الأمثال في مكارم الأخلاق
٧٧ -؟ باب المثل في الحلم والصبر على كظم الغيظ
قال أبو عبيد: من أمثالهم في الحلم وما يؤمر به (منه) (١) " إذا نزل بك الشر فاقعد " أي أحلم ولا تسارع (إليه) (٢) .
ع: هكذا روي عن أبي عبيد: إذا نزل بك الشر، ورواه غيره: إذا نزا بك الشر فاقعد، وهو أحسن وأشبه بكلامهم، ومنه قولهم " تطأطأ لعها تخطئك "، والتطأطؤ في هذا المثل بإزاء القعود في المثل الذي قبله.
قال أبو عبيد: ويروى عن عمر بن عبد العزيز أنه أتى برجل كان واجدًا عليه فأمر بضربه، ثم قال: لولا أني غضبان لضربتك وخلى سبيله.
_________________
(١) زيادة من ف.
(٢) في هامش ف: هذا الرجل هو جارية بن قدامة ذكره ابن عبد ربه.
[ ٢٢٩ ]
ع: قد ورد النهي أن لا يحكم الحاكم وهو غضبان، لأن كل غضبان لا بد له من الانتقال عن حال الاعتدال وقد قالوا: ثلاثة يصيرون أجن المجانين، وإن كانوا أعقل العقلاء: الغضبان والغيران والسكران.
قال أبو عبيد: ويروى في حديث مرفوع (١) عن النبي ﷺ أن رجلًا قال له: أوصني، قال: " لا تغضب " فأعاد عليه فقال: " لا تغضب ".
ع: هذا حديث مرفوع (٢) خرجه المشترطون للصحة ورواه أبو حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رجلًا قال للنبي ﷺ: أوصني، قال: " لا تغضب " فرد مرارًا فقال: " لا تغضب ".
٧٨ -؟ باب الأعضاء على المكروه واحتمال الأذى
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا " طويت فلانًا على بلاله " " وطويته على بلوله " " وبللته " أي احتملت إساءته وأذاه.
ع: هكذا روي عن أبي عبيد بللته؟ بفتح اللامين؟ وقال أبو زيد: بللة؟ بضم الباء واللام؟ وجماعها: البللات وهي بقية المودة والحب، ويقال: يا فلان اطو صاحبك على بللته أي على بقية ما بقي من وده، وقال سلمة: وعلى بلته وبلته؟ بضم أوله وكسره؟ وهو الثرى، يضرب مثلًا للمودة وكذلك البلة.
_________________
(١) مرفوع: سقطت من ط.
(٢) ط: صحيح.
[ ٢٣٠ ]
قال جرير (١):
ولا توبسوا بيني وبينكم الثرى فإن الذي بيني وبينكم مثر وقال الراجز (٢):
اقصد وكل وادعٍ لم يجهد والود باق والثرى جعد ند وقال آخر:
فلا والله يا ابن أبي عقيل تبلك بعدها عندي بلال وقيل: فيه معنى آخر، قال أبو بكر ابن دريد: طويت فلانًا على بللته وبلالته وبلته إذا طويته على ما فيه من عيب.
قال الشاعر (٣):
ولقد طويتكم على بللاتكم وعرفت ما فيكم من الأذراب وقال آخر (٤):
طوينا بني بشر على بللاتهم وذلك خير من لقاء بني بشر وأنشد أبو عبيد:
أعرض عن العوراء إن أسمعتها واقعد كأنك غافل لم تسمع ع: وبعده:
لا تقنعن ومطلب لك ممكن فإذا تضايقت المطالب فاقنع
_________________
(١) انظر ديوانه: ٢٧٧ وأمالي القالي ١: ٩٤ والسمط: ٢٩٢ واللسان (ثرى) .
(٢) هو أبو نخيلة، والرجز في السمط: ٢٩٣ باختلاف يسير في روايته.
(٣) هو حضرمي بن عامر كما في اللسان (بلل) . والتبريزي ١: ١٢٤.
(٤) انظر البيت في اللسان (بلل)؛ وفي ط: طويت.
[ ٢٣١ ]
والمحفوظ في البيت الذي أنشده: واسكت كأنك غافل لم تسمع.
وأنشد أبو عبيد لمسكين (١):
لقد رأيت الشر بين الحي يبدأه صغاره ع: وقبله:
سائل شبابي هل أسأ ت مساكه أو ذل جاره
ما إن ملكت المال إلا كان لي وله خياره ولقد رأيت الشر.
وأنشد أبو عبيد لعدي بن زيد (٢):
شط وصل الذي تريدين مني وصغير الأمور يجني الكبيرا وبعده:
إن للدهر صولةً فاحذرنها لا تبيتن قد أمنت الدهورا
قد يبيت الفتى صحيحًا فيردى الزم (٣) البر في في الفؤاد ضميرا
لا أرى الموت يسبق شيء نغص الموت ذا الغنى والفقيرا قال أبو عبيد: وفي حديث مرفوع أو عن بعض الصحابة: " مكارم الدنيا (٤) والآخرة أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك ".
_________________
(١) قصيدة مسكين التي منها هذه الأبيات في حماسة البحتري: ١٣٧، ١٨٤.
(٢) مر البيت: ٣٢١ وسائر القصيدة في شعراء النصرانية والخزانة ١: ١٨٣.
(٣) ط: أشعر.
(٤) ط: مكارم الأخلاق الدنيا.
[ ٢٣٢ ]
ع: هذا حديث النبي ﷺ، روي عنه أنه قال:
أمرني ربي بتسع خصال: الإخلاص في السر والجهر، والعدل في الغضب والرضى، والقصد في الفقر والغنى، وأن أصل من قطعني، وأعطي من حرمني، وأعفو عمن ظلمني، وأن يكون نطقي ذكرًا، وصمتي فكرًا، ونظري عبرةً.
قال أبو عبيد: وفي حديث: " ما عفا رجل عن مظلمةٍ إلا زاده الله بها عزة (١): وقال الشاعر:
فإن النار بالعودين تذكى وإن الحرب أولها (٢) الكلام ع: قال أبو بكر ابن القوطية: لا تقول العرب مظلمة؟ بفتح اللام؟ إنما هو مظلمة؟ بكسرها -.
والبيت الذي أنشده هو لنصر بن سيار، وكان صاحب خراسان في آخر الدولة المروانية، فلما أدبر أمرهم ظهور الشيعة الهاشمية قال (٣):
أرى خلل الرماد وميض جمرٍ فيوشك أن يكون له ضرام
فإن النار بالعودين تذكى وإن الحرب أولها الكلام
أقول من التعجب ليت شعري أأيقاظ أمية أم نيام
فإن كانوا لحينهم نيامًا فقل هبوا فقد طال المنام
_________________
(١) في ف: عزا.
(٢) في ف: يبدؤها.
(٣) الأبيات في مروج الذهب ٦: ٦٢ والطبري ٦: ٣٦ ومجموعة المعاني: ١١٢ ونسبها لأبي مريم البجلي.
[ ٢٣٣ ]
٧٩ -؟ باب رتق الفتوق وإطفاء النائرة
قال أبو عبيد: " صار الأمر إلى النزعة " إذا قال بإصلاح أهل الأناة والحلم.
ع: إنما هو " صار الأمر إلى الوزعة وصار الرمي إلى النزعة ". والوزعة جمع وازع وهو الذي يكف الناس عن المناكر. والوازع: الذي يتقدم الصف في الحرب فيصلحه ويرد المتقدم إلى مركزه. وفي الحديث: لا بد للحاكم من وزعة، أي من يكف الناس عنه. والنزعة جمع نازع وهو الذي ينزع في قوسه إذا جذب الوتر بالسهم، وبعيد أن يكون المثل صار الأمر إلى النزعة، لإشكال هذا اللفظ والتباسه، فإن النازع يقع على معان كثيرة، فإذا قال: صار الرمي، تخلص المعنى وانجلى. والنازع في القوس. والنازع: المقصر عن الشيء، والنازع: المشوق إلى الشيء. والنازع: الطالع، يقال: نزع النجم إذا طلع. والنازع: الذي يكون في علز الموت، وهي الحركة الشديدة، والنازع: الذي ينزع الشيء عن الشيء، يقال في جمعها نزع؟ بفتح الزاي؟ ينزع؟ بكسرها.
٨٠ -؟ باب العفو عند المقدرة
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا قولهم " المقدرة تذهب الحفيظة " وقولهم " إذا ارجحن شاصيًا فارفع يدا ".
ع: الحفيظة هنا الغضب، يقال: أحفظني الشيء إحفاظًا إذا أغضبك، والحفيظة أيضًا في غير هذا: الحمية. ومن أمثالهم " إن الحفائظ تنقض الأحقاد " ومعنى هذا أنه إذا كان في قلبك على ابن عمك حقد ثم رأيته يظلم، حميت له
[ ٢٣٤ ]
ونصرته، ونسيت ما في قلبك، والحفظة نحو الحفيظة، قال العجاج (١):
وحفظة أكنها ضميري مع الجلاء ولائح القتير (٢) ومعنى قوله إذا ارجحن الأمر: وقع بمرة غير مستمسك (٣)، وارجحن في غير هذا الموضع: اهتز، ومنه قولهم: شاب مرجحن.
٨١ -؟ باب مياسرة الإخوان وترك الخلاف عليهم
قال أبو عبيد: قال الأصمعي وعدة من علمائنا: من أمثالهم السائرة في هذا " إذا عز أخوك فهن " وذكر خبره.
ع: هكذا صحت روايته (٤) عن أبي عبيد فهن، بضم الهاء (٥)، وكذلك رويناه في كتاب أحمد بن يحيى الذي سماه بفصيح الكلام (٦)، وعلى هذا فسره أبو عبيد في كتابه هذا وذلك قوله: إن مياسرتك لصديقك ليس بضيم ركبك فتدخلك الحمية، والضيم: هو الهوان بعينه.
وقال إبراهيم بن السري في رده على أبي العباس ثعلب: وقلت " إذا عز أخوك فهن " والكلام " فهن "؟ بكسر الهاء من هان يهين إذا لان، ومنه قيل هين لين؟ لأن هن من هان يهون من الهوان، والعرب لا تأمر بذلك، ولا معنى لهذا الكلام يصح لو قالته، ومعنى عز ليس من العزة التي هي القدرة والرفعة، وإنما
_________________
(١) انظر اللسان (حفظ) وديوانه: ٢٦.
(٢) الحفظة: الغضبة، والجلا: انحسار مقدم الشعر. ولائح القتير: ما يبدو من الشيب.
(٣) ط: إذا ارجحن شاصيًا فارفع يدًا، سقط بمرة غير متمسك.
(٤) ط: الرواية.
(٥) ذكر الشريشي ١: ٣٨٤ أن أبا عبيد رواه بالكسر، وفي ف أثبت الوجهين معًا.
(٦) انظر فصيح ثعلب: ٧٧.
[ ٢٣٥ ]
هي من قولك عز الشيء إذا اشتد، وكذلك تعزز واستعز ومنه العزاز من الأرض وهو الصلب الذي لا يبلغ أن يكون حجارة، ويقال: عز يعز إذا صار عزيزًا، وعز يعز عزًا إذا غلب، قال زهير (١):
تميم فلوناه (٢) فأكمل خلقه فتم وعزته يداه وكاهله (٣) ومعنى الكلام: إذ صلب أخوك واشتد فذل له من الذل؟ بالكسر؟ ولا معنى للذل هنا، كما تقول: إذا صعب عليك أخوك فلن له. قال الله ﷿: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا﴾ (الفرقان: ٦٣) أي على سكون وطمأنينة.
وقال ابن درستويه في تفسير المعنى الذي ذهب إليه أبو عبيد: معنى " إذا عز أخوك فهن " إذا صار عزيزًا ملكًا قويًا عليك فأطعه وتذلل له، واخضع تسلم عليه، ولا يظلمك بعزه. والحجة لهذا المذهب قول عمرو بن أحمر (٤):
وقارعة من الأيام لولا سبيلهم لزاحت عنك حينا
دببت لها الضراء وقلت أبقى إذا عز ابن عمك أن تهونا هكذا صحت رواية هذا البيت، دون اختلاف بين الرواة (٥):
وقال محمد بن علي الباقر في المعنى الذي ذهب إليه ابن درستويه:
بني إذا ما سامك الذل قادر عزيز فلن فاللين أولى وأحزر
ولا تسم في كل الأمور تعززا فقد يورث الذل الطويل التعزز
_________________
(١) ديوانه: ١٣٠ ويروى: قليلا علقناه فأكمل صنعه، والجمهرة ١: ٩٠ والاشتقاق: ١٢٣.
(٢) ص: بلوناه.
(٣) تميم: أي تام، فلوناه: فطمناه، وعزته: غلبته، يقول: صار أعظم شيء فيه يداه وكاهله، وهذه من صفة الجياد.
(٤) الثاني من بيتي ابن أحمر في الشريشي ١: ٣٨٤.
(٥) ويقوي أيضًا هذا المذهب قول الشاعر (الصداقة: ٧) أهون إذا عز الخليل وربما أزمت برأس الحية المتمعج
[ ٢٣٦ ]
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في المياسرة " لولا الوئام هلك اللئام " وفسره وقال: هذا قول أبي عبيدة، قال: وأما غيره من علمائنا فإن المثل عندهم " لولا الوئام هلك الأنام " إلى آخر ما ذكره.
ع: قال أبو زيد: واءمني الرجل مواءمة على مثال واعمني مواعمة إذا تبع أمرك (١) وفعل ما تفعله من خير وشر.
قال: " لولا الوئام هلك الأنام "،
وأنشد مرة: " لولا الوئام هلكت جذام "
أي ليست لهم عقول تدلهم على شيء إنما يحكمون غيرهم، هكذا أورده على أنه رجز وفسره بما ذكرته (٢) .
٨٢ -؟ باب مداراة الناس والتودد إليهم
قال أبو عبيد: قال أبو زيد في مثله " إلا حظية فلا ألية (٣)
ع: فسره أبو عبيد وبقي أن أبين إعرابه (٤)، فإنه يقال بالنصب والرفع، فمن نصب فمعناه إلا أكن عندك أيها البعل حظية فلا أكون ألية أي مقصرة فيما أتحبب من تحسين خلق وخلق، وألوت بمعنى قصرت. قال أبو زيد: ألا تحظى فإنها لا تألوا. ومن رفع فإنها تعني بالحظية غير نفسها، والمعنى الآخر (٥): لك في
_________________
(١) ط: أثرك.
(٢) ط: ذكرت لك.
(٣) في ف: قال أبو عبيد في تفسيره، يقول: إن أخطأتك الحظة فيما تطالب فلا تأل أن تودد إلى الناس وتداريهم، لعلك تدرك بعض ما تريد. قال أبو عبيد: واصل هذا في المرأة تصلف عند زوجها فلا تحظى. يقول: فلا ينبغي لها أن تعينه على سوء رأيه فيها فتهلك ولكن تحبب إليه بما أمكنها.
(٤) ط ص: وبين وبقي إعرابه.
(٥) ط: والمعنى إلا تكن.
[ ٢٣٧ ]
الناس حظية تحظى عندك فإني غير مقصرة في طلب الحظوة، هكذا فسره سيبويه وغيره. وتفسير أبي عبيد الأول على أن الحظية الحظوة (١) وأن فعلة من الحظ وفعلية بمعنى.
قال أبو عبيد: قال أبو زيد في نحو هذا " سوء الاستمساك خير من حسن الصرعة " يقول: لأن يزل الإنسان وهو عامل بوجه العمل، وطريق الإحسان والصواب، خير من أن تأتيه الإصابة وهو عامل بالإساءة والخرق.
ع: تفسير أبي عبيد لا يقتضيه لفظ المثل ولا يصح عليه لأن الذي يعمل بوجه العمل وطريق الاستحسان ليس سيء الاستمساك كما أن العامل بالإساءة والخرق ليس بحسن الصرعة.
والذي نقله أبو علي وغيره أن معناه: لأن يستمسك ولا يصرع وإن كان سيء الاستمساك، خير من أن يصرع صرعة حسنة ولا تضره. يقال في هذا المثل " خير من حسن الصرعة؟ بالفتح؟ ومن حسن الصرعة؟ بالكسر؟ أي هيئة الانصراع ".
قال أبو عبيد: وفي حديث مرفوع " نصف العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس ".
ع: قد قال الشعراء في هذا المعنى فأكثروا، قال أبو سليمان الخطابي (٢):
_________________
(١) هكذا فسره الحظوة: سقط من ط.
(٢) من الأئمة المشهورين في القرن الرابع كان يشبه بأبي عبيد، وألف مثله كتاب غريب الحديث، وذكره الثعالبي في شعراء اليتيمة، انظر ٤: ٣١٠ (ط. الصاوي) والبيت مذكور هنالك.
[ ٢٣٨ ]
ما دمت حيا فدار الناس كلهم فإنما أنت في دار المداراة وقال آخر:
بالمداراة ما تساس الأمور ما لحب البثور تطلى البثور ومن حكم الفرس: " من لم يلن للأمور عند التوائها، تعرض لمكروه بلائها ".
٨٣ -؟ باب مخالقة الناس بالأخلاق مع التمسك بالدين
ع: المخالقة هي موافقة الناس على أخلاقهم، وخلق الإنسان هو الذي طبع عليه، وفلان كريم الخليقة والجميع الأخلاق والخلائق، فالمخالقة؟ بالقاف؟ هي ضد المخالفة؟ بالفاء؟ فحق على العاقل أن يخالق من لقيه، وأن يتزيا بزي من ساكنه، وقد قال (١) بعض الشعراء:
إن جئت أرضًا أهلها كلهم عور فغمض عينك الواحده وقال آخر:
ومن حق من يمشي مع العور أن يرى وإن لم تخنه عينه متعاورا قود قالوا: كل من الطعام ما تشتهي، والبس من الثياب ما يشتهي الناس.
قال أبو عبيد: وفي حديث مرفوع أن رجلًا استأذن عليه ﷺ فقال: " بئس ابن العشيرة " ثم أذن له فدخل عليه، فقربه وأدناه، فلما خرج قال: " إن من شر الناس من أكرمه الناس اتقاء لسانه "، أو كلام هذا معناه.
_________________
(١) ط: وقال.
[ ٢٣٩ ]
ع: هذا الرجل هو عيينة بن حصن الفزاري، روى مالك هذا الحديث، ولم يذكر من الرجل أيضًا، قال: بلغني عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: استأذن رجل على النبي ﷺ وأنا معه في البيت، فقال رسول الله ﷺ: " بئس ابن العشيرة هو " ثم أذن له. قالت عائشة ﵂: فلم أنشب أن سمعت ضحك رسول الله ﷺ معه، فلما خرج، قلت: يا رسول الله: قلت فيه ما قلت ثم لم تنشب أن ضحكت معه، فقال: " إن من شر الناس من أتقاه الناس لشره.
قال أبو عبيد: ومنه حديثه ﵇ في العباس بن مرداس يوم قال تلك الأبيات يوم حنين، فقال النبي ﵇: " اقطعوا عني (١) لسانه ".
أراد أن يعطى حاجته ليسكت.
ع: كان رسول الله ﷺ قد أعطى المؤلفة قلوبهم من نفل حنين مائة مائة، وأعطى العباس بن مرداس أباعر، فتسخطها (٢) وقال (٣):
أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع
وما كان حصن ولا حابس يفوقان مرداس في مجمع
وما كنت دون امرئ منهم ومن تضع اليوم لا يرفع فقال النبي ﷺ: اقطعوا عني لسانه، فزادوه حتى رضي.
_________________
(١) عني: سقطت من ط.
(٢) ط: فسخطها.
(٣) الخبر والشعر في السيرة ٢: ١٨٩ (هامش الروض)، والخزانة ١: ٧٣ والعيني ٤: ٣٦٥.
[ ٢٤٠ ]
٨٤ -؟ باب اكتساب الحمد واجتناب المذمة
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا قولهم " الحمد مغنم والمذمة مغرم " ومن هذا قول الأول (١):
بذلك أوصاني خريم بن مالك وإن قليل الذم غير قليل ع: الرواية عن أبي عبيد: خريم بن مالك، وهو خطأ (٢)، والبيت لمالك ابن حريم بن مالك بن حريم؟ بالحاء المهملة والراء المهملة والحاء المفتوحة والراء المكسورة.
قال ابن الدمينة الهمداني: مالك هذا شاعر همدان وفارسها، وقبل البيت:
أوجد على العافي وأحذر ذمه إذا ضن بالمعروف كل بخيل
بذلك أوصاني (البيت) قال أبو عبيد (٣) ومن اجتناب الذم قولهم: " والشر أخبث ما أوعيت من زاد " وبعضهم يرويه في شعر لعبيد بن الأبرص.
ع: الشعر لعبيد بإجماع من الرواة، وصلة البيت (٤):
_________________
(١) انظر البيت وترجمة حريم بن مالك في معجم المرزباني: ٣٥٧.
(٢) هذا الخطأ لم ينفرد به أبو عبيد، بل كان المبرد يقول: خريم ونسب في ذلك إلى التصحيف، وكان نفطويه يقول خزيم وصحح الأعلم " خريم " وورد كذلك في كتاب سيبويه وقد ضبط البكري الاسم في السمط: ٧٤٨ وأورد ما فيه من أقوال، وذيل عليه الميمني بما فيه مقنع.
(٣) هنا ينتهي الخرم في س.
(٤) القصيدة في مختارات العلوي: ٩٩ والبيت الأخير هنا وهو موطن الشاهد غير مذكور هنالك وهو في العمدة ١: ١٢٩.
[ ٢٤١ ]
أبلغ أبا كربٍ عني وإخوته قولًا سيذهب غورا بعد إنجاد
لا أعرفنك بعد (١) اليوم تندبني وفي حياتي ما زودتني زادي
إن أمامك يومًا أنت مدركه والشر أخبث ما أوعيت من زاد يقال: وعيت العلم، وأوعيت المتاع، وفي مثل آخر: العلم خير (٢) ما وعيت، والشر أخبث ما أوعيت ".
٨٥ -؟ باب الصبر عند النوازل والمرازي
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا: " هون عليك ولا تولع بإشفاق ".
ع: هو نمن شعر تأبط شرًا، وصلته (٣):
إني أقول إذا ما خلة صرمت هون عليك ولا تولع بإشفاق ويروى:
ولا أقول إذا ما خلة صرمت يا ويح نفسي من شوق وإشفاق (٤)
لكنما عولي إن كنت ذا عول (٦) على أمير (٥) بكسب الحمد سباق
_________________
(١) ط: الموت.
(٢) س ط: العلم أفضل.
(٣) هي القصيدة الأول في المفضليات، انظر الأبيات في شرح ابن الأنباري: ١١ والرواية الثانية هي رواية المفضليات.
(٤) يقول: أنا مالك مجربن أصل من وصلني وأقطع من قطعني.
(٥) المفضليات: على بصير.
(٦) العول: جمع عولة وهي البكاء.
[ ٢٤٢ ]
سدد خلالك من مال تجمعه حتى تلاقي الذي كل امرئ لاق (١)
لتقرعن علي السن من ندمٍ إذا تذكرت يومًا بعض أخلاقي قال أبو عبيد: روي عن عبد الرحمن بن أبي بكرة: " من حدث نفسه بالبقاء، فليوطن نفسه على المصائب ".
ع: أبو بكرة: هو نفيع بن مسروح، كني بأبي بكرة لأنه تدلى على بكرة من سور الطائف إلى رسول الله ﷺ، وهو معدود في مواليه.
قال الشاعر فيه وفي أخويه لأمه سمية:
إن زيادًا ونافعًا وأبا بكر ة عندي من أعجب العجب
ثلاثة من ثلاثة خلقوا في رحم أنثى مخالفي النسب
ذا قرشي فيما يقول، وذا مولى، وهذا ابن عمه عربي ومثل قول عبد الرحمن قول الشاعر:
إن تبق تفجع بالأحبة كلهم أو تردك الأحداث إن لم تفجع قال أبو عبيد: وقال بعض الحكاء " إن شرا من المرزئة سوء الخلف ".
ع: هذا كلام لأوس في وصيته لمالك ابنه وفي معلومة، قال في آخرها: وكيف بالسلامة لمن ليست له إقامة، وشر من المصيبة سوء الخلف، وكل مجموع إلى تلف، حياك إلاهك.
_________________
(١) الخلال: جمع خلة وهي خصاصة الفقر.
[ ٢٤٣ ]
وفي مثل آخر: " [فقد] الصبر أدهى المصيبتين ".
وقال أبو الفضل الميكالي في هذا المعنى فأحسن:
يصاب الفتى في أهله برزيةٍ وما بعدها منها أجل وأعظم
فإن يصطبر فيها فاجر موفر وإن يك مجزاعًا فوزر مقدم قال أبو عبيد: قال الأصمعي في نحو منه " إن في الشر خيارًا "، قال: ومعناه: " إن بعض الشر أهون من بعض ".
ع: قال أبو خراش فنظمه (١):
حمدت الاهي بعد عروة إذ نجا خراش وبعض الشر أهون من بعض (٢)
بلى إنها تعفو الكلوم وإنما (٣) نوكل بالأدنى وإن جل ما يمضي ٨٦؟ باب [ترك] الأسف على الفائت
قال أبو عبيد: في حديث مرفوع أنه ﷺ قال لعمر " ما جاءك من هذا المال من غير مسألة ولا إشراف نفس فخذه وتموله، وما لا فلا تتبعه نفسك ".
ع: قوله ما لا: فمعناه ما لا يجيئك فلا تتبعه نفسك، فحذف الفعل لدلالة الأول عليه. وما: شرط، كما تقول العرب ليس إلا، أي ليس إلا ذاك.
_________________
(١) ديوان الهذليين ٢: ١٥٧ والخزانة ٢: ٤٥٩ والأغاني ٢١: ٤٣ وذكرت مناسبة الأبيات فيها.
(٢) عروة: أخوه، وخراش: ابنه، وبعض الشر أهون من بعض لأنهما لم يقتلا جميعًا.
(٣) تعفو الكلوم: تبرأ الجروح وتستوي، نوكل بالأدنى: نحزن على الأقرب فالأقرب، وما مضى ننساه وإن كان الرزء به جليلًا، وهذا قول - على إيجازه - يصور نظرة عميقة في طبيعة الحياة الإنسانية واستمرارها.
[ ٢٤٤ ]