أبواب أمثال الجود والمجد
٨٧ -؟ باب الحض على البذل والافضال
قال أبو عبيد: قال الأموي " إنما سميت هانئًا لتهنأ " [قال]: ويقال " لتهنأ " أي لتفضل على الناس. والهانئ: المطعي، يقال: هنأت الرجل هناءً إذا وهبت له ورفدته، والاسم: الهنء.
ع: قال يحيى بن زياد: هنأت القوم إذا علتهم، ويقال: هنأهم شهرين أي عالهم شهرين، يهنؤهم هنأً وهنأة.
قال الشاعر (١):
هنأتهم حتى أعان عليهم سوافي السماك ذي السلاح السواجم
_________________
(١) نسبه في الجمهرة ٢: ١٤٥ للأسود بن يعفر وفي ٣: ١٨٣ للفرزدق، وانظره في الاشتقاق: ٢٨٦ والأزمنة والأمكنة ١: ١٨٣، وقال المرزوقي ١: ٣١٠ نوءه غزير لكنه مذموم؛ وفي ط: هنأناهم.
[ ٢٤٥ ]
يريد الرامح.
وقال الكسائي: سمعت أعرابيًا يقول " إنما سميت هانئًا لتهنئ " أي لتعول وتكفي، يقال: هنأت: أهنئ واختلف في يهنأ، فأجيزت وانكرت، والهَنء والهِنء؟ بالفتح والكسر؟ العطية، وبه سمى هنأة بن مرداس (١) .
قال أبو عبيد: ومنه مقالة أبي ذكر: " إن لك في مالك شريكين: الحدثان والوارث، فإن استطعت أن لا تكون أخسهما حظًا فافعل " (٢) .
ع: أصل الخسيس: القليل، يقال: هذا أخس من هذا أي أقل، وخسست النصيب أخسه خساص، قللته.
وأنشد أبو عبيد للحطيئة:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس ع: صلته، وهو من شعر يقوله في هجاء الزبرقان (٣):
لما بدا لي منكم عيب أنفسكم ولم يكن لجراحي فيكم آس
أزمعت يأسًا مريحًا من نوالكم ولن ترى طاردًا للحر كالياس
جار لقومٍ أطالوا هون منزله وغادروه مقيمًا بين أرماس
ملوا قراه وهرته كلابهم وجرحوه بأنياب وأضراس
_________________
(١) ط: بن دوس؛ س: من دوس.
(٢) في ف: فإن قدرت أن لا تكون أخس الشركاء حظًا فافعل؛ وهو أصوب من استعمال المثنى.
(٣) ديوان الحطيئة: ٥٣، والأغاني ٢: ٥٤.
[ ٢٤٦ ]
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس قال أبو عبيد: وروينا في حديث مرفوع: " إن الله جواد يحب الجود ومعالي الأمور ويكره سفسافها ".
ع: كل عمل سفساف فهو دون الإحكام، يقال: سفسف عمله إذا لم يبالغ في إحكامه، وأسف الرجل: إذا طلب الأمور الدنية، وفي رواية: إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها ويكره سفسافها ".
قال أبو عبيد: وفي بعض الحديث: " اصطناع المعروف يقي مصارع السوء ".
ع: هذا قد رفع إلى النبي ﷺ وقد روى عن أبي بكر ﵁ وقال الأوزاعي في معناه: العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثر، فإن صرع وجد متكأً لينًا.
قال أبو عبيد: وجاءنا عن ابن عباس أنه قال: إن ابن أبي العاصي مشى القدمية، وإن ابن الزبير لوى ذنبه.
ع: القدمية: يكون إما من القدوم وهو المضي أو من الإقدام والتقدم وهو التقحم، وقوله: لوى ذنبه يقوي أنه أراد المضي، لأن كل رابض من السباع يلوي ذنبه، يقال: رجل قدوم ومقدام (١) بمعنى.
_________________
(١) ط س: قدم ومقدم.
[ ٢٤٧ ]
قال أبو عبيد: وقال ابن عباس في معاوية: " لله در ابن هند كان الناس يردون منه أرجى واد رحبٍ " (١) .
ع: قال عبد الرزاق، حدثنا معمر عن همان بن منبه سمعت ابن عباس يقول: " ما رأيت رجلًا كان أخلق للملك من معاوية، كان الناس يردون على أرجى (٢) وادٍ رحبٍ، ليس بالضيق الحصر، العصعص المتغضب (٣) - يعني ابن الزبير؟ "
قال أبو عبيد: يقال: " أعطاه بقوف رقبته " وذلك إذا أعطاه بعينه (٤)، ولا يأخذ له ثمنًا ولا أجرًا.
ع: الضمير في أعطاه للشيء المعطى، أي أعطاه بجملته، كما يقال: أعطاه برمته. والقوف والطوف والقاف ما سال من الشعر في (٥) نقرة القفا وأصله في الحيوان، ويريد أبو عبيد بقوله " ولم يأخذ له ثمنًا ولا أجرًا " يريد: عطاء جود وبر لا عطاء بيع وتعويض.
_________________
(١) في ف: على أرجاء واد رحب وفي هامش ق: يردون منه أرجاء واد رحب؛ وفي ط س: أرجا واد رحب؛ وزاد في ط " على " بين " منه " و" أرجا ".
(٢) س: على أرجاء.
(٣) في اللسان (عصص): ليس مثل الحصر العصعص، والمشهور: ليس مثل الحصر العقص.
(٤) في ف: بغيته، وفي هامش ف وفي ط: لعينه.
(٥) س: على.
[ ٢٤٨ ]
٨٨ -؟ باب اصطناع المعروف وإن كان يسيرًا
قال أبو عبيد: وروي في الحديث: " لا تحقرن شيئًا من المعروف، ولو أن تعطي صلة الحبل ".
ع: " أن " في موضع رفع بالابتداء عند سيبويه وعند غيره، بإضمار فعل، أي: لول كان أن تعطي.
قال أبو عبيد: قال أبو زيد (١): ومن أمثالهم في اليسير من البر: " إن الرثيئة تفثأ الغضب " وذكر معناه.
ع: إنما ذكر (٢) أبو زيد:
" إن الرثيئة مما تقثأ الغضبا " - موزونًا؟ عجز بيت.
٨٩ -؟ باب جود الرجل بما فضل عن حاجته من ماله
قال أبو عبيد: من أمثالهم في نحو هذا " يكفيك ما بلغك المحلا " ومنه قول الشاعر:
_________________
(١) قال أبو زيد: سقط من ط.
(٢) س ط: ذكره.
[ ٢٤٩ ]
من شاء أن يكثر أو يقلا يكفيه ما بلغه المحلا ع: المشهور في هذا قولهم " شرعك ما بلغك المحلا " أي حسبك.
وقال آخر في هذا المعنى (١):
حسب الفتى من دهره زاد يبلغه المحلا
خبز وماء بارد والظل حين يريد ظلا والمحل: هي الآخرة، الدار الباقية.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: " يا ابن آدم ارض من الدنيا بالقوت، والقوت كثير لمن يموت ".
نظمه الخليل فقال (٢):
يكفي اللبيب خلق (٣) وقوت ما أكثر القوت لمن يموت قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا قول الحطيئة:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي يقول: قد رضيت من المكارم أن لا تفضل على أحد إلا ما ينفق عليك في طعامك وكسوتك، ومثله قول الآخر (٤):
إني وجدت من المكارم حسبكم (٥) أن تلبسوا حر الثياب وتشبعوا
_________________
(١) ومن قول المحلا: سقط من س.
(٢) البيتان في البيان ٢: ١٧٩ مما أنشده ابن الأعرابي.
(٣) المشهور أنه من أرجوزة أبي العتاهية، راجع ديوانه: ٣٤٦ وجامع بيان العلم ٢: ٢١.
(٤) رواية الديوان: حسبك مما تبتغيه القوت.
(٥) البيت في المحاسن والأضداد: ٦٣.
[ ٢٥٠ ]
ع: البيت الأول الذي (١) للحطيئة يهجو به الزبرقان بن بدر وخبرهما مشهور، وفيه سؤال: وذلك أن ظاهره أن المكارم لا ينالها إلا من رحل في بغائها، ولا ينالها المتودع المقيم في منزله، وإنما أراد الشاعر أن المكارم قد فاته نيلها ونأى عنه شأوها فلا يدركها أبدًا، وضرب لذلك الارتحال والبغاء مثلًا، كما قال الآخر:
دببت للمجد والساعون قد بلغوا جهد النفوس وألقوا دونه الأزرا
وكابدوا المجد حتى مل أكثرهم وعانق المجد من أوفى ومن صبرا وليس هناك جري ولا حركة، ولكنه مثل لنيل المجد بالجهد وامتناعه من أن يناله أكثرهم.
ومثل قول الحطيئة قول ابن زيابة التيمي (٢):
إنك يا عمرو وترك الندى (٣) (٤) كالعبد إذ قيد أجماله فهذا ذاك، يقول: إنك متودع غير جاهد في طلب المجد، كالعبد إذ وجد موضع الكلأ والخصب فثبت به ولم يحتج إلى ارتياد مرعى.
وأما قوله: إني وجدت من المكارم حسبكم فإنه لعبد الرحمن بن حسان،
_________________
(١) الذي سقطت من س ط.
(٢) ابن زيابة شاعر جاهلي اختلف في اسمه، فقال الكري إنه عمرو بن الحارث بن همام، إلا أن أبا تمام أورد لابن زيابة قصيدة يرد بها على الحارث، راجع السمط: ٥٠٤ ومعجم المرزباني: ٢٠٨ وفيه البيت، والتبريزي ١: ٧٣ والكامل: ٢٠٦ والخزانة ٢: ٣٣٤؛ وكلمة " التيمي " سقطت من ط.
(٣) رواية الكامل والخزانة: إن ابن بيضاء وترك الندى.
(٤) قال ابن السكيت في شرح البيت: أنت كالعبد اقتصر على موضع يرعى فيه ولا يغترب بأهله، وقال غيره إنك قد تركت الندى واكستاب الشرف به فلا تفيد ولا تستفيد كالعبد يقيد أجماله وينام فيستريح، وطلب الشرف إنمما يكون مع التعب. وقال أبو الندى هذا البيت من المختل القديم والصواب: إني وحواء وترك الندى كالعبد إذ قيد أجماله وحواء: فرسه.
[ ٢٥١ ]
وفيه محذوف مضمر، إنما يريد: إني وجدت عندكم من المكارم اكتفاءكم بلبس حر الثياب والشبع، فحذف عندكم.
٩٠ -؟ باب العادة في الجود والخير
قال أبو عبيد: ومن عادة الخير قول الأعشى (١):
عودت كندة عادةً فاصبر لها اغفر لجاهلها ورو سجالها ع: يقوله لقيس بن معد يكرب الكندي.
وقال أبو بكر ابن دريد: وفد رجل من بني ضنة (٢)، وبنو ضنة من سعد هذيم؟ وفي العرب ضنتان: ضنة هذا، وضنة بن عبد الله بن نمير؟ فوفد هذا الضني إلى عبد الملك بن مروان، فقال:
والله ما ندري إذا ما فاتنا طلب إليك من الذي نتطلب
فلقد ضربنا في البلاد فلم نجد أحدًا سواك إلى المكارم ينسب
فاصبر لعادتنا التي عودتنا أو لا فأرشدنا إلى من نذهب فقال عبد الملك: إليّ إليّ، وأمر له بألف دينار.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم المشهورة " العود أحمد ".
ع: قال أبو علي: أخبرنا الحسن (٣) بن البراء، قال: حدثني أبي قال قال
_________________
(١) ديوان الأعشى: ٢٥.
(٢) ضبة في ط حيثما وقعت.
(٣) س: أبو الحسن.
[ ٢٥٢ ]
عبد الملك بن مروان يومًا لحاجبه: هات بدرة، فجاء بها فوضعها بين يديه، وقال لمن حضره من وجوه العرب: أيكم أنشدني صدر هذا البيت " والعود أحمد " فله هذه البدرة. فلم يكن فيهم من يعرفه. فقال لحاجته: أخرج فانظر من بالباب من العرب، وقل لهم من ينشد صدر هذا البيت " والعود أحمد " فله جائزة، ففعل الحاجب، فقام شاب من العرب فقال: أنا، قال الحاجب: فأنشدني، قال: لا، إلا أن أشافعه أمير المؤمنين.
فدخل الحاجب فأخبره، فقال عبد الملك: هذا رجل قد طال مقامه بالباب وله حاجة، والله لئن دخل علي ولم ينشدني لأعاقبنه، أدخله. فلما دخل وسلم، قال عبد الملك: أنشدنا صدر بيتنا، فقال: يا أمير المؤمنين، حاجتي. قال: وما هي؟ قال: بنو عم لي باعوا ضيعتهم بالسواد، فأدخلوا ضيعتي في ضيعتهم. قال له عبد الملك: فإن أمير المؤمنين قد رد عليك ضيعتك، فأنشدنا صدر بيتنا. قال: نعم، يا أمير المؤمنين، قالت تميم إنه بيتها، قال أوس بن حجر:
جزينا بني شيبان صاعًا بصاعهم وعدنا بمثل البدء والعود أحمد قال: أخطأت. قال: يا أمير المؤمنين، أبلغني ريقي، قال: قد فعلت، قال: قالت اليمن إنه بيتها، قال امرؤ القيس:
فإن كنت قد ساءتك مني خليقة فعودي كما نهواك فالعود أحمد قال: أخطأت، قال: يا أمير المؤمنين، قالت ربيعة إنه بيتها، قال المرقش:
وأحسن فيما كان بيني وبينه وإن عاد بالإحسان فالعود أحمد قال: أصبت، وإنك لظريف، فمن أنت؟ قال: أنا زيد بن عمرو، قال: ممن (١)؟ قال: من حي جانب عجرفية قيس وعنعنة تميم وكشكشة (٢) ربيعة وصأصأة اليمن وتأنيث كنانة، أنا امرؤ من عذرة، فأمر له بالبدرة.
_________________
(١) س: ممن أنت.
(٢) س: وكسكسة.
[ ٢٥٣ ]
قلت: البيت الذي أنشده لأوس بن حجر إنما هو لمالك بن نويرة. وقد قال عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير فأحسن:
بني دارم إن يفن عمري فقد مضى شبابي لكم مني ثناء مخلد
بدأتم فأحسنتم فأثنيت جاهدًا وإن عدتم أحسنت، والعود أحمد ٩١؟ باب الصبر على مقاساة الأمور
لما في عواقبها من المحامد
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم: " عند الصباح يحمد القوم السرى "
ع: قد فسرعه أبو عبيد (١)، وبعده:
عند الصباح يحمد القوم السرى وتنجلي عنهم غيابات الكرى وهذا الرجز لخالد بن الوليد، وقيل للجليح بن شريد (٢) التغلبي وقد ذكرته بكماله وبخبره في " باب الجد في طلب الحاجة وترك التفريط فيها "، فقد تكرر هذا المثل هناك وسبق وضع خبره في ذلك الباب (٣):
ومن أمثالهم في هذا " لا تدرك الراحة إلا بالتعب " نظمه أبو تمام فقال (٤):
_________________
(١) في ف: يقول إنهم يقاسون في ليلهم مكابدة الليل ومقاساة الآساد فإذا أصبحوا فقد خلفوا البعد وراء ظهورهم وحمدوا فعلهم حينئذ.
(٢) س ط: شديد.
(٣) هذا يدل على أن البكري لم يكن يستطيع التزام الترتيب المتبع في الكتاب عند تقييد تعليقاته، وإنه كتب بعض تعليقاته على الأبواب المتأخرة قبل الأبواب المتقدمة.
(٤) البيتان في ديوانه ٢: ٢٣ وتهذيب ابن عساكر ٤: ٢٢ والعقد ٣: ٢٣.
[ ٢٥٤ ]
على أنني لم أحو وفرًا مجمعًا ففزت به إلا بشمل مبدد
ولم تعطني الأيام نومًا مسكنًا ألذ به إلا بنوم مشرد قال أبو عبيد: ومثله قولهم " غمرات ثم ينجلين " (١)
ع: [وقال أبو حاتم] زعموا أن صبيًا من العرب نظر إلى قوم يطعمون فأرادهم فجاء سيل، فحال بينه وبينهم، فألقى نفسه في الماء، فهو ينغط مرة ويرتفع أخرى (٢) ويقول " غمرات (٣) ثم ينجلين (٤) "، حتى تخلص ووصل إلى حاجته.
والغمرات على هذا جمع غمرة الماء، وكذلك غمرة الدنيا: ما غمر القلب منها. قال الله ﷿ ﴿بل هم في غمرة ساهون﴾ (الذاريات: ١١) وغمرات الحروب والفتن والخصومات. ويقال: فلان مغامر أي يلقي نفسه في الغمرات. قال مالك بن نويرة:
أعللهم عنه (٥) لنغبن دونهم وأعلم؟ غير الظن؟ أني مغامر وقد ورد هذا المثل في رجز لبعضهم، قال:
نقارع السنين عن بنينا والغمرات ثم ينجلينا
_________________
(١) ط: ثم تنجلي.
(٢) س: مرة.
(٣) س ط: الغمرات.
(٤) ط: تنجلي.
(٥) ط: ليغبق.
[ ٢٥٥ ]
فراغ
[ ٢٥٦ ]