أقسامه
علامات الوقف
الوقف على آخر الكلمات
همزة الوصل وهمزة القطع
[ ١٢٣ ]
الوقف: أهميته
لما كان فن الإلقاء يهدف إلى إيجاد نوع من الصلة بين المعاني التي يتضمنها الكلام، فإن عملية التقطيع ترمي إلى تجميع الكلمات التي تحمل معنى واحدا، حتى لا تختلط المعاني بعضها ببعض، ويتم ذلك بالوقف بين كل معنى والمعنى الذي يليه.
ولهذا كان ضروريا للمتحدث أن يجعل لنفسه مواقف، يقف عندها، تتفق ومعاني الجمل التي يلقيها، وأن يُنَظِّم عملية التنفس؛ حتى يستعد للمعنى المكمل في الجملة التالية، وينتقل بدرجة الصوت أو نغمته إلى ما يتناسب مع المعنى الجديد.
فلابد للقارئ أو المذيع من تحليل العبارات، وتحليل معناها؛ حتى يتبين مواطن الوقف؛ لأن مواطن الوقف عديدة، وليس هناك سبيل إلى معرفة هذه المواضع إلا عن طريق مراعاة المعنى؛ لأنه لا يحسن الوقف إلا إذا انتهى المعنى المراد بيانه.
وينبغي إدراك أن ظاهرة الوقف ينبغي أن تكون لونا من الدراسة
[ ١٢٥ ]
الصوتية والدراسة التصريفية، وفقا للدلالة. وقد أدرك القدماء أهمية ذلك: سيبويه، فأطلق مصطلح الوقف على حالة من أحوال الإعراب الأربعة وهي: حالة السكون، فيقول: هذا باب مجاري أوخر الكلم من العربية، وهي تجري على ثمانية مجارٍ: على النصب والرفع والجر والجزم، والفتح والضم والكسر والوقف١.
كما عبر الراضي عن الوقف بقوله: هو قطع الكلمة عما بعدها، أي: أن تسكت على آخرها، قاصدا لذلك مختارا بجعلها آخر الكلام سواء كان بعدها كلمة، أو كانت آخر الكلام٢.
ولمعرفة أهمية الوقف، ما روي أن رجلين جاءا إلى النبي -ﷺ- فتشهد أحدهما فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما، ووقف الرجل، فقال رسول الله -ﷺ: "قم أو اذهب، بئس الخطيب أنت".
وقيل: إن علي بن أبي طالب -﵁- سئل عن قوله تعالي: ﴿وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ فقال: هو تجويد الحروف ومعرفة الوقوف٣، والوقف هو حيلة التلاوة، وزينة القارئ، وبلاغ التالي، وفهم المستمع، وفخر العالم٤. وبه يعرف الفرق بين المعنيين المختلفين والنقيضين المتباينين والحكمين المتغايرين، وقد ورد عن ابن عمر
_________________
(١) ١ الكتاب، ج: ١، ص: ١٣-١٧. ٢ شرح الشافية، ج: ٢، ص: ٢٧١. ٣ النشر في القراءات العشر، ج: ١، ص: ٢٠٩. وطيبة النشر في القراءات العشر: لابن الناظم، ص: ٣٥، ٣٦، ٤٢. ولطائف الإشارات لفنون القراءات: للعسقلاني، ج: ١، ص: ٢٢٠. وشرح المقدمة الجزرية، وغيرها. ٤ البرهان في تجويد القرآن: محمد الصادق قمحاوي، ص: ٣٨.
[ ١٢٦ ]
﵄ قوله: لقد عشنا برهة من دهرنا، وإن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد -ﷺ- فنتعلم حلالها وحرامها، وما ينبغي أن يوقف عنده منها، كما تتعملون أنتم اليوم القرآن، ولقد رأيت اليوم رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان؛ فيقرأ مما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما أمره ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه، وينثره نثر الدقل١.
وقد روى هذا الحديث أيضا بخلاف يسير، الحافظُ ابن الجزري في كتابه: النشر في القراءات العشر٢، وفيه دلالة على أن الصحابة كانوا يتعلمون الوقف على ما تمَّ معناه، وصلح البدء بما بعده، سواء كان الوقت تامًّا أم كافيا، وفي كلام الإمام علي -﵁- في تفسير معنى الترتيل، دليل على وجوب تعلمه ومعرفته، وفي كلام ابن عمر دليل وبرهان على أن تعلمه إجماع من الصحابة رضوان الله عليهم.
التعريف به
لغة: هو الكفُّ والحبس، يقال: أوقفت الدابة أي: حبستها.
واصطلاحا: هو عبارة عن قطع الصوت عن آخر كلمة زمنا؛ ليتنفس فيه القارئ عادة، بنية استئناف القراءة لا بنية الإعراض عنها٣.
قال في البرهان: ولابد معه من التنفس، ولا يأتي وسط الكلمة، ولا فيما اتصل بخلاف السكت والقطع.
_________________
(١) ١ الدَّقل هي: أردأ التمر- في القاموس المحيط- وذكر الحديث أبو جعفر النحاس، المتوفى سنة: ٣٣٨هـ، في كتاب: القطع والائتناف، ص: ٧٨. ٢ النشر في القراءات العشر، ج: ١، ص: ٢٢٥. ٣ راجع: منار الهدى في بيان الوقف والابتدا: للأشموني، ص: ١٢، ١٣. والنشر، ج: ١، ص: ٢٢٥. ولطائف الإشارات: للقسطلاني، ج: ١، ص: ٢٢٠.
[ ١٢٧ ]
وهذا يجعلنا نفرق بين الوقف والقطع والسكت، وهذه المصطلحات جرت عند كثير من القدماء، وبعضهم يرى أنها يراد بها الوقف غالبا، والقطع يراد به قطع القراءة رأسا، أي كالانتهاء عند بعضهم، ولكن الدراسات أثبتت أن هناك فروقا بين كل من الوقف والقطع والسكت، وأصبح لكل منها معنى.
فالقطع: قطع القراءة بنية الانتهاء، ولا يجوز إلا بعد تمام الآية، كما يذكر علماء القراءة، أو بعد تمام المعنى أو الفهم بالنسبة للكلام، وقد يقع القطع لعذر أو للانتقال من حال إلى حال، أو من قول لآخر.
والسكت: هو قطع الصوت زمنا دون زمن الوقف عادة من غير تنفس، ولا يجوز السكت إلا على ساكن، وقد اختلف في زمن السكت أي: بين طول السكت وقصره ١، إلا أن معظم القراء يرون أن تسكت سكتة يسيرة أي: زمنًا يسيرًا بدون تنفس أي: أقل من زمن إخراج التنفس؛ لأنه إن طال صار وقفًا.
وإن كان كثير من الباحثين يرون أن السكت في القرآن الكريم مبني على السماع ومقيد به، إلا أن له معنى في كل سكتة، وخاصة إذا رجعت إلى ما روي فيه السكت وهو: ﴿عِوَجَا قَيِّمًا﴾ ﴿مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا﴾ ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ ﴿بَلْ رَانَ﴾ .
فالسكت يعطي أهمية للكلمة التي حدثت فيها السكت، ويضيف معنى جديدا لا يتحقق بدون السكت.
_________________
(١) ١ النشر في القراءات العشر، ج: ١، ص: ٢٢٥. وقد قيل: إن السكت على الساكن قبل الهمزة سكنة يسيرة، وقيل: السكت أن تسكت سكتة قصيرة، وقيل مختلسة من غير إشباع، وقيل: تسكت حتى يقال: إنك قد نسيت ما بعد الحرف، وقيل: تسكت سكتة لطيفة من غير قطع، راجع النشر، ج: ١، ص: ٢٣٩، ٢٤٠.
[ ١٢٨ ]