الكتابة مرحلة متقدمة من مراحل تطور الحضارة الإنسانية، فهي تلي مرحلة الحديث الشفوي الذي يتوسل باللغة المحكية؛ لأن الحديث الشفوي يتم -غالبًا- دون طول تأمل أو تفكير؛ فهو عفوي تمليه الحاجة الراهنة تقتضيه متطلبات اللحظة، لذا فإنه يرتبط بقضاء الضروريات الحياتية العاجلة، أو التعبير عن المشاعر التلقائية الفورية، أما الكتابة فتَسْتَلْزِم الروية والتمهل ومداومة التفكير والنظر، ولها قواعدها ومواضعاتها، إذ تعتمد على تنظيم الأفكار بعد بلورتها وصياغتها والتحقق من تماسكها وترابطها، ولغة الكتاب تختلف عن لغة التعبير اليومي فتختفي فيها مظاهر الارتجال والسرعة، وقد واكبت نضج العقل الإنساني وارتقاء إدراكه وتكامل مفاهيمه.
والكتابة نوعان:
كتابة إجرائية عملية: تتعلق بالمعاملات والتأريخ والتوثيق، وهي ضرورة للمنافع العملية والمكاتبات الرسمية، لها قواعد محددة، وأصول مقننة وتقاليد متعارف عليها، كالتقرير والرسالة الإدارية والبحث العلمي وما إلى ذلك، ولغة هذا النوع من الكتابة منضبطة في قوالب خاصة محددة لا إيحاء فيها ولا ظلال، ودلالات الألفاظ والصيغ في متنها قاطعة باترة لا تحتمل التأويل، ولهذا فهي لا تستلزم موهبة خاصة أو ملكة متميزة، غير أن بعضها قد يقتضي قدرًا من التأثير والإقناع لبيان حاجة وقضاء أمر.
وكتابة إبداعية فنية: تحتاج إلى قدرات فطرية مركوزة في النفس وقارة في الوجدان، فهي تعبر عن رؤية متفردة ذات أبعاد شعورية ونفسية وفكرية، تنم عن حساسية خاصة تجاه التجارب الإنسانية، وتقوم على الابتكار.
[ ٢٤ ]
لا التقليد، ويجب أَن تتوفر في صاحبها استعدادات خاصة، وخبرة فنية ومالية لها جذورها الكامنة في القريحة، تتبلور بالاطلاع والثقافة ومعاناة الحياة، وتبرز إلى الوجود بعد أن تكون قد استكملت مقوماتها، واستحكمت في نفس صاحبها، واستوت ناضجة، وهذه الكتابة الإبداعية تشمل أنواعًا أدبيةً متعددةً: كالشعر والقصة، والمسرحية والمقالة الذاتية، وغيرها. ولكل من هذه الفنون أصول العامة، وقواعده الخاصة، ولكنها جميعًا تخضع للتغيير والتطوير، وليست جامدة محددة، ثم إن الالتزام بها لا يكون على نحو حرفي، بل تتجلى موهبة الفنان وملكته كلما استطاع أن يضيف أو يحور ويعمل من خلال منظوره الخاص وفقًا لما تقتضيه التجربة الخاصة. والكتابة الإبداعية تحتاج إلى دربة ومران وصقل وتوجيه.
وقبل أن نتحدث عن فنون الكتابة والتحرير لا بد أن نتوقف عند المقومات العامة للكتابة وهي:
[ ٢٥ ]