وهو ما يتاح للكاتب ولا يتاح للمصوّر، وبه يعمد الكاتب إلى توليد المعاني، واستطراد الأفكار، وكل معنى منها يذكر بآخر، وكل فكرة منها توحي بأخرى، وهكذا يستنفد طه حسين معانيه وأفكاره من خلال أسلوبه الاستقصائي الذي تميَّز به، على النحو المتقدِّم، والذي يقترب من الأسلوب الجاحظي المسترسل الذي لا يتعثَّر ولا يتلجلج، إذ يسوق عبارته ومزاوجاته، وكأن الألفاظ سخرت له تسخيرًا، فهو يختار منها ما يشاء، وما يؤدي وظيفة التوليد الكاريكاتيري في المقال، مستخدمًا التكرار الوظيفي وتلوين العبارة بالازدواج وبالتناغم الصوتي، ومعنى هذا أن عنصر التوليد يجعل الذهن ينتقل في لحظة واحدة من معنى إلى آخر، ولذلك يتوسَّل بالازدواج والتناغم
[ ٣٢٧ ]
الصوتي، وإطلاق العنان للغة، كما يقول برجسون١، ذلك أن عنصر التوليد اللغوي هو في صميمه عملية ذهنية تخفى تحت قناع "التلاعب بالألفاظ"، نزوعًا خفيًّا يحاول أن يتستَّر تحت رداء المعنى المزدوج.
ومن أمثلة استخدام هذا العنصر في المقال الكاريكاتيري عند طه حسين، مقال بعنوان: "بم يخفق البرق"٢ يقول فيه:
"يظهر أن البرق يخفق، ويخفق خفوقًا شديدًا، شديدًا وكثيرًا، ويظهر أن الأسلاك تضطرب، وتضطرب اضطرابًا عظيمًا، عظيمًا وسريعًا. البرق يخفق، والأسلاك تضطرب، وهناك أمور ذات بال يخفق بها البرق وتضطرب بها الأسلاك بين لندرا والقاهرة. والأمة واقفة موقف من يجهل كل شيء. تسأل فلا تجاب، وتتكلم فلا يعنى أحد بما تقول"٣.
ثم يقول في وصف العلاقة بين الصحف والمؤسسات السياسية التي تعبر عنها:
"ثم تناقض فيها الوحي واضطرب وكثرت فيها اللغات واختلفت، فلم يعرف الناس من أمرها شيئًا. ولم يستطع أحد أن يتبين فيها للحكومة رأيًا"٤. ثم يستطرد إلى أن يقول من خلال العمد إلى توليد المعاني:
"أليس من الممكن أن يكون هذا الوحي الغريب قد نظر إلى الأمر كما تنظر الأم الفقيرة المعوزة العاجزة إلى طفلها الجائع، فهي تعلله وتغَنِّي له بما سيلقاه بعد حين من الحلوى والسكر ومختلف ألوان الطعام؟ كلا! ليست الأمة المصرية طفلًا، وليست الوزارة المصرية فقيرة ولا معوزوة ولا عاجزة، إنما هي وزارة فنية ثرية قادرة تقلدت مناصب الحكم، معلنة أنها ستعمل، ولم تعلن هذا إلّا وهي معتقدة أنها قادرة عليه. ليست الأمة طفلًا، وليست الوزارة عاجزة، فالأمة تطالب بالعمل وتنتظر نتيجة العمل، وهي تفهم حق الفهم ما تطالب به وما تنتظره، والوزارة قادرة تريد أن تعمل، ومن الممكن أن تعمل. ومن الممكن أن تظهر نتيجة عملها غدًا أو بعد غد. وإذن فمن الممكن أن تكون هناك خطة سياسية جديدة، وأن يخفق بها البرق وتضطرب بها الأسلاك، فما هذه الخطة وما موضوعها؟ "٥.
ومن نماذج هذا العنصر في مقاله طه حسين أيضًا، ما نشره في "حديث المساء" بعنوان: "مناظرة بين بحر ونهر- بمناسبة موضوع الإنشاء في الشهادة الابتدائية"، إذ يتخذ من هذه المناسبة مجالًا لتوليد المعاني
_________________
(١) ١ مرجع سبق ص١٥٧. ٢، ٣، ٤، ٥ السياسة في أول يناير ١٩٢٣.
[ ٣٢٨ ]
واستطراد الأفكار عن عمدٍ وظيفي للسخرية من سياسة التعليم، يقول في مقدمة هذا المقال:
"تفضَّلَ كاتب أديب من أصدقائنا فروى هذه المناظرة البديعة التي كانت بين بحر ونهر منذ شهر أو أكثر من شهر، والتي سمعها مفتش من مفتشي وزارة المعارف فأراد أن يمتحن بها الصبيان، لتتبين الحكومة: أصبياننا أبلغ، أم بحار الأرض وأنهارها؟!.
"ومن المحقق أن نتيجة الامتحان ستظْهِرُ قصور الصبيان في هذا الفن من فنون البيان، ومن المحقق أيضًا أن إذاعة السؤال الذي ألقي على الأطفال قد شاقت الناس جميعًا إلى أن يعرفوا إجابة الأمر بين البحر والنهر، فلا جرم إثرنا أن نجعل مقال الكاتب الأديب "حديث المساء" في هذا اليوم، وإن نهدي هذا المقال بالنيابة عن صاحبه إلى وزير التقاليد ورجال التعليم في وزارة المعارف؛ لعلهم يشعرون بأن من أعسر الأمور وأشقَّها أن يقاس الصبيان في فن البيان بالأنهار والبحار.
"ولعل الذي سيصححون الامتحان يستفيدون من هذا المقال، فيعرفوا وجه الحق في فضل البحر على النهر، أو فضل النهر على البحر، ويعصمهم ذلك من ظلم الصبيان المساكين.
فنحن لا نشكُّ ولا نرتاب في أن علم المصححين بهذه المسألة كعلم التلاميذ؛ يسير ضئيل لا يجلو شكًّا ولا يزيل شبهةً، وأكبر الظن أن وزير التقاليد سيدعو إليه المفتش الذي وضع هذا السؤال، ليتبين منه أمر هذا المقال، أمطابق هو لما سمع من البحر والنهر، أم فيه شيء كثير أو قليل من التغيير والتبديل؟
"وأكبر الظن أن بلاغًا رسميًّا سيصدر لينبئنا برأي المفتش في هذا الحوار!
"فليقرأ الناس ولينتظروا، وليقدِّمُوا معنا إلى الكاتب الأديب أجمل الشكر وأحسن الثناء١".
ثم ينتقل بعد هذه المقدمة إلى تقديم حوار كاريكاتيري يسخر من سياسة التعليم ومن وزير التقاليد بين "نهر وبحر"، يقوم على التوليد اللفظي والمعنوي واستطراد الأفكار، وهكذا حتى يستنفد المقال أغراض السخرية والتقويم.
وقد يعتمد هذا العنصر الكاريكاتيري على فهمٍ حرفيٍّ للكلمات يستثير السخرية، لما يكمن وراء هذا الفهم الحرفي من دلالة اجتماعية وسياسية، ومن ذلك مقال يعنونه طه حسين بلفظ عربي هو: "إقدام٢" يستهلُّه بقوله:
_________________
(١) ١ المرجع السابق. ٢ كوكب الشرق في ٢٣ مارس ١٩٣٣.
[ ٣٢٩ ]
"ولكنه إقدام خطر قد يجر إلى الشر، وينتهي إلى ما لا يحبه المقدِمُون أنفسهم، وقد لا تحتمله أيضًا صحة هذه الوزارة التي أخذتها العلل من أطرافها المختلفة، فأعجزتها عن النهوض بجلائب الأعمال؛ سواء أكانت هذه الأعمال نافعة أم ضارة.
"نعم إقدامٌ خطر مريب معيب، هذا الذي أخذت تظهر آثاره وبوادره على أعمال الإدارة في الصعيد، فقد كانت الإدارة هادئة في أسوان، وكانت مستقرَّة تسمع وترى، وتألم وتغضب، ولكنها لا تضطرب أو لا تسرف في الاضطراب، بل تخلق بين الناس وبين أنفسهم، يحسون ويشعرون، ثم يعربون عَمَّا يجدون من حسٍّ وشعور، فيختفون ويصفقون ويهتفون، وكل شيء هادئ والنظام مستقر، إلا أن يكون إظهار الشعور والاستمتاع بالحرية الطبيعية التي يكفلها الدستور خروجًا على النظام وتكديرًا للصفو والهدوء.
"كانت الإدارة هادئة مطمئنة في أسوان حين زارها الرئيس الجليل، فلم يحدث أو لم يكد يحدث شيء ذو بال، ولكن أشد الأحلام رزانة قد يخف، وأعظم الأحلام ثقلًا قد يطيش. ويظهر أن عمر الإدارة محدود مهما يطل، وإن حلمها ضيق مهما يتسع، وأنها قد ترى ما تكره هي وإن لم يكره الدستور ولا القانون ولا النظام، فتحتمله ساعة أو ساعات، وتصبر عليه يومًا أو أيامًا، ثم لا تلبث أن تتنكر له وتثور به وتعرض للناس، تأخذهم بكظم الحسِّ وكتمان الشعور والنزول عن حقهم الطبيعي في أن يغدوا ويروحوا ويأتوا من الأمر ما يحبون لتكريم من يحبون١".
وهكذا ينتقل الكاتب من معنى إلى آخر، ومن شاهد إلى آخر، وكل معنى وكل شاهد يذكِّرُ بالآخر، وكل فكرة توحي بأخرى، إلى أن يقول:
"نعم في مصر حياتان مختلفتان! إحداهما: حياة أمة كلها أمل؛ فهي تصبر وتبتسم، والأخرى: حياة وزارة كلها بأس؛ فهي تغضب وتتنكر، وهي تهيج وتثير الناس. وأي غرابة في أن يضيق من يملأ قلبه اليأس بمن يملأ قلبه الرجاء. إقدام خطر هذا الذي تظهر آثاره في الصيد خير منه الإحجام. ما أشد حاجة الوزارة إلى أن تفكر في نفسها، وتعنى بصحتها، وتعالج هذا الشلل الذي أصاب أطرافها، وتفرغ لهذا التمرد الذي دبَّ في أحزابها. فإن في هذا كله ما يشغلها عن زيارة الرئيس الجليل وصاحبه للصعيد، لتفرغ الحكومة لشئونها الصغيرة والكبيرة، ولتطمئن فلن يتعرض نظام. ولا أمن للخطر ولا لما يشبه الخطر إذا أخذت هي رجال الإدارة بالهدوء، وكفَّت هي يد الإدارة عن الناس.
"إن استقرار النظام رهين باستقرار الإدارة، فإذا لم يكن بدٌّ من أن تعمل الحكومة شيئًا فلتجذب إليها بشدة لجم الإدارة، فقد يظهر أن في خيل الإدارة ميلًا إلى الجموح٢".
وهكذا حتى يستنفد الكاتب معانيه وأفكاره وشواهده ما استطاع، وهذا العنصر من عناصر الكاريكاتير المقالي يقودنا إلى الحديث عن عنصر آخر.
_________________
(١) ١ المرجع نفسه. ٢ المرجع نفسه.
[ ٣٣٠ ]