ومهما يكن من شيء فقد ساعد على فعالية هذه العوامل تخطيط سياسة الاحتلال الذي وضعه اللورد "دوفرين"١ وطبقة "كرومر" والذي تضمَّن: تَرْك شيء من الحرية النسبية للصحف تنفيسًا عما قد يعنُّ لمحرريها من آراءٍ وملاحظاتٍ قد تفيد منها سياسة الاحتلال -مع إغفال قانون المطبوعات٢، وتحقيقًا لهذه السياسة ذهب كرومر إلى أن تكون للاحتلال صحف تؤيد بقاءه صراحةً لا ضمنًا، وتدافع عن أعماله وترد على معارضيه، وفي مقدوره تأييدها ماديًّا وأدبيًّا، فأوعز إلى أصحاب "المقتطف" إنشاء صحيفة يومية سياسية تعبِّر عن المصالح البريطانية، كما كانت "الأهرام" تعبِّر عن المصالح الفرنسية، فتَقَدَّم يعقوب صروف وفارس نمَّر وشاهين مكاريوس إلى إدارة المطبوعات في ١٨ أبريل سنة ١٨٨٨ يرجون الترخيص لهم بإنشاء جريدة "المقطم"٣.
ومضت صحيفة "المقطم" منذ صدورها قبل مولد طه حسين بشهور، تؤيّد الاحتلال البريطاني وتشيد بسياسته، وتدافع عن صنائعه من المصريين، وتنتهز كل مناسبة للنَّيْل من الباب العالي، وفي ذلك تقول جريدة "الشعب" وهي تؤرِّخ للمقطم "أنه إنجليزي صرف، وكل أعمال الحكومة ممدوحة لديه، وهو يترجم ويطبع تقارير المعتمد"٤، كما هاجمت الخديوي عباس الثاني الذي أيَّدَ الوطنيين في بداية حكمه٥، ولعلَّ في ذلك ما يلقي الضوء على اتجاه الخديوي في نهاية القرن الماضي إلى كسب تأييد الرأي العام والوقوف في وجه المعتمد البريطاني، والرد على مفتريات الصحف الإنجليزية والفرنسية، فصدرت جريدة "المؤيد" في أول ديسمبر ١٨٨٩ لصاحبها السيد علي يوسف، للتعبير عن مصالح المصريين عامة، والخديوي خاصة، ولتتحدث بلسان حزب الإصلاح على المبادئ الدستورية٦.
وإذا كان التفكير الديني عند السيد علي يوسف يضفي عليه اتجاهًا سلفيًّا، فإنه كان كاتبًا مجددًا في المقال الصحفي تعبيرًا وأسلوبًا، ذلك أنه كان يصنع "صناعته" الصحفية ليتعلمها الناس منه، ولم يكن يتعلَّم تلك الصناعة على أساتذتها في الشرق والغرب، ولا على أدواتها التي تمليها عليه٥؛ فالسيد علي يوسف يكتب مادة "صحفية صحيحة بكل ما تحمل هذه الكلمة من
_________________
(١) ١، ٢ Young Egypt. p.p. ١٥٠-١٥١. ٣ الدكتور إبراهيم إمام: دراسات في الفن الصحفي ص٢٢. ٣، ٤ الشعب: في ٨ مايو ١٩١٢، الدكتور إبراهيم عبده: تطور الصحافة ص١٤٩، ١٥١. ٥ الدكتور إبراهيم إمام: مرجع سابق ص٢٢. ٦ عباس محمود العقاد: رجال عرفتهم ص١٣، ١٤.
[ ٣٩ ]
معنى"١ مستحدثًا في الأسلوب العربي ما يسمى بالأسلوب السياسي٢، بحيث يمكن القول أن مقال السيد علي يوسف يضع البداية الفاصلة بين فنِّ المقال الصحفي وفنِّ المقال الأدبي، فكان رائدًا لمن أتوا بعده من كبار الصحفيين٣.
على أن المضمون السياسي في مقال علي يوسف، يمثِّلُ اتجاهًا من اتجاهات الحركة الوطنية في عهد الاحتلال، يتجه إلى تأييد الخديو من جهة، والدعوة إلى الرأي المحافظ من جهة أخرى، كما يذهب إلى ذلك تشارلس آدمس. فالفرق بين الزعيم مصطفى كامل وعلي يوسف هو "الفرق بين السياسة القومية وسياسة القصر والحاشية الخديوية، أو الفرق بين الخطيب المنطلق والكاتب الحصيف٤".
وتأسيسًا على هذا الفهم نَتَلَمَّسُ اتجاهين إلى جانب هذا الاتجاه المحافظ، غلبا على الحركة الوطنية في عهد الاحتلال، اتجاه حماسي متطرِّفٌ في عداوته للاحتلال، وآخر معتدل٥ لا ينكر التعاون مع الإنجليز والسير معهم لتحقيق المصلحة العامة للبلاد، ورأي يقول: إنه لا أمل في الإصلاح الحقيقي إلا بزوال الاحتلال، وآخر يقول: إن الإصلاح الحقيقي الداخلي هو وسيلة الجلاء٦، وكان على الاتجاه الأول والرأي الأول مصطفى كامل وشيعته، وعلى الاتجاه الثاني جماعة من الأعيان المصريين وبعض "حصفاء" الثورة العرابية٧ الذين شهدوا تذبذب السياسة الفرنسية والسياسة العثمانية قبل الاحتلال، فاستقاموا على الطريق الممهَّد لهم من تزويد الأمة بعد العلم والإصلاح الداخلي٨.
وفي الاتجاه الثاني -الاتجاه المعتدل- سارت "الجريدة" فحملت عبء الدفاع عن الرأي الذي يقول بأن الإصلاح الداخلي بالتعاون مع الاحتلال هو أقوم السبل إلى تحقيق الاستقلال٩، كما سار فيه غير أصحاب الجريدة ممَّن تفاوتت درجات اعتدالهم وتعاونهم مع الاحتلال وآمالهم في الإصلاح١٠، في حين دعا مصطفى كامل إلى وضع حَدٍّ للاحتلال البريطاني، ورأى إمكان تحقيق ذلك بمساعدة دولة ثالثة، وهي إما فرنسا الخصم التقليدي لانجلترا
_________________
(١) ١، ٢ الدكتور عبد اللطيف حمزة: أدب المقالة جـ٤ ص٢٢٥، ٢٣٨. ٣ الدكتور إبراهيم إمام: نفس المرجع ص٣٠٠. ٤ عباس محمود العقاد: المرجع ص١. ٥ Lord Loyd: V.I. p. ٥٠. ٦ أحمد أمين: زعماء الإصلاح ص٣١٣، تشارلس آدمس: الإسلام والتجديد ص٢١٠، الدكتور حسين فوزي النجار: الجريدة ص٨٠. ٧ عباس العقاد: سعد زغلول ص٩٠. ٨ الدكتور حسين فوزي النجار: المرجع السابق ص٨٠. ٩، ١٠ الدكتور حسين فوزي النجار: نفس المرجع، تشارلس آدمس نفس المرجع ص١٩٦-٢١٤.
[ ٤٠ ]
في الشرق الأدنى، أو السلطان العثماني. وأعتقد أيضًا أن مصر أمة واحدة، لكنها جزء من عالم أكبر، لا بل من عدة عوالم: العثماني والمسلم والشرقي، كما أعتقد أنه عليها أن تؤدي علاقاتها مع كلٍّ من هذه العوالم الثلاثة١.
وقد نشر هذه الأفكار خطابة وكتابة، فكان خطيبًا مفوهًا وصفيًّا ناجحًا، ويعزى إليه الفضل في إنشاء ثاني صحيفة مصرية في سنة ١٩٠٠ هي صحيفة "اللواء"، بعد أن كان السيد علي يوسف قد أنشأ "المؤيد" في ١٨٨٩، حين كانت معظم الصحف بأيدي السوريين٢، كما أصدر اللواء في طبعتين: إنجليزية وفرنسية، وأكسبته أفكاره وبلاغته وصحفه نفوذًا لدى الشباب المثقَّف، على أن ما أكسبه النفوذ السياسي المباشِر هو تأييد الخديو له وصلته به٣، ذلك أن عباس حلمي بخلاف سلفه توفيق الذي حماه الإنجليز من الثورة وثبَّتوا عرشه، فكان عن ضرورة وعن ضعف، آلةً طيعةً في يد كرومر، أما عباس فكان شابًّا يكره الائتمار بأوامر رجل مسنٍّ، ويرغب في أن يحكم بنفسه، ولكنَّ انجلترا تذرَّعت بصغر سنه ونادت صحفها٤ بأن ارتقاء الخديو الشاب عرش مصر يجعل بقاء الاحتلال أكثر ضرورة من أي وقت، فلا يجوز منذ الآن الكلام عن الجلاء"، ووجد عباس في مصطفى كامل أداةً مفيدةً للحدِّ من سلطة كرومر، كما وجد فيه مصطفى كامل وسيلة لتحقيق غايته الوطنية، وظنَّ "كلٌّ منهما أنه يستخدم الآخر"٥ إلّا أن هذا التحالف أخذ يضعف تدريجيًّا ببروز نقاط الضعف في هذه السياسة. فانخذال فرنسا في فاشودة، في ١٨٩٨، والاتفاق الودي في ١٩٠٤، جعلا من الصعب التصديق أن بإمكان فرنسا دعم الوطنيين في مصر٦. فاتجه الخديو بعد سنة ١٩٠٤ في اتجاه التقرب من الإنجليز، إذ أصبح ذلك في الإمكان بعد عزل كرومر ومجيء جورست خلفًا له، وكان مصطفى كامل قد انتهى إلى الاعتقاد بأن اهتمام الخديو عباس بسلطته الخاصة كان أشد من اهتمامه باستقلال مصر٧.
على أن نمو طبقة الطلاب قد أتاح لمصطفى كامل مجالًا واسعًا للخطابة والكتابة، كما أن حادث دنشواي قد فجَّرَ الشعور بالمقاومة الوطنية، وترك "في الشعور العام تأثيرًا عميقًا"٨ على نحوٍ يصوره قاسم أمين أبلغ تصوير
_________________
(١) ١ألبرت حوراني: الفكر العربي في عصر النهضة ص٢٤٢، ٢٤٣. ٢، ٣ ألبرت حوراني: الفكر العربي في عصر النهضة ص٢٤٢، ٢٤٣. ٤ البول مول جازيت، عبد الرحمن الرافعي: مصطفى كامل ص٢١٤. ٥، ٦، ٧ ألبرت حوراني: المرجع السابق ص٢٤٣. ٨ المرجع نفسه ص٢٤٤، أحمد أمين: حياتي ص٧٩.
[ ٤١ ]
"ولكن هذا الإخاء في الشعور بقي مكتومًا في النفوس لم يجد سبيلًا يخرج منه فلم يبرز بروزًا واضحًا حتى يراه كل إنسان".
ولم يلبث هذا الشعور العام بالإضافة إلى تخفيف شدة الرقابة تنفيذًا لتوصية دوفرين، أن ظهرت آثار ذلك جميعًا في ازدهار المقال الصحفي وارتباطه بالرأي العام، الذي غدا بدوره ظاهرة لفتت كُتَّاب المقال وعُنُوا بتعميقه وتطويره، وذهب لطفي السيد إلى أن "الرأي العام للأمة إذا لم يكن منطبقًا على الحق والعدل في ذاتهما، فإنه على الأقل منطبق على الحق والعدل على الوجه الذي به تفهمها الأمة وتحتملها"١. ذلك أن الرأي العام في مصر منذ عصر إسماعيل قد ضعف "لحداثة سنه من جهة، ولقوة الحكومة الظالمة من جهة أخرى، إلَّا أن ضعفه لم يمنعه من النموِّ والارتقاء يومًا فيومًا، تبعًا لقواعد الرقي التدريجي، فكانت كل حادثة من الحوادث السياسية، من شأنها أن تقوي ساعده وتَشُدُّ عضده للبقاء، حتى صار اليوم على ما نراه عليه"٢ فالمصريون من يوم أن بدأوا التعليم على الطريقة الغربية، أخذوا يطمعون في حكومة دستورية متمدنة، وأخذوا يتذمرون سرًّا من احتكار الشراكسة للوظائف العسكرية، حتى بلغ الرأي العام أشده إبَّان الثورة العرابية التي انتهزها الإنجليز سببًا لاحتلال مصر٣.
أما ظهور هذا الرأي العام ظهورًا جليًّا أمام أعين الأوربيين، فإنه لم يبتدئ إلا مع حرية الصحافة المصرية، التي لم تنتشر إلّا في عهد الاحتلال، وصار انتشارها أعمّ في أزمنة سياسة الخلاف بين القصر والإنجليز. وينكر لطفي السيد أن الصحافة المصرية خلقت رأيًا عامًّا كاذبًا، كما يزعم كرومر٤. "فماذا كان ذنب هذه الصحافة المصرية، التي هي البقية الباقية للمصريين من ميراث الحرية الذي ورثوه عن أبويهم: آدم وحواء؟ "٥.
على أن اتجاهات الرأي العام في تلك الفترة تصبغ الوطنية بصبغتين متميزتين مختلفتين، إحداهما تتجه إلى الجامعة الإسلامية٦ وتتمسك بالرابطة العثمانية٧، والثانية تتجه إلى ما عُرِفَ حينذاك بالجامعة المصرية وهو الاصطلاح السائد في ذلك الوقت للتعبير عن القومية المصرية٨، وكانت فكرة ناتئة لم تتبلور بعد في الأذهان٩ انتقلت إلى مصر مع ما انتقل
_________________
(١) ١، ٢، ٣ أحمد لطفي السيد "الرأي العام"، الجريدة في ١١ يولية ١٩٠٨ المنتخبات جـ١ ص٢٨ وما بعدها. ٤، ٥ المرجع نفسه. ٦ الجريدة في أول سبتمبر ١٩٢١، المنتخبات جـ١ ص٣٠٨. ٧، ٨، ٩ م. محمد حسين: الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر المقدمة جـ، عَرَّبَتْ المقطم عبارة Nationalism في تقرير كرومر ١٩٠٦ بعبارة الجامعة الوطنية المصرية، واستعملها لطفي السيد في كل كتاباته.
[ ٤٢ ]
إليها من الغرب، متأثرة في ذلك بالاتجاهات القومية التي سادت في أوربا في القرن الماضي١، وقد اختلطت الفكرتان اختلاطًا شديدًا منذ البداية، فقد أصرَّ الطهطاوي على وجود ولائين: الأول تجاه مَنْ يدينون بالدين الواحد، والآخر تجاه المواطنين، كما في دولة الفقهاء الإسلامية المثلى٢، لكن فكرة "الوطن" الفرنسية كانت قد انتصرت في مصر بعد وفاته، في رحلة البحث الحديث عن الوطن المصري، وكان من مظاهر انتشارها إنشاء إحدى الصحف الكبرى الأولى في سنة ١٨٧٧ باسم "الوطن"، وعندما وضع حسين المرصفي كتيبًا في ١٨٨٩، لشرح "بعض المفردات الشائعة على ألسنة الناس" أدخل كلمات: "الوطن" و"الأمة" في عداد تلك المفردات؛ كالحرية والعدالة والظلم والسياسة والحكومة والتربية، حسب مفاهيم عصره، فالأمة مثلًا، في مفهومه معنًى أوسع بكثير من المعنى الديني٣، ومن ذلك ما أخذه الأستاذ الإمام على عرابي من "جهلٍ لحقيقة معنى الكلمات التي كان يستعملها"٤ ويتجلى خلال تلك الفترة التي لعبت فيها الصحافة التوجيهية دورًا مهمًّا في الحياة السياسية المصرية، وبرزت "شخصية الصحفي السياسي كشخصية رئيسية في العصر الحديث، وهو الذي عُنِيَ خصوصًا لا بنشر الآراء فحسب، بل بمهارته في استعمال اللغة، بإثارة المشاعر الجيَّاشة"٥.
على أن مفهوم القومية المصرية لم ينفصل تمامًا عن الجامعة الإسلامية، إلّا بعد الحرب الأولى وانهيار الإمبراطورية العثمانية، ثم سقوط الخلافة بعد ذلك، ذلك أن هذا الانفصال لم يتم إلّا تدريجيًّا بعد أن أخذت معالمه تنمو وتتضح منذ بداية القرن العشرين٦.
ومن ذلك تبين أن العلاقة بين الصحافة والرأي العام، قد لعبت دورًا أساسيًّا في تحديد مفهوم القومية المصرية، فلم تظهر "الأحزاب السياسية المنظمة"٧ إلّا من دور الصحف كتجسيدٍ ماديٍّ لآرائها التي كانت تدافع عن قضية البلاد٨؛ فتأسَّسَ الحزب الوطني ليُجَسِّدَ آراء واتجاهات صحيفة
_________________
(١) ١ المرجع نفسه ص٦٠، ٥١. ٢ المرجع السابق ص٦٠، ٥١. ٣ ألبرت حوراني: مرجع سابق ص٢٣٥. ٤ حسين والمرصفي الكليم الثمان ١٨٦٩ ص٢. ٥ ألبرت حوراني: مرجع سابق ص٢٣٦. ٦ م. محمد حسين: مرجع سابق ص٦٣-٦٤. ٧ ألبرت حوراني: نفس المرجع ص٢٤٤. ٨ الدكتور إبراهيم إمام: دراسات في الفن الصحفي ص٢٢، ١٧٤.
[ ٤٣ ]
"اللواء"، كما جسَّدَ حزب الإصلاح على المبادئ الدستورية اتجاه "المؤيد"، وخرج حزب الأمة أساسًا من "الجريدة"، وكان لطفي السيد مديرها وسكرتير الحزب هو المعبِّر الحقيقي عن آرائه.
ونخلص من ذلك إلى أنَّ المحوْرَ القومي في الحياة السياسية، وتحديد مفهوم القومية المصرية، من أهم الأمور في تطوُّرِ المقال الصحفي في مصر، تأسيسًا على أن ظهور المقال الصحفي الأوربيّ يرتبط كذلك بظهور القوميات المنسلخة عن العالم المسيحي الموحَّدِ، ولقد تصادَف أن تتزامن حركة الانفصال عن الخلافة العثمانية مع تحديد مفهوم المقال الصحفي في مصر١.
_________________
(١) ١ الدكتور إبراهيم إمام، دراسات في الفن الصحفي ص٢٢، ١٧٤.
[ ٤٤ ]