يشهد عصرنا الراهن انفجارًا معرفيًّا فريدًا، فقد تعددت وسائل الثقافة وتكاثرت سبلها من سمعية وبصرية، ويقوم الحاسب الآلي -الآن- بدور تاريخي في إثراء الثقافة الإنسانية، بما يختزنه من معلومات وما يستثمره من طاقات وخبرات؛ كذلك فن الفيديو والتلفزيون يهيئان للإنسان الكثير من المعارف التي لم تكن ميسرة من قبل، ولكن خطورة هذه الأجهزة تكاد تساوي منافعها أو تزيد؛ فالأقمار الصناعية العالمية سوف تتمكن في وقت قريب من غزو بيوتنا بما تحمله من برامج معدة لبيئةٍ غير بِيئَتِنَا، وَتَنْتَمِي إِلَى دِينٍ غَيْرِ دِينِنَا، وَثَقَافَةٍ مُخْتَلِفَةٍ عَنْ ثَقَافَتِنَا، وَمُجْتَمَعَاتٍ فِيهَا انحلال وفساد، ومع هذا فإن الوعي بشخصيتنا الأساسية المتميزة - وقبل ذلك وبعده - بمعتقداتنا الراسخة وفهم واقعنا وإدراك جوهره لسوف يعصمنا من ضلالات المضلين وفساد المفسدين إن شاء الله.
والثقافة في مفهومها العام ليست تحصيل المعلومات واختزانها، وحشو الأدمغة بها؛ وإنما هي تَمَثُّلٌ١ لهذه المعلومات، واستخلاص لما فيها من أوجه النفع، فالثقافة سلوك ورؤية وموقف، من هنا كان المتعلم غير المثقف، فعلاوة على القراءة والاطلاع والتحصيل هناك الخبرة الحياتية التي لا تتأتى إلا لمن عركته الحياة، وسلك فجاجها المختلفة واستفاد من تجاربها، فالرحلة ثقافة لأنها تكسب الإنسان خبرة ومهارة، والكتابة الناضجة المفيدة تحتاج إلى هذه الخبرة، بل إن التجربة مادتها الرئيسية لأن بها تشكل الرؤية ومن خلالها يتخذ الموقف.
وللثقافة العامة رَوَافِدُ مُخْتَلِفَةً - كما سبق أن أشرنا- وهي تحتاج إلى بصر بالموضوعات النافعة والكتب المفيدة، وتتطلب حاسة انتقائية مرهفة، وعصرنا الذي نعيش فيه يكتظ بالإصدارات المتعددة من صحف ومجلات وكتب
_________________
(١) * الثقافة من ثقف "ككرم" ثقفًا وثقافة صار حاذقًا خفيفًا فطنًا فهو ثقف وثقف وثقيف، وثقف، وثقيف ١ التمثل: نشاط عقلي يتجه إلى إدماج موضوع معين أو موقف معين في مخطط نفس أشمل تعريف بباجيه الفرنسي "ص٩٩- قراءة التراث النقدي -عصفور".
[ ٢٩ ]
وأشرطة متعددة المواد؛ لهذا فإن حسن الاختيار يشكل القاعدة التي توصلنا إلى منافع الثقافة الحقيقة، وعلى الرغم من أننا في عصر التخصص إلا أنه لا بد من الإلمام بشيء من العلوم العصرية ومتابعة ما يستجد فيها، كذلك فإن علينا أن نعي ما يدور حولنا من أحداث في مختلف المجالات وأن تكون آفاقنا متسعة رحبة تستوعب ذلك كله، والثقافة ركن أساسي لا يستغنى عنه عند الشروع في كتابة أي موضوع لأن الموضوعات مترابطة يحيل بعضها إلى بعض، ويستدعي بعضها بعضا، فالكتابة في موضوع اجتماعي - مثلًا - يتطلب معرفة بأنماط العيش في مختلف المجتمعات وقد أشار الكتاب والفقهاء المسلمون إلى ألوان الثقافة المتعددة التي يدخل بعضها في باب فرض العين وبعضها الآخر فرض كفاية، ومنها ما هو مباح.
وأوضح سعيد حوى العلوم والمعارف التي تندرج تحت فرض العين قال: جمعها أصلان: معرفة حق الخالق، ومعرفة حق المخلوق على مقتضى الشريعة، ويدخل في ذلك معرفة الله والرسول والإسلام، ويدخل في ذلك معرفة الطريق لإصلاح القلب والنفس وتزكيتهما، ويدخل في ذلك تعلم الفقه المحتاج إليه كفقه الطهارة والصلاة والزكاة لمن يملك نصابًا، والصوم والحج لمن قدر عليه والنكاح والطلاق لمن أراد الدخول في الزواج والبيوع لمن أراد أن يشتغل بها، وكل من اشتغل بشيء وجب عليه علمه، لأن الحلال والحرام من العلوم المفروضة على الإنسان يدخل في ذلك علم الأخلاق محمودها ومذمومها، كالرحمة والإخلاص وكالحسد والغل، ويدخل في ذلك معرفة نواقض الإسلام والشهادتين ويدخل في ذلك معرفة النواحي الأساسية في التربية الإسلامية، ويدخل في ذلك أن يعرف الإنسان حدًّا أدنى من السيرة وحياة الصحابة، ويدخل في ذلك تجويد القرآن لمن يقرأه ويدخل في ذلك التعرف على أحوال المسلمين بقدر المستطاع، وأما العلم المسنون فهو التبحر في العلوم المفروضة فرض عين على كل إنسان، على أن لا يؤثر المندوب على الفريضة١.
_________________
(١) ١ سَعِيد حَوَّى: الإسلام، مكتبة وهبة، القاهرة،١٠٤/٣ نقلًا عن د/ عبد الباسط بدر: مقدمة لنظرية الأدب الإسلامي، دار المنار، جدة سنة ١٩٨٥ ص٣٥.
[ ٣٠ ]
وقد أسفر الدرس العلمي عن تصنيف تعريفات الثقافة إلى سبعة أقسام: منها التعريفات الوصفية التي ترى أن الثقافة تشمل المعلومات والمعتقدات، والفن والأخلاق والعرف والعادات، وجميع القدرات الأخرى التي يستطيع الإنسان أن يكتسبها.
وهناك تعرفات تاريخية، فالثقافة تشمل الممارسات والمعتقدات المتوارثة اجتماعيًّا والتي تحدد جوهر حياة الأمة وفقًا لهذا اللون من ألوان التعريف.
أما التعريفات المعيارية فتركز على كون الثقافة أسلوب حياة، وعلى أن الثقافة هي القِيَمُ المْاَدِيَّةُ وَالاجْتِمَاعِيَّةُ لشعب ما.
والتعرف السيكولوجي يركز على كون الثقافة عملية تكيف وتوافق، وعلى أنها أداة لحل المشكلات وإبراز عنصر التعلم الإنساني باعتبار أن الظاهرة الثقافية تحوي كل أنشطة الإنسان التي يكتسبها عن طريق التعلم.
وهناك نوع آخر من التعريف يرى في الثقافة الخاصة بكل مجموعة بشرية نظامًا متكاملًا، أو بنية لها قوانينها ووحداتها الخاصة، فهي نموذج قائم بذاته، وتتمحور حول إشباع الحاجات الإنسانية الأساسية، فهي تنتظم الملاح المادية والمعنوية للنظام الاجتماعي.
وهناك نمط من التعريف يرى الجانب التطوري في الثقافة، فيصفها بأنها نتاج التفاعل الإنساني وأنها الأبنية العقلية التي يكتسبه الفرد من محيطه ويتطور بها عبر مراحل حياته.
أما المنظور الشامل للثقافة فيتجاوز هذه الجوانب الجزئية لينظر إلى الثقافة على أنها ظاهرة تاريخية تتضمن المنجزات في مجال العلم والفن والأدب والفلسفة والأخلاق والتربية إلخ، وهذا المنظور الشامل للثقافة يأخذ طابعًا فكريًّا بحيث يتم تحليله من وجهات نظر متعددة:
[ ٣١ ]
فهناك من يرى أن هذه الظاهرة التاريخية تخضع لمعطيات اقتصادية، وهناك من يرى أنها ذات معطًى ثابت وشامل، وما إلى ذلك١.
ونحن نرى أن كل معالجة كتابة لموضوع معين تقتضي قدرًا من الثقافة المتخصصة، فضلًا عن الثقافة الشاملة، فضياء الدين ابن الأثير يقول: إن صاحب هذه الصناعة يحتاج إلى التشبث بكل فن من الفنون حتى أنه يحتاج إلى معرفة ما تقوله النادبة بين النساء والماشطة عند جلوة العروسإلخ٢.
فالكتابة عن ظاهرة أدبية معينة يقتضي إلمامًا خاصًّا بالأدب ومقوماته، وطرائقه وأساليبه، والكتابة في أي جانب من جوانب الحياة الإنسانية يقتضي إلمامًا خاصًّا بهذا المجال، كذلك فإن معرفة النظام الإسلامي الذي قامت به كثير من المجتمعات، وفي ضوئه تم تنظيم الحقوق والواجبات للأفراد والجماعات يعتبر أمرًا مهمًّا لمن يكتب في هذا المجال، والفكر الاجتماعي متعدد الأبواب والمداخل، فهناك المداخل جميعًا كما أن الإلمام بقواعد السلوك وآدابها، والمعاملات والأسس النفسية السائدة في مجتمعاتنا، والفرق بينها وبين تلك الأسس السائدة في المجتمعات الغربية، من هنا يتبين لنا أن الموضوعات مترابطة، والظواهر متشابكة، يأخذ بعضها برقاب بعض كما قال.
_________________
(١) ١ راجع: د/ سامية حسن الساعاتي، الثقافة والشخصية بحث في علم الاجتماع الثقافي دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت سنة ١٩٨٣ من ص٢٥- ص٥٢. ٢ ضياء الدين ابن الأثير، المثل السائر ج١ ص٧٣.
[ ٣٢ ]