ولكن على الرغم من تأثر باكون في مقالاته بمونتين واقتدائه به في الصياغة والمحتوى وعناوين بعض المقالات، نجد أن بينهما فروقا أساسية تعزى في الأكثر إلى ما بينها من تباين من حيث الشخصية والمنزع الأدبي فمن حيث الصياغة والقالب، نجد أن مقالة باكون أدنى إلى القصر، وأشد إحكاما وأدق تصميما وأكثر اقترابا من الموضوعية. أما من حيث المحتوى، فإن غاية باكون كانت عملية؛ إذ كان يرمي من وراء هذه المقالات إلى تقديم بعض النصائح العملية لهؤلاء الذي تتطلع نفوسهم إلى العمل في البلاط، أو في مناصب الدولة العليا. وهي من هذه الناحية، تشبه إلى حد كبير تلك النصائح التي كان يوجهها الأدباء والكتاب إلى الناشئين من الكتاب ليتيسر لهم الاضطلاع بأعمالهم في خدمة الخلفاء على الوجه الأكمل. ومن هذا القبيل رسالة عبد الحميد المشهورة، وتلك الرسائل والكتب التي تدور حول أدب الكتاب في الإنشاء والسلوك.
ونجد مصداق ذلك، في العنوان الذي توج به مجموعة مقالاته التي نشرها سنة ١٦٢٥م. فقد دعاها "مقالات أو نصائح مدنية وخلقية". وهذا يعني أنه أراد من كتابه هذا، أن يكون دليلا أدبيا وسياسيا للناشئة من رجال البلاط أو رجال السياسة. ونستطيع أن ندرك غاية باكون تمام الإدراك، من تلك العناية الفائقة التي بذلها في مقالاته الاجتماعية والمدنية،
[ ٣٦ ]
كمقالاته عن فائدة الزواج والعزوبة للرجال الذين يتولون المناصب العامة، وعن الرسائل التي تيسر الوصول إلى المناصب الرفيعة، وعن أحسن الوسائل لمعاملة الرعية الثائرة، وعن أثر السفر في تهذيب الرجال، وما إلى ذلك من المقالات التي تذكرنا بمقالات ابن المقفع في صحابة الخلفاء، وأدب الحاشية وواجبات الخليفة.
ونستطيع أن نوجز ما مضى بقولنا: إن باكون الذي أفاد من مقالات مونتين، فائدة ظاهرة، استطاع أن يأتي بجديد في هذا الفن الناشئ١.
_________________
(١) ١ راجع تفصيل تأثر باكون بمونتين في كتاب Upham المشار إليه سابقا.
[ ٣٧ ]