بلاغة الاتصال بالجماهير في مقال طه حسين:
وتأسيسًا على ما تَقَدَّمَ، فإنَّ البلاغة الجديدة في مقال طه حسين، هي بلاغة الاتصال بالجماهير، التي تمثل عناصر الأصالة ومظاهر التجديد أصدق تمثيل، فهي -كما يقول العقاد: ثمرة "اطلاعه على الأدب العربي القديم، وعلى نفائس الأدب الإغريقي واللاتيني، والأوربي ولا سيما الفرنسي"١، وهو اطلاعٌ خليقٌ أن يحبب إليه الصحة والمتانة والقوة، ويبغِّضُ إليه الزَّيْفَ والسخف والركاكة، فهو يختار ما يعلو على مقاييس المقلدين المصطنعين، وينبذ ما يستطيعه المحدودون من أصحاب الاطلاع القليل، أو أصحاب الذوق السقيم، وله في ذلك قواعد صحيحة ومراجع وثيقة، واعتماد على فكر لا يتقيد إلا بما يرضاه"٢
فعناصر الأصالة إذن، لا تنفصل عن مقومات شخصيته، شأنها في ذلك شأن مظاهر التجديد، ذلك أن أسلوب طه حسين الكتابي قد تغيَّر بعد "دراسته للأساليب الأوربية، فاتخذ له نمطًا يوافق علمه بالعربية الفصيحة، وعلمه بتقسيم المقاطع والفواصل في الكلام الأوربي، كما يمثِّلُه مَنْ يجمع بين الحديث والكتابة في وقت واحد، فهو يتحدث ولا ينسى أنه يؤلف، ويكتب ولا ينسى
_________________
(١) ١، ٢ سامي الكيالي: مرجع سابق ص٨٨.
[ ١٠٥ ]
أنه يتحدَّث، وأسلوبه الذي اختاره أوفق الأساليب لذلك جميعًا، وأولها من نوعه في اللغة العربية، وليس فيه محاكاة لأسلوبٍ آخر في اللغة الأوربية، ولو كانت كتابته حديثًا محضًا لاسترسلت بلا توكيد ولا تكرار، ولو كانت تقريرًا محضًا أو درسًا محضًا لما انحرفت عن أسلوب الكتابة الذي لا يتحدث به القائل، ولو كانت تقريرًا أو درسًا على الطريقة الشرقية لما ظهرت فيها المقاطع والفواصل الأوربية، ولجرت على سياقٍ قريب من سياق الدروس الأزهرية، ولكن كتابته حديث فيه محاضرة ومراجعة وتنظيم، فلا يوافقها إلا ذلك الأسلوب الذي استقلّ بابتداعه طه حسين ولو غضب المنكرون، وقد يكون غضب المنكرين من أسباب ذلك الابتداع، ولأجل هذا الابتداع يغتفر ما في كتابة الدكتور من إسهاب وتكرار"١ كما يقول العقاد٢، ذلك أن طه حسين قد أفاد بأسلوبه هذا عمل من لم يفدهم الرأي ولم تقنعهم المناقشة، فرأوا أن العربية قد تكتب صحيحة فصيحة على أسلوب غير أسلوب الجاحظ وعبد الحميد وبديع الزمان وابن المقفع، ورأوا كاتبًا كبيرًا يكتبها كما يشاء هو لا كما يشاء القدماء، "فتنكتب" وتلذ وتفيد، فاستعدوا لاستحسان الفصاحة في غير قيودها القديمة، وألفوا تعديد من الأساليب وطرائق التعبير إلى غير انتهاء. وذلك وحده فتح قدير"٣.
ومن ذلك يتبيَّنُ أن البلاغة الجديدة تقتضي بحث اللغة من خلال المتلاغين، ذلك أن اللغة في نهاية الأمر تكون هي المتلاغين أنفسهم٤، وتكون لغة الكاتب هي قوامه الإنساني، والمؤثِّر الأكبر على سلوكه، وهي التي تبرز قسماته النفسية، كما يبرز وجهه قسماته البدنية المميزة، وليس معنى ذلك أن نعزل الكائن الإنساني بقسماته اللغوية عن محيطه الثقافي واللغوي٥، فإن هذه الشخصية تنتمي إلى جماعة لغوية بذاتها، وهذه الجماعة اللغوية بالقياس إلى طه حسين هي التي تغذي لغته بعناصر الأصالة والتجديد، ولكن هذه العناصر تتحدَّدُ من خلال الاتصال بالجماهير تحديدًا يجعل بلاغته تقوم على الارتباط بين الكاتب والجمهور، فلم يعد المقال رسالة للخاصة بحكم التطوّر الاجتماعي والفكري، ولكنه أضحى كلامًا يوجَّه إلى جماهير الناس، من خلال وسيلة جماهيرية تجعل الكُتَّاب "يصطنعون النثر في هذا العصر كما اصطنعوه في جميع العصور منذ تقدَّمَت الحضارة لتأدية أغراضهم المختلفة"٦.
_________________
(١) ١، ٢، ٣ المرجع نفسه ص٩٠. ٤، ٥ الدكتور عبد الحميد يونس: "اللغة الفنية"، عالم الفكر، الكويت ٥ أبريل ١٩٧١. ٦ الدكتور طه حسين: من أدبنا المعاصر ص٦٠.
[ ١٠٦ ]
إنَّ لغة الاتصال بالجماهير -في البلاغة الجديدة- إذن هي اللغة العملية الاجتماعية، لغة الفن الصحفي التي تمتاز بالشمول وكونها لغة طبيعية، في حين أنَّ لغة العلم ولغة الفنِّ من اللغات المصطنعة التي لا يمكن اكتسابها إلّا بعد سنواتٍ من المران والتدريب١.
ومن أجل ذلك يذهب طه حسين إلى أن ارتباط النثر العربي بوسيلة الاتصال الصحفي أدَّى إلى تطوره بسرعة أكثر من تطوّر الشعر، ذلك أن الناس "لا يصطنعون الشعر للإعراب عَمَّا يضطرب في أنفسهم من شئون الحياة اليومية، وهم لا يحررون الصحف شعرًا، ولا يكتبون فيما يريدون أن يكتبوا فيه حين يؤلفون الكتب شعرًا أيضًا، وإنما يصطنعون النثر في هذا العصر كما اصطنعوه في جميع العصور منذ تقدَّمت الحضارة لتأدية أغراضهم المختلفة"٢.
وتذهب هذه الرؤيا العملية لبلاغة الاتصال بالجماهير عند طه حسين، إلى ارتباط بالناس وتطوير الذوق العام، وعدم اعتزال الحياة الشعبية، والاقتراب من آلام الناس وآمالهم، ذلك أن كُتَّابَ المقال من جيل طه حسين "كانوا يعيشون مع الشعب، بل يعيشون بالشعب وللشعب. يعيشون لأنهم كانوا يعربون عن ذات نفسه، يصورون له آماله ليحرص عليها، ويجد في تحقيقها، ويفتحون له آفاقًا من الأمل ليسرع إليها ويمعن فيها، ويصورون آلامه ليبرأ منها ويضع عن نفسه أثقالها.. وأيسر القراءة فيما كانوا يكتبون تبيّن ذلك في غير لبسٍ ولا غموض، فهم الذين صوَّروا له الاستقلال وزينوه في قلبه، وهم الذين كرَّهوا إليه الاستبداد وأطمعوه في الحرية وأغروه بالإلحاح في طلبها، وهم الذين أعدوه للثورة وأسخطوه على حياة سيئة كان يحياها، وهيأوا ضميره ليسرع إلى الخير حين يدعى إليه، وينصرف عن الشر حين يُرَدُّ عنه، ويتقبَّل الإصلاح حين يعرض عليه. وهم قاوموا الاستبداد ولقوا في مقاومته ضروبًا من الأذى وفنونًا من النكر، وهم قوَّموا المعوَّجين من الحكام، وجدوا في صرف الشعب عنهم وتزهيده فيهم. فعلوا كل هذا وتقبَّل الشعب منهم ما فعلوا، واستجاب الشعب لهم حين دعوه واستمع لهم حين تحدثوا إليه. وآية ذلك أنه كان يقرأ لهم حين يكتبون، ويسمع لهم حين يخطبون ويتحدثون٣. ذلك أن ولاء هذه المدرسة -كما يقول طه حسين- يرتبط "بالبيئة المتحضِّرة التي يعش فيها الكاتب للجمهور وبالجمهور"٤ في نهاية الأمر.
_________________
(١) ١ الدكتور إبراهيم إمام: مرجع سبق ص٤٠. ٢ الدكتور طه حسين: مرجع سبق ص١٦٠. ٣ المرجع نفسه ص١٦١-١٦٣. ٤ الكاتب المصري، أكتوبر ١٩٤٥، مرجع سابق، ألوان ص١٧.
[ ١٠٧ ]
ومن ثمار هذا الفهم الجديد، اتجاه هذه المدرسة المقالية إلى درس الشعب وتعمُّق درسه، وعرض هذا الدرس، وإظهار الشعب على نفسه فيما تنتج له من الآثار١، الأمر الذي يجعل من لغة الاتصال بالشعب في المقال الصحفي لغة "المغزى والمعنى والأهمية؛ لأنها تقوم على الوظيفة الهادفة والوضوح والإشراق، بحيث تكاد تكون فنًّا تطبيقيًّا قائمًا بذاته. فالفن الصحفي تعبير اجتماعي شامل، ولغته ظاهرة مركبة خاضعة لكل مظاهر النشاط الثقافي إلى جانب السياسة والتجارة والاقتصاد والموضوعات العامة"٢. وهذه اللغة في مقال طه حسين هي لغة الفنّ الصحفي التي تقترب من لغة الأدب، وتمتاز بالسلاسة والواقعية والتبسيط، بحيث تحقق التقارب بين مستويات اللغة: العلمي والأدبي والعملي، على النحو الذي يدُلُّ على تجانس المجتمع، وتوازن طبقاته، وحيوية ثقافته، ومن ثَمَّ إلى تكامله وسلامته العقلية، فمن الثابت -كما يقول الدكتور إمام٣: إن العصور التي يسود فيها نوعٌ من التآلف بين هذه المستويات هي غالبًا أزهى العصور وأرقاها، ولقد حرصت البلاغة الجديدة في مقال طه حسين على تحقيق أمرين لا يرضى بدونهما٤:
الأول: أن يقوم المقال على نثرٍ فصيحٍ مستقيم اللفظ نقيِّ الأسلوب بريء من الابتذال، متحرر من أغلال البيان والبديع.
الثاني: أن يكون النثر، على كلِّ ما قدَّمْنَاه ملائمًا لذوق "الكثرة المطلقة من الذين يقرءون الصحف والكتب"٥، وأن يكون كذلك قيِّمًا في معناه كما هو قيّمٌ في لفظه أيضًا، ومعنى هذا أن الكثرة المطلقة من القراء عند طه حسين٦ تحرص في حياتها كلها على أمرين: تحرص على قديمها؛ لأنها لا تريد أن تمحو شخصيتها، وتحرص على الجديد؛ لأنها لا تريد أن تكون أقلَّ من الغرب علمًا ولا أدبًا ولا حضارة، وهذا النثر هو وحده -عند طه حسين- الملائم لهذا الذوق الجديد، وهذه الآمال الجديدة٧.
ولعلَّ في ذلك ما يضع البلاغة الجديدة التي ارتبطت بالمقال الصحفي عند طه حسين في إطارها الصحيح، ذلك أن كثيرين من المتأدبين لا يزالون يسيئون الظنَّ بالأسلوب الصحفي، وقد يزعمون أنه الأسلوب القريب من
_________________
(١) ١ الكاتب المصري، أكتوبر ١٩٤٥، مرجع سابق، ألوان ص١٧. ٢ الدكتور إبراهيم إمام: مرجع سبق ص٤٥، ٤٧، ٤١. ٣ الدكتور إبراهيم إمام: مرجع سبق ص٤٥، ٤٨، ٤١. ٤، ٥ الدكتور طه حسين: حافظ وشوقي ص٧٣. ٦، ٧ المرجع نفسه ص٧٣.
[ ١٠٨ ]
العامية لأنه كثيرًا ما يأخذ منها١، وقد يزعمون أنه الأسلوب الذي لا يخضع كثيرًا لقواعد اللغة والنحو٢، وقد يزعمون أنه الأسلوب الذي لا يتقَيَّد بالأذواق الأصيلة للغة الفصحى٣. وواقع الأمر أن الأسلوب الصحفي بريء من كل هذه الصفات، ذلك أنه الأسلوب الذي يستَمِدُّ بلاغته الحقيقية من الارتباط بالواقع، ومن الحياة العامة، ومن مخاطبته ألوف الألوف من القراء الذين لا بُدَّ لهم من فهمه جيدًا٤. فالواقعية إذن فضلًَا عن كونها من صفات الأسلوب الصحفي، مصدرٌ من مصادر القوة والبلاغة في هذا الأسلوب، ذلك أن براعة الكاتب الصحفي هي في أن يجعل القارئ شاهدًا من شهود العيان، وشريكًا له في الحكم على القضية السياسية أو الاجتماعية التي يعرضها في صحيفته٥. لهذه الأسباب وأمثالها يمكن النظر إلى الأسلوب الصحفي على أنه من الأساليب البليغة بالمفهوم القديم للبلاغة على أقل تقدير من أنها "مطابقة الكلام لمقتضى الحال".
وتأسيسًا على هذا الفهم، فإن بلاغة الاتصال بالجماهير، هي التي تذهب بطه حسين إلى تصحيح مفهوم اللغة وتحريرها من أغلالها القديمة "لتصبح منطلقة إلى غاياتها بلا أثقال، معبَّرة عن المعاني في يسر وسهولة، منتشرة بين أوسع رقعة من الناس، دون أن تحبس نفسها في دائرة ضيقة لا يفهمها إلا عدد من خاصة الخاصة"٦. ذلك أن طه حسين يريد للغة العربية أن تستجيب لحاجات العصر "وكل ما نريده لهذه اللغة هو أن تسلك سبيلها في الحياة والاستحالة"٧، ذلك أن اللغة -كذلك- ظاهرة "من ظواهر الاجتماع الإنساني، لم يصنعها فردٌ بعينه ولا جماعةٌ بعينها، وإنما اشتركت في وضعها الأمة التي تتكلمها"٨، وعلى ذلك يذهب طه حسين إلى ملاءمة اللغة "لنفسية الأمة وحاجاتها، والظروف التي تحيط بها"٩، فاللغة في حقيقة الأمر ليست إلّا "أثرًا لهذه النفسية والحاجات والظروف"١٠.
ومن أجل ذلك يذهب طه حسين إلى تحقيق التقارب بين المستويات اللغوية، تأسيسًا على أن "الذوق الأدبي العام لا يتغيَّر بتغيُّر مَنْ تتحدث إليه، وقد تختلف الرسائل عسرًا ويسرًا، وتختلف لينًا وشدة باختلاف مَنْ تتحدث إليه، فللصحف لغة وأساليب ليست للكتب التي يؤلفها العلماء للعلماء،
_________________
(١) ١، ٢، ٣ الدكتور عبد اللطيف حمزة: أدب المقالة جـ٨ ص٣٣٩، ٤٠٠. ٤ المرجع السابق ص٤٠١، ٤٠٢. ٥ المرجع السابق ص٤٠١، ٤٠٢. ٦ عبد المنعم الصاوي: مجلة الثقافة ديسمبر ١٩٧٣. ٧ السياسة في ٦ يونيو ١٩٢٣، حديث الأربعاء جـ٣ ص١٠-١٣. ٨ السياسة في ١٣ يونيو ١٩٢٣، المرجع السابق ص١٦. ٩، ١٠ السياسة في ٢٧ يونيو ١٩٢٣، المرجع السابق ص٣٣، ٣٤، ٣٥.
[ ١٠٩ ]
والأدباء للأدباء، ولكن ذلك شيء واختلاف الذوق شيء آخر، وهؤلاء كتاب أوربا وأدباؤها يتحدث بعضهم إلى بعض، ويتحدثون إلى جمهور الناس في الفرنسية أو الإنجليزية أو الألمانية، فلا يختلف الذوق الأدبي فيما يكتبون باختلاف القرَّاء، وإنما يؤثرون الوضوح والجلاء حينًا؛ فيطنبون ويسهبون ويصطنعون ألفاظًا ألفها الناس، ويؤثرون القصد والإيماء حينًا؛ فيوجزون ويتخيَّرون ألفاظًا منتقاة، والذوق هو الذوق، والكتابة هي الكتابة، وروح العصر الذي يعيشون فيه هو فيما يكتبون لنظرائهم، وفيما يكتبون لعامَّة الناس"١.
فالبلاغة الجديدة -إذن- في الاتصال بالجماهير عند طه حسين لا تتناول الألفاظ وحدها، وإنما تتناول الألفاظ والأساليب والمعاني و"فنون القول على اختلافهما. علينا أن نحتفظ بقواعد اللغة ونظمها العامة فلا نفسدها، ولكن علينا أن نخضع هذه اللغة لما نشعر ولما نجد، وأن نمنحها من المرونة ما يمكنها من أن تكون أداة صالحة لوصف ما نشعر وما نجد"٢.
وتأسيسًا على هذا الفهم، فإننا نحاول فيما يلي إيجاز الخصائص والسمات العامة لهذه البلاغة الجديدة في مقال طه حسين:
_________________
(١) ١ السياسة في ١٣ يونيو ١٩٢٣، المرجع السابق ص١٦. ٢ السياسة في ٢٧ يونيو ١٩٢٣، المرجع السابق ص٣٦.
[ ١١٠ ]