كان للبنانيين، وخاصة رجال المدرسة السورية المتمصرة، أثر كبير في نشأة المجلة العربية وتطورها. فقد عرف لبنان المجلات في وقت مبكر من تاريخ نهضته؛ فظهرت "الجنان" و"الزهرة" و"المهماز" و"النحلة" سنة ١٨٧٠، و"النجاح" سنة ١٨٧١، و"المقتطف" سنة ١٨٧٦، و"المشكاة" سنة ١٨٧٨، و"الجامعة"، سنة ١٨٩٤، و"المشرق" سنة ١٨٩٨، وسواها من مجلات القرن الماضي. وقد كانت "الجنان" بحق رائد المجلات العربية قاطبة؛ إذ إنها وضعت الأسس التي سارت عليها تلك المجلات فيما بعد، فالمقتطف، فيما يبدو لي، اقتبس خطتها ووسعها وتصرف فيها متعمدا على ذلك النبع الثر من ثقافة منشئية.
وفي مصر كان للبنانيين أثر كبير في نشأة المجلات الثقافية والعلمية، وتطويرها وتهذيب أسلوبها. فقد أنشأ فيها لويس الصابونجي "النحلة الحرة" "١٨٧١"، وأنشأ خليل اليازجي "مرآة الشرق" "١٨٨٢"،
[ ٦٠ ]
وميخائيل جرجس عورا "الحضارة" "١٨٨٢"، والدكتور شبلي الشميل "الشفاء" "١٨٨٦"، وشاهين مكاريوس "اللطائف" "١٨٨٦"، وانتقلت إليها المقتطف سنة ١٨٨٥، وأصدر زيدان مجلة "الهلال" سنة ١٨٩٢. وبعد ذلك أنشأ شاكر شقير "الكنانة"، وأنشأ إبراهيم اليازجي "البيان" و"الضياء". وقد أصدر عدد من الأدباء المصريين مجلات عدة كانوا ينهجون فيها نهج المدرسة السورية المتمصرة، من حيث التنسيق والتحرير والكتابة.
والحقيقة أن المصريين لم ينتبهوا إلى أثر المجلة وأهميتها في النهضة الأدبية والاجتماعية، إلا بعد الثورة المصرية، التي انضجت بذور الوعي القومي في نفوس المصريين، ولهذا رأينا إقبالا كبيرا عليها في ذلك العهد. وقد امتازت المجلة آنذاك بالتخصص، فأصبح لكل فن من الفنون، ولكل فرع من فروع الصناعة مجلة خاصة، إلا أن هنالك بعض المجلات الأدبية التي غنيت بالمقالة الأدبية ومن أهمها: "الزهراء" و"الجديد" و"السياسة الأسبوعية" و"البلاغة الأسبوعي" و"الناقد" و"الرسالة" و"الفجر" و"المجلة الجديدة" و"أبولو" و"الشباب" و"الثقافة و"الكتاب المصري" و"الكتاب".
عرضنا في ما ضي لأثر الصحف اليومية في تطور المقالة الأدبية ونهضتها، إلا أن أثر المجلة كان أعظم شأنا. فالمجلة بطبيعة حجمها، ومواعيد صدورها، تحتمل من الجد والإسهاب أكثر مما تحتمل الصحيفة اليومية. ثم إن غايتها تختلف عن غاية الصحيفة، نجد أن المجلة تعني بالثقافة والأدب في المقام الأول.
ومن أهم المجلات التي لعبت دورا خطيرا في نهضتها الأدبية مجلة
[ ٦١ ]
"المقتطف"، التي وضعت أسس المنهج العلمي في الكتابة والتفكير. في العالم العربي. وكانت في طورها الأول الذي ينتهي بوفاة الدكتور يعقوب صروف، أكثر تعلقا بالأبحاث العلمية، ثم حدث فيها التوازن بين العلم والأدب حين تولى تحريرها الأستاذ فؤاد صروف، وكذلك "الهلال"، التي احتفظت بطابع البحث العلمي في التاريخ والأدب، على عهد منشئها، ثم مالت إلى التنويع، واجتذبت عددا كبيرا من كتاب الشرق العربي، بعد وفاته سنة ١٩١٤.
أما المجلات الحديثة، فقد نشأت نتيجة للصراع بين الأحزاب، فعندما أصدرت "السياسة" محلقها الأدبي "السياسة الأسبوعية" في ١٩ آذار "مارس" سنة ١٩٢٦، تبعتها "البلاغ" وأصدرت "البلاغ الأسبوعي" في ٢٦ من تشرين الثاني "نوفمبر" من ذلك العام. وكان لهاتين المجلتين خدمات لا تنكر. فعلى صفحات "السياسة الأسبوعية" قرأنا أول دعوة للأدب القومي المصري، وقرأنا مقالات طه حسين في الأدب والنقد وصورة البشري التي سماها "في المرآة". وقرأنا مقالات محمد حسين هيكل النقدية والتاريخية والاجتماعية، وقرأنا لعدد كبير من كتاب النهضة. وفي البلاغ الأسبوعي، دخل العقاد طورا جديدا من حياته الأدبية بعد الطور الأول الذي قطعه في "البيان" و"الجريدة" وقرأنا قصص السباعي ومقالاته الأدبية.
ثم مالت المجلات إلى التخصص، فخرجت "الرسالة" سنة ١٩٣٣، وأسهم في تحريرها طه حسين وأعضاء لجنة التأليف والترجمة والنشر الذين استقلوا سنة ١٩٣٩ بمجلتهم "الثقافة". وفي نهاية الحرب صدرت بعض المجلات الأدبية الرصينة، التي كادت تنسخ أثر الرسالة والثقافة والمقتطف والهلال، ومنها الكاتب المصري
[ ٦٢ ]
"١٩٤٥-١٩٤٨" التي تولى تحريرها الدكتور طه حسين، والكتاب "١٩٤٥-١٩٥٣" التي أصدرتها دار المعارف وتولى تحريرها عادل الغضبان.
وفي لبنان، عدا ما ذكرنا من مجلات القرن الماضي، نجد أن المجلة الأدبية تقفز قفزة هائلة بين الحربين، ومن أهم المجلات التي ظهرت في هذا الطور: "المرأة الجديدة" "١٩٢١"، و"منيرفا" "١٩٢٣" وهما نسائيان، و"الكشاف" و"المعرض" و"الجمهور" و"المكشوف" و"الأديب" وسواها. وقد كان لهذه المجلات أثر كبير في تطوير المقالة الأدبية، وكانت في اتجاهها العام أميل إلى المقالة الأدبية والنقدية، منها إلى المقالة الذاتية.
وفي سائر أقطار العالم العربي، سارت الصحف والمجلات سيرتها في مصر ولبنان، وقد كان هذان القطران، وما يزالان عنوان النهضة الأدبية الحديثة، فلا عجب إذا رأينا هذه الأقطار تقلدهما في الصحافة والأدب بوجه عام.
ونستطيع بعد هذا العرض التاريخي لحركة المجلات في لبنان ومصر، أن نوجز أثر المجلة في تطور المقالة بما يلي:
١- تطوير اللغة وتهذيب أسلوب الكتابة بحيث أصبح أداة مواتية لنقل الأفكار الحديثة.
٢- اتساع صفحاتها لنشر مختلف أنواع المقالة من ذاتية وموضوعية.
٣- خلق طبقة من الكتاب الذين عنوا بفن المقالة وجعلوها الوسيلة الأولى لنقل أفكارهم وإذاعة آرائهم. وقد برز من هؤلاء أعلام المدرسة الأدبية الحديثة في مصر ولبنان.
[ ٦٣ ]