لم يعرف مفهوم التحرير قائمًا على جرد الصياغة الإنشائية اللفظية، والبراعة في حشد الكلمات والقوالب، كما كان سائدًا في أوساط الطلبة في مرحلة التعليم العام، إذ لا بد من المعلومات الحقيقية المُنَظَّمَة التي تمد الكاتب العناصر الأساسية للكتابة.
[ ٣٢ ]
من هنا كان الاطلاع على مظان الموضوع مصادره الأساسية ومراجعه أمرًا بالغ الأهمية قبل الشروع في الكتابة، وذلك لإرساء قاعدة مرجعية ينطلق منها الكاتب، ولا بد من أن يلتزم الأمانة في النقل والإشارة إلى المصادر، ويستحسن أن تصاغ الأفكار المنقولة بأسلوب الكاتب كي تبرز شخصيته الذاتية، لأن إعادة الصياغة تضفي على الفكرة رونقًا خاصًّا وتضيف إليها ظلالًا جديدة.
وعلى سبيل المثال فإنه إذا أردنا الكتابة عن الدروس المستفادة من الهجرة النبوية الشريفة نعود أولًا إلى المصادر الأساسية والمراجع الهامة على النحو التالي:
١- الآيات الخاصة بالهجرة النبوية في القرآن الكريم.
٢- تفسير الآيات في كتب التفسير المعتمدة.
٣- كتب السيرة النبوية المعروفة "سيرة ابن هشام" مثلًا أو "السيرة النبوية" لأبي الحسن الندوي- وكتب فقه السيرة ككتاب عماد الدين خليل في هذا الموضوع والموسوم بـ" فقه السيرة" أو كتاب الشيخ محمد الغزالي المشهور.
٤- كتب المعاصرين حول هذا الموضوع مثل كتاب "عشرة أيام في حياة الرسول" لخالد محمد خالد، وعبقريات العقاد خصوصًا "عبقرية محمد" وعبقرية الصديق و"عبقرية عمر" ولا بأس من مراجعة "في منزل الوحي" لمحمد حسين هيكل، و"على هامش السيرة" لطه حسين" وإن كان الأمر يتطلب الحذر فيما يتعلق بالكتابين الأخيرين وغيرهما مما سبق ذكره.
٥- إذا أمكن الاطلاع على بعض القصائد للمشاهير من الشعراء، وتلك التي تتغنى بهجرة الرسول ﷺ على وجه الخصوص فذلك أمر جيد.
وإذا كانت الكتابة جدلية أو وصفية أو تدور حول قضية من القضايا الخلافية أو كانت إبداعية تستلزم قدرًا من معاناة التجربة والتعبير عنها فإن الأمر يختلف بعض الشيء، إذ لا يكتفى بالقاعدة الفكرية، وإنما ينبغي أن تكون هناك مرجعيات أخرى ذت طابع سلوكي، وممارسة اجتماعية ومشاهدة حسية.
[ ٣٣ ]
ففي الموضوعات الجدلية التي تستثير اهتمام قطاعات عريضة من الرأي العام يصبح الاحتكاك المباشر بالمجتمع والتعرف على وجهات النظر المتباينة فيه أمرًا ضروريًّا بالإضافة إلى معرفة ما كتب عنه ورأي الشرع فيه، كقضية المهور مثلًا، أو قضية عمل المرأة، وما إلى ذلك من أمور اجتماعية.
وفي الموضوعات الوصفية المحضة يستلزم الأمر مشاهدة حسية لما يراد وصفه ومعاناة عملية إذا كان الموصوف نسقًا من السلوك أو تجربة إنسانية خاصة؛ فوصف البيئة الطبيعية في مكان عام يحتاج إلى تأمل عياني لهذه البيئة ووصفًا لأثرها في وجدان الكاتب، كما أن الحديث عن معركة من المعارك يقتضي ضربًا من المعاناة بالإضافة إلى الرؤية المباشرة.
أما الأعمال الإبداعية فهي تستلزم خبرة أكبر بالأساليب وفنون القول وممارسة أطول للنصوص الإبداعية، فضلًا عن المعاناة الذاتية وجدانيًّا وفكريًّا.
وقد تعرض عبد الحميد الكاتب -في رسالته الشهيرة إلى الكتاب- إلى القواعد السلوكية والصفات الثقافية والفكرية التي ينبغي أن تتوفر في الكاتب وكذلك أبو هلال العسكري في الصناعتين، وابن قتيبة في أدب الكاتب١.
_________________
(١) ١ راجع القلقشندي: صبح الأعشى ج١ ص٨٥ وما بعدها.
[ ٣٤ ]