ويبين مما تقدم أن عامل التوقيت أو الجدة الزمنية، يقتضي من التحليل الصحفي أن يقوم على نبأ جديد، يفضل أن يكون هذا النبأ منشورًا في نفس العدد الذي يقدَّم فيه التحليل١.
على أن هذه القاعدة تتضمَّن بعض الاستثناءات، منها، أن التحليل في بعض الأحيان يتعين عليه أن يسبق حدوث الحالة الخبرية، وأن يتركَّز أو ينطوي على عناصر توقع، متعرضًا بالدراسة للاحتمالات المنتظرة.
ومن ذلك ما كتبه طه حسين بعنوان: "غيوم"٢، يقول في هذا المقال:
"يظهر أن بجوِّ السياسة المصرية الخارجية غيومًا، لعلها خفيفة رقيقة ليس وراءها شيء، ولعلها ثقيلة خفيفة وراءها أشياء، ولعل الأيام المقبلة
_________________
(١) ١ جلال الدين الحمامصي: مرجع سبق ص٢٥٩. ٢ كوكب الشرق في ٢٨ مارس ١٩٣٣.
[ ٣٥٣ ]
تكشف عما تحجب هذه الغيوم من خير أو شر، ولكن الشيء الذي لا شك فيه، هو أن من الواجب العناية بهذه الغيوم وتتبعها في دقة وفطنة، ومن الواجب أيضًا أن يجدَّ المصريون في أن يقفوا منها موقف الصراحة التي لا تحتمل شكلًا ولا تأويلًا، وما الذي يمنعهم من ذلك وآمالهم ومثلهم العليا في حياتهم الداخلية، وفي علاقاتهم الخارجية واضحة كل الوضوح، جلية كل الجلاء، ووسائلهم إلى تحقيق هذه الآمال والوصول إلى هذه المثل العليا لا غموض فيها ولا إبهام١" إلخ.
ومن ذلك يبين أن التحليل يقوم على عناصر توقع، وهو لذلك يحاكم الأمر من جميع وجوهه، واقفًا تجاه الموقف السياسي الذي يتناوله في صلب المقال موقف الباحث المتشكك، الأمر الذي يكشف عن عناصر توقع، تزرع الشك في عقل القارئ، كما يبين من خاتمة هذا المقال: "كل هذه مسائل يخوص فيها الناس من المصريين والأجانب، فتثير في نفوسهم شكوكًا وريبًا، وتخلق جوًّا ردئيًا قوامه سوء الظن وفساد الرأي وضعف التعاون الذي يجب أن يكون بين الذين يعشون على ضفاف النيل من المصريين والأجانب، كلٌّ يرتاب بصاحبه، وكلٌّ يخاف من صاحبه".
على أن التحليل الصحفي في مقال طه حسين حين يسبق وقوع النبأ. يتوسَّل بهذا الأسلوب الاستقرائي الذي يضمن سلامة التحليل، ويسلك طريق العقل والمنطق والمحاكمة، وهي سبل العالم المحقق التي تميز بها في دراساته العلمية، وهي السبل التي توسَّل بها لكي يشعر القارئ بأهمية التحليل من جهة، ولكي يواجه المقتضيات الصحفية والسياسية من جهة أخرى، لما تفرضه من تحيز مسبَّق، وبحيث يبدو المقال التحليلي في نهاية الأمر متخذًا شكل الدراسة للاحتمالات المنتظرة أو المتوقفة.
ولعل من أسباب التجائه إلى هذا الأسلوب في التحليل، اتجاه بعض الوزارات إلى الصمت، وعدم إصدار برامج سياسية واضحة، الأمر الذي يجعل من هذا الأسلوب أسلوبًا محتَّم الاستعمال في التحليل، لما يتيحه من توقع ومناقشة، كما يبين من مقال: "بم يخفق البرق٢" السابق الإشارة إليه، والذي يتناول فيه بالتحليل ما ذهبت إليه صحيفة الوزاراة الإدارية قبل صدور دستور ١٩٢٣، وهي صحيفة "الأفكار" بأن "دار المندوب السامي قد عرضت على الوزارة مطالب، وبأن الوزارة قد عرضت على دار المندوب السامي آراءها في خطة سياسية جديدة، وبأن الأسلاك تذهب وتجيء بالكلام الكثير بين لندرا والقاهرة في هذه الخطة السياسية الجديدة٣".
_________________
(١) ١ كوكب الشرق في ٢٨ مارس ١٩٣٣. ٢، ٣ السياسة في أو يناير ١٩٢٣.
[ ٣٥٤ ]
والسؤال الذي يطرحه طه حسين في التعليق على هذا النبأ، يفسِّر أسلوب التحليل الصحفي الذي يلجأ إليه عن عمد، يقول معقبًا: "فهل هذا حق؟ وإذا كان حقًّا فما هذه الخطة السياسية الجديدة؟ وما موضوعها، وما غايتها، وما الذي يقصد بها إليه؟ أسئلة تلقى، وأجوبة تنتظر. ولكن الأسئلة ستلقى دائمًا، والأجوبة ستنتظر دائمًا. فنحن في عهد صمت وغموض قد أقسمت الوزارة فيه ألَّا تقول شيئًا، وأراد سوء الحظ ألا تعمل شيئًا. فلنسأل ولنسأل دائمًا، فستسكت الوزارة وستسكت دائمًا، ولنلح ولنلح كثيرًاو فستظلّ الوزارة كما هي صامتة واقفة معلنة أنها لن تقول معتذرة إذا لم تعمل. يئسنا من القول وسنيأس من العمل أيضًا، وكل شيء يدل على أنَّا غير مخطئين حين نتنبأ بهذا اليأس. فإن وزارة تعلن أنها ليست وزارة قول، وأنها تزدري الكلام قليله وكثيره، وتسخر من الوعود على اختلافها، وأنها تُؤثِرُ العمل وتكلف به، وتريد أن يكون هذا العمل وحده مقياسًا لحكم الناس عليها ورأيهم فيها. ونقول: إن وزارة تعلن هذا كله ثم يمضي عليها اليوم والأسبوع والشهر دون أن تقول ودون أن تعمل، لا يمكن أن تكون وزارة عمل، كما لا يمكن أن تكون وزارة قول١".
ومن ذلك يبين أن عنصر "التقويم" في التحليل الصحفي غير منفصل عن الاتجاه الحزبي عند الكاتب من جهة، وغير منفصل من الأحداث الخبرية من جهة أخرى، فهو ينتقل بعد ذلك إلى مناقشة نبأ "الأفكار" الذي لم تعلنه عبثًا، وإنما هو جزء من مقال موحى به من إحدى السماوات السياسية في مصر وهي كثيرة٢".
ثم يحشد المقال بسيل من التساؤلات التي تفسِّر نبأ هذه الصحيفة، في ضوء حركة الأحداث بهدف التشكيك في وجود خطة سياسية، كما زعمت الصحيفة، منها:
"أليس من الممكن أن يكون موضوعها تصريح ٢٨ فبراير؟ وأن تكون وزارة الشعب جادة في إرضاء الشعب؟ فقد سمعنا صحف الشعب تنكر هذا التصريح، وسمعناها غير مرة تقول: إن وزارة الشعب لا ترضى عن هذا التصريح ولا تطمئن إليه، فليس من البعيد أن تسعى وزارة الشعب في إلغاء تصريح ٢٨ فبراير تحقيقًا لإرادة صحف الشعب. وإذا كان الأمر كذلك، فماذا يرد استبداله بهذا التصريح؟ فنحن نعلم أن الوزارة وزارة عمل، وعمل إيجابي. والإلغاء وحده سلب لا إيجاب، فهل هناك تصريح سيصدر في ٢٨ يناير
_________________
(١) ١ السياسة في أول يناير ١٩٢٣. ٢ المرجع نفسه.
[ ٣٥٥ ]
ليخلف تصريح ٢٨ فبراير؟ وما عسى أن يكون هذا التصريح، وما عسى أن يكون مقدار تغييره "للحالة السياسية بين مصر وإنجلترا؟ أتنزل فيه إنجلترا عن التحفُّظات كلها أو بعضها؟ أتنكر فيه إنجلترا كتاب لويد جورج إلى وزراء -المستعمرات؟ أتعدل إنجلترا عن تبليغها للدول تصريح ٢٨ فبراير، وما جاء في هذا التبليغ؟ هل تحقق وزارة الشعب آمال الشعب"١.
وتكشف هذه التساؤلات التي لجأ إليها طه حسين في مقاله التحليلي عن ضرورة اللجوء إلى هذا الأسلوب الاستقرائي التشككي في التحليل، ذلك أن النبأ الذي نشرته صحيفة "الأفكار" نبأ مبتور مستكمل، كما تقدَّم، فهو يكتفي بأن هناك "خطة سياسية جديدة يخفق بها البرق، وتضطرب بها الأسلاك بين لندرا والقاهرة"٢، فالأسلوب الذي يلجأ إليه طه حسين في تحليل هذا النبأ، يتجه إلى أن يستقرئ ويضيف إلى النبأ البيانات الخلفية التي لا يعرفها القارئ، والتي لا تكتمل الصورة الخبرية إلا بتسجيلها. ولذلك يتوقَّف طه حسين عند كل "معنى" تغلفه علامة تساؤل؛ ليقدِّم للقارئ الإجابة التي تنساب ضمن التحليل الصحفي، فيحسّ القارئ بعد انتهائه من قراءة المقال أنه فاهم لكل شيء. ويبين إحساس طه حسين بقارئه من خلال التحليل الصحفي، من الخاتمة التي ختم بها مقاله، للإجابة عن التساؤلات التي طرحها في صلب هذا المقال:
"وبينما نحن في هذا التفكير نتساءل عن هذه الخطة السياسية الجديدة، وعن موضوعها ونتائجها، أقبل مقبل فقال: إنك لتكلِّف نفسك عناء لا خير فيه، فليس هناك خطة سياسية جديدة، وكل الأمر أن المفاوضة -إن كان هناك مفاوضة- لا يمكن أن تتجاوز هذا الحادث المؤلم الذي وقع منذ أيام، فكثرت على أثره واشتدت مطالب الإنجليز. فهل هذا صحيح؟
"وما عسى أن يكون موقف الحكومة إزاء هذه المطالب الكثيرة الشديدة؟ أحق أن الأحكام العرفية لن تلقى الآن؟ أحق أن المبعدين لن يعودوا الآن؟ أحق أن المعتقلين لن يخرجوا الآن؟ أترضى الوزارة من الإنجليز المطالب؟ أتقبلها؟ قالوا -ولعلهم لم يصدقوا فيما قالوا: إن الوزارة أمضت هذا الزمن الطويل دون أن تتحدث إلى الإنجليز في أمر الأحكام العرفية، ولا في أمر المبعدين والمعتقلين. وقد نشرت الصحف أن الإنجليز أنفسهم قد تحدَّثوا إلى الوزارة بعد هذا الحادث المؤلم في هذه الأمور كلها، فماذا قالوا؟ وماذا قالت الوزارة؟
_________________
(١) ١ المرجع نفسه. ٢ المرجع نفسه.
[ ٣٥٦ ]
وماذا اعتزموا؟ وماذا اعتزمت الوزارة؟ ألا تصدر الوزارة في هذا للناس بلاغًا أو نصف بلاغ"١.
ومن هذه الخاتمة يبين كيف زرع طه حسين الشكَّ في نفس القارئ من خلال أسلوبه الاستقرائي تجاه نبأ "الأفكار"، وكأنه يترك لقرائه الخيار في تصديقه أو عدم تصديقه، والحق أن الكاتب لم يعتبر الخبر أمرًا مسلَّمًا به، فطلب من الوزارة أن تصدر "بلاغًا أو نصف بلاغ". على أن المقال في مجموعة كما يبين من عنوانه: "بم يخفق البرق"، مقال تحليل يسبق حديث الحالة الخبرية، وينطوي التحليل على عناصر توقع، كما أظهر العنوان اتجاهه إلى استقراء الاحتمالات المنتظرة.
_________________
(١) ١ المرجع نفسه.
[ ٣٥٧ ]