خذ من نفسك ساعة نشاطك وفراغ بالك وإجابتها إياك، فإن قليل تلك الساعة أكرم جوهرًا، وأشرف حسبًا، وأحسن في السماع، وأحلى في الصدور، وأسلم من فاحش الخطأ، وأجلب لكل عين وغرة من لفظ شريف، ومعنى بديع.
واعلم أن ذلك أجدى عليك ما يعطيك يومك الأطول بالكد والمطاولة والمجاهدة، وبالتكالف والمعاودة، ومهما أخطأك لم يخطئك أن يكون مقبولًا قصدًا، وخفيفًا على اللسان سهلًا، وكما خرج من ينبوعه ونجم من معدنه، وإياك والتوعر، فإن التوعر يسلمك إلى التعقيد والتعقيد هو الذي يستهلك معانيك ويشين ألفاظك، ومن أراغ معنى كريمًا، إن حق المعنى الشريف اللظف الشريف، ومن حقهما أن تصونهما عما يفسدهما ويهجنهما، وعما تعود من أجله أن تكون أسوأ حالًا منك قبل أن تلتمس إظهارهما، وترتهن نفسك بملابستهما وقضاء حقهما.
فكن في ثلاث منازل، فإن أولى الثلاث أن يكون لفظك رشيقًا عذبًا، وفخمًا سهلًا، ويكون معناك ظاهرًا مكشوفًا، وقريبًا معروفًا، أما عند الخاصة إن كنت للخاصة قصدت، وإما عند العامة إن كنت للعامة أردت، والمعنى ليس يشرف بأن يكون من معاني الخاصة، وكذلك ليس يتضح بأن يكون من معاني العامة، وإنما مدار الشرف على الصواب وإحراز المنفعة، مع موافقة الحال، وما يجب لكل مقام من المقال.
وكذلك اللفظ العامي والخاصي، فإن أمكنك أن تبلغ مع بيان لسانك وبلاغة قلمك، ولطف مداخلك، واقتدارك على نفسك إلى أن تفهم العامة معاني الخاصة، وتكسوها الألفاظ الواسطة التي لا تلطف عن الدهماء ولا تجفو عن الأكفاء، "فأنت البليغ التام".
_________________
(١) ١ الجاحظ: البيان والتبيين ج١. تحقيق عبد السلام هارون، مكتبة الخاجي مصر د. ت ص١٣٥ وما بعدها.
[ ٤٦ ]
هذ النص التراثي المتميز يتضمن توجيهات قيمة للكاتب تتمثل في:
أولًا: ضرورة اختيار وقت الكتابة في ساعات النشاط وهدوء البال.
ثانيًا: البعد عن التكلف والتماس الغرابة؛ لأن ذلك يؤدي إلى التعقيد المستكره.
ثالثًا: ضرورة اختيار اللفظ الرشيق البسيط والمناسبة بين المقال والمقام.
رابعًا: التوسط والاعتدال، وهو ما يمكن أن نسميه السهل الممتنع.
[ ٤٧ ]