الأمثال في الأقربين من أسرة الرجل وعترته
٦٩ -؟ باب المثل (١) في تعاطف ذوي الأرحام
وتحنن بعضهم على بعض
قال أبو عبيدة: قال ابن الكلبي: من أمثالهم في عطف ذوي الرحم قولهم: " يا بعضي دع بعضًا " وأول من قاله زرارة بن عدس.
ع: كان أبو عبيدة يقول: هو عدس؟ بفتح الدال على وزن عمر؟ وقال محمد بن حبيب في هذا: إنه عدس؟ بضم الدال؟ قال: وكل عدس في العرب غيره فإنه بفتح الدال.
وذكر أبو عبيد في هذا الباب قولهم " أسعد أم سعيد ".
ع: قد تقدم خبره وما فيه (٢) .
_________________
(١) س ط: الأمثال.
(٢) انظر الصفحة: ٦٧.
[ ٢٠٩ ]
قال أبو عبيد: وقد وضعه الناس في موضع الاستخبار عن الأمرين من الخير والشر، والأصل ما ذكرناه.
ع: روى يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث عن عبد المطلب بن ربيعة قال: بعثني أبي وبعث العباس ابنه الفضل إلى النبي ﷺ نسأله أن يجعل لنا السقاية فلما أتيناهم منصرفين قالوا: ما وراءكما، أسعد أم سعيد؟ قلنا: سعد.
وذكر أيضًا خبر بيهس نعامة وقد مر القول فيه (١)، ووفى أبو عبيد هنا خبره، ولم يذكر أبو عبيد من كان قاتل إخوة بيهس، وقال الزبير: قتلهم نصر بن دهمان الأشجعي.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في التحنن على الأقارب: " وابابي وجوه اليتامى " وذكر خبر سعد القرقرة محذوفًا، وأنشد له (٢):
نحن بغرس الودي أعلمنا منا بركض الجياد في السلف ع: قال عبيد بن شرية: أتي النعمان (٣) بحمار وحش فدعا بسعد القرقرة، فقال: احملوه على اليحموم وأعطوه مطردًا وخلو عن هذا الحمار حتى يطلبه سعد ليصرعه (٤)، فقال سعد: إني إذًا أصرع عن هذا الفرس فمالي ولهذا؟ قال النعمان: والله لتحملنه. فحمل على اليحموم ودفع إليه المطرد، وخلي عن الحمار، فنظر سعد إلى بعض بنيه قائمًا في النظارة فقال " وابأبي وجوه اليتامى " فأرسلها مثلًا، وركض الفرس، وألقى (٥) المطرد، وتعلق بمعرفة الفرس فضحك به
_________________
(١) انظر الصفحة: ٧٨ - ٧٩.
(٢) البيت في اللسان (ودى) وشرح شواهد المغني: ٢٨٦.
(٣) نقل العيني ٤: ٥٥ - ٥٦ القصة والأبيات عن شرح البكري هذا.
(٤) س ط: فيصرعه.
(٥) س ط: فألقى.
[ ٢١٠ ]
النعمان، ثم أدرك فأنزل، فقال سعد في ذلك:
نحن بغرس الودي أعلمنا منا بركض الجياد في السلف (١)
يا لهف نفسي وكيف أطعنه مستمسكًا واليدان في العرف
قد كنت أدركته فأدركني للصيد عرق من معشر عنف قوله: أعلمنا: لغة معروفة أي أعلم منا، وهي لغة يمانية، أنشد قاسم بن ثابت في مثله:
مجرب قد حلبت الدهر أشطره لنافع أحوجي منه (٢) لتعليم يريد أنا إلى النفع أحوج مني إلى التعليم. فقامت اللام مقام إلى كما تقول: أنا أحوج الناس لكذا؟ تريد إلى كذا -.
وأنشد ابن الأعرابي في ذلك أيضًا (٣):
يا رب موسى أظلمي وأظلمه فاصبب عليه ملكًا لا يرحمه والسلف: الأرض يقال: أرض مسلوفة أي مكنوسة، ويروى: في السدف، هكذا قال قاسم بن ثابت في السلف.
٧٠ -؟ باب احتمال الرجل لذي رحمه يراه مضطهدًا
ع: الاحتمال: الغضب، يقال: احتمل فلان إذا غضب له، قال الأعشى (٤)
_________________
(١) العيني: السدف، والودي: جمع ودية وهي النخلة، وقال الجوهري: الودي صغار الغسيل؛ السدف: الصبح وإقباله.
(٢) س: مني.
(٣) هو الشاهد: ٣١٣ في الخزانة ٢: ٢٣١.
(٤) ديوان الأعشى: ٤٦.
[ ٢١١ ]
لا (١) أعرفنك إن جدت عداوتنا والتمس النصر منكم عوض تحتمل قال الأموي، عبد الله بن سعيد: العرب تقول جاء فلان محتملًا من الغضب أي مستخفًا، قال الجعدي (٢):
كلبًا من حس ما قد مسه وأفانين فوادٍ محتمل أي مستخف.
قال أبو عبيد: ومنه قولهم: " لا يمبك مولىص نصرًا " وكان المفضل فيما روي عنه يقول (٣): إن أول من قاله انعمان بن المنذر وذلك أن العيار بن عبد الضبي كان الذي بينه وبين ضرار بن عمرو سيئًا، وذكر خبرهما مختصرًا.
ع: كانا وفدا على النعمان فأجرى عليهما نزلًا، وكان العيار بطالًا يقول الشعر يضحك النعمان، وكان قد قال:
لا أذبح البازل الشبوب ولا أسلخ يم المقامة العنقا وكان منزلها واحدًا، وكان النعمان باديًا، فأرسل إليهما بجزر فيها تيس فقال ضرار للعيار: لوسخلت هذا التيس، قال: ما أبالي، فذبحه ثم سلخه، وانطلق ضرار إلى النعمان فقال: أبيت اللعن، هل لك في العيار يسلخ تيسًا؟ قال النعمان: أبعد قوله؟ قال: نعم، فأرسل إليه النعمان فوجده يسلخه فأتي به فضحك معه ساعة، فعرف العيار أن ضرارًا دهاه فأصر عليها.
وكان النعمان يجلس في الهاجرة في ظل سرادقه ويؤتى بطعامه، وكان كسا ضرارًا حلة من حلله، وكان ضرار شيخًا أعرج، فلما كانت الساعة التي يجلس
_________________
(١) س ط: لأعرفنك.
(٢) البيت في المعاني الكبير: ١١٣٣ واللسان: (حمل) .
(٣) انظر أمثال الضبي: ١٤ - ١٥.
[ ٢١٢ ]
فيها النعمان لطعامه، لبس العيار تلك الحلة، وخرج يتعارج، فلما رآه النعمان قال: هذا ضرار. فلما صار بحيال النعمان كشف عن عورته فخرئ، ثم أحضر (١) يتعارج منصرفًا، فقال النعمان: ما لضرار قاتله الله يستقبلني بهذا عند طعامي ولا يهابني! وغضب وهم به، فقال ضرار: أبيت اللعن، إن كنت فعلت فعلي وعلي ولكنه العيار لما ذكرت لك من سلخه (٢) التيس. فصدقه النعمان وأنكر العيار، وتسابا عند النعمان، ثم افترقا.
ووقع بين أبي مرحب اليربوعي وبين ضرار شر فذكره أبو مرحب عند النعمان والعيار حاضر. وضرار غائب، فأمضه، فشم العيار أبا مرحب وذكره وقال: مثلك يشتم ضرارًا؟ فقال النعمان: ويلك، ألم أسمعك تقول في ضرار أخبث مما قال؟ فقل العيار " إني آكل لحمي (٣) ولا أدعه لآكل ". قال النعمان: " لا يملك (٤) مولى نصرًا ".
قال أبو عبيد: ومن هذا مقالة عثمان بن عفان لعلي بن أبي طالب، ﵄، حين كتب إليه وهو محصور، وكان علي، ﵁، غائبًا: إذا أتاك كتابي هذا فأقبل إليّ، كنت لي أم علي (٥):
فإن كنت مأكولًا فكن خير آكل وإلا فأدركني ولما أمزق ع: هذا البيت لشأس بن نهار العبدي من عبد القيس وبه لقب الممزق، وفي شعر ابنه عباد أنه هو الممزق؟ بكسر الزاي؟ قال عباد بن شأس بن نهار:
أنا الممزق أعراض اللئام كما كان الممزق أعراض اللئام أبي
_________________
(١) س: كشف عن عورته وخرج يتعارج.
(٢) هنا تنقطع النسخة س لوجود خرم فيها.
(٣) ط: لحم أخي.
(٤) ط: لا يدع.
(٥) البيت في أمالي القالي ٢: ٣١٧ وحماسة البحتري: ٢٢٢ والأصمعيات: ٥٨.
[ ٢١٣ ]
فسمي بهذا البيت: الممزق بن الممزق.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في مثل هذا " الحفائظ تحلل الأحقاد " ومنه قول القطامي:
وترفض عند المحفظات الكتائف يقول: إذا رأيت قرني (١) يضطهد، وأنا عليه واجد، خرجت تلك السخيمة من قلبي له لم أدع نصره.
ع: صدر بيت القطامي (٢):
أخوك الذي لا تملك الحس نفسه وترفض عند المحفظات الكتائف الحس: الرقة.
ومثله ما أنشده يعقوب عن الأصمعي (٣):
إذا المرء ذو القربى وذو الذنب (٤) أجحفت به نكبة حلت مصيبته حقدي يقول: إذا وقع في شدة تحلل ما في صدري عليه ونصرته. ومثله قول عبدة ابن الطبيب (٥):
ودعوا الضغينة لا تكن من شأنكم إن الضغينة للقرابة توضع
_________________
(١) ف: قريبي، وهو أجود وأدق؛ ط: قريني.
(٢) انظر ديوانه: ٢٧ والسمط: ٩٠٣ واللسان: (كف) .
(٣) البيت لأبي الأسود، راجع عيون الأخبار ٣: ١٠٧.
(٤) العيون وذو الضعف.
(٥) هو البيت العاشر من المفضلية: ٢٧ وانظر الشعر والشعراء: ٤٥٦ وحماسة البحتري: ١٥٥.
[ ٢١٤ ]
أي تطرح.
وقال مالك بن أسماء (١):
لما أتاني عن عيينة أنه (٢) أمسى عليه تظاهر الأقياد
نخلت له نفسي النصيحة إنه (٣) عند الشدائد تذهب الأحقاد قال أبو عبيد: ومثله قولهم: " انصر أخاك ظلمًا أو مظلومًا ".
ع: هذا حديث مرفوع إلى النبي ﷺ وذد ذكره أبو عبيد فيما يأتي بعد، وذكر معناه.
وأما محمد بن حبيب فغنه ذكر أن أول من قال هذا المثل جندب بن العنبر بن عمرو بن تميم، وكان رجلًا دميمًا فاحشًا، وأنه جلس مع سعد بن زيد مناة يشربان، فلما أخذ الشراب منهما قال جندب: يا سعد، لشرب لبن اللقاح، وطول النكاح، وحب المزاح، أعجب إليك من الكفاح، ودعس الرماح، وركض الوقاح، فقال سعد: كذبت والله، إني لأعمل العامل، وأنحر البازل، وأسكت القائل، والله لتعلم أنك لو فزعت لدعوتني عجلًا، ولرأيتني بطلًا، وما ابتغيت بي بدلًا. ثم قال سعد، وكان عائفًا: أما والذي أحلف به لتأسرنك أمية، بين الدفين والقرية
_________________
(١) الشعر في أمالي القالي ٢: ١٩٥ لمالك في أخيه عيينة وهو في التبريزي ١: ٢٣٩ والأغاني ١٧: ١١٧ والخزانة ٣: ٨٨ لعويف القوافي وكانت أخته عند عيينة فطلقها فنشأ بينهما حقد. ثم أن الحجاج حبس عيينة فعطف عليه عويف وقال هذه القصيدة. وقد ناقش البكري (السمط ٨١٣ - ٨١٥) نسبة الشهر لمالك، ورده اعتمادًا على القصة كما رويت في شرح التبريزي، أما هنا فقد نسبه لمالك، دون تعليق.
(٢) تظاهر الأقياد: يوضع بعضها فوق بعض فتكون قيدًا فوق قيد.
(٣) نخلت له النصيحة: أعطته خالصها وصريحها.
[ ٢١٥ ]
ولقد أخبرتني طيري، أنه لا يغيثك غيري؟ الدفين: واد معلوم (١)، قال جميل (٢):
نعاج إذا استعرضت يومًا حسبتها قنا الهند أو بردي بطن دفين وافترقا على ذلك، فغبرا حينًا، ثم خرج جندب على فرس له يطلب القنص، فأتى على أمة لبني تميم ترعى غنمًا، وهي تحمل وطبًا من لبن، فقال: لتمكنني من نفسك مسرورة، أو لتقهرن مجبورة (٣)؟ فقالت: مهلًا فإن المرء من نوكه، يشرب من سقاء لم يوكه. ونزل عن فرسه فدنا منها، فقبضت على يديه قبضة لم يقدر معها على حراك، ثم شدته بوتر قوسه، ثم شدت عنان فرسه في جيده، وركبت الفرس، وراحت بجندب مع غنمها، تحدو به وتقول:
لا تأمنن بعدها الولائدا فسوف تلقى للبلا مواردا وحيةً تضحي بجو راصدا فمر بسعد في إبله، فقال: يا سعد أغثني، فقال سعد: إن الجبلان لا يغيث، فقال جندب:
يا أيها المرء الكريم المعلوم " انصر أخاك ظالمًا أو مظلوم " فأقبل إليه سعد فأرسله، وقال للأمة: لولا أن يقال قتل سعد امرأة لقتلتك. فقالت: كلا لم تكن لتكذب طيرك وتصدق غيرك.
٧١ -؟ باب استعطاف الرجل صاحبه على أقربيه
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: منه قولهم (٤) " ومنك ربضك وإن كان
_________________
(١) هو واد قريب من مكة.
(٢) البيت في معجم البكري (دفين) .
(٣) ط: تحقرن مقهورة.
(٤) منه قولهم: سقط من ط.
[ ٢١٦ ]
سمارًا ". وأصل السمار: اللبن الممذوق، وشبه القريب به في رداءته.
ع: قال ابن الأعرابي: الربض: أهل البيت، فكأنه قال: أهل بيتك منك، وإن كانت أخلاقهم مشوبة بما تنكره، كما أن اللبن الممذوق، وهو السمار، مشوب بالماء.
وقال أبو زيد: معناه منك فصيلتك؟ وهم بنو أبيه؟ وإن كانوا قوم سوء لا خير فيهم (١) .
قال أبو عبيد: وقال الأحمر في مثله: " منك أنفك (٢) وإن كان أجدع ".
ع: أول من قاله قنفذ بن جعونة المازني، وذلك أن الربيع بن كعب المازني دفع إلى أخيه كميش فرسًا كان أبر على الخيل كرمًا وجودة؟ وكان يسمى هجلا؟ ليأتي به أهله، وكان كميش أنوك. وقد كان رجل من بني مالك يقال له قراد بن جرم قدم عليهم ليصيب منهم غرة فيأخذ الفرس وكان داهية، فمكث فيهم لا يعرفون نسبه، ولا يظهر أمره، فلما نظر إلى كميش راكبًا للفرس، ركب ناقته ثم عارضه، فقال: يا كميش هل لك في عانة لم ير مثلها ومعها عير من ذهب، أما الأتن فتروح بها إلى أهلك فتفرج صدورهم، وتمتلئ قدورهم، وتشبع خصورهم، وما العير فلا افتقار بعده، فقال كميش: وكيف لنا به، فقال قراد: أنا لك به، ليس يدريك إلا على فرسك. قال: فدونكه، قال: نعم، وأمسك أنت علي راحلتي وانتظرني في هذا المكان، قال: نعم، وركب قراد الفرس، فلما توارى أنشأ يقول:
_________________
(١) قال البكري في شرح الأمالي: ٤٧٩ " وأخبرني في بعض من لقيته من العلماء أنه رأى في تفسير هذا المثل معناه " حبلك منك وإن كان سمارًا " ففسر الربض بالحبل والسمار بالريش. وفي هذه الزيادة ما يشعرنا بأن البكري أقبل على شرح الأمثال قبل أن يشرح الأمالي.
(٢) ط: أنفك منك.
[ ٢١٧ ]
ضيعت في العير ضلالًا مهركا فسوف تأتي بالهوان أهلكا وقبل هذا ما خدعت الأنوكا فلم يزل كميش في انتظاره حتى أمسى، فانصرف إلى أهله، وقال في نفسه: إن سألني أخي عن الفرس أقول: تحول ناقة، فلما رآه أخوه، قال: أين الفرس؟ قال: تحول ناقة، فعلم أنه خدع فجعل يوجعه ضربًا، فقال له قنفذ بن جعونة: اله عما فاتك " فإن أنفك منك وإن كان أجدع ".
وقدم قراد بالفرس على أهله وقال في ذلك:
رأيت كميشًا نوكه لي نافع ولم أر نوكًا قبل ذلك ينفع
يؤمل عيرًا من نضار وعسجد وهل كان في عير كذلك مطمع
وقلت له أمسك قلوصي ولا ترم خداعًا له مني وذو الكيد يخدع
فأصبح يرمي الخافقين بطرفه واصبح تحتي ذو أفانين جرشع ٧٢؟ باب عجب الرجل برهطه وعترته
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا " كل فتاة بأبيها معجبة " قال: وهذا المثل يرويه بعضهم للأغلب العجلي في شعر له، وقال بعضهم: هذا المثل لامرأة من بني سعد يقال لها العجفاء بنت علقمة.
ع: المشهور فيه أنه للأغلب العجلي، وقبله:
فانصرفت وهي حصان مغضبه ورفعت من صوتها هيا أبه " كل فتاةٍ بأبيها معجبه " قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا " زين في عين والدٍ ولده ".
[ ٢١٨ ]
ع: هذا مشهور من قول الشاعر (١):
نعم ضجيج الفتى إذا برد اللي ل سحيرًا وقرقف الصرد
زينها الله في الفؤاد كما زين في عين والدٍ ولد وقال أبو تمام في نحوه:
ويسيء بالإحسان ظنًا لا كمن هو بابنه وبشعره (٢) مفتون ٧٣؟ باب تشبيه الرجل بأبيه
قال أبو عبيد: الأصمعي وأبو عبيدة وابن الكلبي كلهم قالوا: من أمثالهم في التشبيه " شنشنة أعرفها من أخزم " وهذا المثل يروى أن عمر بن الخطاب قاله في ابن عباس ﵄ يشبه في رأيه بأبيه.
ع: أخزم هو جد حاتم بن عبد الله الطائي، وهو حاتم بن عبد الله بن سعد ابن الحشرج بن أخزم، وقيل بل هو جد عقيل بن علفة.
والشنشنة: النطفة من شنشنت إذا أرقت، يراد ما أراق من النطفة في الرحم.
قال أبو بكر، قال قوم: الشنشنة الغريزة والطبيعة، فمن جعل أصل المثل لأخزم الطائي قال: كان أخزم جوادًا، فلما نشأ حاتم وعرف جوده قال الناس: شنشنة من أخزم، أي قطرة من نطفة أخزم.
وذكر علي بن الحسين (٣) أن عقيل بن علفة بن الحارث المري أتى منزله،
_________________
(١) الكامل: ١٣٦ ونسبهما ابن السكيت لعمر بن أبي ربيعة، وانظر الشريشي ٢: ٣٢ والعيون ٣: ٩٥ وأمالي المرتضى ٢: ١٧٦.
(٢) ط ص: يأتيك وهو بشعره، وليس فيه موطن الشاهد وهو افتتان الوالد بابنه.
(٣) هو أبو الفرج الأصفهاني، والقصة في الأغاني ١٥: ٨٨ والرجز في أمالي اليزيدي: ٤٨.
[ ٢١٩ ]
فإذا بنوه مع بناته وأزواجه مجتمعون فشد على عملس منهم، فحاد عنه، وتغنى ابنه علفة:
قفي يا ابنة المري أسألك ما الذي تريدين فيما كنت منيتنا قبل
فإن شءت كان الصرم ما هبت الصبا وإن شئت لا يفتى التكارم والبذل فقال عقيل: يا ابن اللخناء، متى منتك نفسك هذا؟ وشد عليه بالسيف، فحال عملس بينه وبينه، وكان أخاه لأمه وأبيه، فشد على عملس بالسيف وترك علفة، ولم يلتفت إليه. فرماه عملس بسهم فأصاب ركبته، فسقط عقيل، وجعل يتمعك في دمه ويقول:
إن بني سربلوني بالدم من يلق أبطال الرجال يكلم
ومن يكن ذا أود يقوم " شنشنة أعرفها من أخزم " قال المدائني: " شنشنة من أخزم " مثل ضربه، وأخزم فحل كان لرجل من العرب، وكان منجبًا، فضرب في إبل رجل آخر، ولم يعلم صاحبه، فرأى بعد ذلك من نسله جملًا فقال " شنشنة أعرفها من أخزم ".
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: من هذا قولهم " ومن عضة ما ينبتن شكيرها " (والشكير: الورق الصغار تنبت بعد الكبار) (١) .
ع: من هذا قول زهير (٢):
وهل ينبت الخطي إلا وشيجه وتغرس إلا في منابتها النخل وقال جميل (٣):
_________________
(١) الزيادة من ف.
(٢) انظر ديوانه: ١١٥، وحماسة البحتري: ٢١٨.
(٣) نسبهما البحتري في حماسته: ٢٢٠ لنهشل بن حري.
[ ٢٢٠ ]
أرى كل عود نابتًا في أرومة أبى منبت العيدان أن يتغيرا
بنو الصالحين الصالحون ومن يكن لآباء صدق يلقهم حيث سيرا قال أبو عبيد: قال الأصمعي: ومنه قولهم " العصا من العصية "، قال أبو عبيد: هكذا قال وأنا أحسبها العصية من العصا إلا أن يكون أراد أن الشيء الجليل إنما يكون في بدئه صغيرًا، كما قالوا " إنما القرم من الأفيل (١) " فيجوز حينئذ على هذا المعنى أن يقال " العصا من العصية ".
ع: حذف أبو عبيد بعض هذا المثل واختزله وإنما تقول العرب " العصا من العصية والأفعى بنت الحية ".
وقال الرياشي: إن العصية فرس كريمة نتجت مهرًا جوادًا فقيل العصا من العصية. وأشهر أفراس العرب المسماة بالعصا فرس جذيمة الأبرش صاحب الزبى فهذا طبق لما بعده. والذي ذهب أبو عبيد إليه من أن الشيء الجليل إنما يكون في بدئه صغيرًا، وجه؟ كما قال عدي بن زيد (٢) -:
شط وصل الذي تريدين مني وصغير الأمور يجني الكبيرا وقال الحارث بن وعلة (٣):
لا تامنن قومًا ظلمتهم (٤) وبدأتهم بالشتم والظلم
أن يأبروا نخلًا لغيرهم والشيء تحقره وقد ينمي (٥)
_________________
(١) الأفيل: الجمل الصغير، والقرم: الفحل من الإبل.
(٢) انظر بيت عدي في الخزانة ١: ١٨٣.
(٣) مر تخريج القصيدة التي منها البيتان عند شرح المثل " إنه لعض " انظر هذا الكتاب: ١٤٥.
(٤) ط: والرغم.
(٥) استعمل تأبير النخل كناية عن الانتقام، فقال: لا تأمن الذين ظلمتهم، وتعديت عليهم مبتدئًا أن ينتقموا منك، وفي معنى هذه الكناية اختلاف بين الشراح ذكره التبريزي ١: ١٠٧ - ١٠٨.
[ ٢٢١ ]
وقال أبو تمام (١):
رب صغيرٍ (٢) جنى كبيرا كم مطرٍ بدوه مطير وكما قال آخر (٣):
فإنما القرم من الأفيل وسحق النخل من الفسيل وأتى بالأول أبو عبيد كلامًا منثورًا.
٧٤ -؟ باب إدراك ولد الرجل وبلوغهم في حياته
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في ولد الشبيبة وما يحب من ذلك:
إن بني صبية صيفيون أفلح من كان له ربعيون والولد الصيفي هو الذي يولد للرجل بعد السن، والربعي هو الذي يولد له في عنفوان الشباب، وهذا المثل يروونه عن سليمان بن عبد الملك، وكان أراد أن يجعل الخلافة في ولده، فلم يكن له من ولد يومئذ ولد له في الحداثة، وكانوا صغارًا إلا ما كان من أمهات الأولاد، فقد كان فيهم من قد بلغ، إلا أنهم كانوا لا يعقدون إلا لأبناء المهائر.
ع: قال الزبير: كانت عندهم رواية أن ملكهم يذهب على رأس ابن أمة، فكان كذلك.
والشطران لأكثم بن صيفي، وقيل لسعد بن مالك بن قيس بن ضبيعة بن ثعلبة،
_________________
(١) المختار: ١٧٢ وشرح النهج ٢: ٤٤٠ والحصري ٢: ٢٥٤.
(٢) المختار: رب قليل حدا كثيرًا.
(٣) المحاسن والأضداد: ٥٧ وقبل الشطرين " قد يلحق الصغير بالجليل ".
[ ٢٢٢ ]
قالهما سليمان متمثلًا.
وروى أبو بكر (١) أن عمر بن عبد العزيز قال لسليمان وهو يجود بنفسه: استخلف يا أمير المؤمنين، فقال:
إن بني صبية صيفيون أفلح من كان له ربعيون فقال عمر؟ ﵀؟ ﴿قد أفلح من تزكى﴾ (الأعلى: ١٤) .
وقال سعد بن مالك أيضًا في معناهما:
إن بني صبية صغار أفلح من كان له كبار ٧٥؟ باب تبني الرجل والمرأة ولد غيرهما
قال أبو عبيد: من أمثالهم " ابنك ابن بوحك " أي ابن نفسك الذي ولدته: ليس من تبنين، وكذلك قولهم " ابنك من دم عقيبك ". وكان المفضل (٢) يخبر بهذا المثل عن امرأة الطفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب، وهي امرأة من بلقين، فولدت عقيل بن الطفيل فتبنته كبشة بنت عروة بن جعفر ابن كلاب، فعزم عقيل على أمه يومًا فضربته فجاءتها كبشة فمنعتها، وقالت: ابني ابني، فقالت القينية " ابنك من دمي عقبيك " تعني الذي نفست به حتى أدمى النفاس عقبيك.
ع: وتمام هذا الحديث أن كبشة الجعفرية لما قالت لها القينية تلك المقالة انثنت مكسورة (٣) مغمومة إذ لم يكن لها ولد. وربت عليها ضرتها القينية بولدها،
_________________
(١) راجع هذا الخبر في سيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم: ٢٩ - ٣٠.
(٢) أمثال الضبي: ٧٨.
(٣) ط: منكسرة.
[ ٢٢٣ ]
فاشتملت على عامر بن الطفيل في تلك الليلة فولدته أسود أهل زمانه، وأنجد أهل زمانه، وأفرس أهل زمانه. وكان مناديه ينادي بعكاظ هل من راجل فأحمله، أو من خائف فأؤمنه، أو ذي خلة فأجبره.
وقوله: فعزم عليها: يقال عزم، وعزم، والفتح أجود لقولهم عازم.
وقوله: يعني التي نفست به، يقال: نفست المرأة؟ بضم النون؟ على ما لم يسم فاعله ونفست؟ بفتح النون وكسر الفاء؟ وكذلك: مخضت ومخضت.
وأما قولهم: ابنك ابن بوحك، فساق أبو عبيد المثل على أن أصله مخاطبة لامرأة، وليس كما قال. وأول من نطق بهذا المثل: الأخزر بن عوف العبدي، وذلك أن الأخزر كانت عنده الماشرية بنت نهس من بني بكر، فطلقها وهي نسيء بأشهر (١)، فتزوجها عجل بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل. فقالت لعجل حين تزوجها: احفظ علي ولدي. قال: نعم، وسماه عجل سعدًا وشب (٢)، فخرج به عجل ليدفعه إلى الأخزر بن عوف أبيه، وأقبل حنيفة ابن لجيم أخو عجل، فتلقاه بنو أخيه فلم ير فيهم سعدًا. فسألهم فقالوا: انطلق به أبونا إلى أبيه. فسار حنيفة في طلبه، فوجده راجعًا قد وضع الغلام في يد أبيه، فقال: ما صنعت يا عشمة (٣)، وهل للغلام أب غيرك؟ وجمع إليه بني أخيه، وسار إلى الأخزر ليأخذ سعدًا، فوجده مع أبيه ومولى له. فاقتلوا فقال الأخزر لسعد: يا بني ألا تعينني على حنيفة؟ فكع الغلام عنه. فقال الأخزر " ابنك ابن بوحك، الذي يشرب من صبوحك ". فذهبت مثلًا.
وضرب حنيفة الأخزر بالسيف فجذمه، فسمي جذيمة، وضرب الأخزر حنيفة على رجله فحنفها فسمي حنيفة، وكان اسمه أثال بن لجيم، وأخذ حنيفة سعداص فرده إلى عجل.
وبوح: اسم للذكر قاله اللحياني، وبوح أيضًا اسم من اسماء الشمس؟ هكذا
_________________
(١) يقال امرأة نسء إذا تأخر حيضها ورجي حبلها.
(٢) ط: وشب الغلام.
(٣) العشمة: الرجل اليابس من الهزال.
[ ٢٢٤ ]
نقله يعقوب عن العرب؟ ونقله كراع: يوح بالياء أخت الواو.
وقال أبو بكر: ومثل هذا المثل قولهم " ابنك ابن أيرك، ليس بذي أبٍ غيرك " ويقال " ليس لك ابن غيرك ".
وقال أبو بكر أيضًا: باحة الدار وسطها، وجمعها: بوح، ومن كلامهم " ابنك ابن بوحك يشرب من صبوحك " ولم يزد على هذا.
٧٦ -؟ باب التشابه في غير ذوي الرحم
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: من أمثالهم " أشبه شرج شرجًا لو أن أسيمرًا ". وكان المفضل يحدث (١) أن صاحب المثل لقيم بن لقمان، وكان هو وأبوه قد نزلا منزلًا يقال له شرج، وذكر باقي الخبر.
ع: شرج: موضع بعينه كما قال (٢)، ولم يرد بشرج في هذا المثل إلا واحد الشراج، وهي مجاري الماء من الحرار إلى السهولة، ولذلك قال " أشبه شرج شرجًا " (٣)، ولم يفسر أبو عبيد قوله " لو أن أسيمرًا "، وأسيمر تصغير أسمر جمع سمر لأن التصغير إنما يلحق أدنى العدد، وهو من شجر الطلح، قاله يعقوب في إصلاح المنطق، وقال: يضرب مثلًا للشيئين يشتبهان ويفارق أحدهما صاحبه في بعض الأمور، وخبر أن محذوف، كأنه قال هنالك أو ثم.
وخبر لقمان على تمامه أنه كان إذا اشتد الشتاء وكلب، كانت له راحلة
_________________
(١) راجع أمثال الضبي: ٧٠.
(٢) كما قال: سقطت من ط.
(٣) ط: شرجًا لو أن أسيمرًا.
[ ٢٢٥ ]
موطأة لا ترغو ولا يسمع لها صوت، فيشدها برحله ثم يقول للناس حين يكاد البرد يقتلهم: ألا من كان غازيًا فليغز، فلا يلحق به أحد، فلما شب لقيم ابن أخته اتخذ راحلة، فوطأها، فلما كان حين نادى لقمان من كان غازيًا فليغز، قال لقيم: أنا معك إذا شئت، فلما رآه شد رحلها ولم يسمع لها رغاء، قال لقمان: " كأن برحلها باتت فقم " وفقم اسم ناقة لقيم، ثم إنهما سارا فأغارا فأصابا إبلًا ثم انصرفا نحو أهلهما، فنزلا فنحرا ناقة، فقال لقمان للقيم: أتعشي أم أعشي، فقال لقيم: أي ذلك شئت. قال لقمان: إذهب فعشها حتى ترى النجم قمة رأس، وحتى ترى الجوزاء كأنها قطار (١)، وحتى ترى الشعرى كأنها نار، فإلا تكن عشيت فقد آنيت أي أخرت. وقال له لقيم: واطبخ أنت لحم جزورك فأز ماء واغله (٢) حتى ترى الكراديس كأنها رؤوس رجال (٣) صلع، وحتى ترى الضلوع كأنها رؤوس نساء حواسر، وحتى ترى الودك (٤) كأنه قطا نوافر وكأن قدرك تدعو غنيًا وغطفان؟ يعني من شدة غليها؟ فإن لم تكن أنضجت فقد آنيت.
ثم انطلق لقيم في إبله يعشيها، ومكث لقمان يطبخ لحمه، فلما أظلم، وهو بمكان يدعى شرجًا؟ هو اليوم لبني عبس؟ قطع سمرة ثم حفر دونه خندقًا فملأه نارًا ثم واراها، فلما رجع لقيم إلى مكانهما عرفه وأنكر ذهاب السمر فقال " أشبه شرج شرجًا لو أن أسيمرًا " فذهب (٥) مثلًا، ووقعت ناقة من إبله في تلك النار فنفرت، وعرف لقيم أن لقمان إنما فعل ذلك ليصيبه، حسدًا منه له، فسكت، ووجد لقمان قد نظم في سيفه لحم الجزور وكبدًا وسنامًا حتى توارى سيفه وهو يريد إذا ذهب لقيم ليأخذه أن ينحره بالسيف، ففطن لقيم وقال له: " في نظم سيفك ما يرى لقيم " فأرسلها مثلًا، وقسما الإبل وافترقا.
_________________
(١) الضبي: كأنها قطا نوافر.
(٢) ص: فار ماء وغله؛ ط: وعله.
(٣) الضبي: شيوخ.
(٤) ط و: الضبي: الوذر، وهي قطع اللحم، والودك: الشحم.
(٥) ط: فذهبت.
[ ٢٢٦ ]
قال أبو عبيد: ومن هذا قولهم " ما أشبه الليلة بالبارحة " فهذا التشبيه يكون في الناس وغيرهم.
ع: أول من قاله طرفة، حين كتب عمرو بن هند بقتله إلى عامله بالبحرين، وأوهمه بأنه كتب إليه بأن يصله، فقال طرفة يلوم أصحابه في خذلانهم له (١):
كل خليل كنت خاللته لا ترك الله له واضحة (٢)
كلهم أروغ من ثعلب ما أشبه الليلة بالبارحة
_________________
(١) ديوان طرفة: ١١٤ والدميري ١: ٢٠٣.
(٢) لا ترك الله له واضحة: لا ترك الله سنًا، والوضح: البياض.
[ ٢٢٧ ]
فراغ
[ ٢٢٨ ]