الفصل الأول: "ماهية المقال الصحفي وقصته"
يمثل "المقال الصحفي"١ بتعدد أنماطه، وبكثرة أشكاله، المادة التحريرية الصحفية الأكثر أهمية، وإيجابية، وفعالية، عند "كبريات" الصحف العالمية، والعربية وتمثل صفحاته وأركانه وأعمدته وسطوره وكلماته الدليل المادي، والفكري، على حياة الصحيفة وقيامها بمسئوليتها الوطنية والاجتماعية بطريقة مباشرة. ومن ثم على أثرها وتأثيرها في مجريات الأمور، وعلى قيامها بالدور الذي ينبغي أن تقوم به خدمة لقرائها، وهو هنا دور واضح، ومتميز.. وإيجابي وفعال أيضا.
وما ذلك كله إلا لأن هذا الفن التحريري الصحفي، إنما يمثل عن حق -وكما قال عنه قدامى الكتاب الصحفيين- عقل الجريدة والمجلة، ومن هنا، فإنهما عندما يقدمان إلى قارئهما مقالا من المقالات، فهما يقدمان "آية" ذلك العقل، وصورة من صوره، وأثرا من آثاره، أو -في أسلوب آخر- تقدم الصحيفة بنشرها للمقال على أي شكل من أشكاله رسالة من عقلها إلى عقل قارئها، لينقلها عقل القارئ بعد ذلك إلى مراكز شعوره وإدراكه، وليحس بها في النهاية كل الإحساس..
وما دام المقال رسالة من العقل إلى العقل، فهو الأكثر رقيا، واقترابا من طابع الإنسان الذي ميزه الله بالعقل، وهو أيضا دعوة إلى التفكير والتدبير والتنفيذ والتصرف ومن هنا أيضا كانت "قيمة" وكان "مستوى" وكان "أثر" تلك الصحف التي تحرص على نشره، ونظرة واحدة إلى تاريخ الصحافة العالمية أو العربية، لتؤكد عظم الدور الذي قام به المقال، وكتابه ومحرروه.. وصحفه ومجلاته وحيث أضافت إلى دور "السجل الأمين لأحداث العصر ووقائعه" أدوار
_________________
(١) ١ Article.
[ ٨ ]
الرصد والتفسير والتحليل واستخلاص النتائج، لهذه الأحداث نفسها وكذا للاتجاهات والآراء والمواقف والقضايا.. تلك التي تصنع وتقود وتوجه الأحداث نفسها على يد كتابها.. هؤلاء الذين كانوا زعماء للفكر والإصلاح معا، والذين نهض العالم كله على أيديهم، وحقق ما حققه من تطور.. وحيث كان لمقالاتهم النقدية والفلسفية والعلمية والاجتماعية والسياسية والدينية والتاريخية والوطنية.. كان لها أبعد الأثر وأعمقه في فكر أمة بأكملها، في عصر بأكمله..
ومن هنا أيضا كان حرص الصحف "الأكثر احتراما والأكثر استشعارا لدورها الوطني والاجتماعي" على أن يقوم كتابها -من داخل أسرتها أو خارجها- بتحرير المقالات ونشرها، متوجهة بها نحو قارئها.. إلى "عقله" أولا، ليقبل عليها في البداية، وفي المحل الأول دائما، ذلك العدد من القراء "العقلاء أولا" الذين يرون الأمور بعقلهم، ويتعهدونها بفكرهم ويكون للعقل دوره في حركاتهم وسكناتهم وجميع تصرفاتهم التي بها يسود كل منهم ويحرز التفوق وبها يتقدم الصفوف قبل غيره من الذين يقدمون العاطفة، أو يتبعونها أو يبحثون عما يخاطبها من المواد..
وليس معنى ذلك -بالطبع- أن المقال الصحفي لا يعترف بالعواطف، ولا مكان فيه أو عند كتابه للإحساسات والمشاعر، وإنما معناه أنه -المقال الصحفي- يخاطب العقل أولا ويتخذ من مخاطبته له طريقا إلى مخاطبة العواطف السامية والاتقاء بالإحساسات النبيلة، كل ذلك عن طريق دعوته إلى إعمال الفهم، ودفع الفكر، وتفسير المحسوس، وشرح المؤثر والربط بين هذه كلها، وبين الفكرة التي يتناولها، والنتيجة التي يمكن أن يصل إليها.
وليس معنى ذلك أيضا.. أن فنون التحرير الصحفي الأخرى، وأن أشكاله وأنماطه المتعددة كالخبر والموضوع الإخباري والقصة الإخبارية والحديث والتحقيق والتقرير والماجري.. تقتصر على مخاطبة العواطف والإحساسات وحدهما ولا تخاطب العقل، وإنما معناه أن هذه الفنون تخاطب العقل والعاطفة معا، ولكن فنون الخبر تخاطب العقل من خلال "ما هو كائن" أو "ما هو جار" وكذلك من خلال "ما يمكن أن يحدث أو ما يمكن أن يجري".. ثم تتوقف عند ذلك، لتخطو الفنون الأخرى خطوة إيجابية، أو أكثر من خطوة تؤكد رؤية المحرر وذاتيته وكيانه وتعكس فكره ورأيه وموقفه.. ولكنها -وبعضها كالتحقيق الصحفي
[ ٩ ]
يعتبر عند عدد من العلماء نوعا من أنواع المقالات الوصفية أو الموضوعية أو مقالات المجلة بمعناها الشامل- تتوقف عند هذه الخطوات في أغلب الأحوال، ولا تواصل الشوط حتى النهاية.. شوط الخروج من دائرة وحدود "ما هو كائن".. إلى عمق وجوهر: "ما يجب أن يكون" بما يتصل بذلك من تفسير لما هو كان وتحليل له، وتوقع واستكشاف وتحذير ودعوة واستقطاب وهجوم ورد. وما إلى ذلك كله من أمر أكثر إيجابية، أكثر مضيا في دعوتها إلى أعمال الفكر واتخاذ المواقف، ودعوة إلى التغيير أيضا، وهو ما لا يمكن أن تقدمه المادة الإخبارية البحتة، على أي شكل من أشكالها وما يمكن أن تقدمه "بقدر" وبقدر محسوب، الفنون الأخرى التالية للخبر.. باستثناء فن المقال الصحفي طبعا.. الذي يقف كتابه عند قمة "الهرم الصحفي" بما وصلوا إليه خلال مسيرتهم الطويلة، أو خلال طريق الصعود إلى القمة، من تمرس بالتفكير، وتمرس بالتعبير أنتجا ما يتاح لهما مما لا يتاح لغيرهما من حرية مخاطبة القارئ والتوجه إلى عقله وإلى فكره بغية التأثير الإيجابي عليه، وعلى إدراكه، ومن ثم على دوافعه وسلوكياته كلها في النهاية.. من تصرفات وتحولات ومواقف مختلفة، يتفاعل خلالها من أحداث مجتمعه الصغير أو الكبير أو هما معا.. بتأثير مقال من المقالات التي سنتعرض لها خلال الصفحات القادمة بإذن الله.
وإذا كان للمقال الصحفي كل هذه الخطورة، وإذا كنا سوف نعود مرة أخرى -بإذن الله- إلى تناول مهامه ووظائفه.. فقد حان الوقت للتعريف به وبماهيته، وبقصته أيضا.
[ ١٠ ]