كما يذهب ديكارت إلى أن هذا الاستخدام الجيد للذوق، هو الذي يتضمن المقدرة على هذا الحكم السليم وتمييز الحق من الباطل، على أن هذا الذوق الصحفي عند طه حسين كما تقدَّم أيضًا على حاسة صحفية دقيقة يذوق بها الأحداث الجارية، كما يقوم على حاسَّة تاريخية وثقافة عريضة، إلى جانب حاسته الاجتماعية المرهفة، كما أن هذا الذوق الصحفي يتحدد في التقويم بتصوّر الدوائر الثلاث في كتابته دائمًا، ونعني: سياسة الجريدة، وصياغة المقال، واهتمام القراء.
وقد سبق أن تعرّفنا على احتفال طه حسين الشديد بالذوق الصحفي في تذوق الأحداث وتقويمها، كما تبين من قوله: "إن للظروف السياسية ذوقًا كثيرًا جدًّا، دقيقًا جدًّا، شديد الحسِّ، شديد التأثر، شديد التفكير في غد، شديد الملاحظة"١.
كما تبين من بنية التحليل الصحفي نفسها، التي ينتقي فيها أخبارًا معينة، يقابلها بحالات خبرية معينة، داخل حركة سياق الأحداث، وهو الانتقاء الذي يقوم على ذوقٍ صحفيٍّ في المحل الأول، ذلك أن هذا الذوق
_________________
(١) ١ كوكب الشرق في ٧ مايو ١٩٣٣.
[ ٣٧١ ]
"يكون في الأدب والفن، والذوق يكون في الحياة الاجتماعية اليومية، ويكون خصلة من خصال الشعب الذي عظم حظُّه من الحضارة وإمعانه فيها"١. ويعرِّفُ "بعض المعاجم الذوق بأنه: ملكة طبيعية تسبق التفكير، وتعين على تمييز الجيد من الرديء، والحسن من القبيح، وما يليق مما لا يليق، ويقول هذا المعجم: إن لكل إنسان من هذا الذوق حظًّا، ولكن هذا الحظ يقوى ويضعف باختلاف ما يكون عليه الإنسان من ثقافة وحضارة واتراف في العقل والقلب والضمير.. ويقال كذلك: إن الذوق يتغير بما يصيب الحضارة من تطور، فيفسد بعد صلاح، ويقبح بعد حسن، ويشيع فساده وقبحه بمقدار ما يصيب الحضارة من ضعف وانحطاط"٢. ويذهب طه حسين إلى أن الذوق كثيرًا "ما يفسد حين يطرأ على الحضارة المستقرة المطمئنة التي بعد بها العهد، وألفتها النفوس، وتوارثتها الأجيال، طارئ عارض عنيف يغير من سيرة الناس في حياتهم المادية أولًا، ثم في حياتهم العقلية بعد ذلك"٣.
ويذهب طه حسين إلى أن فساد الذوق الناجم عن إفساد الإنسان "يغير من جمال الطبيعة، ويغير كثيرًا من حقائق الأشياء، تدفعه إلى ذلك مصالحه العاجلة أحيانًا"٤، ويؤدي إلى الخطأ في "الحكم والتقدير"٥، وهو لذلك يبدي "حذرًا وتواضعًا معقولين" في التقويم الصحفي، فيبحث ويستقصي٦، ويلفت القراء "إلى طبيعتهم الديمقراطية الحرة، وإلى ما تصب عليهم الظروف والأحداث من الفساد المتصل، الذي يحولها عن أصلها الجميل السمح إلى شيء آخر بعيد كل البعد عن السماحة والجمال"٧، ويتوسَّل بذوقه السليم إلى تذوق الأحداث والأنباء من "صحف لا تحصى، ولا يحصى ما فيها من الكلام، تصابح الناس وتماسيهم، وثرثرة لا تحصى في الراديو تصابح الناس وتماسيهم، وهراء كثير لا يُحْصَى يشغل الناس عن أنفسهم وعن حياتهم، وعن آمالهم وعن آلامهم"٨.
ويتجه به الذوق الصحفي السليم إلى معرفة اهتمامات القراء، كما تبين من اتجاهه القويِّ إزاءهم، وكما يبين من ملاحظته للصحف المصرية في فصل الصيف حين لا تُعْنَى إلا بشيئين اثنين "أحدهما: موسم الامتحانات وما يثير من ضجيج وعجيج، ومن شكاة واستعطاف، ومن نقد للأسئلة ولومٍ للسائلين، والثاني: مصايف البحر وما تثير من هذا السخط الذي تمتلئ به نفوس جماعة
_________________
(١) ١، ٢، ٣ بين ص٨٦، ٨٧، ٨٨. ٤، ٥، ٦ المرجع السابق ص٩٢. ٧ المرجع نفسه ص٩٣. ٨ المرجع نفسه ص١٥٢.
[ ٣٧٢ ]
يصور هذا النموذج نمطا آخر من أنماط المقال التحليلي عند طه حسين يقوم على انتقاء زوايا محددة من "الجديد" الناشئ عن مقابلة النبأ الجديد بالحالة الخبرية العامة السابقة عليه.
[ ٣٧٣ ]
من المتحرجين، يغضبون للحياء والأخلاق، ويكتبون الفصول الطوال يَسْتَعْدُونَ بها الحكومة على حماية الحياء والأخلاق. وما أظن أن كُتَّابنا يعنون بغير هذين الأمرين من أمور الصيف خاصة. هم إذن لا يرفقون بأنفسهم، ولا يرفقون بقرائهم، بل يكتبون في الصيف كما كانوا يكتبون في الشتاء، فإن أخذوا بحظٍّ من هذا الرفق امتنعوا عن الكتابة امتناعًا، وصدوا عنها صدودًا، وأراحوا أنفسهم من الكدِّ، واستمتعوا بفترةٍ قصيرة من الهدوء الذي هم أهل له. ولكن الصحف لا بُدَّ من أن تظهر، ولا بُدَّ من أن تظهر ممتلئة الأنهار، وهنا يلقى أصحاب الصحف من صناعتهم الجهد كل الجهد، ويلقى القراء من صحفهم العناء كل العناء؛ أولئك يريدون أن يملأوا الصحف فلا يجدون ما يلأونها بها، وهؤلاء يريدون أن يقرأوا فلا يجدون ما يقرأون، وكذلك يصبح الصيف فصل الكساد الأدبي العام، ومع ذلك، فما أبعد الصيف عن أن يكون فصلًا من فصول الكساد لو عرفنا كيف نستقبله ونحتمله ونعاشره ونفارقه كما يفعل غيرنا من الناس"١. ويبين أثر الذوق الصحفي في مقال طه حسين من تحديده مهمته بإزاء ملاحظته تلك: "على أني مجتهد منذ الآن في أن أغير للقراء من أحاديث الصيف، لعلي أن أعينهم وأعين نفسي على احتماله حتى تنجلي عنا غمرته، ولهم عليّ ألَّا أحدثهم في موضوع واحد مرتين حتى تنقضي هذه الأشهر الطوال".
ويتضح أثر الذوق الصحفي من اختيار النبأ الذي يقوّمه في ضوء الحركة العامة للأحداث كما تقدَّم، ونكتفي في هذا الصدد بنموذج لمقال بعنوان: "عيد"٢ يستهله ببيت شعر للمتنبي:
عيد بأية حال عدت يا عيد بما مضى أم لأمر فيك تجديد
"هذا سؤال ألقاه المتنبي على أحد الأعياد في مصر منذ ألف عام، وأظن أن كل شاعر أو غير شاعر يستطيع أن يلقيه اليوم على عيد الاستقلال الذي تنعم به مصر السعيدة، ويستطيع أن يلقيه في نفس اللهجة البائسة التي اصطنعها المتنبي، فقد تغيرت أشياء كثيرة منذ ألف عام في مصر، ولكن شيئًا واحدًا لم يتغير، وهو أن الشعب المصري ما زال كما تصوِّره قصيدة المتنبي؛ راضيًا ناعمًا رضيّ البال، تختلف عليه الأعياد فيستقبلها مبتهجًا مغتبطًا؛ لأنها تحمل إليه من ألوان السعادة والبهجة والغبطة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر"٣. ثم يقول بعد هذا التمهيد:
"وقد أرادت دورة الفلك أن يستقبل المصريون اليوم عيدين في نهار
_________________
(١) ١ جريدة الجهاد في أول يوليو ١٩٣٥. ٢ بين ص٤٥. ٣ المرجع نفسه ص٥٢، ٥٣.
[ ٣٧٤ ]
واحد: عيد قديم بَعُدَ به العهد، وهو عيد وفاء النيل، وعيد حديث قَرُبَ به العهد، وهو عيد الاستقلال".
"ففي مثل هذا اليوم من سنة ١٩٣٦ أمضى المصريون، وكانوا يومئذ مجتمعي الكلمة، موحدي الرأي، هذه المعاهدة التي تنظم الأمر بيننا وبين حلفائنا الإنجليز، ثم عادوا فقرروا أن هذا اليوم سيصبح عيدًا وطنيًّا يذكر فيه المصريون خطوة خطيرة خَطَوْهَا في سبيل الاستقلال"١. ويتخذ من المقابلة بين النبأين وسيلة لتقويم حركة الأحداث:
"وفي النيل فيجب أن يسعد المصريون، وفي الحلفاء فيجب أن يسعد المصريون وهم سعداء، ألا ترى إلى الحكومة قد قررت إراحة الوزارات والمصالح من العمل في هذا العيد السعيد، فأباحت للموظفين أن يناموا حتى يرتفع الضحى، وأن يستيقظوا آمنين لا يشفقون من الانتقال إلى دواوينهم مع صعوبة الانتقال، ولا من هذه الأعمال الشاقة المرهقة التي ينهضون بها في مكاتبهم، وأذنت لهم بأن يقيموا في بيوتهم إن يشاءوا، ويختلفوا إلى أنديتهم وقهواتهم أن أحبوا، يلقى بعضهم بعضًا باسمًا، ويلقي بعضهم إلى بعض ألوان الحديث، يتندرون بما تنشر الصحف من أخبارهم، وأخبار نظرائهم، ويتحدثون بما تنشر الصحف من ضروب الخصام والصراع بين المصريين، ويتفكَّهون بما تنشر الصحف المضحكة من ألوان الفكاهة وفنون الصور وصنوف الإشاعات، ويجدون في هذا كله اللذة كل اللذة، والنعيم كل النعيم. ومتى تلتمس اللذة إذا لم تُلتمس في يوم العيد، ومتى يُطلب النعيم إذا لم يُطلب يوم فاء النيل بالري والثراء، ويوم وفاء الحلفاء بالكرامة والاستقلال"٢.
ويتوسّل بأدوات السخرية في التقويم القائم على المقابلة بين المثال والواقع:
"فهم من أجل هذا كله يحتفلون بوفاء الحلفاء، كما يحتفلون بوفاء النيل. يوم من الأيام يمر وتتبعه أيام أخرى ليست خيرًا منه، وعسى ألا تكون شرًّا منه، نعيم قد قسم للقلة، وبؤس قد فرض على الكثرة، وسلطان قد أتيح للقلة، وخضوع قد فرض على الكثرة، ومصالح الحكومة ودواوينها معطلة، والموظفون يستريحون في الدور، ويقطعون الوقت في الأندية، والشمس تشرق باسمة ساخرة، والليل يقبل عابسًا مزدريًا، والأعلام تخفف، والشعب يعمل، والمتنبي وأمثاله يرسمون على ثغورهم هذه الابتسامة الحزينة الكئيبة المرة، ويسألون في صوت ساخر حزين:
عيد بأية حال عدت يا عيد بما مضى أم الأمر فيك تجديد١
_________________
(١) ١، ٢ المرجع نفسه ص٥٢، ٥٣.
[ ٣٧٥ ]