باب جامع أمثال الظلم وأنواعه
١٥٨ -؟ باب المثل في الظلم وما يخاف من غبه
قال أبو عبيد: وقولهم " اليوم ظلم " يرى أنه من هذا، ومعناه أنه ظلم بأن وضع الشيء في غير موضعه (١)، يضرب للرجل يؤمر أن يفعل شيئًا قد كان يأباه ثم يفعله.
ع: حفظي:
ألا بلى يا مي واليوم ظلم سوف أواتيك وإن لج القسم وذكر أبو علي عن أبي زيد " قدم فلان واليوم ظلم "؟ بفتح الظاء واللام؟ أي قدم فلان حقًا، وأنشد (٢):
قالت له مي بأعلى ذي سلم أما تزورنا إن الشعب التأم
_________________
(١) قال ثعلب (المجالس: ١٠٠) ويقول بعض العرب إذا لقي بعضًا فتهددخ " اليوم ظلم " أي خقًا.
(٢) انظر اللسان مادة (جرم، ظلم) ومجالس ثعلب: ٢٠.
[ ٣٧٣ ]
ألا بلى يا مي واليوم ظلم (١) ويقال: خرجنا فأول ظلم لقيناه فلان؟ أي شخص -. ويقال: لقيت فلانًا أدنى ظلم، إذا كان أول شيء لقيته، كلها بفتح الظاء واللام.
١٥٩ -؟ باب الظلم في الخلتين من الإساءة تجمعان (٢) على الرجل
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا: " أحشفًا وسوء كيل "
ع: قال أبو بكر: يقال كلت الشيء أكيله كيلًا، وأوفاني كيلة حسنة، ومن أمثالهم " أحشفًا وسوء كيلة "، هكذا أتى المثل كيلة لا كيلٍ.
قال أبو عبيد: ومثله قولهم: " أغدةً كغدةِ البعير وموتًا في بيت سلوليةٍ " وذكر أصله (٣) .
ع: كل غدة في بدن البعير أطاف بها ورم فهي غدة. يقال: أغد البعير إغدادًا فهو مغد، ولا يقال مغدود، إذا أصابته غدة وهو داء قتول. ويروى " أغدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية " بالرفع. وكان عامر بن الطفيل وأربد أخو لبيد لأمه قد خرجا حتى قدما على رسول الله ﷺ فقال أحدهما لصاحبه: اشغله أنت بالكلام حتى أضربه أنا بالسيف. فقال أربد: أنا أضربه، وكلمه أنت. فجعل عامر يكلم رسول الله ﷺ ويقول له: أبايعك على أن
_________________
(١) زاد في ط هنا: سوف أواتيك وإن لج القسم.
(٢) ط: يجتمعان.
(٣) انظر ابن هشام ٢: ٣٣٧ وابن سيد الناس ٢: ٢٣٢ وإمتاع الأسماع: ٥٠٧.
[ ٣٧٤ ]
لي الوبر ولك المدر، فيقول له رسول الله ﷺ: بل تبايع على أن لك أعنة الخيل فإنك رجل فارس، فيقول عامر: لا إلا أن يكون لي الوبر ولك المدر، وانتظر أن يضربه أربد فلم يصل إلى ذلك، فانصرفا وعامر يقول لرسول الله ﷺ: والله لأملأنها عليك خيلا جردًا ورجالًا مردًا. فقال عامر لأربد: ما منعك من أن تضربه؟ فقال: ما هممت بذلك إلا رأيتك بيني وبينه، أفكنت أعلوك بسيفي؟ وقال رسول الله ﷺ وقد يئس من إسلامهما: اللهم اكفنيهما. فأصابت أربد صاعقة قتلته، وأصابت عامرًا غدة قتلته، واضطره الوجع إلى بيت امرأة من بني سلول، فجعل يقول " أغدةً كغدة البعير وموتًا في بيت سلولية " (١) فنزلت في هذا ﴿له معقبات من بين يديه ومن خلفه، يحفظونه من أمر الله﴾ (الرعد: ١١)، وقال في شأن أربد: ﴿ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء﴾ (الرعد: ١٣) .
قال ابن إسحاق: والغدة طاعون أصابه في عنقه.
قال أبو عبيد: ويقال في نحوه: " أكسفًا وإمساكًا " وأصله الرجل يلقاك بعبوس وكلوح مع بخل ومنع.
ع: الكسف هنا كناية عن تغير الوجه واللون من العبوس. قال القطامي (٢):
أنسى ابتسامتك والألوان كاسفة تبسم البرق في داج من الظلم يعني كاسفة متغيرة من شدة الحال وضيق المقام. يقال: كسفت الشمس
_________________
(١) قال الخشني: ٤٣٦ " وإنما تأسف أن لنم يمت مقتولًا كما يتأسف الشجعان، وتأسف أيضًا على موته في بيت امرأة من سلول، لأن بني سلول قبيل موصوف عندهم باللؤم، وليس ذلك للؤم أصولهم، لأن مكانهم من قومهم مشهور، وإنما هو شيء غلب عليهم ".
(٢) لم يرد في ديوانه.
[ ٣٧٥ ]
وكسفت (١) . قال جرير:
فالشمس طالعة ليست بكاسفةٍ تبكي عليك نجوم الليل والقمرا قال أبو عبيد: في نحو منه: " كأشقر إن تقدم نحر وإن تأخر عقر "
ع: يقوله لقيط بن زرارة جبلة لفرسه (٢): " أشقر، إن تقدم تنحر وإن تأخر تعقر " وكان أشقره يومئذ مجففًا (٣) بالديباج. وهو أول عربي جفف. وقتل يومئذ، قتله جعدة بن مرداس النميري (٤) .
قال أبو عبيد: ومنه قولهم في الأرقم " إن يقتل ينقم وإن يترك يلقم " يقول: إن قتله كان له من ينتقم [له] منك، وإن تركته قتلك.
ع: صح من حديث أبي السائب مولى هشام بن زهرة أنه دخل على أبي سعيد الخدري في بيته، قال: فوجدته يصلي فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته. قال: فسمعت تحريكًا تحت سريره فإذا حية، فقمت لأقتلها، فأشار إليّ أبو سعيد أن أجلس. فجلست. فلما انصرف أشار إلى بيت في الدار فقال: أترى هذا البيت؟ قلت: نعم. قال: فإنه كان فيه فتى منا حديث عهد بعرس فخرجنا مع رسول الله ﷺ إلى الخندق، وكان ذلك الفتى يستأذنه بأنصاف النهار ليطلع أهله، فاستأذن النبي ﷺ يومًا فقال: خذ سلاحك فإني أخشى عليك بني قريظة. فأخذ الفتى سلاحه ثم ذهب، فإذا امرأته بين البابين فأصابته غيرة وهيأ لها
_________________
(١) ديوان جرير: ٣٠٤.
(٢) انظر النقائض: ٦٦٤.
(٣) مجففًا أي مجللًا بالديباج، والتجفاف قد يكون سلاحًا أو آلة تقي الفرس الجراح.
(٤) اختلف في قاتله، وبنو جعفر تزعم أنه عوف بن المنتفق (النقائض: ٦٦٤) .
[ ٣٧٦ ]
الرمح ليطعنها به، فقالت: اكفف رمحك حتى تنظر ما في بيتك، فدخل فإذا بحية منطوية على فراشة فركز فيها رمحه فانتظمها فيه، ثم خرج فنصبه في الدار، فاضطربت الحية في رأس الرمح، وخر الرجل صريعًا فما يدري أيهما كان أسرع موتًا: الفتى أم الحية. فجئنا إلى رسول الله ﷺ فذكرنا له ذلك، وقلنا يا رسول الله، ادع الله يحييه. فقال: استغفروا لصاحبكم، فقلنا: يا رسول الله، ادع الله يحييه، فقال: استغفروا لصاحبكم. ثم قال: إن بالمدينة جنًا قد أسلموا، فإذا رأيتم منها شيئًا فأذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم ذلك فاقتلوه، فإنما هو شيطان.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في نحو ذلك " كالمستغيث من الرمضاء بالنار "
ع: أصل هذا المثل وأول من نطق به التكلام الضبعي وذلك أن جساس ابن مرة لما طعن كليبًا، وهو كليب وائل، استسقى عمرو بن الحارث ماء فلم يسقه وأجهز عليه، فقال التكلام في ذلك (١):
المستغيث بعمرو عند كربته كالمستغيث من الرمضاء بالنار وربما أنشدوه " كالمستغيث من الدعصاء بالنار "، والدعصاء: الأرض السهلة المستوية تصيبها الشمس فتحمى فتكون رمضاؤها أشد حرًا من غيرها. وقال أبو الفرج الأصفهاني (٢) إن قائدًا من قواد أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف هرب إلى عمرو بن الليث وهو يومئذ بخراسان فغم ذلك أحمد وأقلقه، فدخل عليه أبو نجدة لخيم (٣) بن ربيعة بن عوف من بني عجل وكان شاعرًا فأنشده:
يا ابن الذين سما كسرى لجمعهم فجللوا وجهه قارًا بذي قار دوخ خراسان بالجرد العتاق وبالبيض الرقاق بأيدي كل مسعار
_________________
(١) البيت في اللسان: (دعص) والأزمنة ٢: ٢٥.
(٢) هذا الخبر وما فيه من شعر في الأغاني ٢٠: ١٣٢.
(٣) س ص: لجيم، والذي في الأغاني: لخيم بن سعد.
[ ٣٧٧ ]
يا من تميم عمرًا يستجير به أما سمعت ببيت فيه سيار
المستجير بعمرو عند كربته كالمستجير من الرمضاء بالنار فسر أحمد، وسري عنه، وأجزل صلة أبي نجدة. ومثله قولهم: " فر من القطر ووقع تحت الميزاب:
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الحلة غير المحمودة (١): " عوير وكسير وكل غير خير "
ع: أول من قال ذلك أمامة بنت نشبة بن مرة وكان تزوجها رجل من غطفان يقال له خالد بن رواحة وكان أعور، فمكثت عنده زمانًا وولدت له خمسة، ثم نشزت عليه فطلقها. وخطبها رجل من بني سليم؟ وقيل من بني شيبان؟ يقال له خالد بن مرة إلى أبيها، وأحسن العطية. وكان أعرج مكسور الفخذ، فلما دخلت عليه قالت: " عوير وكسير، وكل غير خير ".
١٦٠ -؟ باب الظلم فيمن حمل رجلًا مكروهًا ثم زاده أيضًا
قال أبو عبيد: قال أبو زيد: يقال " وقع القوم في أم جندب " إذا ظلموا.
ع: لم يبين أبو عبيد معنى أم جندب. وقال غير واحد من اللغويين: أم جندب
_________________
(١) في ف: في الخلتين المكروهتين.
[ ٣٧٨ ]
الغثم والظلم، يقال: وقع القوم في أم جندب. وأم جندب أيضًا اسم من أسماء الداهية.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم أكثم بن صيفي في نحوه " إنك لا تجني من الشوك العنب ". يقول: إذا ركبت رجلًا بظلم وترته وحملته المكروه فانظر كيف يكون حالك.
ع: قد نظمه صالح بن عبد القدوس فقال (١):
إذا وترت امرءًا فاحذر عداوته من يزرع الشوك لا يحصد به عنبا
إن العدو وإن أبدى مجاملة إذا رأى منك يومًا فرصةً وثبا ١٦١؟ باب الظلم في مطل الحقوق
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا " الأكل سلجان والقضاء ليان "
ع: السلج: سرعة الابتلاع، يريدون بهذا المثل أنه يسهل عليه الأخذ، ويصعب عليه القضاء. قال يعقوب: ومثله قولهم " الأكل سريطى والقضاء ضريطى "
قال أبو عبيد: قال ابن مسعود: " لو كان المعك رجلًا لكان رجل سوءٍ "
_________________
(١) البيتان من قصيدة نسبت في المختار: ٢٧٩ لعبد الله بن المبارك ونسبها القالي: لابن قنبر، وهي في ترجمة صالح في تهذيب ابن عساكر ٦: ٣٧٦ وفي كتاب الآداب: ١١٢.
[ ٣٧٩ ]
ومنه قول زهير بن أبي سلمى: " إن الغادر المعك "
ع: صدره (١):
فاردد يسارًا ولا تعنف عليه ولا تمعك بعرضك إن الغادر المعك يقوله (٢) للحارث بن ورقاء الصيداوي من بني أسد. وكان أغار على بني عبد الله بن غطفان واستخف إبل زهير (٣) وراعيه يسارًا.
١٦٢ -؟ باب الظلم في إدعاء الباطل
قال أبو عبيد: قال أبو زيد: من أمثالهم " إذا طلبت الباطل أنجح بك "، معناه أن نجح الدعوى يكون عليه لا له.
ع: معنى أنجح به ظفر به ولم يظفر هو بشيء. وقال أبو زيد: أنجح بك بفتح الهمزة والجيم معناه صرعك؛ وصله لفتاة من العرب كانت تحت (٤) شيخ منهم. فكانت تراه إذا أراد أن ينتعل قعد فانتعل فكانت تقول " يا حبذا المنتعلون قيامًا " فذهبت مثلًا، فسمعه منها مرة فذهب ينتعل قائمًا فضرط فقال: " إذا طلبت الباطل أنجح بك " فذهبت مثلًا (٥) .
_________________
(١) ديوانه: ١٨٠ والسمط: ٩٤١.
(٢) هذا الكلام بنصه في السمط: ٩٤١.
(٣) س: واستخف ابله.
(٤) س: عند.
(٥) فسمعه منها مثلا: سقط سهوًا من ط.
[ ٣٨٠ ]
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: من أمثالهم في الباطل " قد اتخذ فلان الباطل دغلًا "
ع: يقال: دغل المكان يدغل دغلا فهو دغل. وأدغل إدغالًا فهو مدغل إذا كثر نبته والتف. وقال بعض اللغويين: لا يكون إلا من الحمض إذا كان مخالطًا له الغرين (١) . ويقال أيضًا: دغل الرجل وأدغل إذا فسد قلبه وخان؛ فإن كان المراد في المثل دغل النبات فمعناه أنه اتخذ الباطل دغلًا يجنه ويستره عن أداء الحقوق، وإن كان من دغل النفس فمعناه أنه أشرب الباطل نفسه حتى فسد قلبه.
١٦٣ -؟ باب الكريم يظلمه الدنيء الخسيس
قال أبو عبيد: وقال الأصمعي: من أمثالهم في هذا قولهم: " لو ذات سوار لطمتني ". يقول: لو كان هذا الذي ظلمني ندًا لي وكان له شرف احتملته ولكنه ليس بكفء فهو أشد علي.
ع: قال الفرزدق في هذا المعنى بعينه:
وإن حرامًا أن أسب مقاعسًا بآبائي الشم الكرام الخضارم
أولئك أحلاسي فجئني بمثلهم وأعبد (٢) أن أهجو عبيدًا بدارم
_________________
(١) الغرين أو الغريل: الطين، وفي ص: العرين، والياء غير معجمة في ط، والنون غير معجمة في س، والعين مهملة في كلتيهما.
(٢) س: وأكبر.
[ ٣٨١ ]
ولكن نصفًا لو سببت وسبني بنو عبد شمس من مناف وهاشم ١٣٤؟ باب الانتصار من الظالم (١)
قال أبو عبيد: قال الزبير: من هذا الباب قولهم " يوم بيوم الحفض المجور " (٢)،.
ع: قال الأصمعي: زعموا أن رجلًا كان بنو أخيه يؤذونه فدخلوا بيته فقلبوا متاعه. فلما أدرك ولده صنعوا مثل ذلك بأخيه. فشكاهم إلى أبيهم. فقال: يوم بيوم الحفض المجور " والحفض: متاع البيت. وقيل الحفض: البيت من الشعر بعمده وأطنابه. وإنما سمي البعير الذلول حفضًا لأنهم كانوا يختارون لحمل بيوتهم أذل الإبل لئلا ينفر، فسمي كل ذلول [من الإبل] حفضًا. وقد نزع مروان بن الحكم بهذا المثل عند قتل الحسين بن علي رضوان الله عليهما فقال: " يوم بيوم الحفض المجور، يوم بيوم عثمان "
قال أبو عبيد: ومنه قول الشاعر (٣):
وكنت إذا قوم غزوني غزوتهم فهل أنا في ذا يال همدان ظالم البيتان (٤) .
_________________
(١) س ط: الظلم.
(٢) لم يرد هذا المثل في ف.
(٣) أورد أبو عبيد في ف هذا البيت شاهدًا على المثل القائل " هذه بتلك والبادي أظلم ".
(٤) الثاني منهما هو قوله: متى تجمع القلب الذكي وصارمًا وأنفاص حميًا تجتنبك المظالم
[ ٣٨٢ ]
ع: هذا الشعر لابن براقة الهمذاني وهو (١) عمرو بن براقة بن منيه بن زيد ابن عمرو بن منبه بن شهر بن نهم (٢) من قصيدة أولها (٣):
تقول سليمى لا تعرض لتلفةٍ وليلك عن ليل الصعاليك نائم قال أبو عبيد: وقد تمثل الشعر الحجاج يوسف على المنبر.
قلت (٤): وقد تكلم (٥) به علي بن أبي طالب ﵁ من قبل.
١٦٥ -؟ باب الظلم والإساءة ترجع عاقبتهما على صاحبهما
قال أبو عبيد: ومن ذلك قوله: " ويعدو على المرء ما يأتمر "
ع: هذا البيت من أول قصيدة لامرئ القيس، وأنكر الأصمعي أن تكون له. وقال: هي لربيعة بن جشم النمري (٦) وأولها عند الأصمعي (٧):
أحار بن عمرو كأني خمر ويعدو على المرء ما يأتمر (٨)
_________________
(١) نسبه في السمط: ٧٤٩ والمؤتلف: ٦٦.
(٢) ص ط: تميم، والتصويب عن السمط.
(٣) انظر الأغاني ٢١: ١١٣، والمؤتلف ٢: ٦٧ والعيني ٣: ٣٣٢.
(٤) وضع حرف " ع " مكان " قلت " في س ط.
(٥) س ط: تمثل.
(٦) قال الأصمعي فيما نقله العيني ١: ٩٨ أنشدني أبو عمر بن العلاء هذه القصيدة لرجل من النمر ابن قاسط يقال له ربيعة بن جشم (المؤتلف: ١٢٥ النميري)، وقال أبو عمرو الشيباني: لم يشك أحد أن هذه القصيدة لامرئ القيس ولكن تخلط بها أبيات للنمري.
(٧) انظر ديوان امرئ القيس: ٣ والعيني ١: ٩٦.
(٨) حار: ترخيم حارث. الخمر: الذي خامره داء أو وجع أي خالطه. يعدو عليه: يصيبه وينزل به، ما يأتمر: أي ما يؤامر به نفسه فإذا ائتمر أمرًا غير رشيد عاد عليه.
[ ٣٨٣ ]
وقال المفضل: أولها (١):
لا وأبيك ابنة العامري لا يدعي القوم أني أفر ويقال لمن فعل الشيء من غير مشورة: قد ائتمر، وبئس ما ائتمرت لنفسك.
قال النمر بن تولب (٢):
اعلمي أن كل مؤتمر مخطئ في الرأي أحيانا ويقال: الرجال ثلاثة: رجل ذو عقل ورأي، ورجل ذو مشورة إذا حزبه أمر، ورجل حائر لا يأتمر رشدًا، ولا يطيع مرشدًا، أي لا يأتي برشد من ذات نفسه. وقالوا في قول الله ﷿ ﴿وائتمروا بينكم بمعروف﴾ (الطلاق: ٦) أي هموا به واعزموا عليه.
وذكر أبو عبيد بعد هذا في (٣) الباب الذي يليه (٤) خبرًا لبيهس الملقب بنعامة وقد مضى ذكره وأقوالهم في تلقيبه نعامة. وقال أبو عبيدة في كتابه " التاج ": لقب بذلك لأنه كان جسيما طويلًا.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا " لو ترك القطا ليلًا لنام " وذكر خبره.
ع: أنشد أبو علي:
_________________
(١) كذا قال البكري وروى شارح الديوان أن قوله " أحار بن عمرو.. " هو أول القصيدة في رواية المفضل.
(٢) البيت في المعاني الكبير: ١٢٦٥ واللسان: (أمر) والفصلو والغايات: ٣٩١.
(٣) في سقطت من ط.
(٤) انظر ف ورقة ٦٣ و. ويشير البكري في هذا الموضع إلى باب الذي يسميه أبو عبيد في ف " باب حمل الرجل صاحبه على ما ليس من شأنه بالإكراه والظلم ".
[ ٣٨٤ ]
ألا يا قومنا ارتحلوا وسيروا فلو ترك القطا ليلًا لناما وقد ذكرت خبر هذا المثل عند ذكر أبي عبيد قولهم:
إذا قالت حذام فصدقوها فإن القول ما قالت حذام وقال ابن الأنباري: أول من قاله علباء بن الحارث أحد بني كاهل، وهو الذي قتل حجر [بن الحارث] بن عمرو أبا امرئ القيس. وأقبل امرؤ القيس في جموع من اليمن إلى بني أسد يقصد لعلباء ولا يعلم الناس به، فلما كانت الليلة التي يصحبهم بادر مخافة أن يخبروا فسار مسرعًا فجعل القطا ينفر فيمر على علباء، وكان منكرًا، فقالت ابنته: ما رأيت كالليلة ذا قطا، فيقول لها علباء " لو ترك القطا ليلًا لينام " ثم ارتحلوا فصبحهم امرؤ القيس فألفى بني كنانة في ديارهم فأوقع فيهم وهو يظن أنهم بنو أسد. فلما عرفهم كف عنهم وقال (١):
ألا يا لهف نفسي إثر قومٍ هم كانوا الشفاء فلم يصابوا
وقاهم جدهم ببني أبيهم (٢) وبالأشقين ما كان العقاب
وأفلتهن علباء جريضًا ولو أدركنه صفر الوطاب ١٦٦؟ باب الظلم في عقوبة البريء
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا " ما لي ذنب إلا ذنب صحر " وذكر خبره عن المفضل (٣) .
_________________
(١) الأصمعية رقم: ٤١ وشعراء النصارنية: ١٧٨ والأغاني ٨: ٦٧.
(٢) جدهم: حظهم، بنو أبيهم: هم كنانة لأن أسدًا وكنانة أخوان.
(٣) أمثال الضبي: ٧٠، ف ٦٣ ظ.
[ ٣٨٥ ]
ع: وقال الليثي خلاف ذلك (١) - ذكر أن نساء لقمان خنه فقتلهن ولقيته ابنته صحر فقال: وأنت أيضًا امرأة. فقتلها. فقيل: " ذنب صحر ".
وذكر أبو عبيد قولهم " جزاء سنمار " وقد تقدم ذكره والشاهد عليه (٢) .
١٦٧ -؟ باب الظلم في عقوبة الإنسان بذنب غيره
قال أبو عبيد: روينا في حديث مرفوع أنه قال لرجل وابنه " لا يجني عليك ولا تجني عليه "
ع: قاله النبي ﷺ لأبي رمثة التميمي (٣) واسمه رفاعة بن يثربي.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في اخذ البريء بذنب صاحب الجناية قول النابغة الذبياني (٤):
حملت علي ذنبه وتركته كذي العر يكوى غيره وهو راتع (٥)
_________________
(١) انظر الحيوان ١: ٢١ - ٢٢.
(٢) لا نحسب أن البكري قد ذكر هذا المثل من قبل، وقد أغفل البكري أمثالًا كثيرة وردت في أصل أبي عبيد، وشرح أبو عبيد هذا المثل (ف ٦٣ ظ) بقوله: وكان من حديثه فيما تحكيه العلماء أنه كان بناء مجيدًا وهو من الروم فبنى الخورنق الذي بظهر الكوفة للنعمان بن امرئ القيس؛ فلما نظر إليه النعمان كره أن يعمل مثله لغيره فألقاه من أعلى الخورنق فخر ميتًا.
(٣) وقيل التيمي من تيم الرباب، انظر أسد الغابة ٢: ١٨٦ وكذلك هي رواية س ط.
(٤) ديوانه: ٤١ والمعاني الكبير: ٩٢٩ واللسان: (عر) وحماسة البحتري: ٢٢١.
(٥) لأبي عبيدة معمر بن المثنى في هذه الأمثال، " كذي العر يكوي غيره وهو راتع " و" كلفتني الأبلق العقوق " و" لكالثور والجني يضرب ظهره " الخ رأي جيد، وهي أن هذه الأقوال أمثال ولم يحدث منها شيء قط، فلا يكوى الصحيح، ولا يضرب الثور، وإنما هي ضروب من التمثيل على وجه المبالغة.
[ ٣٨٦ ]
ع: العر بضم العين قروح في مشافر الإبل، وكانوا يزعمون ان الصحيح إذا كوي بحضرة ذي العر برأ. وقال أبو بكر: العر داء يصيب الإبل في رؤوسها فتكوى الصحاح منها لئلا تعديها المراض. فذلك عنى النابغة. ومن روى " كذي العر " بفتح العين فهو خطأ، لأن العر الجرب ولا يكوى منه.
قال أبو عبيد: " كالثور يضرب لما عافت البقر ". يعني عافت الماء وفيه قال أنس بن مدرك (١):
إني وقتلي سليكًا ثم أعقله كالثور يضرب لما عاقت البقر (٢) ع: هذا يقوله أنس بن مدرك الخثعمي قاتل سليك بن السلكة، وبعد البيت:
غضبت للمرء إذ نيكت حليلته وإذ يشد على وجعائها الثفر
إني، تفاسؤ هامات بمخرؤة، لا يزدهيني الليل والخمر
أغشى الحروب وسربالي مضاعفة تغشى البنان، وسفي صارم ذكر التفسؤ: التهتك والتفسخ. وهامات جمع هامة. وجعلها بمخرؤة لأن ذلك أرذل لها. ونصب تفاسؤ على الذم. وقال أبو علي القالي: أراد يا قومًا يتفاسؤن تفاسؤ الهام. وقال أبو حاتم: أراد يا تفاسؤ هامات. والحقيقة ياهامات يتفاسأن. والثور على تفسير أبي عبيد وغيره واحد الثيران يضرب ليقتحم الماء فتتبعه البقر. وقد بين ذلك الأعشى بقوله (٣):
_________________
(١) البيت في المعاني الكبير: ٩٢٩ ومعه الثاني في العيني ٤: ٣٩٩ والدميري ١: ٢٠٦ ومنها ثلاثة في اللسان (وجع) .
(٢) أعقله: أدفع العقل عنه، وهو الدية، يقول: إنه كان مستحقًا للقتل فدفع الدية أيضًا ظلم كما يظلم الثور بالضرب لأن البقر عافت الماء.
(٣) ديوان الأعشى: ٩ والمعاني الكبير: ٢٩٨ وحماسة البحتري: ٢٢١.
[ ٣٨٧ ]
لكاثور والجني يضرب ظهره وما ذنبه أن عافت الماء مشربا (١) وقال الحربي في بيت أنس: الثور ما علا وجه الماء من عرمض، وإذا عافت البقر الماء من أجله ضربه الراعي ففرقه. وقال الخليل، الثور: الطحلب. وقال الزبير: الثور ثور الماء وهو ثورانه.
١٦٨ -؟ باب التبرؤ من الظلم والإساءة
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا " لا ناقتي في هذا ولا جملي " قال: والمثل للحارث بن عباد وذكر خبره (٢):
ع: روي أن يزيد بن معاوي سأل صحار بن عياش (٣) العبدي عن هذا المثل فقال صحار (٤): أول من قاله الصدوف بنت الحليس العذرية وكانت تحت زيد ابن الأخنس الطائي، وكانت له ابنة يقال لها الفارعة وأن زيدًا أخدم ابنته الفارعة وأحسن إليها وعزلها عن امرأته الصدوف وخرج إلى الشام فغاب حينًا، وأن فتى من بني عذرة يقال له شبث (٥) هلق الفارعة وعلقته، فكانت تأمر راعي أبيها أن يعجل لها ترويح إبله وأن يحلب لها حلبة إبلها قيلا (٦) لتشرب اللبن نهاراص. فإذا أمست وهدأ الحي رحل لها جملًا ذلولًا كان لأبيها، وتوافي به العذر فينطلقان إلى تيه من الأرض في عزلة، فإذا كان وجه الصبح أقبلا، ذلك دأبهما حتى أقبل
_________________
(١) الجني: الراعي.
(٢) انظر أمثال الضبي: ٥٦.
(٣) ص: عباس.
(٤) أورد الميداني القصة ٢: ١١٤.
(٥) ص: شنت؛ ط: شيث، والتصحيح عن الميداني.
(٦) القيل: اللبن يشرب في القائلة أو هو شرب نصف النهار.
[ ٣٨٨ ]
أبوها آتيًا (١) إلى أهله، وكان شديد الغيرة، فمر بكاهنة في طريقه فقال له: يرحل جملك ليلًا، وحلبة أهلك تحتلب (٢) قيلًا، وكان ثم حدث، فأقبل لا يلوي، ودخل الحي ليلًا فبدأ بامرأته فوجدها مع عياله مقبلة على ما يصلحها، فخرج إلى خباء ابنته فاستقبلته خادمها. فقال لها: ثكلتك أمك أين الفارعة؟ قالت: خرجت تمشي مع فتيات الحي لعيادة بعضهن وهي عائدة الساعة. فانتقل عنها إلى امرأته ما يشك أنها مريبة، فقالت له: إني لأعرف الشر في وجهك فلا تعجل واقف تر (٣) " لا ناقة لي فيما تكره ولا جمل " (٤) فسار قولها مثلًا.
ثم رجع إلى خباء ابنته لخادمها: والله لا ينجيك مني إلا الصدق، وسل سيفه فصدقته الخبر. قال: فأين أخذا؟ قالت: هذا الوجه. فأتبعهما، فلما صار منها غير بعيد وجد الجمل ريح مولاه فتزحزح. فقال العذري: أما ترين الجمل وحال؟ فقالت: ما كان يصنع هذا إلا إذا رأى مولاه، أو كان قريبًا منه. وجعل الجمل يريد ينبعث، وهو معقول فلا يقدر على القيام. فقالت الفارعة: لقد أوجست أمرًا، أو آنست ذعرًا، أو رأيت شرًا، فليته غاب دهرًا. فسمعها أبوها فقال: قد غبت دهرًا، فحلبت شرًا، وأتيت نكرًا. قم انتضى سيفه ففلق به هامة شبث، وقتل الجارية وانصرف بجمله وهو يقول:
لا تأمنن بعدي الجواريا عونًا من النساء أو عذاريا أخافها والعار والمساويا وقال الراعي:
وما هجرتك حتى قلت معلنةً لا ناقة لي في هذا ولا جمل (٥)
_________________
(١) س ط: آبيًا.
(٢) س ط: تحلب.
(٣) الميداني: واقف الأثر، وكذلك في س.
(٤) الميداني: فلا ناقة لي في هذا.
(٥) هذا البيت ورد في نص أبي عبيد ابن سلام.
[ ٣٨٩ ]
فراغ
[ ٣٩٠ ]