المثل لأم الربيع بن زياد (٤)، وذكر خبرها (٥) ثم قال: وأم الربيع هي فاطمة بنت الخرشب وهي أم أنمار.
_________________
(١) ط: باب الأمثال في معايب المنطق.
(٢) س: السوء.
(٣) س: كانت.
(٤) زاد في ط: العبسي.
(٥) في ف: قال أبو عبيد: وكان سبب ذلك أن ابنها الربيع كان قد أخذ من قيس بن زهير بن جذيمة درعًا فعرض قيس لأم الربيع وهي على راحلتها في مسير لها فأراد أن يذهب بها ليرتهنها بالدرع فقالت: أين عزب عنك عقلك يا قيس، أترى بني زياد مصالحيك وقد ذهبت بأمهم يمينًا وشمالًا، فقال الناس ما شاءوا، وإن حسبك شر سماعه فذهب مثلًا، تقول: كفى بالمقالة عارًا وإن كانت باطلًا.
[ ٨٩ ]
ع: إنما فاطمة أنمارية، وأنمار أبو خثعم وبجيلة المتيامنين، ومن كان من أنمار (١) غيرهما فهو أنماري، وفاطمة هي أم الكملة من بني عبس، وكانت رأت في منامها قائلًا يقول لها (٢): أعشرة هدرة أحب إليك أم ثلاثة كعشرة؟ فلم تقل شيئًا، ثم عاد إليها في ليلة ثانية فأمسكت عن القول، وأخبرت زوجها برؤياها فقال لها: إن عاد الثالثة فقولي ثلاثة كعشرة، فولدتهم كلهم غاية: ربيع الحفاظ، وعمارة الوهاب، وأنس الفوارس، وهي إحدى المنجبات من العرب.
قال أبو عبيد: ومن ذلك قولهم " قد قيل ذلك إن حقًا وإن كذبًا "
ع: وذكر خبره محذوفًا ناقص المعنى (٣): كان بنو جعفر بن كلاب قد وفدوا على انعمان ورئيسهم يومئذ أبو براء عامر بن مالك ملاعب الأسنة، عم لبيد بن ربيعة بن مالك. فحجبهم النعمان، ورأوا منه جفوة، وقد كان يقربهم ويكرمهم، وكان الربيع بن زياد جليسه وسميره فاتهموه بالسعي عليهم عند النعمان وتفاوضوا في ذلك، يشكوه بعضهم إلى بعض، وكان بنو جعفر له أعداء، وكان لبيد غلامًا في جملتهم يتخلف في رحالهم ويحفظ متاعهم، فأتاهم وهم يتذاكرون أمر الربيع فسألهم فكتموه فقال: والله لا حفظت لكم متاعًا أو تخبروني، وكانت أم لبيد تامر بنت زنباع العبسية، وكانت في حجر الربيع، فقالوا له: خالك غلبنا على الملك وصد عنا بوجهه، فقال لهم: هل تقدرون أن تجمعوا بيني وبينه فأزجره بقول ممض لا يلتفت به النعمان بعدها أبدًا، فقالوا: وهل عندك من شيء، قال: نعم، فتركوه ثم مروا به وقالوا: إن رأيناه لاهيًا علمنا أنه ليس كما زعم، فإذا به قاعد على رحل وهو يكدمه (٤)، فأيقنوا عند ذلك أنه صاحبه،
_________________
(١) ط: من ولد أنمار.
(٢) انظر الكامل: ١٣٠.
(٣) هذا الحبر، والأرجوزة التالية في أمالي المرتضى ١: ١٨٩ والخزانة ٤: ١٧١ والأغاني ١٤: ٩٢ والمحبر: ٣٠٠.
(٤) ص س ط: يكرمه.
[ ٩٠ ]
فكسوه حلة ثم غدوا به على النعمان فوجدوه يتغدى مع الربيع بن زياد، ليس معهما ثالث، والدار والمجالس مملوءة من الوفودن فلما فرغ من غدائه أذن للجعفريين فذكروا الذين قدموا له من حاجتهم. فاعترض الربيع في كلامهم فقام لبيد فقال:
أكل يومٍ هامتي مقزعه (١) يا رب هيجا هي خير من دعه
يا واهب الخير الجزيل من سعه نحن بنو أم البنين الأربعة
سيوف جن وجفان مترعة ونحن خير عامر بن صعصعة
الضاربون الهام تحت الخيضعه (٢) والمطعون الجفنة المدعدعه
مهلًا أبيت اللعن لا تأكل معه إن استه من برص ملمعه
وإنه (٣) يدخل فيها إصبعه (٤) يولجها حتى يواري أشجعه كأنما (٥) يطلب شيئًا ضيعه فالتفت النعمان إلى الربيع وقال: أكذاك أنت يا ربيع، قال: لا والله لقد كذب ابن الأحمق اللئيم، فقال النعمان: أف لهذا طعامًا لقد بثت علي طعامي، وقام الربيع فانصرف إلى منزله وأمر له النعمان بضعف ما كان يحبوه وأمره بالانصراف فلحق بأهله، وأرسل إلى النعمان بأبيات منها:
لئن رحلت جمالي لا إلى سعةٍ ما مثلها سعة عرضًا ولا طولا
_________________
(١) مقزعة: ساقط شعرها.
(٢) قال أبو عبيد في الغريب المصنف: الخيضعة، البيضة، ورد عليه علي بن حمزة بأن هذا لم يقله أحد وأن الخيضعة تعني اختلاط الأصوات في الحرب، ورواه آخرون تحت الخضعة وقالوا هي السيوف، وقال أبو حاتم إنما قال لبيد تحت الخضعة فزادوا الياء فرارًا من الزحاف، والجفنة: القصة الكبيرة والمدعدعة: المملوءة.
(٣) ط: يولج.
(٤) الأشجع: أصول الأصابع التي تتصل بعصب ظاهر الكف.
(٥) س: كأنه.
[ ٩١ ]
فحيث لو وردت لخم (١) بأجمعها لم يعدلوا ريشة من ريش سمويلا
فابرق بأرضيك بعدي واخل متكئًا (٢) مع النطاسي طورا وابن توفيلا فأجابه النعمان:
شرد برحلك عني حيث شئت ولا تكثر علي ودع عنك الأقاويلا
قد قيل ذلك إن حقًا وإن كذبًا فما اعتذارك من قول إذا قيلا وسمويل (٣): أرض كثيرة الطير.
٢٥ -؟ باب تعيير الرجل صاحبه بعيب هو فيه
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا " رمتني بدائها وأنسلت ".
ع: وساق أبو عبيد خبره محذوفًا وتمامه: أن سعد بن زيد مناة بن تميم كان تزوج رهم بنت الخزرج بن تيم الله بن رفيدة بن كلب بن وبرة، وكانت من أجمل النساء فولدت له ملك بن سعد، وكان ضرائرها إذا ساببنها يقلن لها: يا عفلاء، فشكت ذلك إلى أمها فقالت: " اجبهيهم بعفال (٤)، سبيت " فأرسلتها مثلًا. فسابتها بعد ذلك امرأة من ضرائرها فقالت لها رهم: يا عفلاء؟ كما وصتها أمها؟ فقالت لها السابة: " رمتني بدائها وانسلت " فأرسلت مثلًا.
وينو مالك بن سعد بن مالك بن سعد، رهط العجاج، وكان يقال لهم: بنو العفلاء، فقال اللعين المنقري، وهو يعرض بهم:
_________________
(١) ص: لخمًا.
(٢) ص: تربيلا.
(٣) ص: وسنديل.
(٤) س ط: بعفلك.
[ ٩٢ ]
ما في الدوابر من رجلي من عقل عن الرهان ولا أكوى من العفل قال أبو عبيد: ومن ذلك قولهم (١) " عير بجير بجره، نسي بجير خبره "
ع: معناه عير الأبجر آخر ليس به ببجره (٢) الذي به ونسب إلى غيره داءه، ونسي خبره وأمره. وبجير تصغير أبجر كما أن زهيرًا تصغير أزهر، ولما أسقط حرف الصفة من قوله عير بجير، عدى الفعل فنصب (٣) . وكل ذي داء أو آفة هواه أن يكون بالناس مثل الذي به. ولذلك قال عثمان: ودت الزانية أن النساء كلهن زوان. وحكى الليثي (٤) أنه قيل لأقرع (٥): ما كنت تتمنى؟ قال: أن يكون الناس قرعًا حتى أنظر إليهم بالعين التي ينظرون إليّ بها (٦) .
قال أبو عبيد: ومثله (٧) المثل السائر في الناس للمتوكل الليثي (٨):
لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم " ع: وقبله:
_________________
(١) ف: قال أبو عبيد: ولنعامة في هذا مثل مبتذل هو قولهم
(٢) ط: ليس بخ بجر ببجره.
(٣) س: فنصبه.
(٤) هو الجاحظ لأنه ينسب إلى ليث بن بكر بن كنانة.
(٥) س: للأقرع.
(٦) س ط: بها إليّ.
(٧) ط: ومنه.
(٨) ترجمة المتوكل في طبقات ابن سلام ٥٥١ والأغاني ١١: ٣٩ والأبيات في حماسة البحتري: ١١٧ ونسبها ف جامع بيان العلم ١: ١٩٥، ١٩٦ لأبي الأسود قال: وتروى للعرزمي، وفي اخزانة ٣: ٦١٧ وانظر تخريجًا وافيًا للأبيات في هامش تفسير الطبري ١: ٥٦٩.
[ ٩٣ ]
إبادأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك تقبل إن وعظت ويقتدى بالقول منك وينفع التعليم
لا تنه عن خلق ويروى هذا الشعر لسابق البربري (١) .
قال أبو عبيد: ومنه قولهم " ومحترس من مثله وهو حارس "
ع: هذا نصف بيت من شعر عبد الله بن همام السلولي (٢)، يقوله في الحمارس؟ رجل كان على شرط الكوفة للحارث بن عبد الله ن أبي ربيعة المعروف بالقباع؟ قال:
أقلي علي اللوم يا بنت مالك وذمي زمانًا ساد فيه الحمارس
فساع مع السلطان يسعى عليهم ومحترس من مثله وهو حارس
وكم قائل ما بال مثلك راجلا فقلت له من أجل أنك فارس
إذا لم يكن صدر المجالس سيد فلا خير فيمن صدرته المجالس وخرج الحمارس هذا مع ابن الشعث فقتله الحجاج.
ورأيت الليثي قد أنشد هذا البيت شاهدًا على الفلنقس (٣) - وهو الذي أمه عربية وأبوه عجمي (٤) فقال: وذمي زمانًا ساد فيه الفلاقس، جمع فلنقس والمذرع أيضًا مثل الفلنقس. فأما الذي أبوه عربي وأمه عجمية فهو الهجين.
_________________
(١) أحد شعراء الزهد في العصر الأموي، انظر ترجمته في الخزانة ٤: ١٦٤ وتهذيب ابن عساكر ٦: ٣٨.
(٢) نسبه وخبره في طبقات ابن سلام: ٥٣٣ والشعر والشعراء: ٤١٢ والخزانة ٣: ٦٣٨.
(٣) ورد البيت في الحيوان ١: ٢١٦ وذكر أنه في هجاء الفلاقس النهشلي ولم يزد شيئًا على ذلك.
(٤) هذا قول شمر وقال آخرون: إن الفلنقس هو الذي أبوه مولى وأمه مولاة وقال ابن السكيت: الفلنقس العربي لعربيين وجدتاه من قبل أبويه أمتان.
[ ٩٤ ]
واختلف في المقرف فقيل إنه من قبل الأب، وقيل إنه من قبل الأم، فإذا أحاطت به الأموة (١) فهو مكركس (٢)، وقد رأيت من يضبط هذا الاسم: وذمي زمانًا ساد فيه الفلاقس بفاءين معجمتين من أسفل؟ مذا رواه ابن قتيبة (٣) .
قال أبو عبيد: وفي بعض الآثار " البلاء موكل بالمنطق " (٤)
ع: نظمه أبو تمام فقال:
لا تنطقن بما كرهت فربما نطق اللسان بحادث فيكون قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا " لاتسخر من شيء فيحور بك (٥) "
ع: معنى يحور أي يرجع عليك ويحل بك، ومثله قولهم " لا تظهر الشماتة بأخيك فيعافيه الله ويبتليك " وهذا كلام قد رفع إلى (٦) النبي ﷺ
_________________
(١) ط س: الإماء.
(٢) ط: المكركس.
(٣) انظر الشعر والشعراء: ٤١٢ وكذلك الخزانة ٣: ٦٤٩ والحيوان ١: ٢١٦.
(٤) في ف: بالقول.
(٥) لا تسخر.. بك: ساقطة في ص.
(٦) س: ويروى هذا الكلام عن الخ.
[ ٩٥ ]
٢٦ -؟ باب رمي الرجل صاحبه بالمعضلات
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا أن يقولوا " رماه بأقحاف رأسه "
ع: قحف الرأس: ما انفلق من جمجمته فبان، ولا يقال لجميع الجمجمة قحف إلا أن تنكسر فيقال للمنكسر قحف إذا بان، والجميع الأقحاف والقحوف. يقول: رماه بالدواهي المهلكة له، فكأنه قد رماه بافلاق رأسه لما رماه بما يؤول إلى ذلك به، وهذا كما تقول العرب: مشى بقدمه على دمه، إذا سعى سعيًا فيه هلاكه.
قال أبو عبيد: ومثله قولهم " رماه بثالثة الأثافي " وفسره، ثم قال: وقال خفاف بن ندبة (١): رمته بثالثة الأثافي (٢) .
ع: هكذا أورده أبو عبيد، وهذه كلمات (٣) لا تتسق في شعر، قال أبو بكر: وصحة إنشاد هذا (٤) البيت:
وإن قصيدة شنعاء مني إذا حضرت كثالثة الأثافي وندبة التي نسب إليها خفاف أمه، وهي ندبة بنت أبان من بني الحارث بن كعب، وقال أبو عبيدة: هي ابنة الشيطان الحارثية، سبية سباها جده الحارث بن الشريد في غارة أغارها على بني الحارث، ووهبها لابنه عمير، فأولدها خفافًا، فهو خفاف بن عمير بن الحارث بن الشريد.
_________________
(١) راجع ترجمته في الأغاني ١٦: ١٣٤.
(٢) لم ترد العبارة هكذا في ف وورد البيت بتمامه، ويبدو أن النساخ قد أصلحوه في ف.
(٣) ط: الكلمات.
(٤) هذا: سقطت من س.
[ ٩٦ ]
واختلف في وزن أثفية فقيل إنها أفعولة فالهمزة زائدة والياء أصلية، والحجة لهذا قول الشاعر (١):
وما استنزلت في غيرنا قدر جارنا ولا ثفيت إلا بنا حين تنصب وقيل إنها فعلية والهمزة أصلية، والحجة في هذا (٢) قول الراجز، أنشده سيبويه وغيره لخطام المجاشعي (٣) .
وصاليات ككما يوثفين وذكر قوم أن يوثفين جاء مجيء أهرقت أهريق لأن الأصل فيه أرقت أريق فلما ابدلت الخاء من اهمزة صارت كأنها من نفس الحرف ثم أدخلت الألف بعد على الهاء وتركت الهاء عوضًا عن حذف العين لأن أصلها أريقت، ونظيره استطعت تستطيع، قا الفراء: توهموا أن قولهم اسطعت: أفعلت، إذ كانت بوزنها وإنما هو افتعلت، فحذفقت التاء لمكان الطاء بعدها، اه؟.
؟ ٢٧؟ باب دعاء الرجل على صاحبه بالموبقات
قال أبو عبيد: من أمثالهم في الدعاء قولهم: " فاها لفيك "، وفسره وأنشد لرجل من بلهجيم (٤):
فقلت لها فاها لفيك فإنها قلوص امرئ قاريك (٥) ما أنت حاذره
_________________
(١) هو الكميت كما في اللسان: (ثفا) .
(٢) س: لهذا.
(٣) سيبويه ١: ١٣ واللسان (ثفا)، والخزانة ١: ٣٦٧ وشرح شواهد المغني: ١٧٢ والراجز يسمى عند الآمدي في المؤتلف: ١١٢ حطام الريح المجاشعي، وهو من بني دارم.
(٤) هو أبو سدرة الهجيمي (سيبويه ١: ١٥٦) وانظر السمط: ٥٣٩ والخزانة ١: ٢٧٩ ونوادر أبي زيد: ١٩٠.
(٥) س: يقريك.
[ ٩٧ ]
ع: يخاطب الذئب وكان تعرض له، وقبل البيت:
تحسب هواس؟ وأقبل (١) - أنني بها مفتد من واحد لا أغامره هواس: اسم للأسد، لأنه يهوس كل شيء أي يدقه، يقول: حسب أني مفتد براحلتي وناج بنفسي ذعرًا منه، وأني لا أغامره؟ من غمرات الحرب وهي شدائدها؟ فقلت: الخيبة لفيك أي جعل الله فاها لفيكن فإني مانعها منك، وقاريك، من القرى، ما تحذره من السهام والسلاح الكافة لك.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم ف نحو هذا " لليدين وللفم " وهذا الكلام يروى عن عائشة أنها قالته لرجل أصابته نكبه.
ع: الرجل الذي قالت عائشة هذا فيه هو مالك الأشتر النخفي، وكان أشد الناس على عثمان، وكان أنجد الناس وأجرأهم، ولم يكن في حروب الجمل وصفين أحد أمضى منه، وكان مع علي وقال له علي يومًا: يا مالك من أشجع أنا أو أنت؟ فقال: أما قتل الأقران فأنت، وأما شق الصفوف (٢) فأنا. ودس عليه معاوية من سمه فيشربة عسل فمات (٣) فقال معاوية " إن لله جنودًا منها العسل " وقال علي لما بلغه موته: ذلك رجل كأنما قد مني قدًا، لو كان حجرًا لكان صلدًا، ولو (٤) كان حديدًا لكان افرندًا (٥) .
قال أبو عبيد: ومثله قولهم " للمنخرين " وهذا يروى عن عمر بن الخطاب
_________________
(١) في السمط: وأيقن.
(٢) س ط: أقتل للأقران أشق للصفوف.
(٣) في مثل هذه الأخبار نظر، ومن الحكمة أن يتوقف المرء في قبولها.
(٤) س ط: أو.
(٥) س: فرندا.
[ ٩٨ ]
﵁ أنه قال لرجل أتي به سكران في رمضان فعاقبه وقال " للمنخرين " أولداننا صيام وأنت مفطر؟
ع: المحفوظ في هذا أنه لعلي بن أبي طالب، وأنه أتي بالنجاشي الشاعر سكران في رمضان، فأمر بجلده ثمانين وأن يزاد عشرين فقال له: ما هذه العلاوة يا أب الحسن؟ فقال: لا ستخفافك بحرمة الشهر وأن ولداننا صيام وأنت مفطر.
قال أبو عبيد: ومن الدعاء قولهم (١) " عقرًا حلقًا " قال: وأهل الحديث يقولون " عقرى حلقى " (٢) .
ع: من نون فإنها مصادر كما تقول: سحقًا وبعدًا أي عقره الله وحلقه، والعقر معروف، والحلق يحتمل معنيين: حلق الشعر وإنما المراد به حلق المال وذهابه، والمعنى الثاني أن يصاب في حلقه وهو مقتل، يقال حلقت الرجل إذا أصبت حلقه. ومن قال: عقرى حلقى فإنه (٣) يجعلها صفة لمحذوف أي رماهم بداهية تعقرهم وتحلق خيرهم، كما يقال داهية حالقة ويكتفى بذكر صفتها فيقال: اصابته حالقة.
وقال محمد بن إسماعيل البخاري في كتابه: عقرة حلقى لقة لقريش، قال رؤبة وذكر سنة جدب (٤):
_________________
(١) س: ومن أمثالهم في الدعاء.
(٢) أورد أبو عبيد في هذا الموضع أمثالًا أخرى حذفها البكري وعي في الدعاء: قال الأحمر: من دعائهم في هذا: " بخيبة فلتكن الوجبة " يعني الصرعة، وقال الأموي في نحوه: " من كلا جنبيك لا لبيك " أي لا تكون له التلبية والسلامة، لأن التلبية هي الإقامة بالمكان، وقال الأصمعي: ومن دعائهم: " جدع الله مسامعه " ومعناه القطع يريدون الأذنين، وأما قولهم: " استكت مسامعه " فإنه الصمم. نقلا عن ف.
(٣) س: فإنما.
(٤) الرجز في ديوان رؤية: ٧٨ واللسان (رفش، حمش) والجمهرة ٢: ٩٧.
[ ٩٩ ]
حصاء تنفي المال بالتحريش دقًا كدق الوضم المرفوش أو كاحتلاق النورة الجموش التحريش: التمزيق. وقال أبو حنيفة (١): هو ذهاب الشحم واللحم. والرفش: شدة الأكل، يقول: حلقت الأموال كما تحلق النورة الجموش الشعر، والجموش الشديدة احلق، ولهذا سميت المنية: حلاق. وقال مهلهل (٢):
ما أبالي بالعيش بعد أناس كلهم قد سقي (٣) بكأس حلاق قال أبو عبيد: ومن الدعاء عند الشماتة " به لا بظبي " أي جعل الله ما أصابه لازماص له، قال الفرزدق (٤):
أقول له لما أتاني نعيه به لا بظبي بالصريمة أعفر ع: يقوله الفرزدق لما أتاه نعي زياد بن أبي سفيان ويرد على مسكين الدارمي في رثائه وتأبينه لزياد وذلك قوله:
رأيت زيادة الإسلام ولت جهارًا حين فارقنا زياد فقال الفرزدق:
أمسكين أبكى الله عينك إنما جرى في ضلال دمعها فتحدرا
بكيت امرءًا فظًا غليظًا مبغضًا ككسرى على عدانه أو كقيصرا
أقول له لما أتاني نعيه به لا بظبي بالصريمة أعفرا
_________________
(١) ص: أبوح؛ ح: أبو حاتم.
(٢) البيت في اللسان (حلق) والعيني ٤: ٢١٢ وشعراء النصرانية: ١٧٧ باختلاف في الرواية.
(٣) ط وهامش س: سقوا.
(٤) ديوان الفرزدق: ٤٨ وطبقات ابن سلام: ٢٥٩ - ٢٦٠ والأغاني ١٩: ٣٢.
[ ١٠٠ ]
قال أبو عبيدة: ومن دعائهم قولهم " لا لعًا لفلان " (١) أي لا أقامه الله، وأنشد للأعشى (٢):
بذات لوث عفرناةٍ إذا عثرت فالتعس أدنى لها من أن أقول لعا وأنشد للأخطل (٣):
فلا لعًا لبني ذكوان (٤) إذ عثروا ع: ليس معنى لعًا: أقامه، كما ذكر أبو عبيدة، ولا قال ذلك أحد من اللغويين، وإنما تقال للعاثر لينتعش من عثرته، ولا تجيء في شعر ولا نثر إلا مقرونة بالعثار كما قال الأخطل، وقال الأعشى:
كلفت مجهولها نفسي وشايعني (٥) همي عليها إذا ما آلها لمعا
بذات لوثٍ عفرناةٍ إذا عثرت فالتعس أدنى لها من أن أقول لعا قال اللغويون: لعا كلمة تقال للعاثر في معنى: اسلم، وكذلك دعدع، قال مالك ابن حريم:
إذا وقعت إحدى يديها بثبرة تجاوب أثناء الثلاث بدعدعا (٦)
_________________
(١) ص: لا لعا لبني فلان.
(٢) ديوانه، القصيدة ١٣ البيت ٢٥، والموث: القوة، والعفرناة: النشيطة. أي إذا عثرت دعا عليها بالتعس ولم يقل لها " لعًا ".
(٣) ديوانه: ١٠٧ ويسذكر أبو عبيد البكر البيت كاملًا فيما يلي.
(٤) كذا في ف، وفي ص س ط: فعلان.
(٥) البيت ٢٤ من القصيدة السابقة وروى أبو عبيدة: كلفت عمياءها نفسي، والضمير عائد للبلدة، في بيت سابق، والآل: السراب.
(٦) ابن السكيت: ٥٨١ حيث ورد البيت، وقبله: وتهدي في الأرض الخيل المغيرة نهدة إذا ضبرت صابت قوائمها معا الثبرة: الهوة في الأرض، أثناء الثلاث: معاطفها، يقول أنهضتها قوائمها الثلاث ولم يخذلنها، والمعنى إذا وقعت إحدى قوائم هذه الفرس في حفرة أعانتها الثلاث على النهوض كأنما تقبلها من عثارها بقول: دع دع. وفي ص س ط: بدعدع.
[ ١٠١ ]
وقد روي في حديث مرفوع أنه كره أن يقال للعاثر: دعدع، وليقل له اللهم ارفع وانفع.
وتمام بيت الأخطل:
فلا هدى الله قيسًا من ضلالتها ولا لعاص لبني ذكوان إذ عثروا ٢٨؟ باب الملاحاة والشتائم
قال أبو عبيد: (١) قال الأصمعي: [يقال] " من نجل الناس نجلوه ".
ع: معنى نجل: رمى وقذف، ومنه سمي الولد نجلًا لأن أباه قذفه في موضع التكون، ويقال: نجله بالرمح إذا رماه به، ويقال: معنى من نجل الناس نجلوه: أي [من] كشف عن مساوئهم ومعايبهم كشفوا عنها منه، واشتقاق الإنجيل من هذا لأن الله كشف بد دارساص من الحق، ويروى: من نحل الناس نحلوه؟ بالحاء المهملة.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا قولهم " سفيه لو يجد مسافيها " وهذا المثل يروى عن الحسن بن علي أنه قاله لعمرو بن الزبير.
ع: وقال حاجب بن زرارة في معناه (٢):
_________________
(١) حذف البكري صدر هذا الباب وهو يقع في ف (ورقة ١٥ ظ) في ثلاثة أسطر.
(٢) الأبيات في أمالي الزجاج: ٣٣.
[ ١٠٢ ]
أغركم أني بأحسن (١) شيمةٍ رفيق وأني بالفواحش أخرق
وأنك قد فاحشتني فغلبتني هنيئًا مريئاص أنت بالفحش أرفق (٢)
(٣) ومثلي إذا لم يجز أفضل سعيه تكلم نعماه بفيه (٤) فتنطق قال أبو عبيد: قال أبو عبيدة: إذا عرف الرجل بالشرارة (٥) ثم جاءت منه هنة قيل " إحدى حظيات لقمان " (٦) قال: وأصل الحظيات المرامي، واحدها حظية وتكبيها حظوة، وهي التي لا نصل لها من المرامي.
ع: قال عبيد بن شربة: كان عمرو بن تقن (٧) قد طلق امرأة فتزوجها لقمان، فكانت تلك المرأة تكثر أن تقول عنده: لا فتى إلا عمرو، وكان ذلك يغيظ (٨) لقمان ويسوءه، فقال لقمان: والله لأقتلن عمرًا، فقالت له امرأته، لئن تعرضت لذلك ليقتلنك؛ فصعد لقمان في سمرة عند مستقى عمرو لإبله واتخذ فيها عشًا رجاء أن يصيب من عمرو غرة، فلما وردت الإبل تجرد عمرو وأكب على البئر يسقي فرماه لقمان من فوقه بسهم في ظهره. فقال: حس، إحدى حظيات لقمان، فانتزعه ورفع بصره (٩) إلى السمرة فإذا لقمان: ما ضحكي (١٠)
_________________
(١) الزجاجي: بأحسن شينتي.
(٢) بخط ابن الأنباري في هامش ف: أحذق ويروى أوفق.
(٣) الزجاجي: أحسن صنعه.
(٤) س ص: يفيها.
(٥) س: بالشر؛ ح: بالشوارد.
(٦) زاد في س: أي أنها من فعلاته.
(٧) ص: لقن؛ ط: ثقن.
(٨) ط: يغضب.
(٩) ط: رأسه.
(١٠) س: أضحك.
[ ١٠٣ ]
إلا من نفسي، أما إني قد نهيت عما ترى، قال: ومن نهاك؟ قال: فلانة، قال عمرو: فإن وهبتك لها لتعلمنها ذلك (١)؟ قال: نعم، فخلى سبيله؛ فأتاها لقمان فقال: " لا فتى إلا عمرو " قالت: لقد لقيته؟ قال: نعم، فكان كذا وكذا وأسرني فأراد قتلي ثم وهبني لكن قالت " لا فتى إلا عمرو " قال: صدقت.
ع: الحظوة؟ بفتح الحاء؟ السهم القصير بلا نصل، وبضمها وكسرها المنزلة والمكانة من الرفعة، يقال: حظي يحظى حظوة وحظوة.
قال أبو عبيد: ويروى عن عاصم أن جارًا له نازعه في أرض ادعياها (٢) - كلاهما؟ وذكر الخبر.
ع: قال الزبير: بقيت تلك الأرض متروكة إلى قبيل زماننا هذا حتى تشور فيها بعض المتشورين (٣) .
قال أبو عبيد: ومن الأمثال المشهور في الشتم أن " يقال من سبك، فيقال: هو الذي أبلغك ".
ع: قد نظم الشعراء (٤) هذا فقال أحدهم (٥):
لعمرك ما سب الأمير عدوه ولكنما سب الأمير المبلغ
_________________
(١) س: بذلك.
(٢) س: ادعاها.
(٣) س ط: تسور.. المتشورين.
(٤) ط: بعض الشعراء.
(٥) البيت في نهاية الأرب ٣: ٢٩٦ والعسكري ٢: ٢٤٩ وهامش: ف.
[ ١٠٤ ]
قال آخر:
ومن يخبرك (١) بشتم عن أخ فهو الشاتم لا من شتمك قال آخر (٢):
وشاهد الهاجي شريك له ومطعن الخنزير كالآكل ٢٩؟ باب المماكرة والخلابة
قال أبو عبيد: من أمثالهم في المماكرة " ضرب أخماسًا لأسداس ".
وأنشد (٣):
إذا أراد امرو مكرًا جنى عللًا وظل يضرب أخماسًا لأسداس ع: أرسل أبو عبيد هذا المثل إرسالًا من غير تفسير، وقال ابن الأعرابي: ضرب أخماسًا لأسداس هو أن يظهر خلاف ما يكمن (٤) . وأنشد:
الله يعلم لولا أنني فرق من الأمير لعاتبت ابن نبراس
في موعد قاله لي ثم أخلفه غدا غدًا ضرب أخماسٍ لأسداس وقال محمد بن سهل راوية الكميت: إذا أراد الرجل سفرًا بعيدًا عود إبله أن
_________________
(١) س: يبلغك.
(٢) شبيه هذا البيت في الورقة: ١١١ منسوب لمحمد بن حازم الباهلي وفي الروض الأنف ٢: ٣١٢ لكعب بن زهير وروايته: فالسامع الذم شريك له ومطعم المأكول كالآكل (٣) البيت في العقد ٣: ٨٩.
(٣) ط: يضمر يظهر.
[ ١٠٥ ]
تشرب خمسًا صم سدسًا حتى إذا دفعت (١) في السير صبرت، ذكر ذلك قاسم بن ثابت عنه، والجلية في معناه أنه مثل مضروب لراعي الإبل، وأنه يوردها السدس برسم الخمس تغليطًا لصاحبها ومكرًا عليه لؤونة إيرادها الماء وصروفها إلى المرعى، ومعنى يضرب هنا يجعل ويثبت، من قوله تعالى ﴿وضربت عليهم الذلة والمسكنة﴾ (البقرة: ٦١) أي أثبتت ومنه ضرب المثل، وهو وضعه في موضعه وإثباته حيث يصلح له، والخمس نهاية الاظماء في الحضر، والسدس أول الاظماء عند الاضطرار والسفر، وإنما يتجاوزون الخمس إلى السدس اضطرارًا.
٣٠ -؟ باب اللهو والباطل وألفاظها
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا " دهدرين سعد القين " ومعناه عندهم الباطل. قال الأصمعي: ولا أدري ما أصله.
ع: هذا مثل قد اختلف فيه العلماء وكثر فيه القيل، وقلّ الانتقاد والتحصيل، فبعضهم (٢) من يجعل " ده " منفصلًا من " درين " ومنهم من يجعله متصلا؟ ً مثنى من " دهدر " ومنهم من يجعله اسمًا واحدًا مبنيًا. قال أبو علي في البارع: دهدر ودهدن؟ بالراء والنون؟ الباطل، قال الراجز (٣):
لأجعلن لابنة عمرٍو فنا حتى يعود مهرها دهدنا (٤) أي باطلًا.
_________________
(١) س: رفعت.
(٢) س ط: فمنهم.
(٣) الراجز هو مدرك بن حصن الفقعي الأسدي.
(٤) فنا: عناء، وقال الجوهري: أي أمرًا عجبًا؟ وورد الرجز في نوادر أبي زيد: ٤٩، ٥٠، وتهذيب الألفاظ: ١٥١، والجمهرة ٣: ٣٤٩ واللسان (فنن، خفض) والرواية " لأجعلن لابنة عثم ".
[ ١٠٦ ]
وقيل أن معنى " ده ": بالغ في التداهي والكذب، كما يفعل القين المضرب به المثل في قولهم " إذا سمعت بسرى القين فإنه مصبح ". ونقل من دها إلى داه مثل هاد وهائد ولاع ولائع، ودرين من الدرور أي درّ بذلك ثم در (١)، وثني كما يقال دواليك وهذا ذيك، وعلى هذا المعنى أيضًا ثني على قول من يجعل دهدرًا اسمًا واحدًا.
وقال أبو العلاء: دهدرين منصوب بفعل مضمر، وسعد القين يرتفع على أحد أمرين إما أن يكون نداء على قولك يا سعد القين فسعد منادى علم، والقين نعت له أي أنت عندي بمنزلة هذا الكذب، وإما أن يكون المعنى: أنت سعد القين، أي أنت مثله، وحذف (٢) التنوين لكثرة الاستعمال كما قرأ بعضهم ﴿قل هو الله أحد الله الصمد﴾ (الإخلاص: ١) .
وقال أبو علي الفارسي: دهدرين صوت لم يؤخذ من فعل وإنما هو كناية عنه وبدل منه، كما كانت هيهات وهلم ونحو ذلك من الأصوات، ودهدرين اسم للباطل وقع بطل، لتضمنه معناه ووقوعه موقعه، وهو مبني كما بنيت شتان لأنها في معنى افترق، وهيهات لأنها في معنى بعد. وإذا كان ذلك كذلك، فسعد القين مرتفع به كما يرتفع ببطل لو استعمل بدله، وكذلك ما أتى بعد هيهات من الأسماء مرتفع به ارتفاع ما بعد الفعل به.
وقال غيره: دهدرين موضعه رفع لأنه خبر ابتداء محذوف كأنه قال: كلامك باطل أو فعلك (٣) باطل، وكذلك سعد القين أي أنت سعد القين كما تقدم، والأمثال موضع إيجاز واختصار وقد ورد فيها من التوسع والحذف ما لم يجيء مثله إلا في أشعارهم.
وقد اختلف الرواة في حكاية لفظ المثل اختلافًا شديداص فرواه ابن الأعرابي " دهرين سعد القين " وكذلك أورده المؤلف في المتن (٤) " دهرين سعد القين "
_________________
(١) راجع لسان العرب (درر) .
(٢) س: وحذفوا.
(٣) ط: كلامه وفعله.
(٤) س ط ص: المؤلفون. في المثنى.
[ ١٠٧ ]
- هو الباطل؟ وذكره أبو عمرو بن العلاء كما ذكره أبو عبيد " دهدرين سعد القين " نصبوا دهدرين بإضمار فعل ينصبه وتركوا تنوين سعد استخفافًا. وذكره أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتاب الأمثال " دهدرين وسعد القين " بالواو ونصب القين، قال: وبعضهم يرويه " دهدرى سعد القين " دهدرى مقصور بغير نون الاثنين، قال: وموضعه في ضرب المثل إذا رد على مخبر خبره أو على فاعل فعله أو حمق أحمق. ورواه أبو زياد الكلابي " دهدريه سعد القين " بالهاء ورواه يعقوب في كتاب الأمثال (١) عن الأصمعي عن خلف الأحمر: " دهدرين ساعد القين " قال خلف: كذا سمعت الأعراب يروونه. وقال أبو زيد في نوادره: يقال للرجل يهزأ منه: دهدرين وطرطبين ودهدرى، ودهدرى وسعد القين. وفي كتاب الألفاظ لابن السيكت يقال: دهدرين سعد القين (٢) وساعد القين. وقال غيره: ودهدرين وسعد القين. وقال الطوسي: يقال للذي يكذب في حديثه: دهدريه سعد القين؟ بالهاء؟ فهذا جميع ما ورد فيه للعلماء لفظًا [ومعنى] وإعرابًا وتأويلًا.
قال أبو عبيد: قال الكسائي: " هو الضلال ابن فهلل والضلال ابن ثهللل ".
ع: نقل أبو علي عن الأحمر: هو الضلال بن ثهلل وابن فهلل معرفة لا ينصرف. أراد أنه مسمى بالفعل. وقال اللغويون في ثهلان؟ اسم الجبل؟ إنه فعل ممات، ولا أدري لثهل ولا لفعل معنى. وقال أبو زيد في الضلال: ابن البهلل (٣) .
قال أبو عبيد: قال الكسائي من أسماء الباطل قولهم: " في السمه ".
_________________
(١) هكذا ورد في ص، ح.
(٢) انظر تهذيب الألفاظ: ٢٦٢.
(٣) ط: السيهلل؛ س: الشهلل.
[ ١٠٨ ]
ع: السمه والسمهى هو الكذب والباطل، وذكروا عن يونس أنه قال: السمهى هو الهواء بين السماء والأرض. وقال الأصمعي في قول رؤبة (١):
قال: يقال ذهبت (٢) في السمهى؟ كذا يتكلم به؟ أي في الريح، قال: وجاء به رؤبة على حذف الألف.
قال أبو عبيد: ومن أسماء الباطل عندهم " جاء فلان بالترهة " وهي واحدة الترهات وكذلك التهائه. قال القطامي (٣):
ولم يكن ما اجتدينا من مواعدها إلا التهائه والأمنية السقما ع: وأول الشعر:
بانت رميم وأمسى حبلها رممًا وطاوعت بك من أغوى (٤) ومن صرما
ولم يكن ما (٥) بلونا من مواعدها إلا التهائه والأمنية السقما
قولًا يكون من الإخلاف صاحبه غير المريح ولا الموفي بما زعما ٣١؟ باب الدعابة والمزاح
ع: العرب تقول: لو كان المزاح فحلًا، لكان الشر له نسلا، وتقول أيضًا: لو كان المزاح فحلًا ما ألقح إلا جهلًا. ويقال: مزاح ومزاح؟ بكسر
_________________
(١) ديوان رؤبة: ١٦٥.
(٢) ط: ذهب.
(٣) ديوان القطامي: القصيدة: ٢٣ ص: ٦٨ وهو في اللسان والتاج (تهته) .
(٤) س ط: أغرى.
(٥) الديوان: ابتلينا؛ س: اجتدينا.
[ ١٠٩ ]
الميم وضمها؟ وزعم بعضهم أن المزاح؟ بالضم؟ وزنه مفعل أي أنه مزاح عن الحق، معدول عنه. وكان ابن الماجشون كثيرًا ما ينشد هذين البيتين:
إنما للناس منا حسن خلق ومزاح
ولنا ما كان فينا من فساد وصلاح قال أبو عبيد: جاءنا عن بعض الخلفاء أنه عرض على رجل خلتين فقال: " كلاهما وتمرا " فغضب عليه، وقال: أعندي تمزح، فلم يوله شيئًا.
ع: أول من قال هذا عمرو بن حمران الجعدي (١)، وكان في إبل لأهله يرعاها فمر به رجل قد جهده الجوع والعطش وبين يدي عمرو زبد وقرص وتمر، فقال له الرجل: أطمعني من زبدك أو من قرصك فقال له عمرو " كلاهما وتمرًا " [أي كلاهما وأزيدك تمرًا وقد يروى: كليهما وتمرًا] (٢) على إضمار الفعل في أول الكلام، ذكر ذلك سيبويه.
وقال ابن كرشم الكلابي (٣): الرجل الذي مر بعمرو بن حمران هو عائذ بن يزيد اليشكري وقال في ذلك عائذ:
إذا جاوزت مقفرةً رمتني إلى أخرى كتلك هلم جرا
فلما لاحني سغب ولوح وقد متع النهار لقيت عمرا
فقلت هلم زبدًا أو سويقًا (٤) فقال: كلاهما وتزاد تمرا
_________________
(١) في س ط ص: الجعفري. والتصحيح عن الفاخر: ١٢٠ والميداني ٢: ٦٥.
(٢) زيادة من س ط.
(٣) في س ط ص: الكلبي، وابن كرشم هو علاقة (بكسر العين وتشديد اللام) وكان في أيام يزيد بن معاوية. وهو راوية عبيد بن شربة. وتختلف النقول في رسم (كرشم) فورد في ص ط بالشين، وفي الفهرست وفي معجم الأدباء لياقوت " كريم ". وقد نسب المتأخرون إليه كتابًا في الأمثال، وفي هذه النسبة نظر (راجع الفهرست: ٨٩ وياقوت ١٢: ١٩٠) .
(٤) ح: وتزيد تمرًا.
[ ١١٠ ]
قال أبو عبيد: وقال بعض أهل العلم في شعر له (١):
أما المزاحة والمراء فدعهما خلقان لا أرضاهما لصديق
أني بلوتهما فلم أحدهما لمجاورٍ جارًا، ولا لرفيق ع: هذا الشعر لمسعر بن كدام الفقيه (٢)، قال ابن عيينة (٣): ما رأيت أحدًا فضله عليه، قال: سمعته يخاطب ابنه كدامًا في شعر له:
أكدام إني قد بذلت نصيحةً فاسمع لقول أب عليك شفيق
أما المزاحة وامراء (البيتين) وقال أبو هفان:
مازح صديقك ما أراد مزاحا فإذا أباه فلا تزده جماحا
ولربما مزح الصديق بمزحةٍ كانت لبدء عداوةٍ مفتاحا وقال أبو تمام (٤):
نفسي فداء أبي علي إنه صبح المؤمل كوكب المتأمل
فكه يجم الجد أحيانًا وقد ينضى ويهزل عيش من لم يهزل وقال الحكيم: الإفراط في المزاح مجون والاقتصاد فيه ظرف والتقصير عنه فدامة.
_________________
(١) الأبيات في حماسة البحتري: ٢٥٣، وروضة العقلاء: ٦٣ وجامع بيان العلم ٢: ٩٩.
(٢) عامري يكنى أبا سلمة توفي سنة ١٥٢هـ؟ أو بعدما بقليل، وكان مرجئًا. وروى أبو حاتم فيه قول أحمد بن سعيد " ما رأيت مثل مسعر، كان مسعر من أثبت الناس ". راجع ترجمته في الجرح والتعديل: ١٦٨٥ وطبقات ابن سعد ٦: ٢٥٣ والمعارف: ٢١١.
(٣) ابنا عيينة اثنان: عمران (طبقات ابن سعد ٦: ٢٧٧) وسفيان وهو أشهرهما توفي ١٩٨ (التعديل: ٩٧٣ وتهذيب التهذيب: ٢٠٥) .
(٤) ديوانه: ١١٦ والبيت الثاني مقدم على الأول وبينهما ثلاثة أبيات.
[ ١١١ ]
قال أبو عبيد: وذكر عند عمر بن الخطاب فلان فقال: ذلك رجل فيه دعابة.
ع: لما طعن عمر ﵁ دخل عليه ابن عباس فرآه مغتمًا بمن يستخلف (١)، فجعل ابن عباس يذكر له أصحابه: فذكر عثمان فقال: هو كلف (٢) بأقاربه. قال فعلي، قال: ذاك رجل فيه دعابة، قال فطلحة، قال: لولا بأو فيه، قال فالزبير، قال: وعقة لقس (٣)، قال فعبد الرحمن بن عوف قال: أوه ذكرت رجلًا صالحًا ولكنه ضعيف، وهذا الأمر لا يصلح له إلا اللين في غير ضعف والقوي في غير عنف، قال: فسعد، قال: ذلك يكون في مقنب من مقانبكم.
قوله: وعقة لقس معناها الشراسة وشدة الخلق؛ فلم يستخلف عمر ﵁ واحداص منهم وجعلها شورى بينهم. والدعابة أيضًا نملة سوداء.
٣٢ -؟ باب الخلف في المواعيد
قال أبو عبيد: من أمثالهم في خلف (٤) الموعد " إنما هو كبرق الخلب " وهو الذي لا مطر معه (٥) .
_________________
(١) س: يستخلف بعده.
(٢) انظر الفائق: كلف (٢: ٤٢٥) .
(٣) اللقس: الشرس النفس والحريص على كل شيء (اللسان: لقس) .
(٤) س: إخلاف.
(٥) ط: فيه.
[ ١١٢ ]
ع: قال الزبير (١): أخبرني عتبة بن حمزة اللهبي (٢) قال: عندنا بمكة موضع يقال له الخلبة، يكذب برقه، فلذلك شبه الناس به البرق الكاذب فقالوا: برق الخلب.
والصحيح أن الخلب إنما هو مشتق من الخلابة وهو الخداع، وفي الحديث: لا خلابة. ومن أمثالهم: " إذا لم تغلب فاخلب " فكأن البرق الخلب يخدع (٣)، يطمع بالمطر ولا مطر فيه. وقال الكميت أو غيره:
بخلابة العينين كذابة المنى وهن من الأخلاف والولعان قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا " مواعيد عرقوب " وذكر أنه كان رجلًا من العماليق، وذكر خبره ثم قال: وفيه يقول الأشجعي:
وعدت وكان الخلف منك سجية مواعيد عرقوب أخاه بيثرب ع: هكذا ثبتت الرواية عن أبي عبيد؟ بيثرب (٤)؟ يعني المدينة، وقد تقدم له أن المثل لرجل من العماليق، ولم يكن قط أحد من العماليق بيثرب ولا سكنها، وإنما هو " بيترب "؟ بالتاء المعجمة باثنتين من فوقها وبفتح الراء؟ وهكذا أنشد أبو عبيدة معمر بن المثنى البيت المذكور؟ وهو لعلقمة؟ بيترب، وقال: من أنشده بيثرب فقد أخطأ.
والعماليق إنما كانت من اليمامة إلى وبار، ويترب هناك، وبيت علقمة لم يأت على هذا اللفظ، وصلة بيت علقمة وصواب إنشاده (٥):
_________________
(١) هامش ف: من قوله قال الزبير، إلى قوله فقالوا برق الخلب ليس في أصل أبي عبيد وهو في الحاشية بخط الأنباري.
(٢) في ح: التيمي، وفي حاشية س: الليثي.
(٣) يخدع: سقطت من س.
(٤) كذا قال البكري، وقد رواها عن الميداني عن أبي عبيد " بيترب " بالتاء.
(٥) انظر ديوانه: ٨٥ ومنتهى الطلب الورقة: ٢٠.
[ ١١٣ ]
وما أنت أم ما ذكرها ربعية تحل بإبرة أو بأكناف شربب
أطعت الوشاة والمشاة بصرمها (١) فقد أنهجت حبالها للتغضب
وقد وعدتك موعدًا لو وفت به كموعد عرقوب أخاه بيثرب هكذا رواه الأصمعي وابن الأعرابي وقالا: عرقوب رجل من الأوس أو من الخزرج استعراه (٢) أخ له نخلة فوعده إياها وقال حتى تزهي، فلما أزهت قال حتى ترطب، فلما أرطبت حتى تجف شيئًا ويمكن صرامها؛ ثم أتاها ليلًا فصرمها فضربته العرب مثلًا. وقال قطرب (٣): يترب قرية بين اليمامة والوشم وأنشد للجعدي (٤):
وقلن لحا الله رب العباد جنوب السخال (٥) إلى يترب
لقد شط حي بجزع الأغر (٦) حيًا ترفع بالشربب ويقال لهذه القرية أيضًا أترب بالهمزة (٧) .
وقال أبو بكر ابن دريد (٨): اختلفوا في عرقوب فقيل هو من الأوس فيصح على هذا أن يكون بيثرب، وقيل إنه من العماليق فعلى هذا القول يكون بيترب -
_________________
(١) ط: للتقضب.
(٢) من العرية وجمعها العرايا، وهي الهبة يعريها صاحبها (أي يهبها) رجلا محتاجًا يكون له ثمرة عامها؛ وفي س: استعاره.
(٣) رواية قطرب هذه مذكورة في معجم البكري (يترب) بالتاء.
(٤) انظر معجم البكري مادة (يترب)، وقد أورد البيتين في الزيادات وكذلك في ديوانه: ٢٢ والأول في اللسان (سخل) والثاني منهما أيضًا في مادة (الأغر) . وذكر نشوان الحميري أن الموضع يسمى تيرب - بتقديم التاء على الياء - وأنشد مواعيد عرقوب أخاه بتيرب، وهي رواية غريبة، (شمس العلوم: ٢٢٦) ولم يذكر البكري تيرب في معجمه.
(٥) في س ط ص: الشمال، والسخال: موضع بالعالية.
(٦) الأغر: واد بشق العالية، وشربب: جبل في ديار بني ربيعة؛ س ط: تربع.
(٧) نقل البكري هذه الرواية في معجمه (يترب) عن ابن سلام.
(٨) انظر الجمهرة ١: ١٢٤.
[ ١١٤ ]
هكذا قال في باب " بجبج " (١)، وقال في باب يترب (٢): عرقوب بن معيذ (٣) ويقال ابن معبد (٤) من بني عبشمس بن سعد ويقال يترب أرض ببني سعد.
قال غيره: وعرقوب جبل مكلل بالسحاب أبدًا ولا يمطر فضرب به المثل في الخلف فقيل مواعيد عرقوب، وقال كعب بن زهير في مواعيد عرقوب (٥):
كانت مواعيد عرقوب لها مثلا وما مواعيدها إلا الأباطيل ٣٣؟ باب إظهار البر باللسان والفعل لمن تراد به الغوائل
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا " شر يوميها (٦) وأغواه لها " قال: وأصله أن امرأة من طسم يقال لها عنز أخذت سبية فحملوها في هودج وألطفوها بالقول (٧) فعند ذلك قالت " شر يومها وأغواه لها " تقول: شر أيامي حين صرت أكرم للسباء، وفيه بيت سائر (٨):
شر يوميها وأغواه لها ركبت عنز بحدج جملا
_________________
(١) ص: نجح، وإنما يذكر ابن دريد ما تقدم في باب بجبج (الجمهرة ١: ١٢٤) لإنشاده قول الشاعر: يا دار سلمى بجنوب يترب بجبجب أو عن يمين جبجب (٢) س: بتر.
(٢) في معجم البكري: معبد؛ س ط: معيد.
(٣) معجم البكري: معيد.
(٤) انظر ديوان كعب: ٨.
(٥) ص: يومها.
(٦) س: وألطفوا لها القول.
(٧) أثبت هذا البيت في ف نقلا عن الخشني وحده.
[ ١١٥ ]
ع: لما ذكره أبو عبيد خبر طويل أنا أختصر (١) لفظه وأورد فائدته (٢) وأصل هذا البيت بما (٣) يصلح أن يوضع هنا:
كانت طسم وجديس من العرب العاربة والأمم الخالية وكان المملك عليهم رجلًا من طسم فجار على جديس وأساء السيرة فيهم، وكانت لا تزف امرأة من جديس إلى زوجها حتى يؤتى بها إليه ليفتضها، فتمالأت جديس على الفتك به وبقومه وكان سيدهم الأسود بن عفار (٤) فقال لهم (٥): إني لا آمن الظفر بنا عند المناهضة فنصير خولًا وعبيدًا، ولكني أكتب إلى الملك أني قد تزوجت أختي فليحضرني الملك وجميع أهله ومن أحب إلى طعامي، فإذا أتوكم قام كل رجل منكم على رأس رجل منهم وقد وارى سلاحه تحت رجليه، فإذا قرب الطعام أخذ كل رجل منكم ما تحت رجليه فقتل من يليه. ونقيم مكامن من أهل الشدة وكتمان السر فيقتلون كل من يجيب الصارخ، فأنفذوا تدبيرهم هذا وقتلوا الملك وقومه طسمًا (٦) عن آخرهم إلا رجلًا يقال له رياح (٧) بن مرة فإنه أفلت فأتى حسان بن تبع صاحب اليمن يستعديه على جديس ويذكر له استئصالهم لقومه وعظيم ما غلبوهم عليه من الأموال.
فسار إليهم حسان في جيوش لا تحصى عدتها كثرة، فلما أصحروا قال لهم رياح: إن فيهم امرأة يقال لها اليمامة تبصر (٨) الراكب من مسيرة ثلاثة أيام فاقطعوا الشجر وليضع كل رجل (٩) منكم بين يديه غصنًا من أغصانه ليشتبه عليها الأمر (١٠) . فقامت اليمامة؟ ويقال إن اسمها عنز؟ على رأس حصن لهم يقال له البتيل (١١)
_________________
(١) ص: أحضر.
(٢) زاد في س: إن شاء الله.
(٣) س: مما؛ ط: إنما.
(٤) ط: عقار.
(٥) ص: له.
(٦) ص ط: طسم.
(٧) ط: رباح، حيثما وقع.
(٨) ط: تنظر.
(٩) س: واحد.
(١٠) س: الأمر عليها.
(١١) البتيل على وزن فعيل، وهو جبل باليمامة منقطع عن الجبال؛ وفي ط: الثبل.
[ ١١٦ ]
فقالت: أي قوم، زحفت إليكم الشجر أو أتتكم حمير، إني أرى شجرًا وخلفها بشرًا، فكذبوها، ثم رجعت بصرها فوضح لها تصديق ما رأت فقالت (١):
خذوا (٢) حذاركم يا قوم ينفعكم فليس ما قد أرى بالأمر يحتقر
إني أرى شجرًا من خلفها بشر وكيف تجتمع الأشجار والبشر
إني أرى رجلًا في كفه كتف أو يخصف النعل خصفًا ليس يقتدر فكذبها بعضهم وقال بعضهم: لعلها أمة طلبت غيرنا، لم نبدؤهم (٣) بالمناهضة فنشب بيننا وبينهم حربًا. فما لبثوا أن صبحهم حسان بعد ثالثة فقتل الرجال وسبى النساء وقلع عيني اليمامة فوجد فيها عروقًا سودًا، فسأل ما كانت تكتحل به فقيل له حجر يقال له الإثمد، فاستعمل الإثمد من حينئذ، وصلبها على باب جو فسميت بذلك اليمامة.
وأكثر الشعراء من ذكر عنز هذه في أشعارهم لحدة نظرها، قال المسيب بن علس (٤):
لقد نظرت عنز إلى الجزع نظرةً إلى مثل موج (٥) المفعم المتلاطم
إلى حمير إذ وجهوا من بلادهم تضيق بهم لأياص فروج المخارم وقال النمر بن تولب (٦):
(٧) وفتاتهم عنز غداة تبينت من بعد مرأى في الفضاء ومسمع
_________________
(١) انظر ديوان الأعشى: ٨٢.
(٢) س: لتأخذوا حذركم.
(٣) س: لم نبتدرهم.
(٤) ديوانه: ٤٥٩.
(٥) ط: جوف.
(٦) الأبيات من قصيدة في الخزانة ١: ١٥٥ يصف النمر نفسه بالكرم ويعاتب زوجه على لومها فيه، ويذكرها بالذاهبين وأن الموت لا يبقي على أحد.
(٧) الخزانة: عشية أبصرت.
[ ١١٧ ]
قالت أرى رجلًا يقلب نعله (١) تقليب ذي وصلٍ له ومشع
ورأت مقدمة الخميس ودونها ركض الجياد إلى الصباح بتبع (٢) وقال الأعشى (٣):
قالت أرى رجلًا في كفه كتف أو يخصف النعل لهفي أية صنعا
فكذبوها بما قالت فصبحهم ذو آل حسان يزجي الموت والشرعا (٤) فعنز هي الزرقاء المعروفة بحدة النظر وهي المصلوبة على باب جو فسميت بها اليمامة، بشهادة هذه الأشعار. والتي تحمل حسان إلى اليمن واختارها من نساء جديس غيرها وهي عبرى (٥) - هكذا قال الهمداني؟ قال: ولم ير قط مثلها جمالًا وكمالًا. فلما ارتحل حسان من اليمامة قرب إليها جمل لتركبه فلم تدر كيف تركبه ولا من أين تأتيه فذكرها حسان في قصيدته المشهورة (٦):
أخلق الدهر بجو طللا مثل ما أخلق سيف خللا
كان طسم وجديس إخوة صالحًا أمرهما فاقتتلا
فبغى ذاك على هذا فلم أرض من أمرها ما فعلا [يقول فيها]:
ولقد أعجبني قول التي ضربت للقوم سيري مثلا
شربت طسم يمينًا وجرت لجديس الكاس عنها شملا
قول عبرى واستوت راكبةً فوق صعب لم يقتل ذللا
_________________
(١) الخزانة: أصلا وجو آمن لم يفزع.
(٢) رواية الخزانة: كانت مقدمة الخميس ودنها رقص الركاب إلى الصباح بتبع (٣) انظر ديوان الأعشى: ٨٣.
(٣) الشرع: الأوتار، والمفرد: شرعة، وفي ط: ذو آل غسان.
(٤) كذا في ح، ص؛ وفي س: عنزى؛ ط: عبرا.
(٥) أورد شارح ديوان الأعشى هذه القصيدة: ٨٢ مع اختلاف واسع في الأبيات وعددها.
[ ١١٨ ]
شر يوميها وأخزاه لها ركبت عبرى بحدج جملا
وحملنا بعدها أخرى على فاطر الناب وما إن بزلا
ضجر المركب يبغي سفرا وهو في معطنه ما انتقلا يعني اليمامة التي صلبها.
ينشد شر يوميها بالنصب، وشر بالرفع. فمن نصب فعلى الظرف ومن رفع فعلى تقدير محذوف كأنه قال: ركبت أو ركبته كما قالوا [" شهر ثرى و] شهر ترى، وشهر مرعى " أي ترى فيه النبات. وأما قوله يوميها وكان ينبغي أن يقول شر أيامها فإن للعلماء فيه جوابين:
قال أصحاب المعاني: أراد يوم سبيها وحملها عن أهلها سبية، ويوم موتها وقد أودت بها المنية، فشر هذين اليومين عندها يوم سبيها وهو أغواه لها، ويروى أخزاه لها.
وقال أصحاب العربية؟ أبو علي الفسوي (١) وغيره؟ يعني بشر يوميها شر أيامها فأوقع الاثنين موقع الجميع كما قال الله تعالى: ﴿ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئًا وهو حسير﴾ (الملك: ٤) معناه ثم ارجع البصر كرات لأن البصر لا يحسر من كرة ولا من كرتين.
وأما قوله: وأغواه وكان حقه أن يقول وأغواهما فإنه ينبئ عن توهم ما، كأنه قال شر ما يكون من أيامها وأغواه كما تقول: زيد أجمل الفتيان وأحسن، وقيل أراد أغوى ذلك الشر فرد الهاء على الشر كما قال الفرزدق:
وجدي خطيب المشرقين وشاعره فرد الهاء على الخطيب، وقيل أراد وشاعر ما نذكره.
_________________
(١) ص: المسرمي؛ ح: الكيوكي، وأثبتنا رواية س ط.
[ ١١٩ ]
قال أبو عبيد: (١) ومن أمثالهم القديمة قولهم " الذئب يكنى أبا جعدة " قال ويقال إنه لعبيد بن الأبرص قاله للمنذر حين أراد قتله (٢):
هي الخمر يكنونها بالطلا (٣) كما الذئب يكنى أبا جعده يضرب لمن يظهر إكرامًا وهو يريد غائلة لأن الذئب وإن كانت كنيته حسنة، فإن عمله ليس بحسن (٤) .
ع: هكذا روي عن أبي عبيد هذا البيت. وقال أبو بكر ابن دريد (٥)، وقد أنشد هذا البيت على خلاف هذا:
هي الخمر تكنى الطلا كما الذئب يكنى أبا جعده فقال هذا البيت ناقص وهكذا روي.
وقال الخليل: إنما كني الذئب أبا جعدة لبخله. قال الحربي: لأن البخيل يقال له جعد البنان وجعد اليدين، وأنشد أبو علي:
أخشى أبا الجعد وأم العمر يعني الذئب والضبع.
وقال حمزة الأصبهاني: جعدة: الشاة، وكني الذئب بها لكثرة افتراسه لها،
_________________
(١) قبل هذا ورد في ف قوله: ومثل العامة في هذا " ليس من كرامة الدجاجة تغسل رجلاها ".
(٢) انظر نظام الغريب: ٥٩ واللسان (جعد) والدميري ١: ٤٠٤ وديوان عبيد: ٣.
(٣) رواية الديوان: الخمر تكنى الطلا، وقال في هامش ف: في الأصل هكذا " هي الخمر تكنى الطلا " مع أن البكري اثبت رواية أخرى غير الأصل.
(٤) نقل صاحب اللسان عن أبي عبيد قوله: الذئب وإن كني أبا جعدة ونوه بهذه الكنية فإن فعله غير حسن وكذلك الطلا وإن كان خاثرًا فإن فعله فعل الخمر لإسكاره شاربه، أو كلامًا هذا معناه. والقراءة في س: يضرب للرجل يظهر لك يريد بك غائلة القول الخ.
(٥) انظر الجمهرة ٢: ٦٦.
[ ١٢٠ ]
ويكنى أيضًا أبا جعادة، قال الشاعر (١):
فقلت له يابا جعادة إن تمت تمت سيء الأخلاق لا تتقبل ٣٤؟ باب اليمين الغموس
قال أبو عبيد: وفي الحديث المرفوع " إن اليمين الغموس تذر الديار بلاقع " (٢)
ع: كانت اليمين الغموس عند أهل الجاهلية التي تغمس صاحبها في العار، وصارت في الإسلام التي تغمسه في النار، فذلك معنى الغموس في الجاهلية والإسلام. ومن أمثالهم " حلف له بالمحرجات " أي بالإيمان التي تحرج، أي تدخله في الحرج (٣) .
_________________
(١) انظر الفصول والغايات: ٣٨٠.
(٢) زاد في س: من أهلها.
(٣) في ف: تم الجزء الأول ويتلوه في الثاني جماع أمثال الرجال.
[ ١٢١ ]
فراغ
[ ١٢٢ ]