ب- التقويم الصحفي:
يذهب ديكارت إلى أن الذوق السليم أعدل الأشياء قسمة بين الناس؛ لأن كل إنسان يظن أنه مزود بقسط منه، بلغ من كفايته أن جعل هؤلاء الذين يصعب عليهم كل الصعوبة أن يزهدوا في شيء ما من الأشياء الأخرى، لا يرغبون عادة في المزيد من هذا الذوق١. وهذا يدل على أنه من غير المحتمل أن يكون كل الناس مخطئين في هذا الظن، ولكن الأحرى بهذا الأمر كما يقول ديكارت أيضًا، أن يدلنا على أن المقدرة على الحكم السليم تميز الحق من الباطل، وهو ما يسميه الناس حقًّا بالذوق السليم أو العقل٢، أو كما يسميه طه حسين بالذوق العام٣، وهذا الذوق واحد لا يتغير بتغير من تتحدَّث إليه. وقد تختلف الرسائل عسرًا ويسرًا، وتختلف لينًا وشدة باختلاف من تتحدث إليه. فللصحف لغة وأساليب ليست للكتب التي يؤلفها العلماء للعلماء، والأدباء للأدباء، ولكن ذلك شيء، واختلاف الذوق شيء آخر. وهؤلاء كُتَّاب أوروبا وأدباؤها يتحدث بعضهم إلى بعض، ويتحدثون إلى جمهور الناس في الفرنسية أو الإنجليزية أو الألمانية، فلا يختلف الذوق الأدبي فيما يكتبون باختلاف القراء، وإنما يؤثرون الوضوح والجلاء حينًا؛ فيطنبون ويسهبون ويصطنعون ألفاظًا ألفها الناس، ويؤثرون القصد والإيماء حينًا؛ فيوجزون ويتخيرون ألفاظًا منتقاة. والذوق هو الذوق، والكتابة هي الكتابة، وروح العصر الذي يعيشون فيه هو فيما يكتبون لنظرائهم، وفيما يكتبون لعامة الناس"٤. ويذهب طه حسين كذلك إلى أن إرضاء "الذوق الحديث سيكلفنا أشياء كثيرة ترضاها أساليب البحث العلمي أو تحققها. لأن الذوق الحديث شيء يحرص عليه الرأي العام"٥.
وتأسيسًا على هذا الفهم، يمكن القول: إن التقويم الصحفي في المقال التحليلي عند طه حسين يصدر عن نفس الرؤيا النقدية التي صدر عنها مقاله النقدي، واتجاهه نحو "التقويم" الأدبي، الذي يصدر عن "تمحيص للعلم، ودلالة على ما فيه من حق يجب أن يبقى، وباطل يجب أن يزول، أو قل: على ما تعتقد أنه حق أو باطل"٦، وبذلك يتفق طه حسين مع المبادئ المقنعة في التقويم حين تذهب إلى أن المحلِّلَ يجب أن يبدي "تواضعًا وحذرًا معقولين"٧، كما أن من العدالة أن "نضيف بأن قلة من الناس هي التي تملك الموهبة والثقافة اللتين تتيحان لنا أخذ الأحكام مطمئنين، ولا يستثنى من ذلك الدارسون المحترفون في هذه الأمور"٨ وهكذا لا يرجع اختلاف
_________________
(١) ١، ٢ المرجع السابق. ٣، ٤، ٥ حديث الأربعاء ج٣ ص١٤، ١٦، ٦٢. ٦ المرجع نفسه ص٨١. ٧، ٨ ستانلي هايمن، مرجع سبق ص٩٢.
[ ٣٧٠ ]
آرائنا إلى أنَّ بعضنا أرجح عقلًا من بعضنا الآخر، ولكن كما يقول ديكارت: إلى مجرد أننا نوجه أفكارنا في طرق مختلفة، وأننا لا نلحظ نفس الأشياء. ذلك أنه لا يكفي أن يكون لدينا عقل صائب، ولكن المهم هو أن نستخدمه استخدامًا جيدًا، ولذلك وجدنا للتقويم الصحفي أسسًا تستمد من التقويم النقدي عند طه حسين، والذي يعتبره أعدل الحاكمين. ومن الحق علينا أن نبين أن مفهوم التقويم الصحفي في المقال التحليلي عند طه حسين لم يَعُدْ ملتبسًا بالتجريح كما كان الحال في طور التكوين، وإنما أصبح التحليل الصحفي بعد ذلك يرادف التقويم المنصف، وبيان المحاسن والمساوئ، يتضح ذلك من بنيان التحليل نفسه، كما تقدَّم، حين يبدأ التحليل بالنبأ الجديد المطلوب إجراء تحليل عنه أو حوله، ويتسع التحليل من هذه النقطة ليواجه هذا النبأ بأنباء أخرى داخل سياق حركة الأحداث عمومًا في أكثر من اتجاه.
وعلى ذلك يمكن أن نستخلص السمات العامة للتقويم الصحفي في مقال طه حسين فيما يلي:
[ ٣٧١ ]