ولكي تتضح الصلة بين نشأة فن الإلقاء وما عرف بتجويد القرآن، نعود إلى تعريف التجويد، فنرى أن:
التجويد: مصدر جوَّد تجويدا، والاسم منه الجودة ضد الرداءة، وهو في اللغة: التحسين، يقال: جود الرجل الشيء إذا أتى به جيدا، ويقال لقارئ القرآن المحسن تلاوته: مجود -بكسر الواو- إذا أتى بالقراءة مجودة -بفتح الواو- أي: الألفاظ بريئة من الجور والتحريف حال النطق بها عند القراءة.
وفي الاصطلاح: إخراج كل حرف من مخرجه وإعطاؤه حقه -بفتح الحاء- من الصفات، فحق الحرف من الصفات أي: الصفات اللازمة الثابتة التي لا تنفك عنه بحال: كالجهر والشدة والاستعلاء والاستفال والإطباق والقلقلة إلى غير ذلك.
وإعطاؤه مستحقة من الصفات العارضة التي تعرض له في بعض الأحوال، وتنفك عنه في البعض الآخر لسبب من الأسباب: كالترقيق، فإن الأول ناشئ عن صفة الاستفال، والثاني ناشئ عن صفة الاستعلاء، وكذلك الإظهار والإدغام والقلب والإخفاء والمد والقصر إلى غير ذلك من الصفات ١
_________________
(١) ١ انظر النشر في القراءات العشر: ج: ١، ص: ٢١، للحافظ بن الجوزي، وهداية القاري إلى تجويد كلام الباري: عبد الفتاح السيد المرصفي، ص: ٧٣. والتجويد الميسر لأبي عاصم بن عبد العزيز بن عبد الفتاح القاري، ج: ٦.
[ ١٠ ]
وعني علماء الإسلام بعلم القراءات والتدوين فيه، فكتب مجاهد كتابه السبعة وله كتاب القراءات الصغير والكبير ١.
وكتب إسماعيل بن إسحاق المالكي المتوفى سنة ٣١٠هـ، الجامع فيه عددا من القراءات ٢، وألف أحمد بن جبير المتوفى ٣٥٨ هـ، كتابا ضمنه قراءة أئمة الأمصار الخمسة: مكة، والمدينة، والبصرة، والكوفة والشام ٣. وألف محمد بن أحمد الداجوني المتوفى سنة ٣٣٤ هـ، كتابا سماه القراءات الثمانية، جمع فيه قراءة الأئمة السبعة المشهورين، وأضاف إليهم قراءة أبي جعفر٤، كما ظهرت مؤلفات في طبقات القراء، وفي الاحتجاج بالقراءات، بل ذكر لنا الفهرست لابن النديم، ووفيات الأعيان لابن خلكان، والوافي بالوفيات للصفدي، وبغية الوعاء للسيوطي، ومعرفة القراء الكبار على طبقات الأمصار للإمام الذهبي، وغيرهم ممن ذكروا لنا العديد من كتب القراءات التي ألفها السابقون.
ولقد حفلت المكتبة العربية بكتب مطبوعة في علم القراءات من أهمها:
- الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها، لمكي بن أبي طالب القيسي: ٣٥٥- ٤٣٧هـ، ٥.
_________________
(١) ١ الفهرست ص: ٥٣. ٢ النشر ج: ١، ص: ٣٤. ٣ طبقات القراء ج: ١، ص: ٣٤٢. ٤ انظر غاية النهاية ج: ٢، ص: ٧٧. ٥ طبع في مصر تحقيق د. عبد الفتاح شلبي، وطبع في دمشق تحقيق د. محيي الدين رمضان.
[ ١١ ]
- إبراز المعاني من حرز الأماني شرح علي الشاطبية، تأليف عبد الرحمن بن إسماعيل المقدس الشهير بأبي شامة، توفي سنة ٦٦٥هـ١.
- إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشر، تأليف أحمد بن محمد الدمياطي ٢.
- تحبير التيسير في القراءات العشر من طريق الشاطبية والدرة، تأليف الإمام محمد بن محمد الجزري، المتوفى سنة ٨٣٢هـ ٣.
- منار الهدى في بيان الوقوف والابتدا، للأشموني ٤.
- المكتفى في الوقف والابتدا، لأبي عمرو الداني ٥.
- الحجة في القراءات السبع، تأليف الحسين بن أحمد بن خالويه، المتوفى سنة ٣٧٠هـ ٦.
- الحجة في علل القراءات السبع، تأليف الحسن بن أحمد الشهير، بأبي علي الفارسي، المتوفى سنة ٣٧٧هـ٧.
- حجة القراءات، للإمام أبي زُرْعة ٨.
- سراج القارئ المبتدئ وتذكرة القارئ المنتهي، شرح علي الشاطبية، تأليف أبي القاسم علي بن عثمان الشهير بابن الفاصح، المتوفى سنة ٨٠١ هـ ٩.
_________________
(١) ١ طبع في القاهرة ٢ طبع بمكتبة المشهد الحسيني، القاهرة. ٣ طبع في القاهرة. ٤ طبع في دار المصحف، بدمشق. ٥ طبع في دمشق في مؤسسة الرسالة، تحقيق د. يوسف المرعشلي. ٦ طبع في دمشق. ٧ ط: الهيئة القومية للكتاب، وصدر منه جزءان. ٨ ط: بنغازي ١٩٧٤. ٩ طبع في القاهرة.
[ ١٢ ]
- طيبة النشر في القراءات العشر تأليف ابن الجزري ١.
- غيث النفع في القراءات السبع، تأليف الشيخ علي النووي الصفاقسي ٢.
- كتاب السبعة، لابن مجاهد، ت ٣٢٤هـ ٣.
- الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها، تأليف مكي بن أبي طالب القيسي، ت ٤٣٧هـ ٤.
- كنز المعاني في شرح حرز الأماني، تأليف محمد بن أحمد الشهير بشعلة ٥.
- التيسير في القراءات السبع، تأليف أبي عمرو الداني المتوفى سنة ٤٤٤هـ ٦.
- حرز الأماني ووجه التهاني نظم في القراءات السبع، للإمام الشاطبي ٧.
- المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات، تأليف أبي الفتح بن جني ٨.
- مختصر شواذ القراءات تأليف الإمام خالويه ٩.
- النشر في القراءات العشر، تأليف الإمام ابن الجزري ١٠.
_________________
(١) ١ طبع في القاهرة. ٢ طبع في القاهرة على هامش كتاب سراج القارئ. ٣ طبع في دار المعارف تحقيق د. شوقي ضيف. ٤ طبع في دمشق تحقيق د. محيي رمضان. ٥ طبع في القاهرة. ٦ طبع في استانبول سنة ١٩٣٠. ٧ طبع في القاهرة. ٨ نشر المجلس الأعلى للشئون الإسلامية القاهرة. ٩ طبع في القاهرة. ١٠ طبع في القاهرة.
[ ١٣ ]
- لطائف الإشارات لفنون القراءات، للقسطلاني ١.
- غاية النهاية في طبقات القراء، لابن الجزري ٢.
- الإقناع في القراءات السبع، لابن الباذش ٣.
فغاية ما يسعى إليه فن الإلقاء هو إجادة القول، وأن يتعود القارئ على النطق السليم والقول الفصيح، مهتديا بما كتب من أحكام في فن التجويد الذي يعد أساسًا في دراسة علم الأصوات وإجادة النطق، ذلك لأن المقصود من تجويد القرآن هو قراءته بالطريقة الصحيحة، كما قرأها رسول الله -ﷺ- وكما قرأها الصحابة -رضوان الله عليهم- وذلك بالمحافظة على أحكامها من إدغام وإظهار وإقلاب وإخفاء ومد وغنة، وتبيين حروفه وإخراجها من مخارجها، وعدم الخلط بينها، والقراءة بتمهل وتأنٍ وفصاحة، وعدم الاستعجال في القراءة والتغني دون تكلف ولا تمطيط، ومن غير أن يتشبه بأهل الإلحاد والفساق وتحسين الصوت أثناء القراءة، وقد أمرنا الله -﷿- بتجويد القرآن فقال: ﴿وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ .
ولكي يستطيع القارئ أن يقرأ القرآن قراءة صحيحة عليه أن يرجع إلى ما وضعه الأئمة من ميزان يرجع إليه، وهو السند والرسم والعربية، فكل ما صح سنده، ووافق وجهًا من وجوه النحو سواء كان أفصح أم فصيحًا، مجمعًا عليه، أو مختلفا فيه اختلافًا لا يضر، ووافق خط مصحف من المصاحف فهو السبعة الأحرف المنصوصة في الحديث، فإذا اجتمعت هذه الثلاثة في قراءة وجب قبولها سواء أكانت
_________________
(١) ١ تحقيق د. عبد الصبور شاهين، والشيخ عامر السيد عثمان، طبعة القاهرة. ٢ الطبعة الأولى سنة ١٣٥٢هـ بالقاهرة. ٣ المتوفى سنة ٥٤٠هـ تحقيق د. عبد المجيد قطامش، مركز البحث العلمي، جامعة أم القرى.
[ ١٤ ]
عن السبعة أم عن العشرة أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين ١.
ووضع علماء القراءة ضوابط دقيقة للفصل بين قراءة مقبولة وأخرى مردودة، بحيث إذا وجدت هذه الضوابط في قراءة كانت صحيحة.
وضوابط القراءة المقبولة تتلخص في:
١- أن ينقلها الثقات عن النبي -ﷺ- لأن القرآن هو المنقول إلينا بالتواتر.
٢- أن يكون لها وجه شائع في العربية التي نزل بها القرآن الكريم.
٣- أن تكون موافقة لخط المصحف٢.
وقد أوضحها ابن الجزري في منظومته فقال:
فكل ما وافق وجه نحوي وكان للرسم احتمالا يحوي
وصح إسنادًا هو القرآن فهذه الثلاثة الأركان ٣
وتلك الأحكام التي توصل إليها العلماء في تجويد القرآن هي زاد له أهميته لمن أراد أن يتعرف على النطق السليم للعربية.
فالقرآن الكريم قراءته هي أساس لتقويم اللسان، والعودة به إلى فصيح القول، فالقرآن لحكمة بالغة نزل مقروءًا ولم ينزل مكتوبًا، وتلقاه الرسول -ﷺ- من لدن حكيم خبير؛ ولذا كانت قراءة القرآن دعامة أساسية للنطق بالعربية وإجادة القول بها، وعِلْمُ القراءة أصل من أصول فن الإلقاء عني به السلف الصالح.
_________________
(١) ١ إتحاف فضلاء البشر، ص: ٦. ٢ إرشاد الفحول، للشوكاني، ص: ٢٩. والإبانة ص: ٥١، ومنجد المقرئين ومرشد الطالبين لابن الجزري ص: ٩١، والإتقان للسيوطي ج: ١، ص: ١٢٩. ٣ طيبة النشر في القراءات العشر لابن الجزري ص: ٢.
[ ١٥ ]
وإن درس الأقدمون الحروف ومخارجها وأوصافها، فإن دراسة الأصوات اللغوية لاقت رواجًا عبر العصور المختلفة وحظيت اللغة العربية بجهد كبير في البحوث المتصلة بعلم الصوتيات، هذا العلم الذي يعد أصلا من أصول فن الإلقاء وركيزة يرتكز عليها.
وكثرت كتب القراءات في العصور المتأخرة وعني أصحابها برواية القراءات وسندها، ولذا نرى من الباحثين من يقول:
ورغم كثرة كتب القراءات في العصور المتأخرة وعلاجها المسهب للقراءات السبع والعشر وغيرها، نرى أنها حين تعرض لأصوات اللغة تكتفي ببضع صفحات، تصف فيها مخارج الحروف وصفاتها، في صورة مقتضبة مختصرة، لا تخلو من الغموض أو التحريف في بعض الأحيان، كما أن عناية أصحابها قد وجهت كلها إلى رواية القراءات وسندها، معتمدين على تلقين القراءات وضبطها عن طريق التلقي الشفوي، جيلا بعد جيل، حتى انتهى الأمر إلى بضعة متون صغيرة سميت بعلم التجويد يحفظها الطالب عن ظهر قلب دون فهم في غالب الأحيان، وقد التزمت هذه المتون في غالب أحوالها، نصوص سيبويه وعباراته في شرح أصوات اللغة
ووصفها١. وفي عصرنا هذا عنيت الجامعات والمعاهد بالقراءات وظهرت العديد من المؤلفات٢.
_________________
(١) ١ المدخل إلى علم اللغة ومناهج البحث اللغوي، الدكتور: رمضان عبد التواب ص: ١٨. ٢ نذكر منها: في علوم القراءات للدكتور: سيد رزق الطويل. - وهداية القاري إلى تجويد كلام الباري: لعبد الفتاح المرصفي. - والعميد في علم التجويد لمحمود على بسة، شرح وتحقيق محمد الصادق قمحاوي.
[ ١٦ ]