العناصر الفنية في المقال الكاريكاتيري:
وتأسيسًا على هذا الفهم نجد أن الصورة الكاريكاتيرية المقالية عند طه حسين تتألف من جملة العناصر الآتية:
أولًا: عنصر التجسيم للعيوب:
أو المسخ للشخص الذي ينمذجه المقال الكاريكاتيري..
ذلك أن طريقة الكاريكاتير تقوم على المبالغة في تصوير العيوب، فالرجل ذو الأنف الكبير يبدو بريشة الرسام وقلم الكاتب كأن وجهه كله عبارة عن أنف، والرجل القصير يبدو كذلك كأنه أقصر من طفل، والرجل البدين يظهر في شكل البدانة والضخامة قَلَّ أن يكون له نظير في الحياة الواقعة نفسها، وهكذا١. وعند طه حسين نجد أن هذا العنصر جاحظي من حيث التصاقه بالحياة وبالواقع، يصوِّر جانبًا من طبائع فئة من الناس، ويعرضها بأسلوب قصصي شيق، والقصة عند طه حسين قصة وظيفية لا تهدف إلى الفن المحض والمتعة الخالصة، كما هي عند الجاحظ، ولكنها تهدف إلى أداء الوظائف الاجتماعية للكاريكاتير المقالي على النحو المتقدِّم، ويكفي أن ننظر في مقال بعنوان: "مدرسة"٢، يهجو فيه الوزارة الصدقية، وهو من أوله إلى آخره هجاء سياسي، يتغيَّا أداء وظيفة "الجزاء الاجتماعي" في قالب قصصي كاريكاتيري.
يبدأ طه حسين مقاله بمقدمة توضح المقصود بعنوان المقال، أي: "المدرسة"، يقول: "أما ناظرها فحضرة صاحب الدولة إسماعيل صدقي باشا، وأما طلابها فينقسمون إلى ثلاثة أقسام؛ طلاب مرشَّحون وهم هؤلاء المستوزرون من أعضاء البرلمان ومن غير أعضاء البرلمان، لا يشترط فيهم إلّا شرط واحد نعرفه جميعًا ونقرُّه جميعًا، وهو ألا يكونوا من المعارضة! أو من أنصار المعارضة، أو إنما يظهر فيهم ظهورًا واضحًا استعدادٌ حسنٌ لتأييد الوزارات مهما تكن، ولتأييد صاحب الدولة صدقي باشا بنوع خاص. وطلاب عاملون، وهم حضرات المعالي والسعادة والعزة الذين يختارهم رئيس الوزراء بالفعل، ويعهد إليهم بتدبير
_________________
(١) ١ الدكتور عبد اللطيف حمزة: مرجع سبق ص١٩٨. ٢ كوكب الشرق في ١٤ مارس ١٩٣٣.
[ ٣٢٥ ]
أمور الدولة تحت إشرافه البارع، وفي ظلِّ سياسته الحكيمة، وطلابٌ مفصولون إما لأنهم أسرفوا في النجاح! أو لأنهم أسرفوا في الإخفاق أثناء وقت الدراسة والتمرين، وهم هؤلاء الوزراء الذين ينقلون أو يقولون أو يستقبلون، فمنهم من يعمل في سفارات الدولة، ومنهم من يستريح في بيته، وأولئك وهؤلاء ينتظرون أن يحتاج رئيس الوزراء إليهم، فيردهم إلى المدرسة ليستفيد من كفايتهم، أو ليدربهم ويمونهم مرة أخرى.
"وأما هيئة التعليم في المدرسة ففرد واحد جمَّع الله فيه أفرادًا، وشخص واحد ألَّفَه الله من أشخاص، وكفاية واحدة صافّها الله من كفايات، وهذا الفرد المتحد المجتمع، وهذا الشخص المؤتلف المختلف، ذو الكفاية المحصورة الملتوية، هو حضرة صاحب الدولة رئيس الوزراء. وقد يعينه أساتذة مساعدون كما يقول الجامعيون، وقد يعينه مدرسون أيضًا، وهؤلاء الأعوان يختلفون، فبعضهم من المصريين، وبعضهم من الإنجليز، وبعضهم من الأوربيين بوجه عام١"، ثم يمضي طه حسين في هذا الكاريكاتير المقالي فيقول:
"وأما أمد الدراسة في هذه المدرسة فيختلف طولًا وقصرًا، ويختلف عرضًا وضيقًا، باختلاف ما يستمتع به الطلاب من استعدادٍ للنجاح والتفوق، وللإخفاق والعجز، فمنهم من يقضي في المدرسة شهرًا ثم ينقل، ومنهم من يقضي في المدرسة عامًا ثم يوكَل إليه عمل آخر، ومنهم من يقضي في المدرسة عامين ثم يخرج، ومنهم من يقضي شهرين ثم يستقيل.. وكذلك أراد الله لمصر المستقلة أن تنشأ فيها هذه المدرسة الغربية التي لم تسبقنا إليها أمة من الأمم، إلا الأمة الإيطالية الصديقة، التي لم يؤسسها قبل رئيس وزرائنا إلا زعيم إيطاليا العظيم السنيور موسوليني، فقد لاحظ الناس جميعًا، وتحدَّثت الصحف الأوربية المختلفة أن الزعيم الإيطالي قد أنشأ مدرسة للحكم يهيئ فيها الإيطاليين لفهم النظام الإيطالي الجديد، فهو يجمع الوزراء ويفرقهم، وهو يُقِرُّهم ويقلقهم، وهو يريد أن يهيئ للغاشم أجيالًا من الوزراء إذا خلى منهم جيل، خلفه جيل آخر، ولم يقلده في هذا النحو من التعليم إلّا رئيس وزرائنا العظيم! أما هتلر فقد نهض بأعباء الحكم في ألمانيا وأمامه مثلان يستطيع أن ينظر: إلى إيطاليا فينتفع، ويستطيع أن ينظر إلى مصر فيستفيد، وأكبر الظن أنه سينظر إلى البلدين جميعًا، فكلاهما خليق أن يعلم فيحسن التعليم٢! ".
ثم ختم المقال بتأكيد الوظيفة التي من أجل أدائها كُتِبَ المقال:
"إنما تجد سياستنا يوم تكون أمور الشعب إلى الشعب، ويوم يقضي
_________________
(١) ١، ٢ المرجع نفسه.
[ ٣٢٦ ]
في أمور الشعب جهرة، ويوم تستشار الهيئات البرلمانية ولا يقتصر على تبليغها، والاستماع لما تقدّم من تحية وتهنئة وشكر وثناء.
"فإلى أن يأتي هذا اليوم الذي تجد فيه السياسة المصرية، فتضطرنا إلى أن نجد في فهمها وتفسيرها، بل في بذل ما نملك من جهد لتقويمها إن اعوجَّت، وتوجيهها إن انحرفت، إلى أن يأتي هذا اليوم يحسُن أن نبعث مع سياستنا العابثة. ستسألني متى يأتي هذا اليوم؟ لمن يدري؟ لعله يكون أقرب مما تظن فأظن، فلننتظر باسمين١".
ومن ذلك يبن أن هذا العنصر الكاريكاتيري في تجسيم العيوب يستمدُّ غذاءه من العقل والعلم٢ والواقع، ذلك أن طه حسين يذهب إلى أن الجهل لم يكن في يوم من الأيام مصدرًا، "للخير، ولا وسيلة للإجادة، ولا طريقًا إلى البراعة الفنية. وما رأيك في مثالٍ يطمع في ابتكار الآيات الفنية وهو يجهل التشريح وما يتصل به من تكوين الجسم الإنساني، وما إلى ذلك من هذه العلوم التي لا سبيل إلى الإجادة الفنية بدونها؟! إن الإجادة الفنية إنما كانت أثرًا من آثار الشعور، ومظهرًا من مظاهر الحسِّ القوي والعواطف الدقيقة والخيال الخصب، فهي لغوٌ إذا لم تستمد غذاءها من العقل والعلم٣". ويتوسَّل في تحقيق العنصر بأسلوبه الفريد الذي عُرِفَ به، وهو الأسلوب التصويري الذي يجنِّدُ له طه حسين طاقاته الفنية، وما يتمتع به من حسن عميق بمواقع الكلمات وجرسها ودلالاتها وإيحاءاتها، واستخدام هذا الأسلوب التصويري استخدامًا وظيفيًّا، يقوم على التشكيل الكاريكاتيري المتعمد والمقصود لأداء الوظيفة الاجتماعية للمقال.
_________________
(١) ١ المرجع نفسه. ٢، ٣ حافظ وشوقي.
[ ٣٢٧ ]