إن دراسة النسخ الأربع التي اعتمدناها في التحقيق تدل على أننا أمام فئتين متفاوتتين من الأصول؛ الفئة الأولى تمثلها النسختان ص ح، فهما؟ وخاصة في الثلث الأول من الكتاب؟ تتفقان في زيادات كثيرة، لا وجود لها في النسختين الأخريين، ويبدو أن هذه الزيادات إنما كانت استدادًا من أصل ابن سلام نفسه للتوضيح، وأنه لم يكن للبكري يد فيها؛ كذلك فإن هاتين النسختين تتفقان فيما ينقصهما عند المقارنة بالنسختين الأخريين؛ أما الفئة الثانية فتتمثل في النسختين س ط، رغم ما قد يكون بينهما من تفاوت، نعم إن القراءات في كلتا النسختين قد تكون أحيانًا متباعدة، مما يدل على أنهما تنتميان إلى أصلين مختلفين، ولكن تلك الفروق جزئية، وليس بين النسختين اختلاف كبير في السياق العام نفسه. وعلى هذا وجدنا أنه لا بد لنا الأخذ بالأمور الآتية:
١ - أنه ليس هناك " نسخة أمّ " تتخذ حكمًا عند التباين بين النسخ.
٢ - أن زيادات ص ح قد وضعت في المتن بين قوسين بهذا الشكل
٣ - أن زيادات س ط قد وضعت بين معقفين هذه صورتهما []
٤ - أننا حذفنا كثيرًا من الفروق التي انفردت بها ص، لأنها في الأساس تعود إلى جهل الناسخ، وما كان خطأً واضحًا لا لبس فيه فلا يصح أن يثبت في الحواشي.
٥ - أن ما زدناه من النسخة (ف)؟ وهي أصل أبي عبيد ابن سلام؟ وضع بين
[ ١٢ ]
قوسين، هذه صورتهما ()؛ ولكنا في هذه الطبعة الثانية حذفنا من الزيادات التي أدرجناها من (ف) في الطبعة الأولى شيئًا كثيرًا، لأن أصول فصل المقال؟ في هذه الطبعة الثانية؟ قد أصبحت تمكننا من الحسم في كثير من الأمور، دون الاعتماد الكبير على نسخة (ف) .
٦ - أن هناك فروقًا كثيرة في القراءات قد أغفلناها لأنها لا تغير كثيرًا في المبنيى والمعنى؛ ومن ذلك الأدعية مثل " ﷺ " و" ﵁ " و" ﵀ "، فقد اتبعنا فيها منهجًا مناسبًا، وإن تفاوتت النسخ في ذلك، كذلك قد نجد تفاوتًا بين النسخ في أمور صغيرة مثل " ومنه قولهم " بدلًا من " منه قولهم " وما أشبه من فروق مثل " وقال " " فقال "؟ ولو أنا أردنا أن نشير إلى أمثال هذه الخلافات في كل موطن لأثقلنا الحواشي بأمور لا ضرورة لها؛ كذلك فإنا على تمام الشعور بالمسؤولية العلمية حين نقول: إن الأخطاء التي لا تتحمل تأويلًا إلى جانب الصحة المحتملة يجب أن يغفل إثباتها، لأن ذلك يعد إثقالًا على القراء، دون ما داعٍ يدعو لذلك.
٣ - شكر وتقدير:
حين أصدرنا الطبعة الأولى من هذا الكتاب (سنة ١٩٥٨) كان لجامعة الخرطوم الفضل الكبير في طبعه على نفقتها، تشجيعًا منها لإحياء التراث العربي، وتقديرًا لعمل أستاذين من أساتذتها، وأظن أن كرور الأيام، لن ينسينا الاعتراف بالجميل لتلك الجامعة، ولما أدته في خدمة العلم؛ وقد حرصت الجامعة يومئذ أن يكون عملنا مسددًا بإرشاد عالم طويل الباع في ميدان التحقيق وفي سعة الاطلاع، وذلك هو صديقنا الأستاذ محمود شاكر الذي قرأ الكتاب قبل دفعه للمطبعة، وأرسل إلينا بتعليقات كثيرة مفيدة، أثبتنا ما يحتاج إليه القارئ منها في هوامش الكتاب؛ وقد عانينا في طبع الكتاب؟ في الخرطوم؟ ما لا قبل لنا بتصويره، ولم تستطع غيرتنا العلمية أن تبرئه من أخطاء، كنا نحن أشد الناس ألمًا لوقوعها فيه، حتى لقد قلنا حينئذ في تقديم تلك الطبعة: " غير أن نقص الوسائل عامة، اضطرنا إلى قبول الأمر الواقع آسفين، فقد امتلأ الكتاب بالأخطاء، مع حرصنا على تصفيته منها ".
[ ١٣ ]
أما اليوم، فإننا نستطيع أن نقول بكل تواضع إننا نتقدم بالكتاب وهو لا يشكو من تلك العثرات، ويعود جانب كبير من الفضل في ذلك إلى صديقي العالم المحقق الأستاذ أحمد راتب النفاخ الذي أولى هذا الكتاب عناية خاصة، وقدم إليّ صوةرة من مخطوطة الاسكوريال لأستعين بها في العمل، وكانت أريحيته دائمًا عونًا كبيرًا لي في ما قمت به من تحقيقات. ولا أنس فضل أخ كريم هو الأستاذ مجير العمري الذي يعمل على إحياء التراث بغيرة صادقة، فهو الذي اضطلع بعبء هذا الكتاب، حتى خرج على النحو الذي يرتضيه المحقق والقارئ؛ فلهذين الصديقين شكري وتقديري.
ولما تيسر لي إعادة النظر في الكتاب على ضوء مخطوطتين جديدتين أستأذنت صديقي الدكتور عبد المجيد عابدين في إعادة طبعه، فأذن في ذلك، ولم يكن في مقدوري أن أعرض عليه ما تمّ في هذا العمل لتباعد المسافة فيما بيننا، ولكنه أولاني مشكورًا ثقته، فعملت بوحي من هذه المسئولية في جميع أجزاء الكتاب، حتى انني أعدت النظر في المقدمة، ووضعتها على نحو جديد، مستفيدًا من المعلومات التي وردت في مقدمة الطبعة الأولى، وقد حذفت منها ما كان مكررًا أو ما ظننته إمعانًا في التفصيلات، لا يفيد القارئ منه كثيرًا.
والله أسأل أن يوفقنا جميعًا ويسدد خطانا بمنه وكرمه.
بيروت في ٤ ذي الحجة ١٣٩٠
٣٠ - كانون الثاني (يناير) ١٩٧١ إحسان عباس
[ ١٤ ]
فصل المقال